خريطة طريق إلى البرلمان المصري المقبل

اتجاه لتأسيس حزب كبير لمساندة الرئيس

د. شوقي السيد
د. شوقي السيد
TT

خريطة طريق إلى البرلمان المصري المقبل

د. شوقي السيد
د. شوقي السيد

منذ ثورة 1952 اعتمد رؤساء مصر القادمون من المؤسسة العسكرية، على أذرع سياسية مدنية لمؤازرتهم في حكم الدولة. لكن على أي حزب أو تيار سياسي سيعتمد الرئيس عبد الفتاح السيسي؟ أصبح هذا السؤال يطرح نفسه بين أروقة السياسيين مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات النيابية، وسعي كثير من النواب السابقين لحزب الرئيس الأسبق حسني مبارك للترشح فيها بقوة كمستقلين أو من خلال أحزاب أخرى.
توجد إجابات متعددة حول هذا الموضوع، من بينها اتجاه لتأسيس «حزب سياسي كبير» من نواب البرلمان المقبل المستقلين لمساندة حكم رئيس الدولة الجديد، لكن المشكلة، كما يقول مستشارون عسكريون وسياسيون لـ«الشرق الأوسط»، تكمن في ارتفاع عدد من يعتزمون الترشح للمجلس النيابي من حزب مبارك.
ومنح الدستور الجديد صلاحيات للبرلمان تزيد في بعض الجوانب منها عن صلاحيات رئيس الجمهورية، لأول مرة منذ «ثورة عبد الناصر» قبل أكثر من نصف قرن. وردا على أسئلة بشأن شكل العلاقة بين البرلمان ورئيس أكبر دول بمنطقة الشرق الأوسط من حيث السكان، يجيب العميد أركان حرب، عادل العمدة، المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، قائلا إن الرئيس يعتمد بالفعل على «حزب الشعب المصري».

