دولة الحوثيين.. القبضة الإيرانية في جنوب الجزيرة العربية

سيطرت لجانها الشعبية على مؤسسات الدولة بقوة السلاح

دولة الحوثيين.. القبضة الإيرانية في جنوب الجزيرة العربية
TT

دولة الحوثيين.. القبضة الإيرانية في جنوب الجزيرة العربية

دولة الحوثيين.. القبضة الإيرانية في جنوب الجزيرة العربية

تحولت جماعة الحوثيين في اليمن منذ سبتمبر (أيلول) 2014، إلى القوة الوحيدة التي تتحكم بمقاليد حكم البلاد، بعد أن كانت طوال عقد من الزمان جماعة متمردة ومطاردة من قبل الدولة التي خاضت معها 6 حروب، قتل فيها آلاف اليمنيين، وتغلغلت الحركة رويدا رويدا بعدها، إلى مؤسسات صنع القرار، مرتكزة على قوتها العسكرية وتحالفاتها السياسية مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي كان يحكم البلاد منفردا قبل 2011، فضلا عن استغلالها للسخط الشعبي ضد الحكومة السابقة بسبب الأزمات المفتعلة التي ضيقت من حياتهم المعيشية وخلفت رأيا عاما ضدها. خلال 4 أشهر فقط، حققت هذه الجماعة الشيعية المدعومة من إيران، ما لم تكن تحلم به، فقد أحكمت قبضتها على 7 مدن في شمال البلاد أهمها العاصمة صنعاء وميناء الحديدة الاستراتيجي على البحر الأحمر، حتى أصبحت بحلول نهاية العام الحالي، تمارس سلطات الدولة الأمنية والإدارية والمالية، وتحولت إلى دولة داخل الدولة، لها ممثلون ومندوبون في كل وزارة ومؤسسة حكومية ومعسكر للجيش والأمن، وكل ذلك عمل على إعادة رسم الخارطة السياسية العسكرية والاجتماعية، في بلد يعد الأفقر والأكثر فسادا على مستوى العالم.
انطلقت الرصاصة الأولى في معركة الاستحواذ على السلطة، من بلدة دماج السنية، في أقصى شمال اليمن، وخاضت الحركة الحوثية هناك مواجهات مسلحة مع مقاتلين من مركز «دار الحديث» السلفي انتهت في يناير (كانون الثاني) 2014، بطرد أبناء دماج وجميع الطلاب الذين كانوا يدرسون في المركز إثر اتفاق توصلت إليها لجنة رئاسية بين الطرفين، بعدها جاء الدور على قبيلة حاشد المشهورة، بمحافظة عمران التي كانت مسرحا لأشد المعارك قوة، وكان يقود مقاتلي حاشد أشقاء شيخ القبيلة صادق الأحمر، من أمثال حمير وحسين وهاشم، وغيرهم، لكنهم خسروا المعركة بعد أن نجح الرئيس السابق في شق صفوف قبيلة حاشد، عبر استخدام المشايخ القبليين الموالين له، حيث تخلى كثير منهم عن أولاد الأحمر الذين وجدوا أنفسهم وحيدين في ساحة المعركة، وأجبرهم ذلك على الانسحاب من خروجهم من معقل القبيلة التاريخي في منطقة «العصيمات»، كما شهدت منازل آل الأحمر حملة انتقام من قبل الحوثيين الذين اقتحموا منازل زعيم القبيلة الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، ونهبوا محتوياته، قبل أن يقوموا بتفجيره تعبيرا عن النصر وكوسيلة ترهيب ضد خصومهم الأخيرين.
لم تتوقف الحركة الحوثية عن السيطرة على معاقل قبيلة حاشد، بل أصبحت تنظر إلى الوضع من منظور القوة القادمة، واستمرت في التمدد نحو مدينة عمران البوابة الشمالية للعاصمة صنعاء، فخاضت معارك عنيفة مع اللواء 310 الذي يقوده العميد حميد القشيبي المعارض للحوثيين واستمرت 4 أشهر، وكان مبرر الحركة محاربة الفساد وتغيير قيادات محلية وعسكرية، وبحسب شهادات لقيادات عسكرية وحكومية، فقد شارك مع الحوثيين المئات من ضباط وجنود ينتمون إلى قوات الحرس الجمهوري المنحل، الموالي للرئيس السابق علي عبد الله صالح، إضافة إلى مسلحين ينتمون إلى حزب المؤتمر الشعبي العام.
وفي يوليو (تموز) سيطر الحوثيون على عمران وقتلوا العميد حميد القشيبي وقاموا بالتمثيل بجثته، ونهبوا معسكرات الجيش ومنازل قيادات عسكرية وقبلية، كما عينوا قيادات موالية لهم. كما خاضت الجماعة بالتزامن مع حرب عمران مواجهات عنيفة بمحيط العاصمة صنعاء مع قبيلة همدان ومقاتلين قبليين في منطقة بني مطر، وتمكنت ميليشيات الحوثي من السيطرة عليها بقوة السلاح ودعم مشايخ قبليين موالين للنظام السابق، الذين كانوا يمهدون الطريق أمامهم للاقتراب من صنعاء عبر اتفاقيات قبلية تسمى «الخط الأسود» وهو اتفاق يسمح لمسلحي الحوثي المرور بالمنطقة بجميع أسلحتهم وعدم قطع الطريق أمامهم.
وقد رفض زعماء قبائل هذه الاتفاقيات وخاضوا مواجهات عنيفة مع الحوثيين على مشارف صنعاء، وبسبب فارق القوة بين الطرفين لصلح الحوثيين حقق الأخير انتصاره على قبيلة همدان.
وفي كل مرة يسيطر الحوثيون على منطقة يقوم مسلحوهم بنهب منازل وممتلكات خصومهم وأغلبهم زعماء قبليون رفضوا التحالف مع الجماعة، مما جعل منازلهم هدفا للتفجير والهدم وهو أسلوب اتبعوه في كل حروبها، ويتضمن أيضا تفجير المساجد والمدارس ومركز تحفيظ القرآن الكريم التي يعتبرونها مراكز لمن يسمونهم التكفيريين وهو الوصف الذي يطلقها الحوثيون على كل من يعترض طريقهم.

