المؤلف والناشر... حرب باردة واتهامات ساخنة

مبدعون وناشرون مصريون يطالبون الدولة بإنقاذ صناعة الكتاب وخفض الضرائب

المؤلف والناشر... حرب باردة واتهامات ساخنة
TT

المؤلف والناشر... حرب باردة واتهامات ساخنة

المؤلف والناشر... حرب باردة واتهامات ساخنة

شهدت السنوات الأخيرة حالة من السيولة والفوضى في سوق النشر المصرية، كما في البلدان العربية الأخرى، فتزايدت شكاوى الطرفين. المؤلفون يشتكون من تعرضهم للابتزاز المادي وضياع مستحقاتهم وتراجع مستوى طباعة الكتاب وعدم الكفاءة في تسويق إنتاجهم، بينما يشكو الناشر من ضعف إقبال القارئ وتراجع المبيعات والارتفاع الجنوني في مستلزمات الطباعة. هذه الشكاوى تقل حدتها مع دور النشر الحكومية، فلا تزال لديها لوائح وقواعد واضحة في حفظ حقوق الكتاب وتسويق أعمالهم، رغم ذلك، يؤكد المناخ العام أن صناعة النشر في أزمة.
في هذا التحقيق آراء لعدد من الكتاب والناشرين حول هذه لقضية، وتصوراتهم لطبيعة العلاقة الصحيحة والعملية التي تحكم الطرفين.
- الشباب وعراقيل النشر
في البداية، يشير عبد الكريم الحجراوي، وهو أديب مصري شاب صدرت له مجموعة قصصية وديوان شعر وكتاب أكاديمي، إلى أن «فرص النشر باتت صعبة جداً، خاصة بالنسبة للمبدعين الشباب؛ فالأمر يحتاج إلى (واسطة) فالموهبة وحدها لا تكفي». لقد مر الحجراوي بتجربة أقل ما توصف به أنها «مريرة»، على حد تعبيره.
يقول «كانت البداية مع دور النشر الخاصة، فدور النشر الكبرى حين طفت عليها أحمل روايتي الأولى لم تهتم أصلاً بالرد، وكان التعامل غاية في السوء. التجربة الثانية كانت مع دور نشر أقل شهرة بعد أن نصحني روائي مصري كبير كان قد قرأ عملي، وأشاد به بأن أتوجه إليها وفوجئت بأنهم رحبوا بالرواية وحصلت على تقييم جيد، إلا أنهم طلبوا مني دفع مبلغ كبير لنشر العمل، فرفضت لأنه لا يليق بأديب يحترم فنه أن يدفع مقابل أن ينشر، بل العكس المفترض أن يحدث».
وحول تجربته مع جهات النشر الحكومية، أشار الحجراوي إلى أنه أرسل مخطوطة ديوانه الأول إلى «الهيئة العامة للكتاب» في منتصف عام 2018، وبعد انتظار مر وطويل أخبروه بأن النسخة التي أعطيتهم إياها قد فُقدت. ويبدو أن عزاءه الوحيد في أنه كان قد أرسل في التوقيت نفسه يونيو (حزيران) 2018 مجموعة قصصية إلى «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، وبالفعل صدرت بعد عامين في 2020.
- إملاءات وابتزاز
الكاتب المتخصص في أدب الرحلات أيمن عبد العزيز اضطر إلى طبع كتابه «المغرب في عيون مصرية» على نفقته الخاصة بعد رحلة من «المعاناة» عاشها في كواليس دور النشر. ويقول عبد العزيز، إن المعاناة تبدأ مبكراً مع بدء جولة الاتصالات بدور النشر الخاصة والبحث عنهم والتعرف على اتجاهاتهم وسمعتهم وطريقة تعاملهم مع النصوص، حيث إن دور النشر الحكومية غالباً ما تحتاج إلى «واسطة» أو اسم مؤلف معروف، فضلاً عن القدرة على الانتظار فترة طويلة قد تصل إلى ثلاث سنوات. وإذا وجد المؤلف ناشراً خاصاً يوافق على عمله تبدأ معاناة أخرى في المفاوضات على قيمة «المبلغ» الذي سيدفعه الكاتب للمشاركة في عملية النشر، فالبعض يطلب من الكاتب أن يتحمل ثلثي التكلفة، والبعض قد يعرض ما يسميه «مناصفة»، في حين أن هذه الحصة التي سيتحملها الكاتب هي في الحقيقة التكلفة الإجمالية لعملية النشر، ثم تبدأ المفاوضات بعد ذلك على عدد النسخ التي سيحصل عليها المؤلف.يضيف عبد العزيز قائلاً «لم يكن نشر كتابي أمراً سهلاً على الإطلاق؛ فقد مررت بكل تلك المراحل إلى أن صادفت أحد أصحاب دور النشر، وهو عضو معروف باتحاد الكتاب، فاشترط أن أتحمل ثلثي التكلفة، وهو الثلث الباقي، كما سيكون له حق اختيار العنوان، وربما ترتيب وإعادة صياغة المادة المنشورة، فلما تأففت واعترضت على كل تلك (الإملاءات) وجدت أنه في الأخير زاد على كل ما سبق بقوله (لا تنس أن هذا كتابك الأول ولا أحد يعرفك وأننا سوف نصنع منك كاتباً). عندئذ قررت أن أنشر الكتاب على نفقتي بالكامل في دار أخرى، أرشدني لها زملاء مخلصون وأصحاب تجربة؛ لعدم رغبتي في تكرار المعاناة والإهانة من أشخاص كل همهم المكسب على حساب وكرامة الكتاب!».
- رقابة مسبقة
