أحداث العام 2014: «داعش».. التنظيم الذي أظهر «القاعدة» حملا وديعا

عام 2014 كان ذروة قوته.. وشهد فيه بداية انحداره

أحداث العام 2014: «داعش».. التنظيم الذي أظهر «القاعدة» حملا وديعا
TT

أحداث العام 2014: «داعش».. التنظيم الذي أظهر «القاعدة» حملا وديعا

أحداث العام 2014: «داعش».. التنظيم الذي أظهر «القاعدة» حملا وديعا

شغل تنظيم داعش العالم في عام 2014.. من المرجح أن يستمر في ذلك في عام 2015. قساوة هذا التنظيم المتطرف جعلت النظر إلى «القاعدة» الذي دوخ العالم لسنوات كثيرة كأنه يبدو تنظيما «وديعا» مقارنة بأداء تنظيم داعش؛ فالتنظيم الأم تراجع أمام المد الداعشي الكبير، وبدأ يفقد أتباعه ومريديه حول العالم لصالح التنظيم الابن الذي بدأ يجذب بخطابه المتطرف آلاف المتشددين من مختلف أصقاع العالم ويأتي بهم إلى سوريا متسلحا بجاذبية القضية السورية.
غير أن الأهم هو ما حققه هذا التنظيم لهؤلاء من «حلم» دولة الخلافة التي أقامها على أجزاء من البلدين المتجاورين اللذين حكمهما حزب واحد لعقود من الزمن، ويتحكم بجزء كبير منهما اليوم حزب آخر، تجمعهما «العقيدة»: البعث و«داعش». وتسيطر «دولة» أبو بكر البغدادي اليوم على نحو 90 ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة أكبر بنحو 90 مرة من مساحة بلد صغير كلبنان، وتوازي مساحة الأردن، حيث استطاع إنشاء مؤسساته عليها رغم الحملة الضارية التي يشنها عليه خصومه، في العراق وسوريا، ومن خلفهما تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة.
لم تكن بداية العام مبشرة لتنظيم داعش في سوريا، خلافا للعراق.. ففي سوريا كان يتعرض لحملة غير مسبوقة من قبل الجيش الحر، الذي أخرج التنظيم من مدينة حلب ومحيطها، لكن الأخطر بالنسبة للتنظيم المتطرف هو مشاركة جماعات متشددة أخرى تعمل وفق المنهج الفكري نفسه؛ ففي 4 يناير (كانون الثاني) 2014، شنّت «الجبهة الإسلامية» و«جيش المجاهدين» حملة عسكرية واسعة ضد «داعش». حتى جبهة «النصرة» التي حاولت الظهور بمظهر المحايد، انخرطت لاحقا في هذه الحرب بشكل علني وشرس.
تعاطى التنظيم بمرونة لافتة مع الحملة، فسحب قواته من كثير من المناطق السورية، وركز وجوده في مناطق أخرى مهمة استراتيجيا بالنسبة إليه لقربها من الحدود العراقية. أدت المعارك في البداية إلى تقهقر التنظيم سريعا في ريف حلب، لكن على حساب محافظة الرقة التي سيطر عليها التنظيم بشكل كامل؛ ففي 12 يناير، عقدت «حركة أحرار الشام الإسلامية» هدنة مع التنظيم في الرقة، سلمته بموجبها أسلحتها ومقارّها، وسيطر «داعش» على المدينة بشكل كامل.
وفي المقابل، كان «داعش» يزداد قوة في العراق.. فللمفارقة أن تاريخ الحملة عليه في سوريا (4 يناير) 2014، كانت الفلوجة تقع تحت سيطرته بشكل كامل.