وهذا بطبيعة الحال ليس حزبا محدد المعالم، لأن العميد «العمدة» هنا يتحدث مجازا عن «حُب الشعب للرئيس وثقته فيه» منذ انحياز السيسي، حين كان وزيرا للدفاع، لملايين المصريين الذين خرجوا في صيف 2013 للشوارع مطالبين بإنهاء حكم جماعة الإخوان وحلفائها من تيار «الإسلام السياسي».
ويعطي العميد «العمدة»، مثل مستشارين عسكريين آخرين، رسائل مطمئنة عن «التحام الرئيس بالشعب»، وأنه ليس في حاجة لحزب أو تكتل في البرلمان المقبل «لأنه من غير المتوقع أن يعمل النواب ضد توجهات الرئيس». وسبق للرئيس السيسي نفسه القول إنه «لا أحد يمكنه أن يقف بينه وبين الشعب».
وفي المقابل توجد مخاوف لدى العديد من المراقبين والسياسيين من «هلامية المشهد السياسي»، وعدم وضوح خارطة البرلمان المقبل حتى الآن، بسبب خلافات الأحزاب حول التحالفات الخاصة بالانتخابات المزمع الانتهاء منها في الربع الأول من 2015، وبسبب الأعداد الكبيرة والمهمة ممن ينوون الترشح بعد أن كانوا في السابق إما نوابا في الحزب الوطني الديمقراطي الذي ثار عليه المصريون في يناير 2011، أو نوابا مما يعرف بـ«تيار الإسلام السياسي» الذي لفظ الشعب طريقته في الحكم في ثورة 30 يونيو 2013.
ومع هذا يبدو من النقاشات والخطط والتوقعات، التي يجري تداولها في القاهرة، أن المرحلة المقبلة ستشهد إنتاجا لـ«حزب قوي»، بحيث يجري اختيار مؤسسيه من بين النواب الذين سيفوزون في الانتخابات، على أن يكون هذا هو الحزب الذي ستعتمد عليه مؤسسة الرئاسة في دعم الحكومة التي يختارها الرئيس وتمرير ما يريده من قوانين وقرارات وتعديلات دستورية وغيره.
ويتفق العديد من السياسيين الموالين للسيسي مع هذا الاتجاه، ومن بينهم محمود نفادي، المتحدث باسم «تحالف نواب الشعب»، وهو تحالف يضم نوابا سابقين من الأحزاب ومن المستقلين، ويسعى لتمثيل قوي في البرلمان المقبل.
وكان رؤساء مصر، فيما مضى، يترأسون الأذرع المدنية للكيانات التي يعتمدون عليها في الحكم، وفي قرارات البرلمان. وكان آخرها الحزب الوطني الديمقراطي الذي ترأسه الرئيس الأسبق مبارك، وشغل نجله جمال موقع الأمين العام المساعد للحزب لشؤون السياسات.
لكن الدستور الجديد، الذي أقره المصريون مطلع هذا العام، حظر على رئيس الدولة في مادته رقم 140 الانخراط في أي عمل حزبي، وقال «لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يشغل أي منصب حزبي طوال مدة الرئاسة».
ويعود العميد «العمدة» ليعلق على هذه النقطة، قائلا إن الرئيس، وقبل أن يفوز في انتخابات الرئاسة، وحتى قبل الدستور الجديد، أعلن أنه لن ينتمي لأي حزب، وقال إن «الشعب هو حزبي».
ويضيف: أما أسلوب اتخاذ القرار في البرلمان المقبل فسيؤكد أن «كل النواب يثقون في الرئيس وسيتخذون القرارات التي تصب في صالح مصر، ومن لديه وجهة نظر سيطرحها، والبرلمان يقر أو لا يقر هذا الكلام»، مشيرا إلى أنه توجد ثقة في وعي الشعب الذي «قام بثورتين وحبس رئيسين خلال أقل من 4 سنوات». وسيتكون البرلمان المقبل من 567 نائبا من بينهم 420 بنظام الانتخاب الفردي و120 بنظام القوائم، و27 يجري تعيينهم بمعرفة رئيس الدولة وفقا للدستور. ويضيف المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، إن النواب الذين سيجري تعيينهم من الرئيس «سيغطون التخصصات النادرة المطلوبة».
لكن عدد مَنْ سيعينهم الرئيس، في رأي السياسيين، قليل للغاية، ولا تزيد نسبته عن 5 في المائة من إجمالي النواب المنتخبين. وهنا يتساءل محمد راضي، أحد شباب ثورة 30 يونيو، بعد أن استمع لمناقشات عن مستقبل علاقة البرلمان بمؤسسة الرئاسة: مَنْ يضمن أن تتخذ الأغلبية القرارات التي تتماشى مع توجهات رئيس الدولة في السياسة والاقتصاد والأمن، سواء بالنسبة للقرارات المفصلية التي تتطلب أغلبية الثلثين أو بالنسبة للقرارات العادية التي تتطلب أغلبية النصف زائد واحد؟
ويجيب العميد عادل العمدة مرة أخرى قائلا: «نحن تعلمنا في القوات المسلحة أنه قبل أن ننفذ أي شيء، لا بد أولا من القيام بإجراء تقدير للموقف من أجل استيعاب كل الجوانب.. ما هي المعطيات وما هي الإمكانيات. وفي حال كانت الإمكانيات أقل من التحديات، نلجأ لطريقة التطويع من أجل استيعاب كل التحديات والتغلب عليها».
ويضيف: «لن نترك الأمور للاجتهاد لأناس هم في الحقيقة مجرد أبواق إعلامية تستهدف استنزاف الدولة وهدمها. ليست لدينا مثل هذه الرفاهية الآن».
وبالنسبة لكثير من السياسيين فإن الأمر ليس بتلك البساطة. ويأتي هذا وسط توقعات بأن يفوز 200 أو 300، أو أكثر، من النواب السابقين من حزب مبارك ونجله جمال، في البرلمان الجديد.
ودارت مثل هذه التكهنات والمخاوف في أروقة بعض الأحزاب وبعض الدوائر الأمنية، خاصة بعد أن خرجت تسريبات تتحدث عن أن رموز الحزب الوطني الكبار سيعودون بقوة مثل الملياردير أحمد عز، الذي كان يشغل موقع أمين تنظيم الحزب حتى ثورة 2011.
ويقول الدكتور جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية في جامعة قناة السويس، والمنسق العام لـ«تحالف العدالة الاجتماعية» الذي يضم 33 كيانا سياسيا، إنه لا بد أن يكون مع رئيس الدولة قوة سياسية منظمة.. «الواقع، اليوم، يؤكد أن الرئيس معه قوى جماهيرية، لكنها ليست منظمة في كيان سياسي محدد المعالم.. جنوده السياسيون غير واضحين»، مشيرا إلى أن كل الاحتمالات مفتوحة، بما في ذلك ما يقال عن محاولات رجال جمال مبارك العودة إلى الساحة السياسية من جديد.
واقترنت هذه المخاوف بسؤال ليست له إجابة قاطعة على ما يبدو حتى الآن، وهو: هل سيتعاون نواب حزب مبارك، حال فوزهم في البرلمان الجديد، مع الرئيس السيسي، أم سيحاولون التحالف مع نواب آخرين، بمن فيهم من سيفوز من تيار الإسلام السياسي، لتشكيل جبهة معارضة أو تكتل ذي أغلبية تمكنهم من تشكيل الحكومة، بعيدا عن اختيارات الرئيس، وهو حق منحه الدستور الجديد للبرلمان.
وتحدث أحد المصادر القريبة من دوائر صناعة القرار عن وجود «إدراك عميق لدى الدولة» لمثل هذه الاحتمالات التي يمكن أن تخلق نزاعا بين سلطات البرلمان وسلطات الرئيس مستقبلا، ولهذا، كما يقول «جرى وضع ضوابط صارمة للحيلولة دون عودة من ثار عليهم الشعب إلى البرلمان مرة أخرى».
ومن بين هذه «الضوابط الصارمة» التقسيم الجديد للدوائر الانتخابية والتي اعتمدها الرئيس السيسي قبل يومين. ويقول مسؤول سابق في حزب مبارك إن هذا التقسيم، على سبيل المثال، تسبب في خروج 3 كتل تصويتية مهمة في دائرة رجل الأعمال أحمد عز الذي يوصف بأنه أحد أهم المقربين من نجل الرئيس الأسبق.
كما أدى التقسيم الجديد للدوائر، وفقا للمصادر نفسها، إلى تفتيت الكتل التصويتية التي كان يعتمد عليها كل من نواب حزب مبارك ونواب جماعة الإخوان ونواب التيار السلفي.
وعلى سبيل المثال أيضا، كانت مناطق «الدخيلة والعامرية وبرج العرب» الواقعة في غرب مدينة الإسكندرية، دائرة انتخابية واحدة لها مقعدان في البرلمان، وكان يتقاسم هذين المقعدين الحزب الوطني وتيار الإسلام السياسي. وفي التقسيم الجديد أصبحت المنطقة تضم 3 دوائر ولها 5 مقاعد في البرلمان.. «وبالتالي فإمكانية فوز نواب من الوطني أو الإخوان أو السلفيين أصبحت أقل، في مقابل فرص أكبر لفوز وجوه جديدة ليست من تلك التي قد يكون لديها حنين للماضي».
ويقول محمود نفادي: «من يتحدث عن أن البعد الأمني وراء تقسيم الدوائر بالطريقة الجديدة، كما يزعم بعض السياسيين، أقول لهم إن البعد الأمني أصبح مطلوبا في كل شيء في مصر، لأن البرلمان المقبل، وهذه المرحلة التي تمر بها البلاد، ما زالت مرحلة انتقالية.. ما زلنا نريد أن نعبر إلى بر الأمان وإلى الاستقرار».
ومع هذا يشعر رجال أحزابٍ من المتحمسين لبناء مرحلة مختلفة عن السابق، بخطر النشاط الذي يقوم به في الوقت الراهن العديد من الطامحين للترشح للبرلمان، سواء من حزب مبارك الذي جرى حله في أبريل (نيسان) عام 2011 بحكم المحكمة، أو من الإسلاميين، من أجل توفيق أوضاعهم مع النظام الجديد للدوائر، ومع المتغيرات المستحدثة للعملية الانتخابية برمتها.
ويبلغ عدد الناخبين نحو 55 مليونا، غالبيتهم من الفقراء وأبناء العائلات والقبائل. وتقول التقارير الأمنية إن معظم هؤلاء يصوتون لأبناء دوائرهم دون الالتفات عادة لتوجهاتهم السياسية أو الحزبية.
كما يعتمد كثير من رجال الأعمال على أصوات عمال المصانع والشركات في الدوائر التي يترشحون فيها، مثل دائرة أحمد عز، الذي طالبه عمال مصانعه في مدينة السادات، الأسبوع الماضي، بالترشح لخوض الانتخابات عقب خروجه من السجن، حيث كان يحاكم في قضايا بتهم فساد مالي.
وفي حساب بسيط لعدد الذين ينتمون لحزب مبارك ممن يتوقع لهم أن يخوضوا الانتخابات النيابية المقبلة، يمكن، كما يقول أحد المسؤولين الأمنيين، أن يشكل الرقم أكثر من نصف مقاعد البرلمان، وهو رقم مؤثر في تكوين السلطة السياسية والرقابية لهذا المجلس التشريعي.
لكن نفادي يقول إن الرياح قد تأتي بما لا تشتهي السفن.. ويوضح: «العديد من الأحزاب تمكنت بالفعل من الاتفاق مع مرشحين من الحزب الوطني لكي يدخلوا البرلمان باسم تلك الأحزاب، لأن مثل هؤلاء المرشحين قادرون على حصد المقاعد، لكن في حال فازوا بالفعل، فإنهم سيعملون في البرلمان كنواب للدولة المصرية، وليس لهذا الحزب أو ذاك».
وتشبه وجهة نظر «نفادي» هذه ما ذهب إليه مستشار أكاديمية ناصر العسكرية، أي افتراض «حسن النية» في نواب البرلمان المقبل، إلا أن الدكتور زهران، وهو نائب سابق أيضا، وكان معارضا لمبارك، يرى ضرورة وجود «كيان سياسي» واضح المعالم منذ البداية «حتى لا نترك الأمر للمفاجآت في هذه الظروف الصعبة».
ويقول إن مسألة وجود سند سياسي واضح المعالم، للرئيس، وله قنوات اتصال مع الرئاسة، أمر مهم في تاريخ حكم الرؤساء المصريين منذ عام 1952، مشيرا إلى أن الرئيس عبد الناصر أسس ما يعضد حكمه، ومنها ما كان يعرف بـ«الاتحاد القومي» ثم «الاتحاد الاشتراكي» في بداية ستينات القرن الماضي.
ويضيف أنه بعد تولي الرئيس السادات الحكم كان لديه أيضا أذرع سياسية لكي يحكم من خلالها كان منها «الاتحاد الاشتراكي العربي»، وكان منها «المنابر» التي أسسها عام 1976، ثم اعتماده على نواب حزب مصر العربي الاشتراكي في البرلمان.
ولم يكن السادات رئيسا للحزب الحاكم وقتها (حزب مصر العربي الاشتراكي) أثناء مفاوضات السلام مع إسرائيل، بل كان رئيسه ممدوح سالم رئيس الوزراء الأسبق، ولهذا اصطدم السادات مع هذا الحزب بسبب مساعي السلام مع تل أبيب، مما تسبب في صدام مع رئيس الدولة وأسفر عن استقالة 75 من أعضائه في البرلمان.
ويزيد زهران موضحا أن السادات عقب الصلح مع إسرائيل، أسس الحزب الوطني الديمقراطي، الذي ترأسه مبارك بعد توليه الحكم عام 1981. ويبدو مبنى الحزب الوطني المحترق كئيبا حين تطل عليه من أعلى جسر السادس من أكتوبر المزدحم بالسيارات. ترى السخام المتبقي من ألسنة النار والدخان، يغطي الجدران والنوافذ والشرفات. ومنذ حرقه ونهب محتوياته على يد ألوف المحتجين في مطلع 2011، لم يقترب أحد من مكاتبه المهجورة وطوابقه التي تطل على النيل، بعد أن كانت يوما أحد أهم المقار السياسية في البلاد.
ومن أعلى هذا الجسر يمر جورج إسحاق، منسق حركة كفاية، التي كانت أول من نظم مظاهرات ضد تمديد مبارك لولايته وضد مزاعم خلافة ابنه جمال له في الحكم. وكانت الحركة تحمل شعار «لا للتمديد ولا للتوريث». ويقول إسحاق البالغ من العمر أكثر من 60 عاما، إن الحزب الوطني كان حزبا نفعيا.. كان يزعم أن لديه 3 ملايين عضو، لكن حين جرى حرق مبناه لم يدافع عنه أحد. ولا يتوقع إسحاق أن ينتخب المصريون رموز حزب مبارك مرة أخرى.
لكن نظرية إسحاق ربما لن تكون قاطعة، مقارنة بما يظهر يوما بعد آخر من استعدادات لرموز حزب مبارك، ممن يستعدون لخوض الانتخابات، ويعلقون لافتات التهاني ويقدمون العطايا الخدمية والوعود بمستقبل أفضل. ومن بين هؤلاء رجال أعمال كبار في مجال إنتاج وصناعة وتمويل شركات للحديد ومصانع للسيراميك والأسمنت والسيارات والأجهزة الكهربائية، وغيرها من قنوات تلفزيون وصحف ومواقع إخبارية مؤثرة على الإنترنت.
ويقول ياسر فراويلة، وهو سياسي مستقل، من محافظة الإسكندرية، وكان يعتزم خوض انتخابات الرئاسة في عام 2012، إن المخاوف التي يراها في دائرته الانتخابية (المنتزه) ليست من عودة بعض مليارديرات حزب مبارك، ولكن «من ردة فعل الناخبين تجاه عودتهم»، مشيرا إلى أن المخاوف من عودة نواب حزب مبارك «لها مبرراتها لأن الوضع في البلاد لم يهدأ بعد مما حدث من تجربة حكم جماعة الإخوان»، متوقعا انحسار المنافسة في هذه الدائرة بين نواب حزب مبارك والتيار السلفي.
