ابدأ بكتابة الرسائل في مستعمرات الحجر الصحي

يمكن أن تتحول إلى ما يشبه التمرين على كسر الرتابة والروتين اليومي

ابدأ بكتابة الرسائل في مستعمرات الحجر الصحي
TT

ابدأ بكتابة الرسائل في مستعمرات الحجر الصحي

ابدأ بكتابة الرسائل في مستعمرات الحجر الصحي

وصلت الرسالة الأولى بتاريخ 31 مارس (آذار) من العام الحالي. وكانت مرسلة من أحد أقرب أصدقاء الطفولة الذي صار في وقت لاحق زميلاً في السكن الجامعي، والذي أحافظ على صلة منتظمة معه من خلال التراسل النصي الفوري، أو عن طريق تطبيق «فيس تايم»، أو بالاتصال الهاتفي من وقت إلى آخر، تماماً كما يفعل أغلب الشباب ممن يبلغون العقد الثاني أو نحوه من أعمارهم.
كتب صديق طفولتي يقول في رسالته وما يزال الخدش القديم باقياً منذ أيامنا الأولى في المدرسة الابتدائية: «لقد غربت الشمس لتوها عن يومنا الخامس عشر قيد الحجر الصحي - التباعد الاجتماعي. ألا تلحظ معي جنون السرعة التي تحولت إلى الوضع الطبيعي المقبول في أيامنا هذه؟».
ولقد لفت نظري أن الرسالة كانت نصية، بعد مرور عدة أيام من التواصل عبر تطبيق «زووم» للدردشة المرئية من دون توقف من أجل العمل، وكان آخر شيء يرغب في القيام به هو التحديق في شاشات الأجهزة الإلكترونية من أجل مواكبة العصر الحاضر. بالإضافة إلى ذلك -كما قال في رسالته- فإن كتابة الخطاب يمكن أن يتحول إلى ما يشبه التمرين على كسر الرتابة والروتين اليومي المثير للضجر.
ومن ثم، قررت الكتابة رداً عليه، ثم شرعت في كتابة خطاب جديد إلى صديق، ثم صديق آخر. وفي الآونة الأخيرة، لم يكد يمر أسبوع من أسابيع هذا الشهر لم تكن فيه رسالة أخطها بنفسي ابتداء، أو أرد بها على رسالة صديق من أصدقائي. وبدا واضحاً -في أغلب تلك التبادلات النصية بين جماعة الأصدقاء- أن هناك شفرة ضمنية مفهومة وغير معلن عنها ذات صلة باللغة شبه الرسمية والأسلوب الأدائي البديع الذي كان يرمي بدرجة من الدرجات إلى استحضار ذكريات الماضي. كانت الرسالة الأولى التي وصلتني من صديق الطفولة -على سبيل المثال- تحمل بين طياتها تحليلاً منمقاً للعزلة البحرية التي عانى منها الشاعر الرومانتيكي الإنجليزي «جون كيتس» قبالة سواحل نابولي الإيطالية التي اجتاحها وباء التيفوس في عام 1820.
كتب صديقي يقول في رسالته: «هناك أمر ما يتعلق بأجواء الغرفة، ونيران المدفأة اللطيفة، والنسمات البحرية الهادئة. وحقيقة، إنني أسجل إليك ملاحظاتي تلك لأنها تجعلني أشعر وكأنني مثل القبطان الذي شرع لتوه في رحلة استكشاف بديعة إلى أرض أجنبية غريبة، وأبعث برسائلي إلى أحبتي في الوطن».
إنها تجربة متفردة تضيف زخماً لازماً إلى مشاعر متعاطفة تدعو إلى النأي بالنفس، واستشعار الفرار من الواقع، غير أنها لا تنتقص أبداً من المقدرة الصريحة على الكتابة بكل وضوح عن سلسلة واسعة من التجارب الذاتية الراهنة. لقد كتبت بنفسي عن عشاق إطعام الطيور، وعن الأفلام السينمائية الجيدة، وكذلك عن العائلة. وكنت أواصل متابعة رسائل الأصدقاء التي تأتيني، ويتحدثون فيها عن الصيد، والشوق إلى الوطن، ومنمنات مستقاة من رواية «الحب في زمن الكوليرا» للبارع أبداً غابرييل غارسيا ماركيز، إذ يخط الشاب فلورنتينو أريزا آلافاً من رسائل الحب والشوق والغرام حال تفشي الوباء الفتاك في كولومبيا.