* المرحلة الثانية

* اتجهت أنظار زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، بعد عمران، صوب العاصمة صنعاء، حيث أعلن في 17 أغسطس (آب) ، عن حركة احتجاجية ضد الحكومة، وحددوا لهم 3 مطالب هي: «تغيير الحكومة، ومحاربة الفساد، وتشكيل حكومة كفاءات»، ونصبوا 8 مخيمات اعتصام لمسلحيهم الذين حاصروا صنعاء من مختلف الجهات مدججين بمختلف أنواع الأسلحة، حيث تركزت المخيمات بالقرب من معسكرات الحرس الجمهوري في مناطق الصباحة غربا، وحزيز جنوبا، والصمع شمالا، حيث كانت تتهم هذه المعسكرات بمد المخيمات بالغذاء والمؤن بتوجيهات من وزير الدفاع السابق اللواء محمد أحمد ناصر، إضافة إلى مخيمات داخل العاصمة. وأوقف الحوثيون حركة الملاحة الجوية في مطار صنعاء الدولي ومؤسسات حيوية، عبر قطع الشوارع والطرق المؤدية إليها، وبعد بضعة أسابيع اندلعت مواجهات مسلحة بين الحوثيين ووحدات الجيش في المنطقة السادسة «الفرقة أولى مدرع» استمرت 6 أيام، انتهت في يوم 21 سبتمبر، باقتحام العاصمة صنعاء والسيطرة على معسكرات الجيش ونهب أسلحتها الثقيلة والمتوسطة، فيما بقت معسكرات الجيش من قوات الحرس الجمهوري وقوات الأمن المركزي والقوات الجوية التي كانت في الأغلب موالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح كما هي. وكان هدف الحوثيين في هذه الحرب رأس المستشار العسكري للرئيس هادي اللواء علي محسن الأحمر الذي يعتبرونه خصمهم، لكنه تمكن من الخروج من اليمن بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من تصفيته في معسكر الفرقة الذي تعرض لقصف عنيف من معسكرات الحرس الجمهوري في الصباحة كما يقول قادة عسكريون تمكنوا من الانسحاب من مقر الفرقة التي تقع على تبة عالية في غرب العاصمة، وسيطرت ميليشيات الحوثي على كل منازل وممتلكات الأحمر والشيخ الملياردير حميد الأحمر، إضافة إلى مقرات حزب الإصلاح، ومنازل قيادات عسكرية ومدنية ونهب محتوياتها، ممن كان لها الدور الأكبر في دعم وحماية ثورة الشباب عام 2011، واتهم مراقبون الحوثيين والرئيس السابق بقيادة ثورة مضادة، استهدفت كل خصوم صالح وممتلكاتهم، في حين أصدرت وزارتا الدفاع والداخلية توجيهات باعتبار الحوثيين أصدقاء للدولة، وأمرت وحداتها بعدم التصادم مع المسلحين الحوثيين، لتتمكن الحركة بعدها من فرض سيطرتها على مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية دون أي مقاومة. كما نشرت ما سمتها «اللجان الشعبية» في هذه المؤسسات إلى جوار الوحدات العسكرية والأمنية، ورغم توصل السلطات والحوثيين إلى توقيع اتفاقية السلم والشراكة فإنها ظلت حبرا على ورق فيما يخص الجانب الأمني، منذ الساعات الأولى للاتفاقية، إذ إنهم وبدلا من سحب مسلحيهم من صنعاء، تمددوا إلى مدن أخرى وهي:(ذمار، والحديدة، وحجة، وإب، وريمة، وأجزاء من الجوف)، وتمكنوا خلال هذه الفترة من التحكم بقرارات الدولة، التي تحولت إلى حمل وديع أمامهم، حيث