ويعكس الصراع المبكر في دائرة ياسر فراويلة الانتخابية بالإسكندرية شكوكا حول طبيعة التحالفات المقبلة. ويقول: «تجري تربيطات قوية هنا.. الحزب الوطني تجاهل حزب النور (السلفي)، والمفاجأة التي قد تحدث هي تحالف الإخوان مع نواب مبارك نكاية في حزب النور الذي يتهمونه بأنه تخلى عن الجماعة بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي». ويتخوف أيضا من لجوء المرشحين لـ«الإنفاق المالي الكبير لاجتذاب الناخبين».
واقترنت العملية الانتخابية في مصر في العقود الماضية بما يعرف بـ«شراء أصوات الناخبين» عن طريق سماسرة الانتخابات. وتوجد العديد من الطرق المبتكرة منها «الصوت الطائر».
ويقول أحد مراقبي الانتخابات ويدعى حسين عاشور: «الصوت الطائر يعتمد على الناخبين المعوزين في المناطق شديدة الفقر وهي كثيرة.. يدخل الناخب الذي لديه استعداد لبيع صوته، إلى لجنة الاقتراع، ويأتي بالصوت فارغا دون أن يؤشر عليه ودون أن يضعه في الصندوق.. وحين يسلمه لسمسار الانتخابات في الخارج بمقابل مادي، يصل أحيانا إلى مائتي جنيه، يقوم السمسار بالتأشير على اسم المرشح المطلوب، ويعطي الصوت لناخب آخر بشرط أن يضعه في الصندوق ويأتي بصوت فارغ جديد، ويعطيه ثمنه، وهكذا».
ويضيف عاشور أن من الطرق الأخرى السهلة «قيام الناخب بتصوير الصوت، بكاميرا هاتفه المحمول، قبل أن يضعه في الصندوق، وبعد أن يخرج يقدم الدليل على اختياره للمرشح المطلوب لكي يحصل على المقابل المادي من السمسار».
ويشير عاشور إلى أن هذه الظاهرة كانت قد اختفت أثناء الاستفتاء على دستور 2014 وأثناء الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها السيسي، بعد أن شعر غالبية الشعب بأهمية الأصوات وما يترتب على نتائج الانتخابات من نتائج سياسية وأمنية واقتصادية تنعكس على حياتهم، كما حدث بعد انتخاب برلمان الإخوان ومرسي.
ويتوقع عاشور أن تعود ظاهرة بيع الأصوات مجددا، مع الانتخابات المقبلة. ويقول: «زيادة الفقر يقابلها قدرة كبيرة على الإنفاق المالي من جانب المرشحين.. حتى لو لم يكن هناك شراء للأصوات الانتخابية، إلا أنك إذا كنت مليونيرا، وأقمت مركزا طبيا لخدمة الفقراء في دائرتك، فهذا يزيد من حظوظك في جمع أصوات الناخبين ودخول البرلمان، بغض النظر عما إذا كنت من نواب حزب مبارك أو من النواب الإسلاميين. مسألة التوجه السياسي للمرشح ما زالت تحتاج إلى وعي شعبي وإلى أحزاب قوية».
ومن جانبه يعود فراويلة ويقول وهو يشرح الوضع في دائرته: «الصورة المتوقعة على مستوى محافظة الإسكندرية وغيرها من الدوائر الانتخابية في محافظات الوجه البحري، تقول إن الصراع على مقاعد البرلمان سينحصر بين نواب مبارك والسلفيين».
إلا أن جورج إسحاق يقول وهو يجيب عن فرص نواب «الوطني» السابقين: «لا أعتقد أنه سيكون لديهم فرصة كبيرة، لأنه يوجد حكم قضائي يمنع عليهم الترشح للبرلمان، ولدينا أسماء كاملة بهم جميعا، ولدينا وثائق تعلن فسادهم. وبالتالي لا أعتقد أنهم سيحصلون على أي شيء ذي أهمية».
ويبدو أن إسحاق وعددا من السياسيين الآخرين في العاصمة، ما زالوا يتحدثون عن حكم صدر في السابق وجرى إلغاؤه من المحكمة لاحقا، لأن الدكتور شوقي السيد، الفقيه الدستوري والقانوني، والذي كان نائبا مستقلا بالبرلمان، يوضح أن حكم منع ترشح نواب «الوطني»، الذي يتحدث عنه بعض الساسة اليوم «جرى الاستئناف عليه أمام القضاء وتم إلغاؤه. كما أن القضاء سبق وقال إن حل الحزب الوطني لا يعني حرمان أعضائه من الترشح.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور محمد رجب، آخر زعيم للأغلبية للحزب الوطني بمجلس الشورى (الغرفة الثانية في البرلمان السابق) في عهد مبارك، إن الحكم القضائي المشار إليه «ألغي بالفعل»، ويضيف قائلا إن الدستور الجديد منع أي عزل لأي أحد دون محاكمة.
ولا ينوي الدكتور رجب الترشح للانتخابات المقبلة.. «لكي نتيح الفرصة لوجوه شابة جديدة وليس بالضرورة أن تظل كل القيادات هي المستأسدة على طول الخط».
ويضيف بشأن الزخم الجاري في الإعلام المصري عن كثرة نواب الحزب الوطني (المنحل) ممن ينوون الترشح، أن «العدد ليس كبيرا كما يتردد، ولكن كلٌ يتخذ قراره بنفسه، بشأن خوض الانتخابات، وبالتالي عليه أن يدرس موقفه، وإذا رأى أن الناخبين يريدونه فليتقدم للانتخابات. وإذا رأى أنه ينبغي أن يعطي فرصة لمرشح آخر فهذا حقه».
ويجيب أحد نواب مبارك عن الدائرة الانتخابية بجنوب القاهرة حول خططه للترشح للبرلمان، قائلا: «الدستور يكفل لي هذا. لم أرتكب جرما.. الناخبون يحبونني، فما المانع؟!»
وعما إذا كان يقوم بالتنسيق مع نواب آخرين سابقين من حزب مبارك، يوضح أن «التنسيق مفتوح مع المرشحين المؤثرين، سواء كانوا من نواب الحزب الوطني القدامى، أو من المستقلين.. أما بالنسبة للتنسيق بعد الفوز في البرلمان، فهذا سابق لأوانه.. لا أحد يعرف الشكل الذي ستكون عليه خارطة المجلس النيابي المقبل»، مشيرا إلى أنه ونوابا آخرين من حزب مبارك ومن معارضيه اليساريين ومن المستقلين، شاركوا في ثورة المصريين ضد حكم الإخوان، وكانوا من الداعين لترشح السيسي للرئاسة.
ويوجد في مصر نحو مائة حزب، أغلبها تأسس بعد ثورة 2011، لكن للأسف، لم تتمكن الكثير منها من اختيار مرشحين من ذوي «الوجوه الجديدة» بل لجأت للتعاقد مع مرشحين ليترشحوا باسمها، وظهر أن هؤلاء من «الوجوه القديمة».
ويقول محمود نفادي: «بعض الأحزاب أصبحت تشتري المرشحين حاليا لكي يخوضوا الانتخابات المقبلة باسمها.. أحدها تعاقد بالفعل مع نحو 70 نائبا سابقا من نواب الحزب الوطني، سعيا للحصول على أكثرية في البرلمان المقبل.. هذه تعاقدات من نوع غريب تشبه تعاقدات الأندية الرياضية مع لاعبي كرة القدم». ويضيف نفادي أن «غالبية المستقلين الذين سيفوزون في هذا البرلمان سينضمون لحزب جديد كبير يوضع له تصور الآن، لكي يكون ظهيرا ومساندا للرئاسة، كما ستندمج فيه العديد من الأحزاب».