إن المراسلات المتواترة عن طريق البريد هي من التجارب الجديدة إلى درجة ما بالنسبة لي. عندما كنت تلميذاً في الصف الخامس، كان هناك برنامج لأصدقاء المراسلة مع أحد الفصول الدراسية المناظرة في أستراليا. ولكن مع انتهاء العام الدراسي، انقطعت أواصر التواصل بيني وبين صديقي بالمراسلة هناك. وفي كل مرة أحاول فيها السفر إلى الخارج، أحاول كتابة الخطابات إلى أسرتي، وبطريقة أو بأخرى دائماً ما أميل إلى الرجوع إلى منزلي كي أتسلم الرسائل التي كنت قد أرسلتها بنفسي!
ولكن، على غرار كثير من الأمور والأشياء الأخرى التي نمر بها أو تمر بنا في خضم مستعمرات الحجر الصحي الهائلة المتناثرة، بل المرعبة، في العالم من حولنا، اكتشفت أن كتابة الرسائل والخطابات من أبسط الأمور وأروعها في آن واحد. ولكل خطاب أشرع في كتابته، فإنني أجلس في احترام بالغ على الطاولة في غرفة الطعام، لمدة لا تقل عن ساعة بأي حال، نائياً بنفسي تماماً عن كل ما هو إلكتروني من هاتف ذكي أو حاسوب قوي، واضعاً ورقة أو ورقتين من أوراق الطباعة ناصعة البياض أمامي. لكني كنت بالكاد أحافظ على دفتر ملاحظات يومي، من دون أن يهاجمني شعور بأن هذا عمل رتيب روتيني يثير الملل والضجر بأكثر مما يبعث على الارتياح. بيد أن كتابة الخطابات إلى شخص آخر أعرفه هو بمثابة فتح بوابة جديدة فريدة على العالم، من دون أن أكلف نفسي عناء إلقاء نظرة ثانية خاطفة إليه بعد ذلك.
ومن ناحية أخرى، فإن تلك التجربة الرائعة تترك في مكامن ذاتي شعوراً مثيراً للاهتمام أكثر من السرد الاعتيادي المجرد لمجريات أيام الوباء المقيت، فضلاً عن مزيج من الوريقات التي أتلقاها من الآخرين، وكل صفحة منها تبعث روحاً جديدة عن التي تليها.
وكان من بواعث الراحة في نفسي اعتقادي أن ما أخطه بيدي سوف يجد طريقه في آونة قريبة إلى أيدي شخص آخر، خاصة في مثل تلك الظروف الراهنة التي تتسم بكثير من التباعد الجسدي بين الأشخاص. لقد أرسلت خطابات عدة إلى أماكن بعيدة، مثل الأرجنتين أو كوريا الجنوبية، وغير ذلك من الخطابات التي وصلت لمسافة لا تتجاوز بضعة شوارع من باب منزلي. وكانت بعض الرسائل اليدوية التي أتلقاها يتعذر أو ربما يصعب تماماً قراءتها -تماما كما هو الحالي عندي- في حين أن بعض الرسائل الأخرى لا يمكنني وصفها إلا بما توصف به الأعمال الفنية ذات اللمسات الجمالية الرائعة. وكان أحد أصدقائي -وهو طالب دولي يقطن سكن الحرم الجامعي الذي جرى إفراغه تماماً من الطلاب في ولاية نيوجيرسي- قد أرفق في خطابه زهرة من شجرة كرز مثمرة في حديقة الجامعة. ولقد قرأت بين سطور خطابه ابتسامات لم تسعفني عيناي لمشاهدتها في الواقع.
لست بمفردي في تلمس سبل الراحة عبر كتابة وقراءة الرسائل خلال هذه الأيام. فلقد ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، في مقالة أخيرة، أن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في حركة البريد العادي والخطابات المكتوبة بخط اليد، إذ يبدو أن هذه الممارسة الجميلة قد لفتت انتباه كثير من الناس، مع محاولاتهم المستمرة التأقلم مع حالة الحزن العامة التي تواكب الوباء. ومن الأمور الباعثة على