الفلسفة كحل وحيد للاستعصاء التاريخي

عدد الفلاسفة الكبار لا يتجاوز العشرين على مدار 2500 سنة

فردريك لونوار  -  سبينوزا
فردريك لونوار - سبينوزا
TT

الفلسفة كحل وحيد للاستعصاء التاريخي

فردريك لونوار  -  سبينوزا
فردريك لونوار - سبينوزا

يجمع العارفون على أن الفيلسوف بالمعنى الحقيقي للكلمة هو ذلك الشخص الذي أحدث خرقا في تاريخ الفكر، أو ثغرة في جدار التاريخ المسدود. الفيلسوف هو ذلك العبقري الذي حل المشكلة الاستعصائية للعصر. كل شخص لا يفعل ذلك لا يمكن أن نعتبره فيلسوفا حقيقيا. من هنا ندرة الفلاسفة الكبار على مدار التاريخ. الفيلسوف بالمعنى الذي نقصده هو فلتة من فلتات الزمان. إنه ذلك الشخص الذي تشكل ولادته حدثا هائلا أو ظهورا ساطعا على صفحة التاريخ. لماذا نعظمه إلى مثل هذا الحد؟ لأنه حل للناس المشكلة التي تؤرقهم، لأنه فك الانسداد التاريخي.
ومعلوم أنه في كل مرحلة من مراحل التاريخ هناك مشكلة مستعصية أو انسداد فكري لا يستطيع فكه إلا الفيلسوف العظيم. بهذا المعنى فالفلاسفة الكبار هم ظهورات أو منارات إشعاعية أو انفراجات في قلب الانسدادات. ليس في كل يوم يظهر فيلسوف كبير! فمثلا عدد الفلاسفة الكبار لا يتجاوز العشرين على مدار 2500 سنة من تاريخ الفلسفة. وحتى هؤلاء يمكن اختصارهم إلى تسعة أو عشرة أسماء: أفلاطون، أرسطو، ديكارت، سبينوزا، جان جاك روسو، كانط، هيغل، ماركس، نيتشه، هيدغر. أعتذر عن هذا التعسف. فهناك آخرون لا يقلون عبقرية وأهمية. وكل واحد من هؤلاء حل المشكلة المستعصية لعصره. كل واحد منهم اكتشف الحقيقة المخبوءة أو المطموسة في عصره. ولذلك نشعر بعد قراءتهم بأن الكون اتسع، والظلمات انقشعت، والكابوس زال.
فمثلا سبينوزا حل مشكلة الأصولية اليهودية - المسيحية. ومعلوم أنها كانت الاستعصاء التاريخي الأكبر في عصره. وكانت تقلق ذلك العصر وترعبه. لماذا؟ لأنها كانت تدخل الشعوب الأوروبية في حروب أهلية لا تبقي ولا تذر. وهي الحروب الطائفية التي جرت بين المذهبين الأساسيين: المذهب الكاثوليكي البابوي والمذهب البروتستانتي اللوثري. لقد حل سبينوزا المشكلة فلسفيا من خلال عقلنة الدين وتنظيفه من الشوائب والخرافات وحشو الحشو والترهات. وكلها أشياء متراكمة على مدار العصور وتهيمن على عقلية عامة الشعب.
كان الدين كله مختصرا لديه بعبارة واحدة: الإيمان بالله وحب العدل والإحسان والتضامن الفعلي مع الفقير والمسكين وابن السبيل. الدين هو المعاملة الحسنة والنزاهة والصدق ومكارم الأخلاق. هذا هو الدين في نظر سبينوزا، هذا هو جوهر الدين. كل ما عدا ذلك تفاصيل. أما الحقد على الآخر لأنه ليس من دينك أو مذهبك فهذا ليس من الدين في شيء وإنما مجرد تعصب أعمى. وهذا ما كان سائدا في عصر سبينوزا كما هو سائد عندنا حاليا. السائد كان هو المقولات الطائفية والفتاوى التكفيرية التي تملأ عقول عامة الشعب وتحشوها حشوا بأفكار التعصب وتحرض الناس على بعضهم البعض طائفيا ومذهبيا. هذا هو المفهوم السائد للدين في عصر سبينوزا. ولكن لحسن الحظ فإن أوروبا الحداثية المتنورة تخلصت منه حاليا وتجاوزته كليا بفضل سبينوزا ومن تلاه من كبار الفلاسفة الذين ثقفوا أوروبا وهذبوها وعلموها. ما الذي فعله سبينوزا بالضبط؟ هذا ما يجيب عليه فريدريك لونوار في كتابه «معجزة سبينوزا»، وغيره ممن كتبوا عن الفيلسوف.