غير أن موسم «داعش» الحقيقي بدأ في يونيو (حزيران) 2014، فحينها فقط بدأ التنظيم المتطرف يقطف ثمار أخطاء وممارسات النظامين، السوري والعراقي؛ ففي العاشر منه سيطر مسلحوه على محافظة نينوى، ودخلت عناصره مدينة الموصل بمساعدة من عناصر بعثية سابقة وبعض الحلفاء الآخرين (انقض عليهم بعد أن دانت له السيطرة الكاملة) وأطلق ألف سجين من السجن المركزي، وسيطر على ترسانة ضخمة من الأسلحة والذخائر تركها الجنود العراقيون الفارون، وتباهى بها التنظيم فيما بعد في شوارع مدينة الرقة السورية. كما سيطر على فروع البنك المركزي العراقي في الموصل حيث يقال إنه غنم نحو نصف مليار دولار نقدا.
وفي 11 يونيو اختطف مسلحون 48 شخصا بينهم القنصل التركي، لم ينفع اجتماع طارئ لحلف شمال الأطلسي (تركيا عضو فيه) في إطلاقهم، غير أنهم أعيدوا إلى بلادهم في أعقاب صفقة بين الحكومة التركية والتنظيم بعد أشهر عدة.
وسيطر التنظيم المتطرف على مدينة تكريت مسقط رأس الرئيس الأسبق صدام حسين، وهي مركز محافظة صلاح الدين، ثم ما لبث أن أعلن حملة هجمات على بغداد، وقد تمكنت مجموعات منها من السيطرة على ناحيتي السعدية وجلولاء وتبعدان تقريبا 65 كيلومترا عن المدينة.
وفي نهاية الشهر (29 يونيو) كان إعلان «دولة الخلافة» عندما خرج المتحدث باسم التنظيم أبو محمد العدناني في شريط يُعلن قيام «دولة الخلافة»، و«مبايعة الخليفة إبراهيم» ذي النسب القرشي «إماما وخليفة للمسلمين في كل مكان»، ولتعلن أيضا تغيير اسمها من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام التي كانت تعرف بين الناس اختصارا بـ«داعش»، إلى «الدولة الإسلامية».
وفي الأول من يوليو (تموز) 2014، كانت أول كلمة صوتية للبغدادي بعد «مبايعته خليفة للمسلمين». وفي الخامس منه سجل أول ظهور للخليفة المزعوم في مدينة الموصل، حيث بث التنظيم تسجيلا له وهو يؤم المصلين في أحد مساجد المدينة، ملقيا خطبة اقتبس فيها من خطبة الخليفة الأول أبي بكر الصديق عند توليه الخلافة، قائلا: ««لقد ابتليت بهذا الأمر العظيم، لقد ابتليت بهذه الأمانة، أمانة ثقيلة، فوليت عليكم ولست بخيركم ولا أفضل منكم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وأن رأيتموني على باطل فانصحوني وسددوني، وأطيعوني ما أطعت الله فيكم»، متجاهلا عبارة «فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم»، ثم أكمل خطبته معززا استراتيجية تنظيمه الدموية بقوله: «إن الله أمرنا أن نقاتل أعداءه ونجاهد في سبيله لتحقيق ذلك وإقامة الدين»، مضيفا: «أيها الناس إن دين الله تبارك وتعالى لا يقام ولا تتحقق هذه الغاية التي من أجلها خلقنا الله إلا بتحكيم شرع الله والتحاكم إليه وإقامة الحدود، ولا يكون ذلك إلا ببأس وسلطان».
وبالفعل، رسم التنظيم «حدوده» الخاصة، فروع الناس بصور مجازره وصولا إلى لعب عناصره كرة القدم برؤوس أعدائهم، مقدما صورة قاسية جدا، كانت عاملا أساسيا في انتصاراته. وبإعلانه الخلافة، كان التنظيم يوجه ضربته الكبرى للتنظيم الأم، القاعدة؛ فهو أعلن نفسه بهذا الإجراء أكبر منها، وأسقط مبايعتها وشرعيتها. ويبدو ذلك واضحا من خلال بيان الإعلان عن «الخلافة» من قبل أبو محمد العدناني المتحدث باسم الجماعة الذي قال: «ننبه المسلمين أنه بإعلان الخلافة صار واجبا على جميع المسلمين مبايعة ونصرة الخليفة إبراهيم (أبو بكر البغدادي) حفظه الله، وتبطل شرعية جميع الإمارات والجماعات والولايات والتنظيمات التي يتمدد إليها سلطانه ويصلها جنده.. فاتقوا الله يا عباد الله واسمعوا وأطيعوا خليفتكم وانصروا دولتكم».
