«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

أميركا تقترب من شهر الدسائس والفضائح الانتخابية والصفقات المشبوهة

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب
TT

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

«مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترمب

يجادل العديد من الديمقراطيين في الولايات المتحدة بأنه إذا أجريت انتخابات الرئاسة الأميركية اليوم في ظل استطلاعات رأي تمنح مرشحهم جو بايدن التقدم على منافسه دونالد ترمب، فإنهم سيستعيدون البيت الأبيض. وحقاً، بعض الاستطلاعات أعطت بايدن تقدماً بـ297 صوتاً في المجمع الانتخابي، أي أكثر بـ27 صوتا عما يحتاجه للفوز. ولذا فهم في سباق مع الوقت للإبقاء على هذه النتائج والحفاظ على أسباب تقدمهم، عبر الاستثمار في النتائج التي سببتها جائحة كوفيد - 19. سواء على المستوى الصحي مع أرقام الإصابات والوفيات المخيفة، أو على المستوى الاقتصادي والنتائج الكارثية التي ضربت قطاعاته كلها تقريباً.
في المقابل، يرى الجمهوريون أنه كلما تحسنت أرقام الجائحة والاقتصاد، تعززت حظوظ ترمب. إلا أنهم في ظل عجزهم عن تأجيل الانتخابات للاستثمار في عامل الوقت أيضا، قد يلجأون إلى مفاجآت أخرى، أو ما يعرف بـ«مفاجأة أكتوبر».

في مصطلحات السياسة الأميركية، «مفاجأة أكتوبر». و«المفاجأة» حدث إخباري يجري توقيته بشكل متعمد، أو يحدث أحيانا بشكل عفوي، ويكون له تأثير مباشر على نتيجة الانتخابات العامة، التي ستشهد تجديد نصف أعضاء مجلس الشيوخ وكل أعضاء مجلس النواب وانتخاب عدد من حكام الولايات وانتخاب الرئيس. وبما أن الانتخابات تجري في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، فإن الأحداث التي تجري في أكتوبر لديها إمكانات أكبر للتأثير على قرارات الناخبين المحتملين، وخصوصاً، على الناخبين المستقلين والمترددين الذين لم يحسموا خيارهم بعد... فإما أن يغير الحدث مسار الانتخابات برمتها أو يعزز بقوة اتجاهات التصويت المسبقة.

ويليام كيسي أطلق التسمية

المصطلح نفسه صاغه ويليام كيسي، الذي شغل منصب مدير حملة الرئيس الجمهوري رونالد ريغان عام 1980 ومدير «وكالة الاستخبارات المركزية» (السي أي إيه) في عهده لاحقاً.
في حينه أطلق المصطلح على المفاجأة السياسية التي واكبت انتخابات ذلك العام، ومؤداها أن حملة ريغان عقدت صفقة سرية مع إيران لتأجيل إطلاق سراح الرهائن الأميركيين الـ52 الذين احتجزتهم مجموعة من الطلاب الإسلاميين في السفارة الأميركية في طهران لمدة 444 يوما، وذلك لإفشال حظوظ الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر من الفوز بولاية ثانية.
يومذاك، تزامنت التغطية الإخبارية مكثفة لإعلان كارتر حول الرهائن مع بيان الحكومة الإيرانية بأن إطلاق سراحهم لن يحصل إلا بعد الانتخابات، وهو ما جرى في الواقع بعد ساعات على حفل تنصيب ريغان، أي في 20 يناير (كانون الثاني) 1981. وحظي هذا الأمر باهتمام واسع النطاق، بعد تسريب صحيفة «الواشنطن بوست» خبر تأهب إدارة كارتر لشن عملية عسكرية واسعة النطاق لإطلاق سراح الرهائن. ووفق كتابات وتقارير صحافية في ذلك الوقت، لعب ديفيد روكفلر، الرئيس السابق لمجموعة «تشايس مانهاتن» المصرفية دوراً كبيراً في دعم حملة ريغان وسخر قوته المالية لدعم معارضي كارتر. وساعد فريق روكفلر (وهو ابن إحدى أبرز العائلات السياسية والمالية الأميركية) في جمع ونشر شائعات حول «مكافآت» محتملة وعد بها كارتر إذا جرى الإفراج عن الرهائن. وهي ادعاءات قالت حملته الانتخابية إنها أعاقت المفاوضات التي كانت تجرى مع إيران لإطلاق سراحهم. وغالباً ما يجري تناول الدور الذي تلعبه تلك العائلات والشركات الكبيرة والمؤسسة السياسية في واشنطن للتأثير على الانتخابات الرئاسية في اختيار الشخصية التي تتناسب مع مصالحها.
وفي هذا الشأن، كتب جوزيف ريد، رئيس فريق موظفي روكفلر الذي عينه ريغان لاحقاً سفيراً في المغرب، رسالة لعائلته بعد الانتخابات قال فيها «لقد بذلت كل جهدي لإحباط أي جهد من جانب مسؤولي كارتر لإنهاء مفاجأة أكتوبر»، في إشارة على ما يبدو إلى جهود روكفلر لإحباط صفقة إطلاق سراح الرهائن. ولكن رغم ذلك، حين دعا غاري سيك، عضو مجلس الأمن القومي في عهدي الرئيسين جيرالد فورد وجيمي كارتر (قبل إعفائه من مهامه بعد أسابيع من ولاية ريغان) إلى فتح تحقيق في هذه القضية في مقالة افتتاحية في صحيفة «النيويورك تايمز»، قبل انتخابات عام 1992، كان الرد الأولي من الحزبين في الكونغرس متشككاً. إذ رفض الديمقراطيون في مجلس النواب منح الإذن بإجراء التحقيق، ورفض الجمهوريون في مجلس الشيوخ تخصيص 600 ألف دولار لإجرائه.
لكن الرئيس الإيراني السابق أبو الحسن بني صدر، صرح بأن «حملة ريغان أبرمت صفقة مع طهران لتأجيل الإفراج عن الرهائن». وأكد أنه «بحلول الشهر الذي سبق الانتخابات الرئاسية الأميركية في 1980. كان العديد في الدوائر الحاكمة في إيران يناقشون علانية حقيقة إبرام الصفقة لمنع إعادة انتخاب كارتر». وكرر بني صدر ادعاءاته هذه في كتابه «دوري لأتحدث: إيران والثورة والصفقات السرية مع الولايات المتحدة».
كذلك كشفت تقارير أخرى أن حملة ريغان تمكنت من الحصول على أوراق عن «استراتيجية» نقاشات كارتر قبل المناظرة الوحيدة التي أجريت بينهما عام 1980. وزُعم أيضاً أن حملة ريغان استعانت بمسؤولين متقاعدين من «السي آي إيه» وجاسوس داخل إدارة كارتر لجمع المعلومات حول سياسته الخارجية، بحسب تقرير لمجلة «تايم» عام 1983.

إيران كونترا

وفي يونيو (حزيران) 1992، اتهم كاسبار واينبرغر، وزير الدفاع السابق في عهد رونالد ريغان، بالتورط في قضية «إيران كونترا». ورغم قوله إنه عارض بيع إيران السلاح مبدئياً، فإنه شارك في إجازة نقل صواريخ «تاو» الأميركية المضادة للدروع إليها، وهي أسلحة استخدمت لوقف تقدم دبابات الجيش العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية. ووجهت إلى واينبرغر لاحقا عدة تهم جنائية بالكذب في ملف إيران. واتهم الجمهوريون، بسخط، المستشار المستقل لورانس والش بتوقيت توجيه لائحة الاتهام لواينبرغر بهدف الإضرار بفرص إعادة انتخاب جورج بوش الأب (الذي خلف ريغان). ومع اقتراب موعد محاكمته، ظهرت معلومات أكثر صلابة عن الدور المباشر لبوش. وقال هوارد تيشر، مستشار ريغان لشؤون الشرق الأوسط، أن بوش كان على علم بصفقة الأسلحة في ربيع 1986. كذلك، نشرت مذكرة إسرائيلية أوضحت أن بوش كان ضالعاً في الصفقة خلال يوليو (تموز) 1986.

بوش الابن... وأوباما وماكين

وقبل أيام من انتخابات نوفمبر عام 2000، أكد توماس جيه كونولي، وهو محامي دفاع بارز ومرشح ديمقراطي لمنصب حاكم ولاية ماين عام 1998، لأحد المراسلين أن المرشح الرئاسي الجمهوري جورج بوش الابن كان قد تعرض للتوقيف بسبب قيادته سيارته وهو ثمل في تلك الولاية عام 1976. وأكد بوش التقرير في مؤتمر صحافي بعد لحظات من الكشف عنه.
وفي 31 أكتوبر 2008، قبل أربعة أيام من الانتخابات الرئاسية، أفادت وكالة «أسوشييتد برس» أن زيتوني أونيانغو، عمة المرشح الديمقراطي باراك أوباما، كانت تعيش كمهاجرة غير شرعية في بوسطن. ولقد حُرمت من حق اللجوء وأمرت بمغادرة الولايات المتحدة عام 2004. في المقابل وصف البعض الارتفاع القياسي في معدل البطالة في أكتوبر 2008 بأنه «مفاجأة أكتوبر»، لحرمان مرشح الجمهوريين السيناتور الراحل جون ماكين من الفوز أمام منافسه الديمقراطي أوباما، في خضم أزمة الرهن العقاري وانهيار أسواق المال وإفلاس عدد من البنوك الكبرى وانهيار قطاع السيارات.

شريط ترمب وتسريبات هيلاري

وفي 7 أكتوبر عام 2016. نُشر شريط فيديو يعود للعام 2005، يظهر المرشح الجمهوري دونالد ترمب يقول بلغة صريحة، إن النساء سمحن له بتقبيلهن ولمسهن لأنه «نجم». وأثارت تصريحاته غضب العديد من السياسيين من كلا الحزبين. ومع أن ترمب قد اتُهم بالتمييز على أساس الجنس في عدة مناسبات من قبل، فإنه اعتذر لاحقا عن هذه التصريحات، بقوله إنها «لا تعكس من هو». لكن نشر الشريط أدى إلى سحب العديد من الجمهوريين تأييدهم له، من بينهم المرشح الرئاسي السابق سيناتور أريزونا جون ماكين، وسيناتورة ولاية نيو هامبشير كيلي أيوت، والمرشحة الجمهورية وسيدة الأعمال البارزة كارلي فيورينا. وطلب منه كثيرون آخرون ممن لم يؤيدوه من قبل، التنحي عن منصب المرشح الجمهوري، بمن فيهم وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس.
وخلال الفترة نفسها، بدأ موقع «ويكيليكس» حملة لإطلاق رسائل بريد إلكتروني ومقتطفات من حساب جون بوديستا، مدير حملة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. وعُرفت تلك المقتطفات فيما بعد بـ«تسريبات بوديستا» التي سلطت الضوء بشكل سلبي جدا على كلينتون، وتضمنت مقتطفات صوتية من الخطب التي ألقتها لمجموعة متنوعة من البنوك، وأسئلة النقاش التي سُربت إليها قبل مناظرتها مع ترمب.
وبعد ثلاثة أسابيع، يوم 28 أكتوبر، أعلن جيمس كومي مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) في رسالة إلى الكونغرس أنه سيتخذ «خطوات التحقيق المناسبة» لمراجعة رسائل البريد الإلكتروني الإضافية المتعلقة باستخدام هيلاري كلينتون لخادم بريد إلكتروني خاص. جاء ذلك بعد العثور على رسائل بريد إلكتروني اكتشفت على جهاز كومبيوتر صادره «إف بي آي» أثناء التحقيق مع النائب السابق أنتوني وينر بعد اتهامه بإرسال صور فاضحة إلى قاصر. وعُثر على رسائل البريد الإلكتروني على جهاز كومبيوتر يستخدمه كل من وينر وزوجته السابقة هوما عابدين، كبيرة مساعدي كلينتون، وفقا لمسؤولي «إف بي أي».

الهجرة وتهم العنصرية

وفي انتخابات التجديد النصفي لأعضاء مجلس الشيوخ وانتخابات مجلس النواب عام 2018، تحولت «قافلة المهاجرين» من أميركا الوسطى، إلى «مفاجأة أكتوبر». إذ نشر الرئيس ترمب معلومات عن القافلة في تغريدات له على تويتر. وأطلق لاحقاً إعلاناً تلفزيونياً انتقده الكثيرون باعتباره عنصرياً (وهو ما أجبر حتى محطة «فوكس نيوز» اليمينية المؤيدة لترمب ومحطة «إن بي سي» وموقع «فيسبوك» على إزالة الإعلان، بينما رفضت محطة «سي إن إن» بثه).
ومن ثم، هيمنت القضية على النقاش في العديد من شبكات الأخبار، ووجهت الانتقادات لترمب. وبدلا من أن تؤدي «قافلة المهاجرين» إلى دعم حظوظ المرشحين الجمهوريين الذين كانوا يهيمنون على مجلسي الشيوخ والنواب، فإنهم خسروا سيطرتهم على مجلس النواب وانتقلت إلى الديمقراطيين.

المفاجأة الجديدة المنتظرة

في أي حال، إذا كانت الاتهامات توجه دائما للجمهوريين بأنهم لطالما برعوا في استخدام «مفاجأة أكتوبر» لقلب اتجاهات التصويت، عبر محاولة تفجير إما مفاجأة سياسية أو فضيحة شخصية، أو عقد صفقات ما، فإن الأنظار تتجه اليوم إلى الجهود التي سيبذلها كل من ترمب وبايدن للعثور على «مفاجأة أكتوبر» لهذا العام، في ظل قائمة من الخيارات الضيقة أمامهما.
ومع إثارة صحيفة «ذي أتلانتيك» قضية امتناع ترمب عن زيارة مقبرة الجنود الأميركيين الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى في فرنسا، وتصويره بمظهر المنتقد المُهين للقوات الأميركية، تحولت القضية إلى «مفاجأة» مبكرة، وضعت الجمهوريين في موقف دفاعي، بعدما كانوا يأملون بتسليط الضوء على ملفات أخرى، كملف الأمن والقانون.
ولعل ما أثار حفيظة ترمب ومناصريه هو أن وسائل إعلامية أخرى هبت لتأكيد تقرير الصحيفة، أبرزها وكالة «الأسوشييتد برس» وصحيفتا «الواشنطن بوست» و«النيويورك تايمز»، بل حتى قناة «فوكس نيوز» الداعمة لترمب.
في المقابل، يتوقع الديمقراطيون أن يواصل ترمب السعي لتحقيق إنجاز في سياسته الخارجية، والاستثمار في ملفاتها... من التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل، إلى عقد صفقة حول إيران أو كوريا الشمالية، بجانب إعادة العسكريين الأميركيين من الخارج. وحقاً، بعدما أعلن ترمب عن سحب ما يقرب من 12 ألف جندي من ألمانيا، بدا أن الأمر لم يكن كافياً. وفعلاً، أعلن في واشنطن بالأمس عن التوجه لسحب نحو ثلث القوات الأميركية المنشورة في العراق خلال الأشهر القليلة المقبلة. وأيضاً ما ينطبق على العراق سينطبق على أفغانستان. إذ ينوي ترمب سحب القوات بالكامل من هناك، وعديدها 8600 جندي، إلا أن الخروج من أفغانستان قبل إجراء انتخابات قد يسمح لطالبان بالاستيلاء على السلطة، وإن كان سيسمح لترمب بالقول إنه يفي بوعده «أميركا أولاً».
كوريا الجنوبية هي مكان آخر محتمل لخفض القوات، لأن سيول لن تستسلم لطلب ترمب بدفع مبلغ 5 مليارات دولار سنويا لدعم كلفة وجود القوات الأميركية فيها. ويتهم الديمقراطيون ترمب بأنه قد يحاول عقد قمة جديدة مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، وقد يعده حتى بسحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية.

«ورقتا» الأمن والاقتراع

ويرجح الديمقراطيون أن يكرر ترمب نشر قوات الأمن الاتحادية لمواجهة المحتجين المحليين في ظل استمرار الاحتجاجات على خلفية عنف الشرطة والتمييز العنصري ضد الملونين. ويقولون إن تجربة مدينة بورتلاند شكلت رداً على سياسته لفرض «القانون والنظام». إذ بمجرد خروج القوات الاتحادية منها انتهت الفوضى فيها!. لكن احتمال اندلاع مواجهات جديدة لا يزال قائما بشدة، في ظل استمرار حوادث إطلاق النار سواء من رجال الشرطة أو من المتظاهرين اليمينيين واليساريين المتطرفين. ويقول العديد من النقاد والمحللين إنه كلما اشتعلت المواجهات وتحولت إلى أعمال عنف، كلما صب ذلك في خدمة خطاب ترمب، الذي يسعى لإخافة الناخبين البيض. ويحذرون من أن نشر القوات الاتحادية على نطاق واسع في المدن التي يسيطر عليها الديمقراطيون قبل أيام من الانتخابات، أو حتى إعلان الأحكام العرفية، من شأنه أن يؤدي إلى منع مؤيدي بايدن من التصويت. بل إن البعض يحذر من احتمال الإعلان عن تعطل خدمة البريد التي يشكك فيها ترمب كوسيلة قانونية لتسليم بطاقات الاقتراع والتصويت، ما يمنع تسليمها في معاقل الديمقراطيين، لتشكل «مفاجأة أكتوبر» محلية.
إيران هي دولة أخرى يمكن أن يحاول فيها ترمب القيام بالتفافة كبيرة، إما عبر صفقة نووية، يخشى أن تكرر الاتفاق الذي خرج منه، أو تنفيذ ضربات جوية ضد برنامجها النووي المتوسع، وهما على أي حال احتمالان غير متوقعين حتى الساعة. لكن هل تتغير اللعبة اليوم وينجح الديمقراطيون في إحداث مفاجأة مع إيران نفسها، في تكرار معكوس لما جرى في ثمانينات القرن الماضي؟ وفيما يكرر ترمب قوله إنه جاهز لتوقيع اتفاق مع إيران، مباشرة بعد الانتخابات عندما يتم التجديد له في نوفمبر (تشرين الثاني)، يتهم الجمهوريون مسؤولين سابقين في فريق الرئيس السابق باراك أوباما، وخصوصا وزير خارجيته جون كيري، بأنه التقى بمسؤولين إيرانيين لإقناعهم على الصمود وعدم الرضوخ ومقاومة «الضغوط القصوى» التي يمارسها ترمب إلى ما بعد الانتخابات لحرمانه من الفوز.

البداية المبكرة غير المباشرة كانت مع نيكسون

> مع أن مصطلح «مفاجأة أكتوبر» أبصر النور مع ويليام كيسي، كانت هناك أحداث مؤثرة في الانتخابات سبقته زمنياً. ذلك أنه خلال الانتخابات الرئاسية عام 1972 بين الجمهوري ريتشارد نيكسون والديمقراطي جورج ماكغفرن، كانت الولايات المتحدة في السنة الرابعة من المفاوضات لإنهاء حرب فيتنام الطويلة والمثيرة للانقسام.
ويوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1972، أي قبل 12 يوما من الانتخابات التي نظمت في 7 نوفمبر، ظهر كبير المفاوضين الأميركيين ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر، في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، وأعلن «أن السلام في متناول اليد». وهو تطور زاد كثيراً من فرص نيكسون في الفوز مع أن استطلاعات الرأي كانت تعطيه تقدماً على منافسه.
ورغم فشله في وقف الحرب بشكل كامل، تمكن نيكسون من خفض بشكل كبير من مشاركة القوات الأميركية وسحب القوات البرية عام 1973. لينتهي التدخل الأميركي في فيتنام عام 1975.

«قضيتا» أرنولد شوارتزنيغر

> في 2 أكتوبر 2003، أصدرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» تقريرا عن أرنولد شوارتزنيغر، (حاكم كاليفورنيا السابق والممثل ورياضي كمال الأجسام) ومزاعم لاحقة بأنه كان زير نساء، متهمة إياه بارتكاب أفعال متعددة من سوء السلوك الجنسي خلال العقود الماضية.
ونشرت القصة قبل أيام معدودات من إعادة إطلاق حملة انتخابه حاكما لولاية كاليفورنيا. ولم تكن تلك القصة الوحيدة المُحرجة عن شوارتزنيغر التي ظهرت على السطح قبل أيام فقط من الحملة. إذ أنه في اليوم التالي، ذكرت محطة «إيه بي سي نيوز» و«نيويورك تايمز» أنه خلال عام 1975، أشاد شوارتزنيغر بالزعيم النازي أدولف هتلر خلال المقابلات الخاصة بفيلم «بمبنغ أيرون» - أو «ضخ الحديد» - الذي أسهم في شهرته كرياضي كمال الأجسام ودفعه للتحول إلى ممثل.


مقالات ذات صلة

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

حصاد الأسبوع نتنياهو (غيتي)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت

نظير مجلي (القدس)
حصاد الأسبوع إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام

حصاد الأسبوع السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)

ديمقراطيو 2028... أسماء كثيرة وبطاقة لم تتبلور بعد

لم تتبلور بعد بطاقة ديمقراطية للرئاسة الأميركية، والأسماء المتداولة لا تزال تحت الاختبار. فنتائج الانتخابات النصفية ستؤثر على مكانة المتنافسين وعلى السؤال الذي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)

«لولا» ربح معركته الأخيرة ضد اليمين اللاتيني... لكن انتصاره مهدّد

كثيرة هي العبر التي يمكن استخلاصها من الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي، خلافاً لمعظم التوقعات، جدّد فيها لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» ولايته رغم الخسارة

شوقي الريّس (مدريد)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