لقد فكك سبينوزا العقائد الطائفية والفتاوى اللاهوتية التكفيرية للدين أو لرجال الدين. لقد قضى عليها قضاء مبرما من خلال كتابه العبقري: مقال في اللاهوت السياسي (المسيحي - اليهودي). وهو ما ندعوه حاليا عندنا بالإسلام السياسي. ولكن أين هو المثقف العربي الذي يتجرأ على ما فعله سبينوزا قبل 350 سنة بالضبط؟ سبينوزا لم يصفق لدعاة المسيحية السياسية أو المسيسة ولم ينبطح أمام الإخوان المسيحيين كما ينبطح بعض المثقفين العرب حاليا أمام الإخوان المسلمين. وإنما فكك مقولاتهم من جذورها تفكيكا وأسقط مشروعيتهم اللاهوتية أو الدينية وعراهم على حقيقتهم.
وكشف كيف أنهم يستغلون الدين بكل براعة مكيافيلية لغايات شخصية انتهازية لا تخفى على أحد. ولكنها تخفى على عامة الشعب البسيط المتدين أو ما ندعوه حاليا بالشارع العربي أو التركي فيتبعهم دون نقاش ويجعلهم يربحون الانتخابات بكل سهولة لأنه لا يمكن أن يكون ضد الدين. يا أخي هل أنت ضد الدين؟ أعوذ بالله، معاذ الله. إذن صوت لي! ولذلك يمنع المغرب استخدام الجوامع والمقدسات في الحملات الانتخابية المسيسة. لماذا؟ لأن من يستخدمها سوف يربح الانتخابات بشكل أتوماتيكي حتى دون انتخابات!
بنقده الراديكالي هذا لرجال الدين فتح سبينوزا المجال لتشكيل الدولة المدنية العلمانية الحديثة التي تعامل المواطنين كلهم على قدم المساواة بغض النظر عن أصولهم ومشاربهم. وهذا يعني أنه حل مشكلة العصر أو استعصاء العصر إذ أعطى الشعوب الأوروبية المتصارعة المفتاح الذهبي لتجاوز العقلية الطائفية والحروب المذهبية.
لقد تصدى للأصوليين على أرضيتهم الخاصة بالذات ودحرهم دحرا. إنه بطل الفكر مثل أستاذه ديكارت. لماذا نقول ذلك؟ لأنه حرر الروح من كوابيس اللاهوت الظلامي والتدين القاتل. هذا ما فعله سبينوزا. لهذا السبب نقول بأن ولادته كانت تشكل ظهورا أو حدثا خارقا في تاريخ الفلسفة. ورغم أنه لم يعش أكثر من 45 سنة إلا أنه استطاع أن يحدث خرقا في تاريخ الفكر البشري. هل هذا قليل؟ ولذلك ظل الأصوليون يلعنونه حتى الساعة. ولا تزال فتوى التكفير تلاحقه حتى اللحظة. ثم يقولون لك بعد كل ذلك: يا أخي ما فائدة الفلسفة؟ ما فائدة الثقافة والمثقفين؟ فائدتهم عظيمة والكلمة عندهم أقوى من الرصاصة! بشرط أن يكونوا عباقرة في حجم سبينوزا أو ديكارت أو كانط أو هيغل إلخ...
- تلامذة سبينوزا
ننتقل الآن إلى عصر التنوير، أي عصر فولتير وديدرو وجان وجاك روسو وكانط ومن تلاهم من فلاسفة الأنوار. وجميعهم من تلامذة سبينوزا بشكل أو بآخر وإن كانوا قد تجاوزوه وأضافوا إليه إضافات جديدة باهرة. فهؤلاء غيروا بشكل راديكالي منظورنا لفهم الحقيقة أو تصورها. لا ريب في أن سبينوزا سبقهم إلى ذلك ولكنه كان معزولا في عصره أي القرن السابع عشر أما هم فقد شكلوا تيارا طويلا عريضا في القرن الثامن عشر. فالحقيقة أصبحت نقدية وتحريرية في آن معا. بمعنى أنها لم تعد تصدق كل مقولات رجل الدين بشكل أتوماتيكي حتى ولو كان البابا شخصيا! وإنما ينبغي تفحصها أولا ووضعها على محك العقل والتمحيص قبل قبولها أو رفضها. وبالتالي فهي نقدية بالدرجة الأولى تجاه خرافات الأصوليين التكفيريين وأحقادهم الطائفية والمذهبية التي يبثون سمومها في أوساط الشعب الطيب البسيط الجاهل بل والأمي في معظمه آنذاك. وتجرأ الفلاسفة على القول بأن العلة كائنة في الشعب ذاته! ولذلك ينبغي إخراجه من مستنقع التخلف والجهل والتبعية العمياء لرجال الدين. بمعنى آخر