وفي سوريا، كان التنظيم يزداد قوة، فسيطر في 3 يوليو 2014 على الشحيل، وعدد من القرى والبلدات في دير الزور، لتصبح المحافظة في معظمها تحت سيطرته المطلقة، ثم يتقدم بثقة نحو الحدود التركية، بعدما أزال عناصره الحدود بين العراق وسوريا بمشهد احتفالي بثت صوره من قبل التنظيم تحت عنوان «كسر الحدود»، حيث مقاتلون من مختلف الجنسيات يمزقون جوازات سفرهم، معلنين تحطيم «حدود سايكس بيكو في الطريق لإقامة الخلافة الراشدة». وقال أبو محمد العدناني إن مجاهدي الدولة قاموا بإزالة الحدود التي وصفها بـ«الصنم»، معتبرا أنها فرقت بين الدول الإسلامية و«مزقت الخلافة».
بدء التراجع مع بدء غارات التحالف
بعد اقتراب «داعش» من أسوار بغداد صدرت الفتوى الشهيرة للمرجع الشيعي العراقي آية الله علي السيستاني بالتطوع لمواجهة «داعش»، ما أعطى السلطات العراقية القدرة على الصمود في وجه المد الداعشي، بالتزامن مع دخول البيشمركة الكردية على الخط بدخولها مدينة كركوك، وبدء الدعم العسكري الدولي الذي استهل ببضعة غارات على طليعة القوات المتقدمة باتجاه أربيل من جهة، وبغداد من جهة أخرى، وجسر جوي لإنقاذ الإيزيديين المحاصرين في جبال سنجار بعد بيع الكثير من فتياتهم سبايا لعناصر التنظيم.
كانت الغارة الأميركية الأولى في 4 يوليو 2014، بعد أن أرسلت الولايات المتحدة نحو 800 جندي إلى مقر سفارتها في بغداد، وكذلك إلى القنصلية العامة في أربيل. وفي ذلك اليوم، قصفت قاذفة قنابل أميركية القاعدة العسكرية «أسامة بن لادن» في قرية أقيريشا سوريا. وأرسلت قوة من وحدة دلتا في محاولة لإنقاذ الصحافي جيمس فولي الذي بث التنظيم في وقت لاحق مشهد إعدامه ذبحا من قبل عناصر التنظيم، وهو مشهد تكرر مع عدة رهائن أميركيين وبريطانيين وفرنسي انتقاما من الحملة الغربية.
وفي 7 أغسطس (آب) 2014، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطاب متلفز بدء الحرب ضد التنظيم، وفي 8 أغسطس، بدأت القوات الأميركية أول ضرباتها في العراق لحماية مسؤوليها في أربيل، ثم باشرت طائرات هذا التحالف العربي - الغربي بقصف مواقع التنظيم في العراق أولا، ثم في سوريا لاحقا. وكانت محاولة التنظيم دخول مدينة كوباني الكردية عنوانا أساسيا في عملية تراجع التنظيم، فبعد أشهر من الحصار ومحاولات التقدم، فشل التنظيم في اجتياح المدينة التي تقع تماما على الحدود مع تركيا. وكان ذلك ثمرة جهد دولي مكثف، سواء بالغارات التي شنت على قواته، أو بالضغوط على تركيا لفتح حدودها وتقديم المساعدات للمقاتلين والسكان.
ويعتقد على نطاق واسع أن معركة الحسم النهائية مع «داعش» سوف تبدأ في الربيع المقبل؛ وذلك لاعتبارات عدة، أولها عامل الطقس الذي سيكون مساعدا للقوات المهاجمة، وثانيها اكتمال عدة التحالف الميدانية التي تحتاج إلى تبلور قوة المقاتلين، من الجيش العراقي الذي يخضع لعملية تأهيل شاملة.