وزراء الخارجية العرب يدينون الاعتداءات الإيرانية ويلوحون بـ«الدفاع المشترك»

اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)
اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)
TT

وزراء الخارجية العرب يدينون الاعتداءات الإيرانية ويلوحون بـ«الدفاع المشترك»

اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)
اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في دورة غير عادية عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية المصرية)

أدان وزراء الخارجية العرب «بشدة» الاعتداءات الإيرانية على دول عربية، وعدُّوها «تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين»، وطالبوا مجلس الأمن الدولي في ختام اجتماع طارئ عقدوه، الأحد، عبر تقنية الاتصال المرئي بإجبار طهران على الوقف الفوري للاعتداءات، مؤكدين حق الدول المستهدفة في الدفاع عن النفس «منفرداً أو جماعياً».

وعقد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية الاجتماع الطارئ عبر تقنية «الفيديو كونفرانس» لبحث الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وخلص إلى إصدار قرار من 16 بنداً أدان «الاعتداءات الإيرانية غير القانونية»، ودعا طهران إلى «الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، والكف الفوري عن جميع الأعمال الاستفزازية أو التهديدات للدول المجاورة، بما في ذلك استخدام أذرعها وميليشياتها المسلحة في المنطقة».

وجدد الوزراء العرب التأكيد على «الدعم الثابت لسلامة أراضي الدول العربية المستهدَفة وسيادتها واستقلالها، وتأييد جميع الخطوات والإجراءات اللازمة التي تتخذها للذود عن أمنها واستقرارها وحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، بما في ذلك خيار الرد على هذه الاعتداءات».

وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي يشارك في اجتماع مجلس الجامعة على المستوى الوزاري عبر تقنية الاتصال المرئي (الخارجية السعودية)

وشدد الوزراء على «الرفض القاطع» لهذه الاعتداءات وتضامن جميع الدول العربية الكامل معها، مذكّرين بـ«مقتضيات ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي في مثل هذه الحالة، وتشديده على أن أمن الدول الأعضاء كل لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو هو اعتداء مباشر على جميع الدول الأعضاء».

كما أكدوا «حق الدول العربية المستهدفة بالاعتداءات الإيرانية في الدفاع الشرعي عن النفس، منفرداً أو جماعياً، وفقاً لما تقضي به المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة»، مجددين الدعم المطلق لحق الدول العربية في اللجوء إلى المؤسسات الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، لاستصدار قرارات دولية تدين «هذه الاعتداءات السافرة، وتُحمل إيران المسؤولية الكاملة عن الآثار المترتبة عليها».

ودعا وزراء الخارجية العرب مجلس الأمن الدولي إلى «تحمل مسؤولياته في حفظ السلم والأمن الإقليمي والدولي وإصدار قرار ملزم يدين الهجمات الإيرانية على الدول العربية، ويجبر إيران على وقف اعتداءاتها فوراً دون شروط».

وأكدوا «وجوب احترام حقوق وحرية الملاحة للسفن التجارية والنقل البحري التجاري وفقاً للقانون الدولي، وعلى حق الدول في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي».

تنديد ورسالة دعم

وأدان الوزراء العرب «جميع الأعمال والإجراءات الإيرانية الاستفزازية وتدابيرها الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة الدولية، أو تهديد حرية الملاحة في باب المندب والمياه الدولية»، مؤكدين أن أي محاولة من جانب إيران لإعاقة المرور المشروع وحرية الملاحة في مضيق هرمز تُعرض استقرار منطقة الخليج العربي، ودورها الحيوي في الاقتصاد العالمي، وإمدادات الطاقة، فضلاً عن السلم والأمن الدوليين، للخطر.

وفيما يتعلق بلبنان، شدد وزراء الخارجية العرب على «دعم وحدته وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، وعلى ضرورة بسط سلطة الدولة للبنانية الكاملة على جميع أراضيها»، مرحبين بقرار مجلس الوزراء اللبناني بشأن «الحظر الفوري لجميع النشاطات الأمنية والعسكرية لـ(حزب الله)، وعدّها خارجة عن القانون، وحَصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية؛ والتشديد على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، لا سيما الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية».

وفيما يخص الأراضي الفلسطينية، دعا الوزراء «الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، لإنهاء احتلالها غير القانوني للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة 1967».

وعُقد الاجتماع بناءً على طلب عدد من الدول العربية من بينها السعودية ومصر وقطر والكويت وعُمان والأردن والبحرين.