لكي يحصل التغيير المنشود المنتظر ينبغي أن نبتدئ من نقطة البداية: أي تثقيف الشعب وتعليمه وتهذيبه وبالأخص تنويره. ولتحقيق ذلك خاض فلاسفة الأنوار معارك طاحنة مع رجال الدين المهيمنين على عقلية الشعب كما يهيمن شيوخ الفضائيات على الجمهور المسلم في وقتنا الراهن. وعندئذ ظهرت المؤلفات الكبرى كرسائل فلسفية، ورسالة في التسامح، والقاموس الفلسفي، لفولتير. ولا ننسى بالطبع كتابات جان جاك روسو التي فككت المفهوم الأصولي الطائفي القديم للدين المسيحي وقدمت عنه مفهوما عقلانيا وتحريريا رائعا.
وهذا ما ينقص العالم العربي حاليا بشكل موجع. هذا وقد نزل روسو إلى قلب المعمعة عندما تصدى لمطران باريس الذي كان قد هاجمه سابقا وكفره. ولذلك رد عليه روسو بكل جرأة وشجاعة بل وأفحمه في نص قوي خالد. ولا أعرف كيف تجرأ، وهو الأقلوي البروتستانتي، على تحدي أكبر شخصية كاثوليكية في فرنسا! هنا تكمن عظمة جان جاك روسو. لقد فجر النواة التراثية الصلبة للانغلاقات الدينية في قلبها أو منتصفها. وتدفقت عندئذ الشلالات والأضواء وانفك الانسداد التاريخي وتنفس الناس الصعداء. وعرف الناس عندئذ أنهم وصلوا إلى بر الأمان وأن الفكر المنور والمنتظر قد ظهر. (بين قوسين: وهذا ما شعر به الفرنسيون بعد ظهور ديكارت، والألمان بعد ظهور كانط أو هيغل. وحدهم العرب لا بواكي لهم...). وحرر روسو بذلك الطاقات المحبوسة أو المكبوتة للشعوب الأوروبية. بمعنى آخر فقد حررها من كابوس الظلامية الدينية التي كانت مهيمنة على أوروبا آنذاك وتكاد تخنقها خنقا وتشلها شللا بالصراعات الطائفية والحروب المذهبية. كان المفهوم الظلامي القديم للدين يشكل أكبر انسداد أو أكبر استعصاء تاريخي بالنسبة للأوروبيين كما هو عليه الحال عندنا حاليا. مسافة التفاوت التاريخي بيننا وبينهم من هذه الناحية تقدر بمائتي سنة أو حتى ثلاثمائة سنة.
- داء الأصولية
المفهوم الأصولي التكفيري كان مهيمنا على العقلية الجماعية منذ مئات السنين وبالتالي فله مشروعية تاريخية. ورغم ذلك فقد استطاع الفلاسفة زعزعته أو زلزلته أو تفجيره من الداخل... كانت الطائفية تمثل آنذاك الداء العضال الذي ينخر في أحشاء أوروبا وتجعل الناس يكرهون بعضهم بعضا بل ويذبحون بعضهم بعضا على الهوية. لم يكن أي جار يطيق جاره إن لم يكن من طائفته أو مذهبه. ولذلك كانت أحياء الكاثوليكيين منفصلة كليا عن أحياء البروتستانتيين. ثم ظهر روسو وقال هذه العبارة الأساسية: كل من يكفر الآخرين ينبغي طرده من الدولة والمجتمع. وكان يقصد بذلك حزب الإخوان المسيحيين البابويين الذين يشكلون الأغلبية العددية ويخيفون الآخرين بذلك. كانوا يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة الإلهية المطلقة أو المسيحية الحقة لمجرد أنهم أكثرية وأن الآخرين زنادقة وكفار ينبغي استئصالهم. وبالتالي فلاهوت التكفير أو فقه التكفير هو سبب دمار أوروبا سابقا والعالم العربي حاليا. والواقع أن الجماعات التكفيرية هي التي ينبغي استئصالها وليس العكس. لماذا؟ لأنها تشكل خطرا ماحقا على السلم الأهلي والوحدة الوطنية للبلاد. وأخيرا نقول بأن عظمة فلاسفة أوروبا تكمن في أنهم استطاعوا تفكيك المفهوم التكفيري الظلامي الراسخ في العقليات الجماعية رسوخ الجبال وإحلال المفهوم التنويري المتسامح محله. وهذا الشيء لم يحصل حتى الآن في العالم العربي بل إن الذي يحصل حاليا هو العكس تماما!



«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
TT

7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

كشف مسؤولون في ​الهند، اليوم الثلاثاء، أن جميع الركاب السبعة الذين كانوا على متن طائرة إسعاف ‌من طراز ‌«بيتشكرافت» ​لقوا ‌حتفهم ⁠بعد سقوطها ​في ولاية ⁠جاركاند أمس الاثنين.

وكان على متن الطائرة اثنان من أفراد الطاقم ⁠ومريض وأقاربه.

حطام طائرة الإسعاف الجوي التي سقطت بالقرب من غابة في منطقة تشاترا بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

وقالت ‌المديرية ‌العامة للطيران ​المدني ‌في الهند ‌أمس الاثنين إن طائرة «بيتشكرافت سي 90»، التي تشغلها شركة ‌«ريد بيرد إيرويز»، أقلعت من رانشي في ⁠جاركاند، ⁠لكنها طلبت تغيير مسارها بسبب الأحوال الجوية.

وأضافت المديرية أن الطائرة فقدت الاتصال بعد ذلك واختفت ​من على ​شاشات الرادار.


بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
TT

بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)

بين محاولات عزيزة ترميم صورتها، وتورّط والدها وجارتهما في عاصفة من الإشاعات، تتشكّل ملامح الموسم الثاني من مسلسل «شارع الأعشى». هنا لا تبدو السمعة مجرد قيمة اجتماعية، بل ساحة صراع مفتوحة تُختبر فيها الشخصيات تحت ضغط مجتمع يضيق فيه هامش الخطأ وتتعاظم التأويلات.

مع انقضاء الأسبوع الأول من رمضان، يواصل المسلسل تصدّر قائمة الأعمال الأكثر متابعة في السعودية وعدد من الدول العربية، مستفيداً من العلاقة التي بناها مع جمهوره منذ الموسم الأول. غير أن العودة هذه المرة لا تكتفي باستثمار النجاح السابق، بل تدفع الشخصيات إلى مرحلة أشد قسوة؛ إذ تنتقل الحكاية من التعريف إلى الاختبار، ومن البناء إلى المواجهة، حيث تتحول النيات الحسنة نقاطَ اشتباك، وتصبح الشائعة أداة تدفع الأحداث نحو مسارات جديدة.

عزيزة... من الاندفاع إلى الاتزان

مشهد من ليلة زواج عزيزة الذي شهد مرحلة انتقالية للشخصية (شاهد)

تتمحور حكاية الموسم الأول حول الشابة المتهورة عزيزة (لمى عبد الوهاب)، التي تدفع نفسها باستمرار إلى قلب المتاعب، واضعة سمعتها على المحك. فبين محاولات الهروب المتكررة والبحث عن الحب بوصفه خلاصاً سريعاً من واقع ضاغط، تنجرف الشخصية نحو سلسلة من القرارات التي تقودها إلى نتائج قاسية. ويبلغ هذا المسار ذروته حين تفكر في الهرب مع حبيبها، قبل أن تنتهي الحكاية بمقتله في ختام الموسم الأول.

في الموسم الثاني، تعود عزيزة بقدر أكبر من الاتزان، مدفوعة بإحساس متزايد بالمسؤولية تجاه حياتها وخياراتها. وتبدأ ملامح التحول مع زواجها من خالد (ناصر الدوسري)، وهي تجربة تضعها أمام واقع مختلف تماماً؛ إذ تواجه علاقة يغلب عليها الطابع العملي والقسوة، بعيداً عن الأحلام الرومانسية التي سعت إليها في السابق.

ورغم صعوبة هذا التحول، تختار عزيزة الصبر والتحمّل، محاولة الحفاظ على ما تبقّى من ثقة عائلتها وإثبات قدرتها على التكيّف داخل الإطار الاجتماعي الذي سعت يوماً إلى التمرد عليه وكسره. بذلك، ينتقل مسار الشخصية من الهروب الدائم إلى مواجهة يومية مع الواقع، في رحلة إعادة بناء الصورة أمام الأهل والمجتمع.

