«فار»... بين صائدي الأخطاء والمعترفين بفضله في تحسين قرارات الحكام

«فار»... بين صائدي الأخطاء والمعترفين بفضله في تحسين قرارات الحكام

انقسام آراء المتخصصين والجماهير ما زال مستمراً حول تقنية حكم الفيديو المساعد
الأحد - 10 صفر 1442 هـ - 27 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15279]

خلال فترة الألم والمرارة التي أعقبت هزيمة مانشستر يونايتد أمام كريستال بالاس بنتيجة 3 - 1، أطلق باتريك إيفرا تحذيراً صادماً عبر شاشة «سكاي سبورتس». وأكد غاضباً أن استخدام تقنية حكم الفيديو المساعد (فار) «تقتل كرة القدم»، قبل أن يضيف أنه لو كان ما يزال يلعب الكرة، لكان جرى نحو جهاز المراقبة القائم بجوار الملعب وحطمه. ويعتبر هذا ثاني تصريح صادم يطلقه أحد المعلقين المعنيين بكرة القدم في الجولة الثانية من الدوري الإنجليزي الممتاز. كان المذيع السابق لبرنامج «606» الإذاعي، داني بيكر قد خرج لجمهوره عبر «تويتر» ليندد بـ«الحمقى المجهولين» الذين أرسوا هذه «القواعد الجديدة»، قبل أن يطلق تأكيداً مثيراً للدهشة حول أن: «هذه الحقبة من تاريخ كرة القدم خرجت عن السيطرة. وسيجري النظر إلى شرعية نتائج مباراة هذه الفترة تماماً مثلما يحدث مع المباريات التي جرت وقت الحرب».

من زاوية ما، يبدو هذا أمراً إيجابياً، ذلك أنه في خضم تفشي وباء عالمي وتداعي الأوضاع الاقتصادية والتهديدات بإلغاء احتفالات الكريسماس، ما تزال كرة القدم على حالها دونما تغيير: تغالي في ردود الفعل وترتاب تجاه أي تغيير. حتى غاري نيفيل وصف قرار معاقبة ديفيد دي خيا لتجاوزه خط المرمى بعد إنقاذه ركلة جزاء أطلقها جوردون أيو «فضيحة كاملة». وبذلك نعاين موقفاً يلتقي فيه التقليد الجديد لكرة القدم التقليد القديم. بطبيعة الحال، فإن تأكيد بيكر أن القوانين وضعها حمقى مجهولو الهوية لا يفهمون الكرة، من السهل للغاية دحضه، خاصة أن مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي يحدد قواعد كرة القدم للمحترفين، يضم بين أعضائه صانعي القرار لويس فيغو وزفونيمير بوبان. ومع ذلك، تعكس الانتقادات التي وجهها إيفرا لـ«فار» حالة مزاجية سائدة على نطاق واسع يغلب عليها الشك والريبة تجاه الاعتماد على التكنولوجيا. على سبيل المثال، في الأسبوع قبل الماضي، كشف استطلاع للرأي أجراه موقع «يوغوف» بين مشجعين لكرة القدم أن 49 في المائة فقط يشعرون بأن «فار» كان له فضل في تحسين مستوى قرارات الحكام، بينما قال 25 في المائة إن التقنية الجديدة زادت الأوضاع سوءا. وأعرب 24 في المائة عن اعتقادهم بأنها لم تحدث اختلافاً.

ومع ذلك، كان إيفرا على خطأ، والعلم يثبت ذلك. على سبيل المثال، جرى نشر أكبر دراسة أجريت حتى اليوم حول تقنية «فار»، الشهر الماضي، في «دورية العلوم الرياضية» (جورنال أوف سبورتس ساينسيز). وخلصت الدراسة إلى أن «فار» زاد مستوى دقة «القرارات التي تبدل مسار المباريات» من 92.1 في المائة إلى 98.3 في المائة. واعتمد البحث على 2.195 مباراة تنافسية عبر 13 بطولة دوري. وفي إطار الدراسة، جرى تكليف هيئة من حكام بتفحص 9.732 قراراً من «فار». ومن بين هذه القرارات، فإن 5 في المائة منها تقريباً ينتمي إلى المنطقة الرمادية -والتي يكون فيها من الممكن دعم صحة أكثر من قرار واحد. وحتى مع أخذ هذا في الاعتبار، خلص الباحثون الأكاديميون القائمون على الدراسة أن احتمالات صدور القرار الصائب كانت أعلى بكثير عندما يجري اتخاذ القرار بالاعتماد على «فار»، مقارنة بالقرارات المبدئية التي يجري اتخاذها دون الرجوع لـ«فار».

وهناك أمر آخر. هل تتذكرون التحذيرات المروعة من أن المباريات ستتباطأ وتيرتها بشدة حال الاعتماد على «فار»؟ وجد الباحثون أنه في المتوسط كان مطلوب تفحص «فار» 4.4 مرة في المباراة الواحدة ـ بينما بلغ متوسط الوقت الذي يبلغه الرجوع إلى «فار» 22 ثانية (رغم أنه ارتفع إلى 62 ثانية فيما يخص المراجعات التي تجري داخل أرض الملعب). في تلك الأثناء، نشرت دراسة منفصلة في يوليو (تموز)، تفحصت ما إذا كانت تقنية «فار» غيرت أسلوب لعب كرة القدم في إطار بطولة الدوري الإسباني الممتاز خلال موسم 2018-2019. وتوصلت إلى أن التقنية الجديدة «تركت بالكاد أي تأثير». الأمر غير المثير للدهشة أن الاختلاف الأكبر في المباريات التي جرى خلالها استخدام «فار» شهدت عدداً أكبر من الأهداف واستغرقت وقتاً أطول قليلاً.

