أعمال فاروق حسني.. بين التجريد والتشخيص والرمزي

جمع بين تناقضات هيغل وبيتهوفن في أول معرض له بمصر بعد 4 سنوات

فاروق حسني لدى افتتاح معرضه  -  .. وأمام إحدى لوحاته
فاروق حسني لدى افتتاح معرضه - .. وأمام إحدى لوحاته
TT

أعمال فاروق حسني.. بين التجريد والتشخيص والرمزي

فاروق حسني لدى افتتاح معرضه  -  .. وأمام إحدى لوحاته
فاروق حسني لدى افتتاح معرضه - .. وأمام إحدى لوحاته

ضربات فرشاة متفاوتة بين القوة والهدوء، تشعر معها بحنينه إلى ساحل الإسكندرية وثقافته الأورومتوسطية التي تدمج بساطة «بحري» (الحي الإسكندراني الشعبي الذي عاش فيه) وغموض فينيسيا (التي انتقل إليها بعد ذلك)، والمحاربين الرومان، والصحراء المصرية. هكذا أبهر الفنان المصري، ووزير الثقافة الأسبق، فاروق حسني، زوار معرضه «السنوات الأربع»، وهو الأول له في مصر منذ 4 سنوات، ويشكل عودة قوية لفضاء الفن التشكيلي المصري والعربي، ممسكا من خلاله بالمجرد والرمزي.
افتتح المعرض، الاثنين الماضي، في قاعة «أفق» بمتحف محمد محمود خليل، بحضور نخبة من مشاهير مصر في مختلف المجالات، بينهم الممثلات: سميرة أحمد، وسميحة أيوب، ويسرا، وإلهام شاهين، والممثلون محمود عبد العزيز، ويحيى الفخراني، وتامر عبد المنعم، والمخرجة إيناس الدغيدي، والمحامي فريد الديب، والإعلامي عمرو عبد السميع، والفنان جورج بهجوري، والكاتب والأديب محمد سلماوي، والكاتب الصحافي محمد عبد القدوس، وزاهي حواس، وزير الآثار الأسبق، ورجل الأعمال محمد أبو العينين.
ولعلها مصادفة غريبة أن يتوافق افتتاح المعرض وعودة الفنان فاروق حسني، مع الذكرى الـ148 لرائد الفن التجريدي الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي، فقد عاد حسني بأعماله التجريدية الفريدة التي احتل بها مكانة خاصة في تاريخ الفن المصري الحديث، بعد أن ظل متنقلا بين دبي وفرنسا وإيطاليا، يقيم معارضه بشكل سنوي.
استهل المعرض بسيمفونيات لبيتهوفن ولتشايكوفسكي قدمها 4 من عازفي الأوركسترا، فأضفت سحرا على أجواء المعرض، الذي يضم 40 لوحة تمزج بين التجريد، والتشخيص، والفلسفة، والموسيقى، وحافلة بتشعبات اللون وتداخلاته وتقلباته العنيفة، التي استخدم الفنان فيها ألوان الأكوريل والأكريلك والزيت.
وكان لافتا لمتابعي فن فاروق حسني، تلمس تلك النقلة النوعية والتجربة الجديدة؛ حيث تتخاطف الأنظار الألوان المبهجة التي تنبض بالحياة، في حين تطل شخوص فاروق حسني باحثة عن وجود لها، وكأنها تحاول النجاة من التلاشي أو النسيان، في تقاطع مع فكر هيغل حول تجليات «الروح المطلقة».
استناد حسني إلى فلسفة «الديواليزم» (Dualism) الفنية، وجمعه بين حالتين في مساحة واحدة، جعل كل لوحة من لوحاته يثير تساؤلات حول ما كان يراوده من أفكار خلال رسمها. قال حسني: «الفنان متقلب، وحينما يطرح نفسه في أوج تقلباته يظهر نتاج فني معين، وتتجلى فيه المشاعر المعتملة في داخله».
وهذه هي المرة الأولى التي يعطي فيها فاروق حسني لوحاته أسماء، حيث نجد لوحة «آدم»، ولوحة «حواء»، التي تبرز فيها شخصية الفنان المتفردة، ولوحة «العظيم»، و«ظل المحارب»، و«هي»، و«المراقب»، و«ملكة الصحراء» التي نلمس فيها تأثره بـ«بيكاسو» وشخوصه، ووجوه «بيكون» التي تأتي بملامح طغت عليها الفرعونية المصرية في صرامتها ونظراتها العميقة.
كما جاءت اللوحات عناصر واقعية انتزعها حسني ليضعها في فضاء مغاير، مما أعطى اللوحات أبعادا ميتافيزيقية، تعكس تفسيره للكون ككيان مليء بالتناقضات.
وتتجلى قراءات فاروق حسني الفلسفية وعشقه لموسيقى بيتهوفن، في لوحة «هيغل وبيتهوفن» التي تمثل الوحدة والتكامل، ما بين عقل الإنسان وروحه وبين الفلسفة والموسيقى. عن هذه اللوحة، قال حسني لـ«الشرق الأوسط»: «رسمت الوحدة ما بين هيغل وبيتهوفن، حيث تتلاقى موسيقى الفكر عند هيغل وموسيقى الفكر عند بيتهوفن. في هذه اللوحة استعنت بالتجريد مع التشخيص لتجسيد التناقضات التي جمع بينها بيتهوفن (السفورداتو) الارتفاعات العنيفة و(الدانيسمو) الانخفاضات الهادرة والهادئة».
تتوزع أعمال حسني المعروضة على 3 اتجاهات: التجريد اللاشكلي، والتجريد الهندسي، والتشخيص بالتعامل مع التجريد. وحول سبب التوجه إلى التشخيص للمرة الأولى في أعماله، قال حسني: «التشخيص حنين للأساس وبداياتي الفنية منذ سنوات الدراسة في كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، حيث بدأت علاقتي بالفن التشكيلي».
تتوسط المعرض لوحة «إخناتون» التي تبرز عشقه للفن الفرعوني الذي اعتبره «أستاذ الفنون كلها ويمثل قمة الفن عبر التاريخ». لكن فاروق حسني يقدم فنه للفن فقط، فلا تلوي لوحاته على قضايا بعينها، إذ يقول: «ليست لدي رسالة، أنا أرسم وعاشق للفن، وهو شيء بصري ووجداني.. لا أذهب وراء قضايا معينة. اهتم بقضية الجمال فقط».
ومن اللوحات المثيرة التي تجذب زائر المعرض، «ثلاثية الجدارية الزرقاء»، التي تظهر فيها مهارة الفنان في استخدام اللون الأزرق «الأولترامارين»، الذي يغمر المساحة اللونية في اللوحات الـ3 كذاكرة بصرية، والتي أعطت الخطوط المتقاطعة بها، مسارا إيقاعيا لجسد اللوحة التي تحتفي بالفراغ الكامل.
وحول لوحة «أقنعة فينسيا» التي تجسد شخصا امّحت إحدى عينيه، بينما تنظر الأخرى إلى فضاء لا متناهٍ، قال: «الأقنعة هي التي تميز مدينة فينسيا التي تمثل جزءا هاما من ذاكرتي، وشكلت جزءا من تكويني الفني، بعمارتها التي تعود إلى القرون الوسطى. هذه الأقنعة الجميلة التي تخفي ملامح الوجوه وتخفي أشياء أخرى كثيرة، تمثل لدي، أيضا، حالة نوستالجيا لكرنفالات فينيسيا».
وفي حوارية ما بين شخوصه وتجريدياته، تختمر اللوحات بسنوات مخاضه الروحي ونضجه الفني. ونلاحظ تجسد النوستالجيا في لوحاته «نفسي» التي جسد فيها ملامحه الشخصية، وكأنه يحاول استعادة ذاته، «رسمت ذاتي، لكني لم أرسم وجهي ك(بورتريه)»، كما يتجلى الحنين في لوحته «بنت الصحراء» التي تستلهم منطق هيغل.. «إن مهمة الفن ليست استنساخ الطبيعة، فالفن شيء منفصل عن الواقع الموضوعي».
وعن لوحات فاروق حسني الجديدة، يقول كارمني سينيسكالكو، رئيس مؤسسة روما لمعارض الفن الحديث ومدير استوديو «إس» للفن المعاصر: «هو فنان تجريدي له أسلوبه الخاص، فلم يشبه أحدا أو يقلد أحدا، المجموعة التي أنتجها بوحي من خياله كانت وليدة اللحظة، تستبق رؤيته الشخصية (الصورة) كثيرا من الفنانين المصورين اليوم، فاللوحة متوهجة ببريق متغير من الألوان؛ حيث تتناثر الألوان كنقاط تتلاحق وتتقاطع بعضها مع البعض الآخر، تذكرنا بألوان مصر وطبيعتها، فالرمال بنية، وصخور الصحاري البيضاء، وسحب المساء الزرقاء الكثيفة، وضفتي النيل الخضراوين، والبحر المتوسط بلونه الكوبالتي، والمحيط اللوني الساحر لمدن وقرى مصر. لذا أهنئ قاعة (أفق) على استضافتها هذا المعرض الذي يضم تشخيصاته وتجريداته كحالتين لفنان واحد، أتم نضجه».
وفي تعليق للفنان فاروق حسني على النشاط الفني الذي تشهده مصر حاليا، قال: «مصر كانت في كبوة، ووجود المعارض الفنية والفعاليات الثقافية يعني الاستقرار، وهذا أمر رائع لنا جميعا، وعلينا أن نحافظ عليه ونجتهد بأعمالنا». وأضاف: «أود أن أوجه كلمة للرئيس عبد الفتاح السيسي: شكرا أنك أرجعتنا لحضن مصر الذي افتقدناه، وأخرجتنا من ظلام دامس، والآن أصبحنا في النور، وهذا يستوجب شكر كل مصري للرئيس عبد الفتاح السيسي».
وحول مشروعاته الفنية في الفترة المقبلة، قال حسني: «سوف أقيم معرضا في دبي في فبراير (شباط) المقبل، ولدي معرض في دولة الكويت في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الجديد، لكن حتى الآن ليس لدي مشروعات فنية محددة، فهي غالبا ما تكون وليدة اللحظة».
من جانبه، صرح الفنان إيهاب اللبان، مدير قاعة «أفق» للفن التشكيلي: «في هذا المعرض يكشف لنا الفنان فاروق حسني، عن ملامح تجربة جديدة تحمل تحديا كبيرا يتعلق بتناول غير معتاد من الفنان، يمزج في طرحه، بين الأسلوب التجريدي والتشخيص، لأول مرة، في أعمال تعد مفاجأة للجمهور والنقاد؛ لذا أتوقع له مردودا إقليميا ودوليا، وذلك نظرا لقيمة الفنان فاروق حسني، وكذلك دوره التاريخي في المشهد الفني والثقافي بوجه عام».
يذكر أن فاروق حسني أحد أبرز المثقفين المصريين، وشغل منصب وزير الثقافة لمدة تقارب ربع قرن، منذ عام 1987 وحتى 2011.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».