«مبادئ حسن الجوار»

وعدَّ الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، الاجتماع بمثابة رسالة واضحة للجميع في المنطقة والعالم، مفادها أن «العرب يتحدثون بصوتٍ واحد، ويقفون صفاً واحداً في إدانة ورفض أي اعتداء على أي دولة عربية، أو انتهاكٍ لسيادتها أو تهديد لسلامة أراضيها وأجوائها».

وأكد أبو الغيط في كلمته أن تلك الاعتداءات «لا تأخذ في حسبانها مبادئ حسن الجوار، وتنتهك القوانين والمواثيق الدولية على نحو سافر وخطير، وتُمثل تهديداً للأمن القومي العربي كله».

وشدد على أنه «لا يُمكن تبرير هذه الهجمات بأية حجة، أو تمريرها تحت أي ذريعة»، مضيفاً أنها «تعكس سياسة متهورة... تضرب حسن الجوار في الصميم».

وقال إن الدول العربية «لم تكن تتوقع أبداً أن يكون الرد على التمسك بمبادئ حسن الجوار والمساعي الدبلوماسية الصادقة هو الصواريخ والمُسيرات الغادرة التي تستهدف العُمران والإنسان»، مضيفاً أن «هذه العدوانية الإيرانية غير المبررة تعكس تخبطاً في الإدراك، وتُزيد من عزلة إيران في هذا الظرف الصعب والدقيق»، محذراً من آثارها السلبية التي قال إنها «قد تمتد إلى العلاقة بين إيران وجوارها العربي».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يشارك في اجتماع مجلس جامعة الدول العربية (الخارجية المصرية)

وكان أبو الغيط قد أدان قبل الاجتماع «بأشد العبارات، التصعيد الإيراني الخطير ضد أهداف مدنية ومنشآت حيوية في منطقة الخليج». وقال المتحدث باسم الأمين العام للجامعة العربية، جمال رشدي، في إفادة رسمية بأن «أبو الغيط يُتابع من كثب تطورات التصعيد الإيراني، ويعده استراتيجية يائسة ضد دول لم تُشارك في الحرب ولم تسعَ إليها، ولن يكون من شأن هذه الاستراتيجية سوى تعميق الكراهية والعداء في المنطقة».

كما تلقى أبو الغيط، الأحد، اتصالاً هاتفياً من الممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، نقلت خلاله رسالة إلى وزراء الخارجية العرب المجتمعين عبر «الفيديو كونفرانس» تضمنت إعراباً عن «الإدانة الشديدة، ومن دون مواربة، للهجمات الإيرانية على عدد من الدول العربية».

«التعاون العربي المشترك»

وأعرب وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في كلمته خلال الاجتماع عن «التضامن الكامل مع الدول الخليجية والأردن والعراق في مواجهة الاعتداءات الإيرانية»، مشدداً على «الإدانة القاطعة والرفض الكامل لهذه الاعتداءات وأي ذرائع لتبريرها».

ونوَّه الوزير المصري بـ«أهمية تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي للحفاظ على أمن الدول العربية، وصون سيادتها»، مشيراً إلى «ضرورة تفعيل أطر التعاون العربي المشترك للتعامل الفعال مع التهديدات القائمة، بما في ذلك تشكيل قوة عربية مشتركة».


قانون جديد للأحزاب في الجزائر يثير تجاذباً بين الإسلاميين والعلمانيين

رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)
رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)
TT

قانون جديد للأحزاب في الجزائر يثير تجاذباً بين الإسلاميين والعلمانيين

رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)
رفع الراية الأمازيغية في مظاهرة بمنطقة القبائل (حسابات ناشطين)

أعلن حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» في الجزائر، رفضه القاطع للتعديلات التي أدخلتها الحكومة على القانون العضوي للأحزاب السياسية، عادّاً نفسه «المستهدَف الأول» من وراء هذه الإجراءات.

تأتي هذه المعارضة في وقت أثارت فيه نسخة القانون الجديدة جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الجزائرية، خصوصاً فيما يتعلق ببنود حظر استخدام أي راية غير العلَم الوطني في الأنشطة الحزبية.

ويرى مراقبون أن هذه المادة تستهدف بشكل مباشر الأحزاب التي ترفع العلم الأمازيغي في اجتماعاتها.

وقدَّم هذه المبادرة (التعديلات) نواب من التيار الإسلامي - القومي، وتحظى بدعم «حركة مجتمع السلم» الإسلامي؛ ما أثار انتقادات، إذ يرى أصحابها أن ذلك يشكل مساساً بالتعبير عن التعددية الهوياتية التي يعترف بها الدستور، ويُنظر إليه عملياً على أنه يستهدف العلم الأمازيغي.

عثمان معزوز رئيس «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» ويظهر في مكتبه العلم الوطني مع راية الأمازيغ (إعلام الحزب)

وبحسب آراء نقلتها منصة الأخبار «ألترا الجزائر»، فإن «لجنة الشؤون القانونية» في «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى) تدرس حالياً سلسلة من التعديلات على النص الحكومي، من بينها مقترح تعديل للمادة السادسة قدمه النائب عبد الرحمن صالحي عن حزب «جبهة المستقبل» الموالي للسلطة.

دعم إسلامي

ويقترح هذا التعديل منع الأحزاب السياسية من «استخدام أي علم غير العلم الوطني»، بذريعة «الحفاظ على الوحدة الوطنية ومنع خطابات الكراهية أو الرموز التي قد تغذي الانقسامات الهوياتية».

حظيت المبادرة بدعم نواب من التيار الإسلامي، خصوصاً داخل حزب «حركة مجتمع السلم»، حيث يرى البرلماني التابع له، عز الدين زحوف، أن الالتزام الحصري بالعلم الوطني يُعدّ «أمراً بديهياً يهدف إلى تعزيز التماسك الوطني». وأضاف أن استخدام أعلام ذات طابع هوياتي أو جهوي قد يُحدِث «لَبْساً أو يغذي الانقسامات في الفضاء العام». كما استحضر الحراك الشعبي سنة 2019، حيث دعت بعض الشعارات إلى التمسُّك الحصري بالعَلَم الوطني، بعد أن تمّ رفع العلم الأمازيغي من طرف قطاع من نشطاء الحراك.