كانت الحركة تعتمد على الموالين لها في مؤسسات الدولة لتبرر لمسلحيها دخول المؤسسات السيادية والحكومية مثل وزارة الدفاع ووحداتها العسكرية، ووزارة الداخلية والأمن المركزي، ويشير كثير من المراقبين إلى أن الحركة الحوثية لم يكن بمقدورها السيطرة على هذه المؤسسات لولا التنسيق مع أتباع النظام السابق الذين تضرروا من ثورة 2011، خصوصا القيادات العسكرية التي كان لها الدور الأكبر في دخول الحوثيين صنعاء عبر التنسيق الأمني المباشر بينهما، ويؤكدون أن أغلب الذين يسيطرون على مؤسسات الدولة هم جنود من قوات الحرس الجمهوري ومن أعضاء حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يرأسه علي عبد الله صالح.
نموذج «حزب الله»
تظهر التركيبة التنظيمية لجماعة الحوثيين تشابهها مع «حزب الله»، من حيث القوة العسكرية والمشاركة السياسية وبسط النفوذ، بل إن زعيمها عبد الملك الحوثي دائما ما يظهر في خطابات متلفزة تبثها قناتهم «المسيرة» التي تبث من بيروت، شبيها بحسن نصر الله من ناحية الخطاب العاطفي والاتهامات التي يطلقونها على خصومهم، والقضايا العامة المرتبطة بأميركا وإسرائيل وهي نفس السياسة التي تسير عليها إيران، التي تقف خلف الحوثيين و«حزب الله»، فخلال الفترة التي تم رصدها عن الحركة الحوثية منذ سيطرتها على محافظة صعدة نهاية الحرب السادسة مع الدولة 2010، وحتى سيطرتها على العاصمة صنعاء 2014، فإنها قامت بإنشاء دول مصغرة في معقلها بصعدة المحاذية للمملكة العربية السعودية، من ناحية معسكرات خاصة بها، ومكاتب بديلة عن الحكومة لإدارة الشؤون العامة للمواطنين، ولديها أقسام كثيرة في بنيتها التنظيمية والعسكرية، فهناك المجلس السياسي، وهو المعني بإدارة الحركة سياسيا، والقوة العسكرية التي يقودها شقيق زعيم الجماعة عبد الخالق الحوثي الذي أدرجه مجلس الأمن الدولي ضمن العقوبات الدولية إلى جانب القائد الميداني للجماعة عبد الله الحاكم.
ورغم سيطرتها على كل المكاتب التنفيذية للدولة في المناطق التي تسيطر عليها، لكنها تفضل ألا تحكم باسمها، ساعدها في ذلك ضعف المؤسسات الحكومية وانتشار الفساد المالي والإداري، الذي تراكم خلال 3 عقود من حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، ويؤكد محللون مختصون في شؤون الحركة الحوثية أن إيران تمكنت من نقل نموذج «حزب الله» إلى اليمن عبر سنوات كثيرة، قامت فيها بتدريب وتأهيل المئات من مسلحي الحوثي في لبنان، إضافة إلى إرسالها خبراء عسكريين من الحزب ومن الحرس الإيراني، لتدريب عناصر الحركة وتزويدهم بالأسلحة الحديثة المتطورة كما حدث في العملية المشهورة للسفينة «جيهان1» التي أوقفتها السلطات وتمكنت الحركة فيما بعد من إطلاق سراح طاقم السفينة الإيرانيين وإغلاق ملفها، كما أن إيران هي الدولة الوحيدة التي رحبت بسيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، واعتبرت ذلك امتدادا للثورة الخمينية في إيران.