وضحى... مواجهة الثمن الأعلى

إلهام علي تؤدي شخصية وضحى التي تتعرض لمتاعب كبيرة في الموسم الثاني (شاهد)

على خط درامي موازٍ، تتقدّم شخصية وضحى (إلهام علي) إلى واجهة الأحداث بمساحة أوسع وتأثير أشد. وتبدأ افتتاحية المسلسل بالتحدّي المصيري الذي تواجهه بعد سجن ابنها متعب (باسل الصلي)؛ ما يدفعها إلى اتخاذ قرار قاسٍ ببيع منزلها من أجل تأمين إطلاق سراحه. ويحمل هذا القرار تضحية مضاعفة؛ إذ لا يمسّ الاستقرار المادي فحسب، بل يطول الذاكرة العائلية في عمقها.

وتتجلَّى المفارقة حين يكون المشتري جارها أبو إبراهيم (خالد صقر). ومنذ تلك اللحظة، تبدأ الأقاويل بالانتشار داخل الحارة، وتتحول الصفقة من موقف شهم إلى مادة للشك والنميمة. ويجد أهل الحي في تصرفاتهما مساحة للتأويل والمراقبة، في حين يسبق الكلامُ الوقائع بخطوات، لتجد وضحى نفسها في قلب عاصفة اجتماعية تتَّسع دائرتها مع كل حلقة، وتتحول فيها النية الحسنة عبئاً يتطلب دفاعاً يومياً.

الخلوة... لحظة تغيّر المسار

خالد صقر يمر بتحولات جديدة في الموسم الثاني (حساب الفنان في إكس)

تبلغ هذه الحبكة ذروتها في الحلقة السادسة، حين يجتمع أبو إبراهيم ووضحى صدفة في منتصف الليل داخل محل ابنها. ويتحوَّل هذا اللقاء العابر أزمةً كبيرة بعد اقتحام الشرطة المكان والقبض عليهما بتهمة الخلوة غير الشرعية، وهي تهمة كانت تُواجَه بحزم شديد في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وهي الفترة الزمنية التي يستلهم منها المسلسل عالمه الاجتماعي خلال الموسم الثاني.

ومنذ تلك اللحظة، تتَّسع دائرة الأقاويل، ويتعرض الاثنان إلى هجوم مباشر من أهل الحارة الذين يرتابون من سلوكهما، لتتحول النظرات والهمسات تدريجياً موقفاً علنياً يضعهما تحت ضغط اجتماعي كثيف.

أمام هذا الواقع، يقرِّر أبو إبراهيم الزواج من وضحى، في خطوة تهدف إلى ردع الأقاويل ووضع حد للتأويلات المتزايدة؛ سعياً إلى حماية السمعة قبل أي اعتبار آخر. غير أن هذه الخطوة تفتح جبهة جديدة داخل بيته، وتضع أسرته أمام اختبار صعب تتداخل فيه المشاعر مع ضغط المجتمع ونظرته.

وتدخل زوجته نورة (عائشة كاي) في تحدٍّ مختلف عمَّا عاشته في الموسم الأول؛ فبعدما تمحورت أزماتها سابقاً حول أبنائها وبناتها، تجد نفسها اليوم أمام أزمة تمس علاقتها الزوجية مباشرة. ومع تراكم الضغوط وتصاعد الكلام داخل الحارة، يلحظ الجمهور بداية تصدّع في هذه العلاقة، تحت وطأة المجتمع وثقل سمعته.

سعد... عودة بوجه مزدوج

براء عالم ملثماً في دور الهارب سعد (حساب الفنان في إكس)

في سياقٍ آخر، يعود الشاب سعد (براء عالم) بعد المسار الذي اتخذه في الموسم الأول، حين انحرف وانضم إلى فئات فكرية ضالّة، وانتشر خبر مقتله. غير أن الموسم الثاني يكشف عن أن سعد ما زال حياً، وأنه يتعامل سراً مع الشرطة للقبض على المطلوبين، ليتحرك بين أزقة الحي متلثماً بشماغه، ويظهر في صورة تجمع بين الغموض والخطر.

ويجعل هذا الحضور الملتبس بعضَ سكان الحارة يلمحونه ويشكّون في هويته، كما يضيف خط سعد طبقة جديدة من التوتر إلى عالم «شارع الأعشى». ويعزّز هذا المسار فكرة السمعة والذاكرة والهوية بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل مصائر الشخصيات، مانحاً الموسم بُعداً إضافياً يتجاوز الصراع العائلي إلى صراع مع الماضي وصورته في عيون الآخرين.

وجوه جديدة... وشخصيات تتبدّل

وكذلك، يشهد الموسم الجديد تحولاً في شخصية فواز (محمد الحربي)، الذي كان حضوره هامشياً ومحدوداً في الموسم الأول بوصفه صبياً صغيراً، ليظهر اليوم في صورة مراهق يحاول فرض سيطرته على تصرفات أخواته، ويغار عليهن من شباب الحي، في محاولة لمحاكاة التحولات التي يمر بها الصبيان خلال مرحلة الانتقال من الطفولة إلى الشباب.

ويبدو لافتاً ما يحمله الموسم الثاني من «شارع الأعشى» من مشاركة جديدة لعدد من النجوم الذين انضموا إلى العمل، مثل ناصر الدوسري، ومهند الحمدي، ومها محمد، ومحمد الحجي إلى جانب أسماء أخرى؛ وهو ما أسهم في توسيع عالم الحكاية وفتح مسارات درامية جديدة، ومنح الحارة وجوهاً أخرى تتقاطع مع الشخصيات الأساسية.

في المقابل، شهد الموسم الثاني استبدال شخصية ضاري، التي كان يؤديها الممثل عبد الرحمن بن نافع في الجزء الأول، ليحل محله مصعب المالكي. وأثار هذا التغيير جدلاً واسعاً بين الجمهور خلال الأسبوع الأول من العرض، وفتحِ باب المقارنات بين أداء الممثلين، في نقاش يعكس حجم ارتباط المشاهدين بالشخصيات وتفاصيلها.

ديكور وأزياء أكثر ثراءً

على المستوى البصري، يبرز في هذا الموسم تطور واضح في ديكور الحارة؛ إذ جاء أكثر إتقاناً وغنًى بالتفاصيل، بما يعزّز الإحساس بالمكان والزمن، ويمنح المشاهد شعوراً أعمق بالاندماج في العالم الدرامي. فقد بدت الأزقة والبيوت والمحال وكأنها تحمل طبقات من الذاكرة، وتخدم فكرة الحارة بوصفها كائناً حيّاً يراقب ويحتفظ بالأسرار.

وينسجم هذا التطور مع عناية أكبر بتفاصيل الأزياء، التي جاءت مشغولة بدقة بمشاركة مستشارة الأزياء فوزية بن خميس. كما برز فستان زواج عزيزة من خالد، باللون الوردي المنفوش والمشغولات الذهبية، بوصفه أحد أكثر العناصر البصرية لفتاً للانتباه في الحلقات الأولى.

إلى جانب ذلك، يظهر جانب آخر في شخصية الجازي (أميرة الشريف)، يتمثل في اهتمامها بتصميم الأزياء لسيدات الحارة، وهو تفصيل يضيف بُعداً إنسانياً واجتماعياً جديداً إلى نسيج العمل، ويمنحه مساحة أوسع للتعبير عن الأذواق والطبقات والهوية البصرية للشخصيات.

الحارة... محكمة مفتوحة

إجمالاً، يكشف الموسم الثاني عن تحوّل المكان نفسه إلى سلطة قائمة بذاتها؛ فالحارة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل محكمة مفتوحة لا تتوقف عن المراقبة وإصدار الأحكام. تتحول النظرات اتهاماً، والكلمات قرارات مصيرية، في حين تكتسب الشائعات قوة تفوق الحقيقة أحياناً، لتدفع الشخصيات نحو اختيارات قاسية لا يفرضها القدر بقدر ما يفرضها المجتمع.

ومع مواصلة المسلسل تصدُّر المشاهدة منذ أسبوعه الأول، يتضح أن الجمهور يتابع هذه التحولات بوصفها امتداداً طبيعياً لعالم تعرّف إليه سابقاً، ويراه اليوم في مواجهة أكثر حدة مع اختياراته ونتائجها. وهكذا يقدّم «شارع الأعشى» في موسمه الثاني حكاية شارع يحتفظ بذاكرته، وأشخاص يخوضون سباقاً يومياً على السمعة، ومجتمعاً يجعل من الصورة العامة ساحة صراع مفتوحة، تتقاطع فيها النيات الحسنة مع قسوة التأويل.