السخرية والحزن شروعي راهناً في كتابة الرسائل والخطابات، وذلك بسبب الأوضاع المزرية التي تعاني منها أيضاً خدمات البريد الوطني الأميركية، إذ ربما يسفر الانهيار الاقتصادي الناجم عن الوباء الفتاك عن الصدمة الأخيرة التي تعصف بواحدة من أقدم المؤسسات والخدمات الوطنية والأكثر اعتزازاً في الولايات المتحدة الأميركية. وفي حين أن الزيادة المطردة في حجم الطرود البريدية خلال الشهور القليلة الأولى من عمر الوباء الراهن توفر قدراً معتبراً من الراحة المؤقتة، فإنه ليس بإمكان أي قدر من الخطابات التي نقوم بإرسالها أن يعوض أبداً مليارات الدولارات من التمويل الإغاثي الفيدرالي المطلوب لإنقاذ هذه المؤسسة الأميركية العريقة.
ومع ذلك، وكما هو الحال لدى كثير من الأمور الأخرى في هذه الأوقات، فإنني لا أتخلى أبداً عن الأمل والتفاؤل، إذ تشير دراسة استقصائية معنية بخدمات البريد الأميركية، نُشرت في شهر مايو (أيار) من العام الحالي، إلى أن فئة الشباب على وجه الخصوص كانوا أكثر ميلاً إلى إرسال البطاقات أو الخطابات خلال الآونة الأخيرة. ورغم أن هذا لا يعني أن كثيرين منا يهتمون بفعل ذلك في واقع الأمر، فإن جزءاً خاصاً مني يميل إلى الاعتقاد بوجود شباب من شاكلة الشاب فلورنتينو أريزا، يواصلون كتابة الرسائل الغرامية إلى الفتيات اللاتي لا يتمكنون من مقابلتهن حالياً بسبب الأوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد.
وعلى أرجح الأقوال، فإن مرجع ذلك إلى أننا نفتقد فعلاً أصدقائنا وزملائنا في الفصول الدراسية القديمة، وتنتابنا آلام قوية لازمة بسبب الأواصر المادية البسيطة للغاية التي أتت عليها ودمرتها جائحة الفيروس الراهن، من دون وعود صريحة بعودتها الوشيكة إلى سابق عهدها. وربما يرجع ذلك في أصله إلى أن الخطاب هو من الوسائل غير المعوقة للعمل، من خلال تراكم الأفكار والتوترات والقلق والعواطف خلال فترة المعلومات التي لا تتوقف، لا سيما مع أجواء الحزن الشديدة الغالبة. وربما لا يعدو الأمر أن يكون مجرد استراحة إجبارية من الحملقة في الشاشات الإلكترونية طيلة الوقت، أو هي مجرد وسيلة أخرى من وسائل الاحتفاء بمرور الوقت عندما يكون العالم من حولنا وكأنه في محطة زمنية مؤقتة انتظاراً لفترة غير محددة المعالم.
ووفقاً لهذا المعنى، فهناك جملة من الأسباب الكثيرة التي تسوغ لكثيرين منا الشروع في كتابة الخطابات والرسائل، وليس أدناها أن هناك فعلاً ما يمكن قوله عما نعانيه من بطء شديد في المجريات من حولنا.
كتب لي صديق آخر من أصدقاء الطفولة رسالة جاء فيها: «عندما وصلتني رسالتك الأولى، كان أول ما بدر إلى ذهني من أفعال أن أبعث إليك بصورة عبر الهاتف، ثم توقفت برهة من الزمن لأراجع نفسي، وظننت أنها بمثابة إهانة مبتذلة لمجهودك في كتابة خطاب كامل بيديك أن أرد عليها بصورة إلكترونية جامدة لا حياة فيها»؛ وجدتني أبتسم وأنا أخرج ورقة بيضاء جديدة من حافظة أوراقي لكي أكتب الرد على خطابه. وأفضل الاعتقاد بأنني قادر على مواصلة تلك الممارسة البديعة لأطول فترة ممكنة من حياتي، أو على أدنى تقدير، ما بقي هناك من هو قادر على المبادلة والاستجابة والكتابة.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة