«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

أميركا تقترب من شهر الدسائس والفضائح الانتخابية والصفقات المشبوهة

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب
TT

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

يجادل العديد من الديمقراطيين في الولايات المتحدة بأنه إذا أجريت انتخابات الرئاسة الأميركية اليوم في ظل استطلاعات رأي تمنح مرشحهم جو بايدن التقدم على منافسه دونالد ترمب، فإنهم سيستعيدون البيت الأبيض. وحقاً، بعض الاستطلاعات أعطت بايدن تقدماً بـ297 صوتاً في المجمع الانتخابي، أي أكثر بـ27 صوتا عما يحتاجه للفوز. ولذا فهم في سباق مع الوقت للإبقاء على هذه النتائج والحفاظ على أسباب تقدمهم، عبر الاستثمار في النتائج التي سببتها جائحة كوفيد - 19. سواء على المستوى الصحي مع أرقام الإصابات والوفيات المخيفة، أو على المستوى الاقتصادي والنتائج الكارثية التي ضربت قطاعاته كلها تقريباً.
في المقابل، يرى الجمهوريون أنه كلما تحسنت أرقام الجائحة والاقتصاد، تعززت حظوظ ترمب. إلا أنهم في ظل عجزهم عن تأجيل الانتخابات للاستثمار في عامل الوقت أيضا، قد يلجأون إلى مفاجآت أخرى، أو ما يعرف بـ«مفاجأة أكتوبر».

في مصطلحات السياسة الأميركية، «مفاجأة أكتوبر». و«المفاجأة» حدث إخباري يجري توقيته بشكل متعمد، أو يحدث أحيانا بشكل عفوي، ويكون له تأثير مباشر على نتيجة الانتخابات العامة، التي ستشهد تجديد نصف أعضاء مجلس الشيوخ وكل أعضاء مجلس النواب وانتخاب عدد من حكام الولايات وانتخاب الرئيس. وبما أن الانتخابات تجري في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، فإن الأحداث التي تجري في أكتوبر لديها إمكانات أكبر للتأثير على قرارات الناخبين المحتملين، وخصوصاً، على الناخبين المستقلين والمترددين الذين لم يحسموا خيارهم بعد... فإما أن يغير الحدث مسار الانتخابات برمتها أو يعزز بقوة اتجاهات التصويت المسبقة.

ويليام كيسي أطلق التسمية

المصطلح نفسه صاغه ويليام كيسي، الذي شغل منصب مدير حملة الرئيس الجمهوري رونالد ريغان عام 1980 ومدير «وكالة الاستخبارات المركزية» (السي أي إيه) في عهده لاحقاً.
في حينه أطلق المصطلح على المفاجأة السياسية التي واكبت انتخابات ذلك العام، ومؤداها أن حملة ريغان عقدت صفقة سرية مع إيران لتأجيل إطلاق سراح الرهائن الأميركيين الـ52 الذين احتجزتهم مجموعة من الطلاب الإسلاميين في السفارة الأميركية في طهران لمدة 444 يوما، وذلك لإفشال حظوظ الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر من الفوز بولاية ثانية.
يومذاك، تزامنت التغطية الإخبارية مكثفة لإعلان كارتر حول الرهائن مع بيان الحكومة الإيرانية بأن إطلاق سراحهم لن يحصل إلا بعد الانتخابات، وهو ما جرى في الواقع بعد ساعات على حفل تنصيب ريغان، أي في 20 يناير (كانون الثاني) 1981. وحظي هذا الأمر باهتمام واسع النطاق، بعد تسريب صحيفة «الواشنطن بوست» خبر تأهب إدارة كارتر لشن عملية عسكرية واسعة النطاق لإطلاق سراح الرهائن. ووفق كتابات وتقارير صحافية في ذلك الوقت، لعب ديفيد روكفلر، الرئيس السابق لمجموعة «تشايس مانهاتن» المصرفية دوراً كبيراً في دعم حملة ريغان وسخر قوته المالية لدعم معارضي كارتر. وساعد فريق روكفلر (وهو ابن إحدى أبرز العائلات السياسية والمالية الأميركية) في جمع ونشر شائعات حول «مكافآت» محتملة وعد بها كارتر إذا جرى الإفراج عن الرهائن. وهي ادعاءات قالت حملته الانتخابية إنها أعاقت المفاوضات التي كانت تجرى مع إيران لإطلاق سراحهم. وغالباً ما يجري تناول الدور الذي تلعبه تلك العائلات والشركات الكبيرة والمؤسسة السياسية في واشنطن للتأثير على الانتخابات الرئاسية في اختيار الشخصية التي تتناسب مع مصالحها.
وفي هذا الشأن، كتب جوزيف ريد، رئيس فريق موظفي روكفلر الذي عينه ريغان لاحقاً سفيراً في المغرب، رسالة لعائلته بعد الانتخابات قال فيها «لقد بذلت كل جهدي لإحباط أي جهد من جانب مسؤولي كارتر لإنهاء مفاجأة أكتوبر»، في إشارة على ما يبدو إلى جهود روكفلر لإحباط صفقة إطلاق سراح الرهائن. ولكن رغم ذلك، حين دعا غاري سيك، عضو مجلس الأمن القومي في عهدي الرئيسين جيرالد فورد وجيمي كارتر (قبل إعفائه من مهامه بعد أسابيع من ولاية ريغان) إلى فتح تحقيق في هذه القضية في مقالة افتتاحية في صحيفة «النيويورك تايمز»، قبل انتخابات عام 1992، كان الرد الأولي من الحزبين في الكونغرس متشككاً. إذ رفض الديمقراطيون في مجلس النواب منح الإذن بإجراء التحقيق، ورفض الجمهوريون في مجلس الشيوخ تخصيص 600 ألف دولار لإجرائه.
لكن الرئيس الإيراني السابق أبو الحسن بني صدر، صرح بأن «حملة ريغان أبرمت صفقة مع طهران لتأجيل الإفراج عن الرهائن». وأكد أنه «بحلول الشهر الذي سبق الانتخابات الرئاسية الأميركية في 1980. كان العديد في الدوائر الحاكمة في إيران يناقشون علانية حقيقة إبرام الصفقة لمنع إعادة انتخاب كارتر». وكرر بني صدر ادعاءاته هذه في كتابه «دوري لأتحدث: إيران والثورة والصفقات السرية مع الولايات المتحدة».
كذلك كشفت تقارير أخرى أن حملة ريغان تمكنت من الحصول على أوراق عن «استراتيجية» نقاشات كارتر قبل المناظرة الوحيدة التي أجريت بينهما عام 1980. وزُعم أيضاً أن حملة ريغان استعانت بمسؤولين متقاعدين من «السي آي إيه» وجاسوس داخل إدارة كارتر لجمع المعلومات حول سياسته الخارجية، بحسب تقرير لمجلة «تايم» عام 1983.

إيران كونترا

وفي يونيو (حزيران) 1992، اتهم كاسبار واينبرغر، وزير الدفاع السابق في عهد رونالد ريغان، بالتورط في قضية «إيران كونترا». ورغم قوله إنه عارض بيع إيران السلاح مبدئياً، فإنه شارك في إجازة نقل صواريخ «تاو» الأميركية المضادة للدروع إليها، وهي أسلحة استخدمت لوقف تقدم دبابات الجيش العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية. ووجهت إلى واينبرغر لاحقا عدة تهم جنائية بالكذب في ملف إيران. واتهم الجمهوريون، بسخط، المستشار المستقل لورانس والش بتوقيت توجيه لائحة الاتهام لواينبرغر بهدف الإضرار بفرص إعادة انتخاب جورج بوش الأب (الذي خلف ريغان). ومع اقتراب موعد محاكمته، ظهرت معلومات أكثر صلابة عن الدور المباشر لبوش. وقال هوارد تيشر، مستشار ريغان لشؤون الشرق الأوسط، أن بوش كان على علم بصفقة الأسلحة في ربيع 1986. كذلك، نشرت مذكرة إسرائيلية أوضحت أن بوش كان ضالعاً في الصفقة خلال يوليو (تموز) 1986.

بوش الابن... وأوباما وماكين

وقبل أيام من انتخابات نوفمبر عام 2000، أكد توماس جيه كونولي، وهو محامي دفاع بارز ومرشح ديمقراطي لمنصب حاكم ولاية ماين عام 1998، لأحد المراسلين أن المرشح الرئاسي الجمهوري جورج بوش الابن كان قد تعرض للتوقيف بسبب قيادته سيارته وهو ثمل في تلك الولاية عام 1976. وأكد بوش التقرير في مؤتمر صحافي بعد لحظات من الكشف عنه.
وفي 31 أكتوبر 2008، قبل أربعة أيام من الانتخابات الرئاسية، أفادت وكالة «أسوشييتد برس» أن زيتوني أونيانغو، عمة المرشح الديمقراطي باراك أوباما، كانت تعيش كمهاجرة غير شرعية في بوسطن. ولقد حُرمت من حق اللجوء وأمرت بمغادرة الولايات المتحدة عام 2004. في المقابل وصف البعض الارتفاع القياسي في معدل البطالة في أكتوبر 2008 بأنه «مفاجأة أكتوبر»، لحرمان مرشح الجمهوريين السيناتور الراحل جون ماكين من الفوز أمام منافسه الديمقراطي أوباما، في خضم أزمة الرهن العقاري وانهيار أسواق المال وإفلاس عدد من البنوك الكبرى وانهيار قطاع السيارات.

شريط ترمب وتسريبات هيلاري

وفي 7 أكتوبر عام 2016. نُشر شريط فيديو يعود للعام 2005، يظهر المرشح الجمهوري دونالد ترمب يقول بلغة صريحة، إن النساء سمحن له بتقبيلهن ولمسهن لأنه «نجم». وأثارت تصريحاته غضب العديد من السياسيين من كلا الحزبين. ومع أن ترمب قد اتُهم بالتمييز على أساس الجنس في عدة مناسبات من قبل، فإنه اعتذر لاحقا عن هذه التصريحات، بقوله إنها «لا تعكس من هو». لكن نشر الشريط أدى إلى سحب العديد من الجمهوريين تأييدهم له، من بينهم المرشح الرئاسي السابق سيناتور أريزونا جون ماكين، وسيناتورة ولاية نيو هامبشير كيلي أيوت، والمرشحة الجمهورية وسيدة الأعمال البارزة كارلي فيورينا. وطلب منه كثيرون آخرون ممن لم يؤيدوه من قبل، التنحي عن منصب المرشح الجمهوري، بمن فيهم وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس.
وخلال الفترة نفسها، بدأ موقع «ويكيليكس» حملة لإطلاق رسائل بريد إلكتروني ومقتطفات من حساب جون بوديستا، مدير حملة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. وعُرفت تلك المقتطفات فيما بعد بـ«تسريبات بوديستا» التي سلطت الضوء بشكل سلبي جدا على كلينتون، وتضمنت مقتطفات صوتية من الخطب التي ألقتها لمجموعة متنوعة من البنوك، وأسئلة النقاش التي سُربت إليها قبل مناظرتها مع ترمب.
وبعد ثلاثة أسابيع، يوم 28 أكتوبر، أعلن جيمس كومي مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) في رسالة إلى الكونغرس أنه سيتخذ «خطوات التحقيق المناسبة» لمراجعة رسائل البريد الإلكتروني الإضافية المتعلقة باستخدام هيلاري كلينتون لخادم بريد إلكتروني خاص. جاء ذلك بعد العثور على رسائل بريد إلكتروني اكتشفت على جهاز كومبيوتر صادره «إف بي آي» أثناء التحقيق مع النائب السابق أنتوني وينر بعد اتهامه بإرسال صور فاضحة إلى قاصر. وعُثر على رسائل البريد الإلكتروني على جهاز كومبيوتر يستخدمه كل من وينر وزوجته السابقة هوما عابدين، كبيرة مساعدي كلينتون، وفقا لمسؤولي «إف بي أي».

الهجرة وتهم العنصرية

وفي انتخابات التجديد النصفي لأعضاء مجلس الشيوخ وانتخابات مجلس النواب عام 2018، تحولت «قافلة المهاجرين» من أميركا الوسطى، إلى «مفاجأة أكتوبر». إذ نشر الرئيس ترمب معلومات عن القافلة في تغريدات له على تويتر. وأطلق لاحقاً إعلاناً تلفزيونياً انتقده الكثيرون باعتباره عنصرياً (وهو ما أجبر حتى محطة «فوكس نيوز» اليمينية المؤيدة لترمب ومحطة «إن بي سي» وموقع «فيسبوك» على إزالة الإعلان، بينما رفضت محطة «سي إن إن» بثه).
ومن ثم، هيمنت القضية على النقاش في العديد من شبكات الأخبار، ووجهت الانتقادات لترمب. وبدلا من أن تؤدي «قافلة المهاجرين» إلى دعم حظوظ المرشحين الجمهوريين الذين كانوا يهيمنون على مجلسي الشيوخ والنواب، فإنهم خسروا سيطرتهم على مجلس النواب وانتقلت إلى الديمقراطيين.

المفاجأة الجديدة المنتظرة

في أي حال، إذا كانت الاتهامات توجه دائما للجمهوريين بأنهم لطالما برعوا في استخدام «مفاجأة أكتوبر» لقلب اتجاهات التصويت، عبر محاولة تفجير إما مفاجأة سياسية أو فضيحة شخصية، أو عقد صفقات ما، فإن الأنظار تتجه اليوم إلى الجهود التي سيبذلها كل من ترمب وبايدن للعثور على «مفاجأة أكتوبر» لهذا العام، في ظل قائمة من الخيارات الضيقة أمامهما.
ومع إثارة صحيفة «ذي أتلانتيك» قضية امتناع ترمب عن زيارة مقبرة الجنود الأميركيين الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى في فرنسا، وتصويره بمظهر المنتقد المُهين للقوات الأميركية، تحولت القضية إلى «مفاجأة» مبكرة، وضعت الجمهوريين في موقف دفاعي، بعدما كانوا يأملون بتسليط الضوء على ملفات أخرى، كملف الأمن والقانون.
ولعل ما أثار حفيظة ترمب ومناصريه هو أن وسائل إعلامية أخرى هبت لتأكيد تقرير الصحيفة، أبرزها وكالة «الأسوشييتد برس» وصحيفتا «الواشنطن بوست» و«النيويورك تايمز»، بل حتى قناة «فوكس نيوز» الداعمة لترمب.
في المقابل، يتوقع الديمقراطيون أن يواصل ترمب السعي لتحقيق إنجاز في سياسته الخارجية، والاستثمار في ملفاتها... من التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، إلى عقد صفقة حول إيران أو كوريا الشمالية، بجانب إعادة العسكريين الأميركيين من الخارج. وحقاً، بعدما أعلن ترمب عن سحب ما يقرب من 12 ألف جندي من ألمانيا، بدا أن الأمر لم يكن كافياً. وفعلاً، أعلن في واشنطن بالأمس عن التوجه لسحب نحو ثلث القوات الأميركية المنشورة في العراق خلال الأشهر القليلة المقبلة. وأيضاً ما ينطبق على العراق سينطبق على أفغانستان. إذ ينوي ترمب سحب القوات بالكامل من هناك، وعديدها 8600 جندي، إلا أن الخروج من أفغانستان قبل إجراء انتخابات قد يسمح لطالبان بالاستيلاء على السلطة، وإن كان سيسمح لترمب بالقول إنه يفي بوعده «أميركا أولاً».
كوريا الجنوبية هي مكان آخر محتمل لخفض القوات، لأن سيول لن تستسلم لطلب ترمب بدفع مبلغ 5 مليارات دولار سنويا لدعم كلفة وجود القوات الأميركية فيها. ويتهم الديمقراطيون ترمب بأنه قد يحاول عقد قمة جديدة مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، وقد يعده حتى بسحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية.

«ورقتا» الأمن والاقتراع

ويرجح الديمقراطيون أن يكرر ترمب نشر قوات الأمن الاتحادية لمواجهة المحتجين المحليين في ظل استمرار الاحتجاجات على خلفية عنف الشرطة والتمييز العنصري ضد الملونين. ويقولون إن تجربة مدينة بورتلاند شكلت رداً على سياسته لفرض «القانون والنظام». إذ بمجرد خروج القوات الاتحادية منها انتهت الفوضى فيها!. لكن احتمال اندلاع مواجهات جديدة لا يزال قائما بشدة، في ظل استمرار حوادث إطلاق النار سواء من رجال الشرطة أو من المتظاهرين اليمينيين واليساريين المتطرفين. ويقول العديد من النقاد والمحللين إنه كلما اشتعلت المواجهات وتحولت إلى أعمال عنف، كلما صب ذلك في خدمة خطاب ترمب، الذي يسعى لإخافة الناخبين البيض. ويحذرون من أن نشر القوات الاتحادية على نطاق واسع في المدن التي يسيطر عليها الديمقراطيون قبل أيام من الانتخابات، أو حتى إعلان الأحكام العرفية، من شأنه أن يؤدي إلى منع مؤيدي بايدن من التصويت. بل إن البعض يحذر من احتمال الإعلان عن تعطل خدمة البريد التي يشكك فيها ترمب كوسيلة قانونية لتسليم بطاقات الاقتراع والتصويت، ما يمنع تسليمها في معاقل الديمقراطيين، لتشكل «مفاجأة أكتوبر» محلية.
إيران هي دولة أخرى يمكن أن يحاول فيها ترمب القيام بالتفافة كبيرة، إما عبر صفقة نووية، يخشى أن تكرر الاتفاق الذي خرج منه، أو تنفيذ ضربات جوية ضد برنامجها النووي المتوسع، وهما على أي حال احتمالان غير متوقعين حتى الساعة. لكن هل تتغير اللعبة اليوم وينجح الديمقراطيون في إحداث مفاجأة مع إيران نفسها، في تكرار معكوس لما جرى في ثمانينات القرن الماضي؟ وفيما يكرر ترمب قوله إنه جاهز لتوقيع اتفاق مع إيران، مباشرة بعد الانتخابات عندما يتم التجديد له في نوفمبر (تشرين الثاني)، يتهم الجمهوريون مسؤولين سابقين في فريق الرئيس السابق باراك أوباما، وخصوصا وزير خارجيته جون كيري، بأنه التقى بمسؤولين إيرانيين لإقناعهم على الصمود وعدم الرضوخ ومقاومة «الضغوط القصوى» التي يمارسها ترمب إلى ما بعد الانتخابات لحرمانه من الفوز.

البداية المبكرة غير المباشرة كانت مع نيكسون

> مع أن مصطلح «مفاجأة أكتوبر» أبصر النور مع ويليام كيسي، كانت هناك أحداث مؤثرة في الانتخابات سبقته زمنياً. ذلك أنه خلال الانتخابات الرئاسية عام 1972 بين الجمهوري ريتشارد نيكسون والديمقراطي جورج ماكغفرن، كانت الولايات المتحدة في السنة الرابعة من المفاوضات لإنهاء حرب فيتنام الطويلة والمثيرة للانقسام.
ويوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1972، أي قبل 12 يوما من الانتخابات التي نظمت في 7 نوفمبر، ظهر كبير المفاوضين الأميركيين ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر، في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، وأعلن «أن السلام في متناول اليد». وهو تطور زاد كثيراً من فرص نيكسون في الفوز مع أن استطلاعات الرأي كانت تعطيه تقدماً على منافسه.
ورغم فشله في وقف الحرب بشكل كامل، تمكن نيكسون من خفض بشكل كبير من مشاركة القوات الأميركية وسحب القوات البرية عام 1973. لينتهي التدخل الأميركي في فيتنام عام 1975.

«قضيتا» أرنولد شوارتزنيغر

> في 2 أكتوبر 2003، أصدرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» تقريرا عن أرنولد شوارتزنيغر، (حاكم كاليفورنيا السابق والممثل ورياضي كمال الأجسام) ومزاعم لاحقة بأنه كان زير نساء، متهمة إياه بارتكاب أفعال متعددة من سوء السلوك الجنسي خلال العقود الماضية.
ونشرت القصة قبل أيام معدودات من إعادة إطلاق حملة انتخابه حاكما لولاية كاليفورنيا. ولم تكن تلك القصة الوحيدة المُحرجة عن شوارتزنيغر التي ظهرت على السطح قبل أيام فقط من الحملة. إذ أنه في اليوم التالي، ذكرت محطة «إيه بي سي نيوز» و«نيويورك تايمز» أنه خلال عام 1975، أشاد شوارتزنيغر بالزعيم النازي أدولف هتلر خلال المقابلات الخاصة بفيلم «بمبنغ أيرون» - أو «ضخ الحديد» - الذي أسهم في شهرته كرياضي كمال الأجسام ودفعه للتحول إلى ممثل.


مقالات ذات صلة

مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

حصاد الأسبوع اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)

مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

تكتسب مينيابوليس أهميةً تتجاوز كونها أكبر مدن ولاية مينيسوتا، ذات الكثافة السكانية الاسكندنافية بشمال وسط الولايات المتحدة، ومركزها الاقتصادي والثقافي، و«توأم»

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)

براغماتية موسيفيني وعقدة «الدولة الحبيسة» تؤطّران تحرّكات أوغندا

في ظل ظروف إقليمية مضطربة، تتقاطع فيها أزمات دول القرن الأفريقي مع صراع على موانئ البحر الأحمر ومياه نهر النيل، تبرز أوغندا، الدولة الحبيسة الواقعة في شرق

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع عيدي أمين (غيتي)

محطات بارزة من العنف إلى الاستقرار في أوغندا

في شرق القارة الأفريقية بعيداً عن منافذ البحر، تقع دولة أوغندا، التي استطاعت تحقيق قدر من الاستقرار في منطقة تشوبها الاضطرابات، وإن لم تسلم من تأثيرها

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

يفرض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، واقعاً جديداً في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومن المحتمل أن تمتد تأثيراته إلى كل منطقة الشرق الأوسط. وذهبت تحليلات

محمد أمين ياسين (نيروبي (كينيا))
حصاد الأسبوع جاي روبرت (جي بي) بريتزكر

جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

قبل الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، يبدو الحزب الديمقراطي وكأنه يخوض معركتين في آنٍ واحد: الأولى ضد خصم جمهوري أعاد تعريف السياسة

إيلي يوسف (واشنطن)

مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
TT

مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)

تكتسب مينيابوليس أهميةً تتجاوز كونها أكبر مدن ولاية مينيسوتا، ذات الكثافة السكانية الاسكندنافية بشمال وسط الولايات المتحدة، ومركزها الاقتصادي والثقافي، و«توأم» عاصمتها السياسية سانت بول.

في السنوات الأخيرة تحوّلت «رمزاً سياسياً» تختصر فيه الولاية تناقضات أميركا بين حالة ديمقراطية ليبرالية تقدّمية وسلطة فيدرالية جمهورية أكثر صدامية في عهد دونالد ترمب.

مينيابوليس تشتهر بكونها مدينة «الطبيعة داخل المدينة». إذ تحتضن شبكة بحيرات ومستنقعات وجداول داخل حدودها، إلى جانب نهر المسيسيبي، ومسارات مشي ودرّاجات تمتد لأميال ضمن منظومة حدائق تُقدَّم كميزة فريدة.

وبجانب هذا الوجه الطبيعي، لدى مينيابوليس حضور ثقافي لافت في الغرب الأوسط، من «ووكر آرت سنتر» وحديقة المنحوتات، إلى «غاثري ثياتر» الذي يُعدّ مؤسسة مسرحية مركزية في المدينة. وتضم عدداً كبيراً من مقار الشركات والمؤسسات، مثل شركة «تارغت» و«يو إس بان كورب» وغيرهما؛ ما يعزّز ثقلها كعقدة أعمال ومال وخدمات في مينيسوتا.

لكن شهرة مينيابوليس اليوم ليست سياحية فقط؛ فهي تُصنَّف مدينة تقدّمية؛ لأن سياساتها المحلية تراكمت لسنوات على قاعدة «خفض العوائق» أمام المشاركة والخدمات، والتوسّع في الحماية الاجتماعية. تعتمد المدينة «التصويت التفضيلي» في كل الانتخابات البلدية منذ 2009، وهو ما يُقدَّم كإصلاح ديمقراطي يعزز التمثيل ويحد من الاستقطاب داخل السباقات المحلية. وفي الاقتصاد الاجتماعي، كانت من أوائل مدن الغرب الأوسط التي أقرّت مسار رفع الحد الأدنى للأجور وصولاً إلى 15 دولاراً، مع مراحل تطبيق امتدت حتى 2024. وفي يناير (كانون الثاني) 2026 برزت المدينة مسرحاً مباشراً للصراع بين ترمب والديمقراطيين عبر ملف الهجرة.

عمليات «آيس» في مينيابوليس، وما ارتبط بها من حوادث مثيرة للجدل، من مقتل الأميركية رينيه نيكول غود (37 سنة)، ثم أليكس بريتي، الممرّض الأميركي (37 سنة) أيضاً، ومحاولة عناصر «آيس» دخول القنصلية الإكوادورية وما أثارته من احتجاج دبلوماسي، قدمت للبيت الأبيض فرصة لإظهار «قبضة إنفاذ» أمام الجمهور المحافظ. في المقابل، منحت الديمقراطيين مادة تعبئة حول «تغوّل السلطة الفيدرالية» وحدودها داخل المدن الملاذ. وحقاً، لم تعُد المدينة ساحة مواجهة بين ترمب والديمقراطيين فقط، بل غدت مرآة انقسام الديمقراطيين: بين تيارٍ مؤسساتي - براغماتي يركز على الأمن والخدمات وإدارة المدينة، وتيار يساري يرى أن زمن «الترقيع» انتهى. وإعادة انتخاب العمدة جاكوب فراي في 2025 عبر التصويت التفضيلي بوجه تحدٍ يساري بارز، بيّنت أن المدينة، ولو أنها أكثر تقدمية، لا تمنح تفويضاً تلقائياً للشعارات، بل تبحث عن توازن صعب بين العدالة والسلامة.

لهذا كله؛ تبدو مينيابوليس (مع سانت بول) بالنسبة لمينيسوتا «عاصمة سياسية» بقدر ما هي عاصمة اقتصادية. وإذا أراد ترمب أن يثبت أن الدولة الفيدرالية قادرة على فرض أجندتها داخل المدن، فهي المكان الأكثر رمزية. وإذا أراد الديمقراطيون أن يبرهنوا على أن الدفاع عن الحقوق لا ينفصل عن قدرة الحكم المحلي على إدارة الأزمات، فهي أيضاً مختبرهم الأكثر شهرة.


براغماتية موسيفيني وعقدة «الدولة الحبيسة» تؤطّران تحرّكات أوغندا

ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)
ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)
TT

براغماتية موسيفيني وعقدة «الدولة الحبيسة» تؤطّران تحرّكات أوغندا

ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)
ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)

في ظل ظروف إقليمية مضطربة، تتقاطع فيها أزمات دول القرن الأفريقي مع صراع على موانئ البحر الأحمر ومياه نهر النيل، تبرز أوغندا، الدولة الحبيسة الواقعة في شرق أفريقيا، بوصفها لاعباً دبلوماسياً، متغلغلاً في عمق النزاعات الأفريقية ببراغماتية سياسية تؤطّر أسلوب الرئيس يوويري موسيفيني، كزعيم مخضرم أمضى قرابة أربعة عقود في السلطة.

تلعب أوغندا أدواراً حسّاسة في ملفّات إقليمية عدّة، وتبرز كمحرّك أساسيّ لملف مياه النيل بصفتها «دولة منبع»، ترفض الاعتراف بالاتفاقيات القديمة باعتبارها «اتفاقيات استعمارية».

ثم إنها تطلّ كلاعب محوَري في أزمات دول القرن الأفريقي عبر تاريخ طويل من التدخّلات الإقليمية في شؤون دول الجوار، وتؤطّر عقدة «الدولة الحبيسة» سياساتها الخارجية. وهذا الواقع يجعل العاصمة الأوغندية، كمبالا، تتحرّك على تخوم ملفات شديدة الحساسية؛ من نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، إلى مستقبل اتفاقيات النيل، وخطط إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء بربرة في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي.

حالة اسمها موسيفيني

منذ وصول يويري موسيفيني إلى الحكم في أوغندا عام 1986 إثر تحرك عسكري أطاح بسلفه الجنرال تيتو أوكيلو، قدّم الرجل «نموذجاً براغماتياً» للحكم يقوم على أولوية الأمن والنمو لتحقيق مصالح بلاده الاقتصادية والاستراتيجية.

أيمن شبانة، الأستاذ في معهد الدراسات الأفريقية بالقاهرة، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن هذا «النموذج» لم ينحصر في الداخل الأوغندي، بل تمدّد إقليمياً من خلال سياسة تدخلية نشطة في دول الجوار، حيث حاول موسيفيني إبراز دوره ودور بلاده كمحرك وحكيم ولاعب مؤثر في الإقليم.

وأردف شبانة أن «أوغندا مارست منذ أواخر الثمانينات سياسة تدخل مباشر وغير مباشر في دول الجوار، بحجة حماية أمنها القومي ومنع نقل الصراعات إلى داخلها». وأشار في هذا الصدد إلى «دعم كمبالا للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق ثم سلفا كير، وكذلك دعمها للجبهة الوطنية الرواندية عام 1994... في محطات مفصلية ساهمت بإعادة تشكيل الإقليم».

وفق شبانة، لم تتوقف تدخلات أوغندا عند السودان ورواندا. ففي أواخر التسعينات، «لعب موسيفيني دوراً محورياً في الإطاحة برئيس الكونغو الديمقراطية موبوتو سيسي سيكو، بضوء أخضر أميركي، لصالح لوران كابيلا. لكن التحالف لم يدم طويلاً. فمع ميل كابيلا لاحقاً نحو الصين والكتلة الشرقية، انقلبت كمبالا عليه، ودخلت في صراع مفتوح داخل الكونغو الديمقراطية».

وحقاً، اتهمت تقارير أممية أوغندا بدعم المتمردين في الكونغو الديمقراطية، ما عزز الصراع داخل البلاد. لكن رغم ذلك، حافظ موسيفيني على علاقاته الدولية، مبرّراً تدخلاته في شؤون دول الجوار بالرغبة في «تأمين بلاده»، وعززت تدخلاته سعيه لتقديم كمبالا «حليفاً أمنياً» للغرب في شرق أفريقيا.

سد النهضة في إثيوبيا (آ ب)

«اتفاقية عنتيبي» ... ومياه النيل

في ملف مياه النيل، تتبنى أوغندا موقفاً صلباً يستند إلى رفض اتفاقيتي 1929 و1959 لتوزيع حصص مياه النهر، إذ تعتبرهما اتفاقيتين «استعماريتين» لم تكن دول المنابع طرفاً فيها. ويوضح شبانة هنا أن «هذا الموقف يستند إلى ما يُعرف بمبدأ نيريري – جوليوس نيريري الرئيس التنزاني الأسبق – القائم على رفض الاعتراف بأي التزامات موروثة عن الاستعمار».

هذا الموقف برز مع استضافة كمبالا توقيع «اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل» المعروفة باسم «اتفاقية عنتيبي»، يوم 14 مايو (أيار) 2010، بعد اجتماع ضم 6 دول، هي إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا وبوروندي. ومن ثم، دخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في خطوة اعتبرتها مصر والسودان «تهديداً مباشراً لأمنهما المائي».

مع هذا، لم يؤثر ذلك بشكل كبير على علاقات أوغندا مع مصر، ولا سيما أن كمبالا «لا تتبنّى خطاباً تصعيدياً ضد القاهرة... وإن حافظت على التنسيق مع دول المنبع لتكوين كتلة تفاوضية ضاغطة»، بحسب شبانة، الذي يصف موقف كمبالا بـ«الحياد» في ملف «سد النهضة» الإثيوبي.

بدورها، ترى هاجر علي، الباحثة في المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية (GIGA)، في ما يتعلق بحوض النيل، «أن دور أوغندا ومصالحها واضحان نسبياً. فهي تُعد من دول المنبع لنهر النيل، ولديها مصلحة مباشرة في الحفاظ على استقلالية قرارها في كيفية استخدام المياه، ولا سيما اعتمادها الكبير على الطاقة الكهرومائية». وتشير الباحثة المتخصصة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «أحد خطوط التصدّع التاريخية في أي نقاش يتعلق باستخدام مياه النيل هو الخلاف بين دول المنبع ودول المصبّ، فحين وقّعت أوغندا، مثلاً، على اتفاقية الإطار التعاوني لتكريس مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه بين دول الحوض، تبدي كل من مصر والسودان مخاوف عميقة بشأن أمنهما المائي، خاصة مع إدارة دول المنبع لاستخدامات المياه بشكل مستقل». وتضيف: «هذا السياق يفسّر موقف أوغندا من سد النهضة الإثيوبي. فبوجه عام، اتسم موقف كمبالا بالحياد المائل إلى الدعم تجاه السد... حيث تتقاطع مصالح أوغندا مع إثيوبيا، بوصفهما دولتين من دول المنبع، في رفض أن تحدد دول المصب، ولا سيما مصر، كيفية استخدام مياه النيل».

وتوضح هاجر علي أنه «غالباً ما يُفسَّر غياب التأييد الصريح من جانب أوغندا على أنه ضوء أخضر أو دعم ضمني لنهج إثيوبيا الأحادي في بناء وتشغيل سد النهضة». وحقاً، تشترك أوغندا مع إثيوبيا في الرغبة في «الاستخدام المنصف» للمياه وتوليد الطاقة الكهرومائية. إذ لدى كمبالا مشاريع طموحة لبناء سدود على النيل الأبيض، وهي تدعم دول المنبع بإقامة مشاريع دون إخطار مسبق لدول المصب. لكنها في الوقت نفسه تحاول لعب دور «الوسيط العاقل» لتقريب وجهات النظر بين القاهرة وأديس أبابا، مستفيدة من علاقة موسيفيني القوية بالطرفين. وفي مؤتمر صحافي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأوغندي في القاهرة العام الماضي، قال موسيفيني إن إشكالية أزمة السد الإثيوبي ترتبط «بنهج التعامل مع الأزمة... مصر تستند في مطالبها إلى حقوق تاريخية نصَّت عليها اتفاقات جرى توقيعها في فترات استعمارية، والطرف الآخر يتكلّم عن حقوقه في التنمية»، لافتاً إلى «إمكانية البحث عن سبل تحقق التوافق والرخاء لجميع الأطراف». ولكن، وفق شبانة، «تبدو تحركات موسيفيني مقلقة بقدر ما هي مغلفة بخطاب هادئ». ويضيف أن كل ما من شأنه تقويض استقرار حوض النيل أو إضعاف الموقف التفاوضي لدول المصب يصب، ولو بشكل غير مباشر، في غير صالح القاهرة. و«الوضع يزداد حساسية في ظل العجز الواضح للجانب السوداني عن لعب دور داعم للموقف المصري، نتيجة الانقسام الداخلي والحرب المستمرة، ما يترك القاهرة شبه منفردة في مواجهة تكتل منسق سياسياً وقانونياً».

اقرأ أيضاً

موسيفيني (آ ف ب)

عقدة «الدولة الحبيسة»

تشترك أوغندا مع إثيوبيا في معضلة «الدولة الحبيسة». إذ تعتمد كمبالا بشكل شبه كامل على مواني كينيا وتنزانيا. وهو اعتماد ترى أوغندا أنه «يخنقها اقتصادياً»، ويضعها في «تبعية جيوسياسية» لدول العبور.

وفي تقرير نشره «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» العام الماضي، قال حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي زايد والقاهرة، إن «مظلومية أوغندا في سياق عقدة الدولة الحبيسة أقل عسكرة من إثيوبيا، لكنها لا تقل خطورة من حيث التداعيات». وأردف أن موسيفيني يشعر بإحباط مما يصفه بـ«القبضة الخانقة» لكينيا على التجارة الأوغندية، ما يدفعه للبحث عن ترتيبات وصول بحري أفضل، وربما شبه سيادية.

في هذا الإطار، تبرز مبادرة «ممر ديسو» DESSU (جيبوتي - إثيوبيا - جنوب السودان - أوغندا) كمحاولة لكسر الاحتكار الكيني لمسارات التجارة، وتعزيز التكامل الإقليمي بديلاً للتبعية، وفقاً لعبد الرحمن.

والحقيقة أنه منذ توقيع مذكرة التفاهم بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مع زعيم «أرض الصومال» موسى بيهي عبدي، مطلع عام 2024، لم تتوقّف ردود الفعل الإقليمية والدولية. وجلّها غلب عليه رفض الاتفاق، سواء لاعتباره «انتهاكاً للسيادة الصومالية»، أو من زاوية التحذير من تداعياته المحتملة بزيادة منسوب التوتر في منطقة القرن الأفريقي التي تعاني أزمات سياسية وأمنية.

مصر رفضت، وأبرمت في أغسطس (آب) من العام نفسه، اتفاقاً عسكرياً مع الصومال، وأمدتها بمعدات وأسلحة في الشهر الذي يليه. كذلك عزّزت دعمها للصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال دولة مستقلة». ولكن بعكس إثيوبيا، ليس لأوغندا مصلحة مباشرة في ميناء بربرة بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، ولا تعتمد عليه في تجارتها الخارجية. لذلك يظل انخراطها في هذا الملف محدوداً ومنسجماً مع موقف الاتحاد الأفريقي الرافض للاعتراف بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً، وفق هاجر علي، التي ترى أن إعلان أوغندا، بالتنسيق مع كينيا، نيّتها التوسط بين إثيوبيا و«أرض الصومال»، إنما «يعكس سعي كمبالا لترسيخ نفسها كوسيط إقليمي داخل إطار (إيغاد)، مع ادعاء قدر من الحياد».

تحدٍ دبلوماسي لأوغندا

يمثل مشروع تأمين منفذ بحري لإثيوبيا في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي تحدياً دبلوماسياً لأوغندا، فإثيوبيا هي الشريك الأمني الأكبر لأوغندا في محاربة «حركة الشباب» في الصومال ضمن بعثات الاتحاد الأفريقي. وهذا يعني أن أي تقوية لإثيوبيا اقتصادياً وعسكرياً ربما يصبّ في مصلحة استقرار الحليف الأوغندي. لكن تأييد طموح أديس أبابا يحمل في طياته اعترافاً بـ«أرض الصومال»، وهذا يناقض موقف كمبالا الداعم لسيادة دولة الصومال. ثم إن كمبالا، بحسب مراقبين، تسعى للحفاظ على ثقلها السياسي في شرق أفريقيا، ولا تريد تغيير موازين القوى بمنح نفوذ أكبر لإثيوبيا.

الصومال من القوة ... إلى الوساطة

من جهة أخرى، شكّلت مشاركة أوغندا العسكرية في بعثات حفظ السلام الأفريقية بالصومال أحد أعمدة نفوذها الإقليمي. لكن الإعلان أخيراً عن سحب القوات الأوغندية، بسبب نقص التمويل وأولوية الأمن الداخلي، يعكس تحوّلاً استراتيجياً. ووفق هاجر علي، وبشأن السؤالين الأخيرين، «يفتح السحب المجال أمام انتشار أكبر للقوات المصرية، خصوصاً في ظل الاتفاقيات الثنائية بين مصر والصومال، وطبعاً في إطار (أوسوم) AUSSOM، وهو ما لا تنظر إليه إثيوبيا بعين الرضا». وتوضح الخبيرة أن «انسحاب أوغندا يؤدي إلى إزالة المنطقة العازلة بين الوجودين العسكريين المصري والإثيوبي في الصومال من جهة، ومن جهة أخرى قد يمنح كمبالا هامشاً أوسع من الحياد في لعب دور الوسيط بين الطرفين».

براغماتية بلا شعارات

في أي حال، تتحرك أوغندا وفق ما يمكن وصفه بـ«البراغماتية الاستراتيجية»... لا آيديولوجيا حاكمة بقدر ما تحكمها بوصلة المصالح؛ بقاء النظام، واستقراره، وتقليل التكلفة مقابل العائد.

ووفق أيمن شبانة، لا تسعى أوغندا إلى الاصطدام المباشر، لكنها لا تتردد في دعم أو عرقلة مسارات إقليمية إذا هدّدت توازناتها. «موسيفيني ينخرط أحياناً في مسائل تسوية الصراعات، لكن ليس لديه الثقل الذي يمنع أو يمنح أو يؤثر في موازين القوى».وهنا يرى حمدي عبد الرحمن أن «أي إعادة رسم لخرائط النفوذ في القرن الأفريقي، خاصة خارج الأطر التعاونية، ستنعكس بالضرورة على أمن البحر الأحمر. والقدرات العسكرية المتنامية لإثيوبيا وأوغندا، إلى جانب عزلتهما الجغرافية، تفضيان إلى سيناريو متقلب، إذ قد تُشعل الأزمة الإقليمية المقبلة حروباً تخاض صراحةً من أجل الوصول إلى المحيط، ما يُحوّل مشكلة اقتصادية إلى صراع متحرك قد يُدمر استقرار القرن الأفريقي الهشّ». لكن هاجر علي ترى أن «أوغندا تسير نحو ترسيخ موقعها كوسيط وفاعل دبلوماسي في المنطقة، أكثر من كونها لاعب قوة مباشراً... فالتورّط النشط في شؤون القرن الأفريقي لا يبدو مجزياً في ظل مخاوف داخلية تتعلق بالاستقرار، وحاجة النظام إلى توجيه قدراته العسكرية لضمان تماسك الجبهة الداخلية».


محطات بارزة من العنف إلى الاستقرار في أوغندا

عيدي أمين (غيتي)
عيدي أمين (غيتي)
TT

محطات بارزة من العنف إلى الاستقرار في أوغندا

عيدي أمين (غيتي)
عيدي أمين (غيتي)

في شرق القارة الأفريقية بعيداً عن منافذ البحر، تقع دولة أوغندا، التي استطاعت تحقيق قدر من الاستقرار في منطقة تشوبها الاضطرابات، وإن لم تسلم من تأثيرها وانعكاساتها على أوضاعها الداخلية.

إذ شهدت أوغندا منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1962، انقلابات عسكرية عدة، أعقبها حكم عسكري في سبعينات القرن الماضي بقيادة عيدي أمين، ثم حرب استمرَّت 5 سنوات أوصلت الرئيس الحالي يويري موسيفيني إلى السلطة عام 1986.

أيضاً واجهت أوغندا تمرداً طال لنحو 20 سنة في شمال البلاد، أدى لمقتل الآلاف وتشريد الملايين. ويُنسب إلى موسيفيني الفضل في استعادة قدر من الاستقرار والازدهار الاقتصادي بعد سنوات من الاضطرابات، وإن شابت فترة حكمه تدخلات عسكرية في دول الجوار.

وهنا أبرز المحطات التاريخية:

* 1894: بريطانيا تضم مملكة بوغندا والأقاليم المجاورة لتشكيل «محمية أوغندا»؛ بهدف حماية طريق التجارة عبر نهر النيل.

* 1962: وضع دستور فيدرالي يجعل ملك بوغندا، رئيساً للدولة.

* 1963: إعلان أوغندا جمهورية.

ميلتون اوبوتي (غيتي)

* 1962 - 1966: صراع سلطة بين الحكومة المركزية وأكبر الممالك الإقليمية (بوغندا).

* 1967: ميلتون أوبوتي يستولي على السلطة بانقلاب، ويلغي الممالك القبلية في أوغندا.

* 1971 - 1979: الجنرال عيدي أمين يستولي على السلطة ويحكم البلاد.

* 1972: عيدي أمين يطرد عشرات الآلاف من الآسيويين الأوغنديين.

1978 - 1979 - أوغندا تغزو تنزانيا، لكن تنزانيا تتمكَّن من الرد.

* 1980: عودة ميلتون أوبوتي إلى السلطة.

* 1980 - 1986: «حرب الأدغال» الأوغندية بين حكومة أوبوتي وعدد من الجماعات المتمردة، أبرزها «الجيش الوطني للمقاومة»، يُقتَل فيها نحو 500 ألف شخص.

* 1986: زعيم المتمردين يويري موسيفيني يستولي على السلطة، إيذاناً بمرحلة من الاستقرار ويعاد انتخابه أكثر من مرة ليحكم البلاد لأربعة عقود.