رشدي العامل... تجربة شعرية في الحد الفاصل بين الحداثتين الخمسينية والستينية

ثلاثون عاماً على رحيل صاحب «حديقة علي»

TT

رشدي العامل... تجربة شعرية في الحد الفاصل بين الحداثتين الخمسينية والستينية

ينتمي الشاعر العراقي رشدي العامل (1934-1990) الذي تمر اليوم الذكرى الثلاثون لرحيله إلى جيل من الشعراء العراقيين عُرف فيما بعد باسم «الجيل الضائع»، وسُمي بهذا الاسم لظهوره بعد جيل الرواد في العراق، الذي يضم إضافة إليه الشعراء سعدي يوسف، ومحمد سعيد الصكار، ويوسف الصائغ، ومحمود البريكان، وحسب الشيخ جعفر... وآخرين.
ويعد العامل أكثر من أي شاعر آخر سواه من شعراء هذا الجيل اقترن اسمه بالرومانسية: اتجاهاً فنياً، ومضامين شعرية.
أصدر ثمانية دواوين منشورة؛ كان أولها «همسات عشتروت» (1951)، وآخرها «الطريق الحجري» (بغداد 1991). وهو شاعر متماهٍ مع قصيدته، يمثل علاقة متفردة في الشعر العراقي الحديث جعلته قريباً من قلوب الناس.
استعادة الشاعر الخمسيني الراحل رشدي العامل يستلزم الوقوف عند اهتمامات جيله «التي كانت السياسة شاغله، والواقعية منهجه في الشعر والسرد، تعبيراً عن رؤية اجتماعية تزدهر في الصراعات الطبقية والعقائدية، حيث تتصادم الرؤى وتعبر عن نفسها مباشرة بصوتٍ عالٍ، وغنائية تنعكس على لغة القصائد وصورها وإيقاعاتها».
وهنا عدد من الأدباء العراقيين يستذكرون تجربة الشاعر، ويطرحون آراءهم النقدية حول قصائده:
- الناقد فاضل ثامر: ما زال يبتسم للحياة
يمثل الشاعر الراحل رشدي العامل علامة فارقة في سفر حركة الحداثة الشعرية العراقية. وتمتلك تجربته خصوصية كونها تقع في الحد الفاصل بين تجربتين حداثيتين، هما: الحداثة الخمسينية، والحداثة الستينية. ولذا، لم يخضع الشاعر لعملية تخصيب جيلي، وأطلق عليه وعلى بعض أقرانه المماثلين، أمثال محمد سعيد الصكار وصادق الصائغ وحسب الشيخ جعفر ويوسف الصائغ وسلمان الجبوري وغيرهم، صفة «الجيل الضائع»، وهو مصطلح مستعار من مصطلحات من النقد الأميركي لا يمكن أن ينطبق على تجارب هذه المجموعة الشعرية، وهو موضوع بحاجة إلى فحص نقدي خاص.
وتتسم تجربة الشاعر رشدي العامل بالتصاقها برؤية رومانسية رقيقة، لكنها تمتلك نزعة ثورية تمردية يمكن أن نصفها بالرومانسية الثورية، فهي تزاوج بين منحى غنائي ذاتي متجذر وانشغال بهموم اجتماعية وسياسية وآيديولوجية. ولذا، فتجربته تمثل من جانب آخر موازنة بين تلقائية التعبير الرومانسي والصفة الشعرية الواعية التي لا تصل إلى مستوى «التصنع» والتعقيد.
كان رشدي العامل عاشقاً للحياة مؤمناً بالمستقبل، وكان يعشق كل مظهر من مظاهر الطبيعة، لكنه كان أيضاً يطيل التأمل في جواره المتصل مع الزمن والموت، إذ تنبأ في قصيدة «رجل الأحزان» بموته:
«غداً إذا جاء رهيف الخطى
قولوا له
قد رحل الراحل...».
- الشاعر علي عبد الأمير عجام: لون شعري عميق
ظل الشاعر الكبير رشدي العامل نسيجاً وحده، ولم يواصل أحد من شعراء العراق (داخل البلاد)، رغم عددهم الكبير وزحمة أجيالهم، لونه الشعري العميق لأسباب جوهرية، منها:
> صعود «قصيدة النثر» إلى حد بدا طاغياً بعد رحيل العامل، وعلى نحو صار فيه كثير من شعراء البلاد يمضون إلى هذا الشكل الكتابي.
> اندراج كثير من الشعراء الذي حافظوا على الوزن في نتاجهم ضمن نشاط كتابي لا صلة جوهرية له بروح الشعر، فهم ذهبوا إلى مديح السلطة والديكتاتور حتى سقوطهما في 2003. وحتى الجيل التسعيني في الشعر العراقي الذي ظهر من بين أسمائه من اهتم بالوزن و«الغنائية» سقط في فخ المديح والتكسب إلا في حالات نادرة لم تتأثر بشعر صاحب «حديقة علي»، بل كانت أقرب إلى شاعر المديح الأول عبد الرزاق عبد الواحد.
> كان يوسف الصائغ أكثر الشعراء مقدرة في الحفاظ على «غنائية» قد تبدو متصلة بشعر العامل في جوهرها، لكنه انفصل عن هذا السياق لصالح كتابة خارج الشعر (المسرح خاصة)، فضلاً عن كتابة شعرية «وطنية» بدت متوافقة مع نهجه في تأييد السلطة وانتظامه في مفاصلها.
> مثل الصائغ، كان حسب الشيخ جعفر مؤهلاً لشكل كتابي (الغنائية الشعرية) رسّخه في مجموعاته الثلاث الأولى، غير أن انتباهته اللاحقة نحو الحكمة والحكاية الأسطورية والشعبية جعلته يفتقد عن هذا الشكل، فضلاً عن انهماكه في الترجمة وقصيدة الحرب «التعبوية».
> عيسى الياسري كان قريباً من «غنائية» ميّزت شعره، ولكنها ظلت «غنائية ريفية» غير تلك الغنائية العميقة ابنة المحنة المعاصرة التي تفرّد بها الراحل العامل.
> ومن الشعراء الذين كانوا خارج البلاد حين رحل العامل، كان الشاعر المجيد فوزي كريم قريباً للغاية من «غنائية» شعرية كانت متفوقة بقدرتها الفكرية واللغوية حتى على ما أنجزه العامل، لكن صاحب «أرفع يدي احتجاجاً» لم يواصل هذا المعنى، ولا الشكل، ومثله أيضاً هاشم شفيق الذي كان مؤهلاً باقتدار لمواصلة شكل غنائي تميزت به مجموعته الشعرية الأولى.
- الناقد علي حسن الفواز: القصيدة بصفتها استعادة الغائب
اشتغالات رشدي العامل الغنائية ليست بعيدة عن هاجس تأثّره بالنزعة الرومانسية، وبالحسّية التي ظلت تؤطر قصائده، وكأن تمثله للغناء الشعري معادل نفسي ثوري، حيث أزمته الوجودية، وأحاسيسه المضطربة، وهوسه بالفقد، وحيث صور الوطن - الحلم، وشغف الحرية، وهي إحالات تعكس نزوعه للرمزية، بصفتها تمثيلاً استعادياً للغائب الذي يحضر بقوة في القصيدة، أو بصفتها إسقاطاً نفسياً لعلاقته بذلك الغائب، حبيباً كان أو وطناً أو معنى يتطلب نوعاً من التواطؤ الاستعاري.
والفصاحة الرومانسية قد تكون علامة مفارقة لشاعر «خمسيني» أشبعته الآيديولوجيا والثورة والحرية كثيراً من الصخب، أو التمثيل الشعاراتي للواقع، لكن خصوصية رشدي العامل في كتابة قصيدة «الخفّة» الغنائية ظلت أكثر اقتراباً من هواجسه وحدوسه، فهي بمثابة حقل تعبيري يقارب من خلاله الشاعر العالم اللغة، والوطن، والحزب، والغائب، فمفردات مثل «بوح، أشمّ، الحديقة، النهر، الحب، الولادة، الكأس، شراع، الدجى، النسيان، وغيرها» تنطوي في سياق التمثيل الشعري على إيحاءاتٍ لعلاقة الشاعر المضطربة بالآخر، إذ تبدو القصيدة كأنها نداؤه الشعوري، أو رسالته إلى غائبٍ ما، أو تلوينه لرغبة غائرة بحميمية في الروح، أو اعترافٌ للآخر الذي يحضر عبر سكنى الاستعارة، أو عبر السؤال الذي يستأنف معه لذة الحضور.