ولايات التنظيم

* أعاد «داعش» رسم حدود المنطقة، وأعاد تقسيم مناطق نفوذه وفق تصنيف يعتمد نظام «الولايات» بلغ عددها 16 ولاية، نصفها في العراق، وهي: ولاية ديالى، ولاية الجنوب، ولاية صلاح الدين، ولاية الأنبار، ولاية كركوك، ولاية نينوى، ولاية شمال بغداد، ولاية بغداد. ونصفها الثاني في سوريا، وهي: ولاية حمص، ولاية حلب، ولاية الخير (دير الزور)، ولاية البركة (الحسكة)، ولاية البادية، ولاية الرقة، ولاية حماه وولاية دمشق. وأعطى التنظيم والي كل منطقة صلاحيات مطلقة في رسم الحدود وجمع الضرائب يعاونه 3 أمراء، أحدهم متخصص بالأمن، وثانيهما بالعسكر، وثالثهما أمير شرعي. وقسم الولايات إلى «قواطع» على كل منها «أمير» يشرف بدوره على المدن التي ينصب على كل منها أيضا أمير.

هيكلية التنظيم: الخليفة والأمن

* يقع «الخليفة» في رأس التنظيم، فهو يجمع شروط الولاية، كالعلم الشرعي والنسب القرشي، ولهذا يعود إليه أمر الحل والربط في «الدولة» المفترضة، يعاونه في ذلك عدة مؤسسات أبرزها مجلس الشورى الذي يعد من أهم المؤسسات التابعة للتنظيم، بالإضافة إلى «الهيئة الشرعية» التي تعد إحدى أهم مؤسسات التنظيم، يرأسها أبو محمد العاني، ومن مهماتها الإشراف على القضاء، والفصل بين الخصومات والنزاعات المشتركة، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إضافة إلى الإرشاد، والتجنيد، والدعوة، ومتابعة الإعلام.
ومن أبرز المؤسسات أيضا بيت المال الذي يعتقد أنه الأغنى في تاريخ الحركات الجهادية.
أما المجلس العسكري فهو يتكوّن من نحو 13 عضوا، ويترأسه عمر الشيشاني، وهو يلعب دورا أساسيا في تركيبة التنظيم، لأنه مسؤول عن التخطيط للغزوات وتقويم عمل «الأمراء»، إضافة إلى إشرافه على التسليح والغنائم.
ويفصل التنظيم بين العسكر والأمن، فهناك أيضا المجلس الأمني الذي يعتقد أنه برئاسة ضابط استخبارات عراقي سابق يدعى أبو علي الأنباري، ويتولى هذا المجلس أساسا كل ما يتعلق بأمن البغدادي، كما يتابع «الأمراء الأمنيين في الولايات والقواطع والمدن»، بما معناه الرقابة على الولاة أنفسهم لضمان مركزية القرار.



مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».


عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
TT

عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)

تزامناً مع جولة خليجية بدأها وزير الخارجية المصري، الأحد، لتعزيز التضامن وتنسيق المواقف مع دول الخليج في مواجهة التطورات المتسارعة بالمنطقة، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصالات هاتفية، الأحد، مع قادة قطر والإمارات والأردن «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة»، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

ووصل عبد العاطي، الأحد، إلى العاصمة القطرية الدوحة، في مستهل جولة خليجية تستهدف «التنسيق والتشاور إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتوجيه رسالة تضامن مع الأشقاء العرب، والعمل المشترك لخفض التصعيد، وتغليب المسار الدبلوماسي لصون السلم والأمن الإقليميين»، وفق إفادة رسمية لـ«الخارجيّة المصرية» لم تحدد الدول التي ستتضمنها الجولة.