* كرسي هادي

* بعد أن أحكمت الحركة الحوثية قبضتها على مؤسسات الدولة، بنهاية شهر ديسمبر (كانون الأول)، دخلت الحركة في معركة جديدة مع مؤسسة الرئاسة التي ينظر إليها على أنها آخر مراكز الدولة التي لا تزال تحفظ ما تبقى منها، فقد شن زعيم الحركة عبد الملك الحوثي انتقادات لاذعة ضد الرئيس الانتقالي هادي ونجله، واتهمه بأنه «مظلة للفاسدين»، وهدد «بأنهم لن يتغاضوا عن ذلك إلى ما لا نهاية»، ليعلن بعدها المستشار السياسي لهادي الدكتور عبد الكريم الارياني هجوما عنيفا ضد الحوثيين، وقال الارياني في حوار صحافي إن «ما يقوم به الحوثيون يهدم الدولة ولا يبنيها»، مضيفا: أنهم «حركة تسعى لتحقيق أهدافها بالوسائل العسكرية، خارج نطاق النظام والقانون»، وعد الوضع الذي تعيشه اليمن بالوضع الشاذ، الذي تتحكم فيه حركة سياسية غير مدنية ولا يحكمها القانون، بمؤسسات وهياكل الدولة، وحول مبررات قيادة الحركة الحوثية في حربها على المناطق القبلية بزعم محاربة «القاعدة»، اتهم الارياني الحركة بالمساعدة في زيادة أعداد المنضمين إلى تنظيم القاعدة، وقال: إن «الدولة ومؤسساتها هي المخولة بهذا الدور، ما عمله أنصار الله زاد من عدد المنضمين إلى (القاعدة) ولم ينقصهم».
وكلام الارياني في هذا الوقت له وزن كبير ودلالة عميقة، فالرجل يعتبر رجل دولة، وهو من أهم السياسيين المخضرمين في البلد، وسبق أن تقلد عشرات المناصب الحكومية من أهمها وزارة الخارجية، ورئاسة الحكومة في فترة نظام صالح، إضافة إلى أنه من مؤسسي حزب المؤتمر الشعبي العام وشغل فيه منصب النائب الثاني لرئيس الحزب، وتمكن جناح صالح قبل شهرين من إزاحته من المنصب بسبب معارضته لصالح وموقفه الرافض للتحالف مع الحوثيين.