ويستند طرح البرلماني إلى قراءة رمزية للعلم الجزائري؛ إذ يرى أن ألوانه ورموزه، لا سيما الهلال والنجمة، «تحمل دلالة تاريخية وحضارية موحَّدة».

والجدل حول «راية الأمازيغ» قديم، يعود إلى 7 سنوات، وكان قد برز بقوة في عهد الراحل قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح، الذي شنَّ حملة اعتقالات ضد رافعي هذه الراية في الحراك الشعبي الذي أجبر الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة على التنحي في 2 أبريل (نيسان) 2019.

برلماني «حركة مجتمع السلم» الإسلامية عز الدين زحوف (حسابه الخاص بالاعلام الاجتماعي)

ويذهب معارضو هذا التوجُّه إلى أنه يعكس «رؤية آيديولوجية ذات صبغة عربية إسلامية للهوية الوطنية، وهي الهوية التي تتشكل»، حسب تقديرهم، «من روافد متنوعة تمثل الشعب الجزائري، وفي مقدمتها الأمازيغية التي يتبناها الملايين، لا سيما في مناطق الشرق والجنوب».

كما يرى منتقدو المقترح أن حظر أي علم غير العلم الوطني في النشاط الحزبي، «قد يكرّس تصوراً موحّداً للأمة، يتعارض مع الاعتراف الدستوري بالبعد الأمازيغي للهوية الجزائرية».

ويرى مراقبون أن هذا النقاش يتخطى أبعاده الرمزية، ليضع الإصبع على جرح التجاذب السياسي المزمن بين تيار يتمسك برؤية مركزية أحادية للهوية، وتيار آخر ينادي بضرورة الإقرار بالتعددية التاريخية والثقافية كركيزة أساسية للدولة.

وفي تقدير بعض المسؤولين السياسيين، قد يفتح هذا التعديل الباب أمام تقييد التعبير الثقافي والسياسي، في بلد يتميز بتعددية هوياتية يعترف بها الدستور.

وفي هذا السياق، أكد رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، عثمان معزوز، أن القضية تتجاوز مجرد تنظيم الرموز؛ فالوحدة الوطنية، بحسبه، «لا تتحقق بمنع الرموز الثقافية، بل ببنائها على أساس الاعتراف بالتنوع الذي يشكّل المجتمع الجزائري».

ومن هذا المنظور، فإن حظر الرموز الثقافية، ومنها العلم الأمازيغي، يطرح مسألة حدود حرية التعبير السياسي، إذ إن الأحزاب «ليست مجرد آلات انتخابية، بل فضاءات للتعبير الآيديولوجي والاجتماعي والثقافي»، وفق معزوز.

اجتماع للجنة القانونية البرلمانية حول تعديل مشروع قانون الأحزاب (إعلام البرلمان)

ويبدو، لأول وهلة، أن مبادرة النائب صالحي تعني بالدرجة الأولى «التجمُّع من أجل الثقافة» العلماني المعارض، الذي يبدي حرصاً على وضع راية الأمازيغ إلى جانب العلم الوطني في اجتماعاته، علماً بأن أهم قواعد هذا الحزب موجودة في منطقة القبائل الناطقة بالأمازيغية، وأغلب قيادييه ومناضليه يتحدرون منها.

وعلَّق سعيد صالحي، قيادي «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان»، التي حلَّتها السلطة في 2023، على هذا الجدل، في منشور له بالإعلام الاجتماعي: «لا جزائر بلا الأمازيغية: على هذا الشعار فتحت عيني في أول مدرسة لي للنضال الديمقراطي، ضمن الحركة الثقافية البربرية».

من جهتها، نشرت المنصة الإخبارية «ماغراب إيمرجنت»، أن «اللجنة القانونية» بـ«المجلس الشعبي الوطني» رفضت التعديل الذي اقترحه النائب عبد الرحمن صالحي.

وبعد رفض هذا الاقتراح، يبقى النص على النحو التالي: «لا يمكن للحزب السياسي اعتماد تسمية أو رمز أو علم مميز مطابق أو مشابه لتلك التي يملكها حزب أو جمعية أو نقابة أو أي تنظيم آخر سابق مهما تكن طبيعته»، كما يمنع النص أي حزب من «تبني مواقف أو أعمال مخالفة لمصالح الأمة ومبادئ ثورة التحرير».


تداعيات الحرب على إيران تلقي بظلالها على اليمن

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)
TT

تداعيات الحرب على إيران تلقي بظلالها على اليمن

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً صعبة ويعتمدون على المساعدات الإنسانية (إ.ب.أ)

ألقت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى بظلالها على الوضع الاقتصادي في اليمن، مع شروع بعض شركات الشحن في فرض رسوم إضافية على البضائع المتجهة إلى المواني اليمنية، تحت مسمى «رسوم مخاطر الحرب».

ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه اليمن على الاستيراد لتغطية نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية والسلعية، ما يثير مخاوف من انعكاس أي زيادات في تكاليف النقل على أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية.

وتزامن هذا التطور مع حالة ترقب تسود الأوساط السياسية والشعبية لاحتمالات انخراط جماعة الحوثيين في الصراع الإقليمي، وهو ما قد يضاعف من الضغوط الاقتصادية والإنسانية على بلد يعاني بالفعل من أزمة معيشية حادة منذ سنوات الحرب.

الحكومة اليمنية أكدت أن موانيها لا تزال بعيدة عن مناطق التوتر (إعلام محلي)

وفي محاولة لطمأنة الأسواق، أكدت الحكومة اليمنية أن المخزون الاحتياطي من القمح يغطي احتياجات البلاد لمدة 3 أشهر، في حين أنَّ تعاقدات التجار التي يُنتظر وصولها خلال الفترة المقبلة ستكفي لتغطية الطلب لـ3 أشهر إضافية، ما يمنح السلطات هامشاً زمنياً للتعامل مع أي تطورات محتملة في حركة التجارة الدولية.