وزير الخارجية المصري خلال لقائه وأمير قطر في مستهل جولة خليجية (وزارة الخارجية المصرية)

من جانبه، قال مصدر دبلوماسي مصري لـ«الشرق الأوسط» إن القاهرة تكثف جهودها وتتواصل مع جميع الأطراف المعنية من أجل خفض التصعيد، وتعزير التعاون العربي في مواجهة التحديات الأمنية، وإنشاء قوة عربية مشتركة.

وأكد المصدر أن التطورات المتلاحقة في المنطقة والتهديدات المتكررة أثبتت أنه لا سبيل لتحقيق الأمن سوى تعزيز آليات التعاون العربي.

الأمن القومي العربي

وفي أولى محطات الجولة، التقى عبد العاطي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حيث نقل رسالة من السيسي تؤكد «دعم مصر الكامل قيادة وحكومة وشعباً لدولة قطر ووقوفها وتضامنها مع الأشقاء في قطر في هذا الظرف الدقيق على إثر الاعتداءات الإيرانية الآثمة المتكررة»، بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف.

وقال خلاف إن أمير قطر «ثمَّن الدور المحوري الذي تضطلع به القاهرة في الحفاظ على استقرار المنطقة والدفاع عن الأمن القومي العربي».

وأكد وزير الخارجية المصري موقف بلاده الرافض وإدانتها الكاملة «للاعتداءات التي تتعرض لها من جانب إيران، وتستهدف المساس بسيادة دولة قطر وأمنها القومي ومقدرات شعبها»، مشدداً على أنه «لا يمكن قبول أي ذرائع أو مبررات أو مسوغات لهذه الاعتداءات السافرة التي تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومبادئ ميثاق الامم المتحدة».

وقال إن «أمن دولة قطر ودول الخليج العربي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي أن «الرسالة الأهم في جولة عبد العاطي هي التأكيد على وقوف مصر بشكل قاطع وداعم لدول الخليج، وتقديم كل ما من شأنه دعم أمنها وقدراتها، وإدانة الاعتداءات الإيرانية على أراضيها».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الجولة «تأتي في مرحلة مفصلية وشديدة التعقيد وفي توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة، ما يجعل من التحرك الدبلوماسي المصري أمراً ضرورياً ومطلوباً للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وبذل المساعي وتبادل الأفكار لتنسيق المواقف». وأشار إلى أن أحد الملفات المطروحة خلال المباحثات هو مرحلة ما بعد الحرب ومقترح تشكيل قوة عربية مشتركة.

العمل المشترك

وتزامناً مع جولة عبد العاطي، أجرى الرئيس المصري اتصالات هاتفية، الأحد، مع أمير قطر ورئيس دولة الإمارات، وملك الأردن، أكد خلالها أن بلاده تُجري اتصالات وتحركات دولية وإقليمية مكثفة لوقف الحرب في أقرب وقت ممكن»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي.

وشدد السيسي، بحسب بيان الرئاسة المصرية، على أن «مصر ودول الخليج يجمعهما مصير واحد، وأن مصر تنظر إلى الأمن القومي الخليجي بوصفه امتداداً للأمن القومي المصري»، كما أنها ترى أن أمن الأردن «جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن المصير المشترك يفترض تعزيز التعاون العربي، وتوحيد الصفوف لمواجهة التحديات».

وأكد السيسي «ضرورة تعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات الراهنة وتجاوزها، وتفعيل مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي بما يضمن التصدي لأي اعتداءات تستهدف الدول العربية»، مشدداً على أن «وحدة الصف العربي هي السبيل الأمثل لمواجهة التحديات الراهنة، وصون استقرار المنطقة».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، إن جولة عبد العاطي الخليجية لها 3 أهداف، أولها هو «تأكيد التضامن مع دول الخليج في مواجهة الاعتداءات غير المبررة».

أما الهدف الثاني، بحسب تصريحات حسن لـ«الشرق الأوسط»، فيتمثل في «تنسيق المواقف في إطار استعداد مصر للوساطة من أجل إيقاف الحرب، في ضوء الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس المصري ونظيره الإيراني».

أما الهدف الثالث فهو «العمل على تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وإنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على حماية الأمن الإقليمي».

وزير الخارجية المصري مجتمعاً مع أمير قطر ووزير خارجيتها بالدوحة يوم الأحد (الخارجية المصرية)

وتلقى الرئيس المصري اتصالاً هاتفياً، الجمعة، من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، أكد خلاله على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

وكان عبد العاطي قد أكد خلال اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، الأسبوع الماضي، «أهمية تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي للحفاظ على أمن الدول العربية، وصون سيادته»، مشيراً في هذا السياق إلى «ضرورة تفعيل أطر التعاون العربي المشترك للتعامل الفعال مع التهديدات القائمة».


تدهور الخدمات الصحية يفاقم معاناة المرضى في صنعاء

إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
TT

تدهور الخدمات الصحية يفاقم معاناة المرضى في صنعاء

إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)

يشكو مرضى وذووهم في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء من تدهور غير مسبوق في الخدمات الصحية داخل المستشفيات الحكومية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، بالتوازي مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وارتفاع تكاليف العلاج، وتعطل بعض الأجهزة الحيوية، الأمر الذي فاقم من أعبائهم المالية في ظل تدهور أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية.

ويقول مرضى ومرافقون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن المستشفيات الحكومية التي كانت تُعد سابقاً الملاذ الأخير للفئات الفقيرة، أصبحت اليوم عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية الصحية، الأمر الذي يدفع كثيراً من المرضى إلى البحث عن العلاج في المستشفيات الخاصة، رغم أن تكاليفها تتجاوز قدرتهم المالية المحدودة.

وتشهد أقسام الطوارئ في عدد من المستشفيات الرئيسية في صنعاء ازدحاماً شديداً، من بينها مستشفيات «الثورة» و«الجمهوري» و«الكويت» و«السبعين» و«المستشفى العسكري»، في ظل نقص ملحوظ في الكوادر الطبية، وتعطل كثير من الأجهزة التشخيصية والعلاجية.

معدات طبية معطلة في مستشفى حكومي خاضع للحوثيين بصنعاء (فيسبوك)

ويؤكد سكان أن هذا الواقع يؤدي في كثير من الحالات إلى تأخر تقديم الرعاية للحالات الطارئة والحرجة؛ خصوصاً في ظل الضغط الكبير على هذه المرافق التي تستقبل يومياً أعداداً متزايدة من المرضى القادمين من العاصمة ومناطق ريفية مجاورة.

وبسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية داخل المستشفيات، يضطر كثير من المرضى إلى شراء المحاليل والعلاجات وحتى بعض المستلزمات الطبية من الصيدليات الخارجية، وهو ما يزيد من معاناتهم المالية في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة، وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات.

أزمات متعددة

ويتحدث عاملون في القطاع الصحي في صنعاء عن تحديات كبيرة تواجه معظم المستشفيات الحكومية، من أبرزها: نقص التمويل، وانقطاع رواتب العاملين الصحيين منذ سنوات، إلى جانب محدودية الإمدادات الطبية، وتراجع الدعم المقدم للقطاع الصحي.

ويقول هؤلاء العاملون إن سنوات الصراع والانقسام السياسي والحرب المستمرة أدت إلى إنهاك المنظومة الصحية بشكل كبير، وهو ما انعكس مباشرة على مستوى الخدمات الطبية المقدمة للسكان.

كما يشيرون إلى أن مستشفيات كثيرة تعاني نقصاً في الأطباء المتخصصين والكوادر التمريضية، في وقت تزداد فيه أعداد المرضى الذين يقصدون هذه المرافق بحثاً عن العلاج.

«مستشفى الشرطة» الخاضع للجماعة الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

ويؤكد «محمد. ع»، وهو مريض قلب في صنعاء، أنه اضطر إلى الانتظار ساعات طويلة في قسم الطوارئ في «المستشفى الجمهوري»، قبل أن يتمكن من مقابلة طبيب.

وقال إن الدواء الذي وصفه له الطبيب لم يكن متوفراً داخل المستشفى، ما اضطره إلى شرائه من صيدلية خارجية بأسعار مرتفعة؛ مشيراً إلى أن المشكلة لا تقتصر على نقص الأدوية فحسب؛ بل تمتد أيضاً إلى نقص الأطباء المتخصصين.

ولا يختلف الحال بالنسبة إلى «أم سمير»، وهي والدة لطفل يعاني التهاباً رئوياً؛ إذ تقول إن معاناتها بدأت منذ لحظة وصولها إلى «مستشفى الثورة» قادمة من إحدى مناطق ريف صنعاء.

وأوضحت أن إدارة المستشفى أخبرتها أن بعض الأجهزة الطبية معطَّلة، وأن عليها إجراء الفحوصات في مركز خاص خارج المستشفى، وهو ما يمثل عبئاً مالياً كبيراً بالنسبة إلى أسرة بالكاد تستطيع توفير تكاليف المواصلات.

تجمع لمرضى يمنيين وذويهم في باحة أحد المستشفيات الحكومية بصنعاء (فيسبوك)

كما يروي «خالد»، وهو اسم مستعار لموظف حكومي في صنعاء، تجربة مشابهة بعد نقله والده المسن إلى «مستشفى الكويت» بسبب مضاعفات مرض السكري.

وقال إن الأسرة الطبية أخبرته بعدم توفر أسرَّة شاغرة، وأن معظمها مخصص لحالات أخرى، ما اضطر الأسرة إلى نقل والده إلى مستشفى خاص رغم تكاليف العلاج المرتفعة.

تحذيرات أممية

في ظل هذه الظروف، يحذِّر مختصون في القطاع الطبي من أن استمرار تدهور الخدمات الصحية قد يؤدي إلى تفاقم معاناة آلاف المرضى؛ خصوصاً المصابين بالأمراض المزمنة والنساء الحوامل والأطفال، الذين يعتمدون بشكل أساسي على المستشفيات الحكومية للحصول على الرعاية الطبية.

ويتهم ناشطون يمنيون الجماعة الحوثية بفرض قيود على الحصول على الخدمات الصحية داخل بعض المرافق الحكومية، مؤكدين أن هذه الخدمات باتت في كثير من الحالات خاضعة لمعايير الولاء والانتماء.

حملات تعسف حوثية تستهدف عيادات خدمات صحية (إكس)

ويطالب هؤلاء الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية الدولية بتكثيف الدعم للقطاع الصحي في اليمن، وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية إلى المستشفيات، بما يسهم في تخفيف معاناة المرضى وضمان حصولهم على الرعاية الصحية الأساسية.

وتأتي هذه التحذيرات بالتوازي مع تنبيه صادر عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، التي حذَّرت من احتمال إغلاق مئات المرافق الصحية في اليمن خلال عام 2026، بسبب العجز الحاد في التمويل.

وأوضحت المنظمة أن نحو 453 مرفقاً صحياً مهدد بالتوقف عن العمل إذا استمر نقص الدعم المالي، مشيرة إلى أن نحو 60 في المائة فقط من المرافق الصحية في البلاد تعمل حالياً بكامل طاقتها.

وأكدت المنظمة أن تراجع التمويل المخصص للقطاع الصحي قد يضع ملايين اليمنيين أمام مخاطر صحية متزايدة، في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وشددت على أن توفير الرعاية الصحية الأساسية يعد أحد أهم عوامل الاستقرار المجتمعي، محذِّرة من أن انهيار مزيد من المرافق الصحية قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية في اليمن خلال الفترة المقبلة.