مشاكل الأدباء، خصوصاً الشبان منهم، لا تتعلق فقط بقوائم الانتظار في دور النشر الحكومية أو «الابتزاز المادي» مع دور النشر الخاصة فقط، وإنما تتلخص الأزمة في الرقابة المسبقة التي يمارسها الناشر. هذا ما حدث مع الشاعر الطبيب إسلام نوار؛ فرغم علاقته الشخصية القوية بعدد من الناشرين وعمله في فترة من الفترات «محرراً عاماً» بدار نشر معروفة، إلا أن ديوانيه صدرا على نفقته الشخصية أو ما يفضل هو تسميته «النشر الذاتي».
يقول إسلام «كنت أرى مبالغة شديدة في المحاذير الرقابية المسبقة التي قذف بها أكثر من ناشر بوجهي، فهي تتعلق أساساً بنوع من الوصاية على لغة الجيل الجديد، وبالتالي قررت أن أنشر الكتاب على نفقتي الخاصة، وهو ما تكرر مع ديواني الثاني أيضاً (كارمينا بورانا في إذاعة مترو القاهرة)».
- على طريق الحل
خبير النشر محمود عبد النبي محمود يكشف عن بعضٍ من كواليس أزمة النشر في مصر والعالم العربي، مشيراً إلى أن تفاقم الأزمة مؤخراً سببه ظهور الكثير من دور النشر الصغيرة التي تهدف إلى التجارة والربح السريع فقط، وأيضاً ظهور مؤلفين وكتاب في مُقتبل أعمارهم الأدبية لا يهمهم غير نشر أعمالهم بأي طريقة كانت وبصرف النظر عن مستواها؛ لذلك ظهرت الكثير من الأعمال المُخالفة لقواعد النشر، كما لا تلتزم بحماية حقوق المُؤلف مع العلم أن مصر من أوائل الدول التي وقعت على اتفاقية «وايبو wipo» عام 2005 الخاصة بحقوق المؤلف. ويعدد عبد النبي حالات إهدار حقوق المؤلف، بداية من عدم حصوله على عدد كافٍ من النسخ إلى مطالبته بمبالغ كبيرة أو في أحسن الأحوال عدم دفع مستحقاته، وكثيراً ما يصل الأمر إلى المحاكم الاقتصادية إذا لم يتم حل تلك المشاكل بالطرق الودية، كما يلجأ بعض المُؤلفين إلى اتحاد الناشرين للشكوى من بعض دور النشر! ويطالب عبد النبي الدولة بالتدخل لإنقاذ صناعة النشر بداية من خفض سعر الضريبة على الورق المستورد، وكذلك الأعباء الضريبية المفروضة على المطابع، وتخفيض أسعار الأحبار.
- اتهامات باطلة
من جانبها، تلقي نورا رشاد، المديرة التنفيذية لـ«الدار المصرية - اللبنانية»، باللائمة في هدر حقوق المؤلفين فوق كاهل «الدخلاء على المهنة»، مؤكدة أن الدور الكبرى ومنها (المصرية – اللبنانية) لديها تقاليد راسخة في العقود ودفع مستحقات الكتاب بانتظام». وتضيف رشاد «خلال السنوات الأربع الماضية عقدنا أربع ورشات للكتابة مجانية، والعمل الفائز يتم نشره على نفقة الدار، كما اشترطنا أن تكون هذه هي تجربة الكاتب الأولى لتشجيع المواهب الشابة ودعماً للشباب».
ويعترف الشاعر جرجس شكري، أمين عام النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة، أن المؤلف هو الحلقة الأضعف في سوق النشر، رغم أنه العنصر الأساسي، مضيفاً أن هيئة قصور الثقافة لديها قواعد شفافة في دفع مستحقات المؤلفين إلا أنها «مكافآت رمزية»، على حد تعبيره، ورغم ذلك تخلق تلك المكافأة إحساساً طيباً لدى الكاتب. ويوضح شكري، أن المشكلة الأخرى تتمثل في طول فترة الانتظار حتى يرى الكاتب كتابه الصادر عن الناشر الحكومي النور، مرجعاً السبب في ذلك إلى كثرة أعداد الأعمال الجيدة التي تصلح للنشر ويتم الدفع بها في السلاسل المختلفة في دور النشر الحكومية.
من جهته، يصف سعيد عبده، رئيس اتحاد الناشرين المصريين، معظم الاتهامات الصادرة عن المؤلفين بحق دور النشر بأنها «اتهامات مرسلة»، وإن كان لا ينكر وجود دور نشر صغيرة تستغل شباب الأدباء. يقول عبده «العلاقة بين الناشر والمؤلف تحكمها العقود، وليس ذنبنا أن بعض المؤلفين الشبان يقبلون بشروط متعسفة وبنود تمس حقوقه لمجرد الرغبة المتسرعة في أن يرى عمله النور. دورنا كاتحاد يأتي عند ورود أي شكوى لمؤلف فيتم التحقيق بها فوراً وبمنتهى الحزم والجدية من خلال (لجنة فض المنازعات) ورد الحق لأصحابه، كما سبق لنا في مواقف كثيرة أن اتخذنا إجراءات قانونية رادعة ضد استغلال المؤلف». وينصح رئيس اتحاد الناشرين المؤلف باللجوء للاتحاد قبل توقيع عقده لضمان حقوقه؛ فهناك دور نشر غير مسجلة بالاتحاد، كما أن هناك بنوداً يوقّعها الكاتب تغل يد الاتحاد.



عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.


«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».