البنية الإيقاعية في قصيدة العامل تُكرس في اشتغالها العروضي تمثلها لرومانسيته، ليس بتركيبها الصوتي فقط، بل بإيحاءاتها التي تتجاذبها ثنائية الوجود والحلم، فهو يكتب عن الضياع بصفته وجوداً منتهكاً، ويكتب عن الحلم كأنه تأويل للضياع الذي يمزقه، وبما يجعل لغته الشفيفة أكثر اشتباكاً بالإيقاع، وبالنبرة التي تستبطن صوته الداخلي.
وأحسب أن كتابه الشعري «حديقة علي» هو أكثر كتبه تمثيلاً لفكرة «الاكتمال الشعري»، وحتى لخصوصية تجربته الشعرية التي ظلت بعيدة عن التجريب والمغامرة، وكأنه يوحي من خلالها بأنّ نزعته الرومانسية في الكتابة ظلت هي المقابل النوعي للقصيدة الشخصية، القصيدة المشبوكة بالحياة والحلم والحرية، والتي لا تحتملها القصيدة الثورية الصائحة التي انحاز إليها كثيرون من شعراء الراية، كما سماهم فوزي كريم.
- الشاعر ميثم الحربي: سوناتا للوحدة
تجربة رشدي العامل تجربة إنسانية أدبية مُتميزة، ومَوردُ تميُّزها في مسيرة الثقافة العراقية بين الخمسينيات والستينيات أنها اختارت لنفسها سلوك الطريق الثالثة في ارتياد الحياة المجازية.
وأقصدُ بالطريق الثالثة ذلك الاتجاه الشعري الذي سار عليه العامل عبر ثمانية دواوين نُشرت بين عام 1951م وعام 1991م، حيث صدر ديوان «الطريق الحجري» بعد وفاته، إذ بقي مُصغياً مجذوباً لأصالة التجربة الفردية، نائياً بنفسه عن خطرين كانا يُهيمنان على الفعالية الشعرية الكلية لمُجايليه من الشعراء الرواد، وما بعدهم أيامئذ، وهُما: خطر التاريخ الآيديولوجي من جهة، وخطر التاريخ البلاغي من جهة أخرى.
ويمثل المُنجز الشعري لرشدي العامل مرآة تعكسُ صروفَ الدهر والمرائر والمحطات التي دهمت حياة الشاعر، فقد كان أميناً أمانة صمدية في تصعيد صوت البسالة الفردية داخل النسيج الشعري. ورغم أنّ للشاعر تصريحات ثقافية تصفُ أعماله الفنية بأنه «شاعر رومانسي»، مع تأشيرات نقدية بأنه «شاعر غنائيّ»، فإنّ الحال يحتمل توجيهاً مُغايراً أحددهُ: لقد كانت مسيرة الشاعر رشدي العامل شاقة، حياة وفناً، فهو -عندي- امتدادٌ لتجربة الشاعر علي الشرقي (1890-1964)، ويُشكل مع حسين مردان محطة مهمة لتمثيلات الشعر الذاتي، نجدُ حضورها واضحاً لدى الشاعر فوزي كريم على أتمّ صورة. ومن خصائص شعر العامل، يُمكن القول إنّ الكائن الشعري الذي يرسمه فؤاده الإنساني يبدو بطلاً سردياً تُحاول الأداة الشعرية صياغة ملامحه، والكشف عن حكايته الفردية التي تتحرك بين عواطف وأفكار من خلال الاستعانة بطرق بناء مُختلفة.



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.