اعتراض حكومي

بعد أيام من تأكيد وزارة الصناعة والتجارة اليمنية استقرار مخزون القمح في البلاد، كشفت وزارة النقل عن قيام بعض الخطوط الملاحية الصينية بفرض رسوم إضافية كبيرة على البضائع المتجهة إلى المواني اليمنية، بلغت نحو 3 آلاف دولار عن كل حاوية، تحت ذريعة المخاطر المرتبطة بالحرب الدائرة في المنطقة.

ووجَّهت وزارة النقل خطاباً رسمياً إلى رئيس الغرفة الملاحية في العاصمة المؤقتة عدن، أعربت فيه عن اعتراضها على فرض هذه الرسوم، خصوصاً أنها شملت أيضاً شحنات وصلت بالفعل إلى المواني اليمنية قبل الثاني من مارس (آذار) الحالي.

صورة لخطاب احتجاج وزارة النقل اليمنية على زيادة رسوم الشحن (إكس)

وأكد الخطاب، الذي وقَّعه وكيل وزارة النقل، القبطان علي الصبحي، أن الوزارة تلقت شكاوى من عدد من التجار والموردين اليمنيين بشأن هذه الزيادة المفاجئة في تكاليف الشحن، والتي وصفها بأنها خطوة غير مُبرَّرة، نظراً لعدم وقوع المواني اليمنية ضمن مناطق النزاع المباشر.

وطلبت الوزارة من الغرفة الملاحية إبلاغ شركات الشحن باعتراض الحكومة على فرض أي رسوم إضافية على الواردات المتجهة إلى المواني اليمنية، مع دعوتها إلى موافاتها بأي مستجدات في هذا الشأن، وإبداء استعدادها لمناقشة أي صعوبات قد تواجه حركة السفن والعمل على تذليلها.

إجراء غير منطقي

في سياق هذه التداعيات، أكد وزير النقل، محسن حيدرة، أن الحكومة تتابع من كثب التحديات التي تواجه القطاع التجاري والملاحي في البلاد، مشدداً على أن المواني اليمنية لا تزال بعيدةً عن مناطق التوتر الجيوسياسي في الخليج العربي ومضيق هرمز.

وقال الوزير في تصريحات رسمية، إن فرض رسوم إضافية تحت مسمى «مخاطر الحرب» على الشحنات المتجهة إلى اليمن «إجراء يفتقر إلى المبررات المنطقية والواقعية»، لافتاً إلى أن تلك المواني تعمل بصورة طبيعية ولا تقع ضمن مناطق عمليات عسكرية أو تهديدات مباشرة للملاحة.

وأكد حيدرة أن الوزارة ترفض بشكل قاطع أي مبالغ إضافية على البضائع المتجهة إلى البلاد، خصوصاً عندما تصل هذه الرسوم إلى نحو 3000 دولار للحاوية الواحدة، محذراً من أن مثل هذه الإجراءات من شأنها زيادة الأعباء على الموردين والتجار، وهو ما سينعكس بدوره على أسعار السلع التي يتحمَّل المواطن البسيط تكلفتها في النهاية.

وأضاف الوزير أنه وجه الجهات المعنية بمنع تحصيل هذه الرسوم فوراً، خصوصاً بالنسبة للشحنات التي وصلت بالفعل إلى المواني قبل التاريخ الذي حددته شركات الشحن، مؤكداً أنه يتابع تنفيذ هذا التوجيه بشكل مباشر.

كما شدَّد على أن الحكومة لن تسمح بأن تتحول المواني اليمنية إلى ساحة لفرض أعباء مالية غير قانونية تزيد من معاناة السكان، في بلد يعاني ملايين من مواطنيه من تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.

ورغم نبرة الرفض الحازمة، أكد الوزير أن أبواب الوزارة ستظل مفتوحةً أمام شركات الملاحة الدولية لمناقشة أي تحديات تواجهها، مع التأكيد على التزام الحكومة بتوفير بيئة تجارية شفافة وجاذبة للاستثمار.

وأوضح وزير النقل اليمني أن حماية الاقتصاد الوطني تبدأ بحماية حقوق الموردين والتجار، مع التزام السلطات باتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لضمان استقرار قطاع النقل البحري، بوصفه شرياناً حيوياً لتدفق السلع إلى السوق اليمنية.

مخاوف إنسانية

في موازاة المخاوف الاقتصادية، حذَّرت الأمم المتحدة من التداعيات الإنسانية المحتملة لتصاعد التوترات العسكرية في المنطقة على اليمن، الذي يُعدُّ من أكثر الدول هشاشة في العالم من حيث الأمن الغذائي.

وقال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، إن أي تصعيد إضافي في النزاع بالمنطقة، سواء في اليمن أو في البحر الأحمر، قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية أو نقص في الإمدادات الغذائية.

وأوضح المسؤول الأممي أن مثل هذه التطورات قد تزيد من تفاقم الوضع الغذائي المتردي بالفعل، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، حيث يعتمد ملايين السكان على المساعدات الإنسانية للبقاء.

الأمم المتحدة خزَّنت كميات تموينية في اليمن (الأمم المتحدة)

وأشار فليتشر إلى أن المنظمة الدولية قامت بتفعيل خطط الطوارئ في مختلف دول المنطقة، بما في ذلك اليمن، تحسباً لأي آثار غير مباشرة للنزاع المتصاعد.

وكشف عن أن الأمم المتحدة تعمل على تخزين كميات احتياطية من المساعدات الإنسانية، إضافة إلى إعداد خيارات تمويل سريعة، من بينها تخصيصات محتملة من الصندوق المركزي للاستجابة للطوارئ؛ بهدف ضمان استمرار عمليات الإغاثة في حال تعطل سلاسل الإمداد.

كما حذَّر المسؤول الأممي من أن إغلاق المجال الجوي في بعض مناطق المنطقة قد يعرقل عمليات نقل المساعدات الإنسانية إلى اليمن، في ظلِّ توقف بعض رحلات الأمم المتحدة التي تُستخدَم لنقل العاملين في المجال الإنساني والإمدادات الضرورية.