* سيناريوهات مفتوحة

* تعددت السيناريوهات الخاصة بمستقبل اليمن التي ترتبط بما يحدث على الصعيد الإقليمي كما يشير المراقبون، فأبواب الصراع من أجل السلطة في اليمن مفتوحة، إضافة إلى ما تسبب في أعمال العنف في اليمن خلال هذا العام من تصاعد عمليات الانتقام بين الأطراف المتحاربة سواء كانت سياسية أو قبلية، لذا فهناك توقعات بأن تشهد الفترة المقبلة عمليات عنف دامية وظهور جماعات مناهضة للحوثيين، تنفذ عمليات انتقامية ضدهم، فالمجتمع القبلي الذي يمثل أكثر من 70 في المائة من المجتمع، لن يبقى صامتا تجاه ما تعرض له من حروب وتفجيرات، خصوصا وأن ملف الثأر لا يزال مفتوحا فيما بين القبائل نفسها.
وينفي الحوثيون من جانبهم سيطرتهم على الدولة ويقولون، إن «ما تقوم به لجانهم الشعبية للحفاظ على مؤسسات الدولة الأمنية»، ويقول محمد عبد السلام المتحدث الرسمي باسم جماعة أنصار الله (الحوثيين) لـ«الشرق الأوسط»: إن «اللجان الشعبية تقوم بدور وطني وأخلاقي ومسؤول، تجاه انهيار المؤسسات الأمنية التي فككتها أيادي الفساد والإجرام بسبب استخدامها في الحروب الداخلية والأجهزة الأمنية». مضيفا: أن «هذه المؤسسات تحتاج إلى إسناد شعبي حتى تستطيع القيام بمهامها المطلوبة منها شعبيا بعد ثورة 21 سبتمبر»، وأكد عبد السلام أن هذه اللجان ليست بديلا عن الدولة، عندما تكون دولة الشراكة والمواطنة العادلة، مشيرا إلى أن «عقيدة اللجان الشعبية القتالية هي حماية الشعب لا الاستقواء عليه تحت رغبة قوى النفوذ والفساد». وحول موعد انسحاب هذه اللجان من شوارع العاصمة ومدن البلاد أوضح ناطق الحوثيين أن «اتفاق السلم والشراكة واضح ولا يجوز تنفيذه بشكل مجزأ وإنما حزمه واحدة في إطار الإصلاحات الاقتصادية ومكافحة الفساد»، وحول الأسلحة التي تم الاستحواذ عليها من معسكرات الجيش، اعتبر عبد السلام هذه القضايا تناولتها مخرجات مؤتمر الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة، وقال: «عندما يكون هناك نيات صادقه لإصلاح الوضع المختل في البلاد لن يكون هناك مشكلة في بحث كل شيء»، واستدرك «سندافع عن أنفسنا تجاه أي عدوان أو مخاطر تستهدف الشعب اليمني».
وعن المرجعية التي تخضع لها اللجان الشعبية لفت الناطق باسم الحوثيين إلى أن «اللجان الشعبية تعبر عن إرادة الثورة الشعبية وحارسة لها ومحافظة على الوضع الأمني من الفشل خاصة وهناك أطراف تتربص باليمن واليمنيين شرا وهي تعبر عن رغبة الشعب الذي خرج في الثورة الشعبية من أجل تحقيق مكاسب الشعب ومكافحة الفساد».
من جانبه يوضح رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحوث عبد السلام محمد الهبيط أن استراتيجية الجماعات المسلحة هي الوصول إلى صناعة القرار والسيطرة على الأرض والنفوذ، من خلال أدوات عسكرية مسلحة كما هو الحال مع حركة الحوثيين، ويقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: إن «الحوثيون بدءوا استخدام العنف في شكل مقاومة للظلم، كما يقولون لكنهم كانوا في الحقيقة يبنون قوة عسكرية موازية للدولة في شمال البلاد، بمحافظة صعدة، على مرأى ومسمع من النظام السابق الذي ساعد الحركة في التمدد في فراغاته التي كانت بعيدة عن التنمية والاستقرار». ولفت إلى أن «الحركة الحوثية عملت على التدرج في إقامة التحالفات مع البيئة المحيطة بها، بداية باستغلال المظلومين من الفئة الفقيرة ثم التحالف مع الحالة الاجتماعية مثل زعماء القبائل والشخصيات الاجتماعية، التي كانت معارضة للدولة، وانتقلت الحركة في عام 2011، إلى التحالف مع طيف واسع من التيارات الساخطة من النظام السابق، ونجحت في بناء تحالفات سياسية».
ويشير رئيس مركز أبعاد إلى أن الأحزاب والمجتمع الدولي والإقليمي، فشلوا في تمدين الحوثيين عبر إدخالهم في العملية السياسية عبر مؤتمر الحوار الوطني في وقت رفضت الحركة التخلي عن سلاحها وهو ما عزز من تمددها وتقوية بنيتها العسكرية والسياسية، وبذلك تمكن الحوثيون من تحقيق الهدف السياسي من خلال الحوار الوطني، وتحقيق الهدف العسكري عبر التحالف مع علي عبد الله صالح وهو ما مكنه من السيطرة على العاصمة صنعاء وبسط نفوذه داخل مؤسسات الدولة، يرى الهبيط أن الحركة لا ترتكز على بنية مؤسسية، وإنما على قرارات شخصية، ولهذا فهي تكون سهلة الاختراق لتحريكها وتحقيق أهداف جهات أخرى.
وحول رفضها المشاركة في الحكومة وإدارة المؤسسات بشكل مباشر، يقول رئيس مركز أبعاد: إن «طبيعة الحركات المسلحة تكون فاشلة في إدارة الحكم، فهم لن يقدروا على إدارة دولة، لأنهم يريدون أن يمارسوا مهام الدولة الإيجابي، ويحملون السلبيات للآخرين، وبالتالي فهي حركة تقوم على الفساد المالي ونهب السلاح». ولفت إلى أن الحوثيين يراهنون على الوقت والوضع غير المستقر لابتلاع الدولة. وحول التحالف بين الحوثيين والنظام السابق يوضح الهبيط أن الخلافات السياسية تحولت إلى صراع عسكري بالوكالة، فصالح وحزب المؤتمر يريد العودة للسلطة عن طريق الحوثي و«القاعدة» وعن طريق نشر الفوضى والأزمات، وهذا وضع خطير جدا على مستقبل البلد.
أما مستقبل اليمن في ظل الوضع القائم فإن الفوضى هو السيناريو الأقرب لما يحدث، وبحسب عبد السلام الهبيط فإن «أفق السلام الدائم بعيد المنال، لكن يمكن تجاوز ذلك في حالة واحدة وهو أن تقبل الحركة الحوثية تمدين نفسها وتدعم السلام وتحل الميليشيات المسلحة وهذا أمر مستحيل»، متوقعا أن تشهد الفترة المقبلة مزيدا من الجماعة المسلحة المضادة للحوثيين ومزيدا من العنف، وتشكيل جماعات انتقامية، تكون قريبة من الواقع الاجتماعي وبفكر أيدلوجي، مناهض للحوثيين وهذا سيدخلنا في حرب أهلية وطائفية كما حصل في العراق وسوريا، ويستدرك الهبيط «وهناك سيناريو آخر وهو أن يفرض المجتمع الدولي بالقوة السيطرة على قراراته، ودعم العملية السياسية الانتقالية، لكن للأسف المجتمع الدولي يتعامل مع اليمن بتساهل غريب، خصوصا أنه ترك الحركة تسيطر على العاصمة صنعاء وكان قادرا على إيقافها بعد سقوط معسكرات عمران».

الحركة الحوثية في سطور



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.