والتساؤل هنا: إذن ما السر وراء التردد حيال تقبل «فار»، رغم عيوبه، بينما هو يقدم أداءً أفضل عما كان عليه الحال من قبل؟ ربما ترتبط الإجابة بالريبة الغريزية التي تشعر بها كرة القدم الإنجليزية إزاء التغيير ومسارعتها إلى إطلاق الأحكام. هل تذكرون المخاوف التي سادت وقت صدور قرار «الفيفا» بعدم التسامح إزاء ارتكاب ضرر جسدي فعلي ضد لاعب آخر داخل أرض الملعب؟ والانتقادات الواسعة ضد قاعدة عدم تمرير الكرة نحو الخلف عندما أقرت عام 1992؟ أو الفترة التي استغرقتها كرة القدم النسائية حتى جرى الترحيب بها أخيراً؟ ومع ذلك، تحتاج التوجهات بعض الوقت كي تتغير. مثلاً، توصل استطلاع الرأي الذي أجراه موقع «يوغوف» الأسبوع الماضي أن 51 في المائة من جماهير الكرة الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن تطبيق «فار» اتخذ منحى سيئاً، مقارنة بـ60 في المائة في يناير (كانون الثاني).

من ناحية أخرى، ورغم كل صيحات الغضب العارم ضد قرارات معينة خلال مباريات بطولة الدوري الممتاز خلال الجولة الثانية، بدا أن «فار» سار على النهج الصحيح في جميع قراراته - على الأقل تبعاً للقوانين الراهنة.

ولننظر على سبيل المثال إلى قرار معاقبة دي خيا لتجاوزه خط المرمى لدى سعيه لإنقاذ مرماه من ركلة الجزاء الأولى لكريستال بالاس. العام الماضي، اختار مسؤولو الدوري الممتاز عدم استخدام «فار» لتفحص ما إذا كان حارس مرمى تحرك خارج النطاق المسموح له به عند التصدي لركلات الجزاء. أما الآن، فيفعل ذلك. أما مسألة ما إذا كان حارس مرمى مانشستر يونايتد تجاوز الخط بميليمترات أو أمتار، فلا أهمية لها. التجاوز يظل تجاوزاً - تماماً مثلما أن التسلل يبقى تسللا.

علاوة على ذلك، تولى مسؤولو الدوري الممتاز في وقت قريب تنقيح الإرشادات المرتبطة بمسألة لمس الكرة باليد أثناء الدفاع. وعليه، فإنه إذا ما اعتبر أن مدافعاً ما مدد جسده لإعاقة كرة جرى تصويبها على المرمى أو تمريرة للكرة ولمست الكرة أثناء ذلك يده، تحتسب ركلة جزاء. وربما تعتقد أن قرار معاقبة فيكتور ليندولف عندما اصطدمت كرة جوردون أيو به مثل الصاروخ، أخرق ومناف للمنطق. إذا كان الحال كذلك، فإن القانون الخاص بلمس الكرة باليد هو المعيب، وليس «فار».

أيضاً، كان من الصائب عدم احتساب ركلة جزاء لوستهام يونايتد عندما أساء غابرييل دوس سانتوس تقدير كرة رأس وارتطمت به الكرة في الجزء الأعلى من الذراع. لماذا؟ حسناً، لأنه خلال الموسم الحالي جرى توجيه الحكام لإمعان النظر في «خط القميص» عند الحكم على لمسة يد. وعليه، عندما تمس الكرة نقطة أعلى من نهاية كم القميص فإنها لا تحتسب لمسة يد. ورغم أن هذه القاعدة تترك مساحة للتقدير الشخصي، تظل الحقيقة أنه في هذه الحالة ليس هناك خطأ «واضح وجلي» من جانب الحكم.

هل تتذكرون كذلك عندما ألغى «فار»، عن حق، هدفا سجله دومينيك كالفرت لوين لأنه جاء من تسلل في وقت كان إيفرتون مهزوما أمام ويست بروميتش بنتيجة 1 - 0. أيضاً، راجع الحكم بول تيرني قرار الإنذار الذي أصدره بحق أندرياس كريستنسن، لاعب تشيلسي، لإسقاطه لاعب ليفربول، ساديو ماني - وبالفعل بدل قراره بعد ذلك للطرد بعدما شاهد إعادة للحادث. ولا يمكننا الجزم بمدى التأثير الذي تركته هذه القرارات على نتيجة المباراتين، لكن من المؤكد أنه كان كبيراً. ومع ذلك، نعلم على وجه اليقين أنه من دون معاونة التكنولوجيا، فإن الحكام الذين أصدروا في البداية قرارات خاطئة كانوا سيتعرضون لهجمة شرسة من جانب المحللين والمعلقين الرياضيين - وهم أنفسهم من انتقدوا «فار».


المملكة المتحدة الدوري الإنجليزي الممتاز

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة