حبة توت أفريقية تحلّي الطعام وتخلّص من السمنة

نمط الغذاء يتغير لتغطية الحاجة وتحسين الصحة

حبة توت أفريقية تحلّي الطعام وتخلّص من السمنة
TT

حبة توت أفريقية تحلّي الطعام وتخلّص من السمنة

حبة توت أفريقية تحلّي الطعام وتخلّص من السمنة

المؤشرات الحالية لإمدادات الطعام في العالم غير مبشرة، وقد تؤدي إلى أزمات على نطاق عالمي. فالزيادات السكانية المضطردة ومتغيرات المناخ الحادة وارتفاع أسعار الغذاء ونفاد الموارد المتاحة لإنتاج مزيد من اللحوم، كلها عوامل تشير إلى بوادر أزمة غذائية عالمية لن يحلها سوى استنباط أغذية جديدة واتباع أنماط مختلفة عما هو سائد حالياً.
وتعتبر اللحوم من الأغذية النادرة في بعض الدول النامية بالفعل بسبب أسعارها الباهظة. وخلال السنوات الخمس المقبلة سوف تتضاعف أسعار اللحوم في الدول الثرية أيضاً في أوروبا وشمال أميركا. وقد يعود الحال بهذه الدول إلى تناول اللحوم في المناسبات كما كان الحال في العصور الوسطى.
من ناحية أخرى، تتعرض إمدادات المحاصيل إلى عوامل مناخية مدمرة مثل القحط والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة والتصحر، ما يهدد بنقص غذائي عالمي خلال العقود الخمسة المقبلة. وإذا كان من الصعب التحكم في العوامل البيئية المتغيرة، فإن البديل الآخر هو تغيير نمط وأنواع الأغذية التي سوف يعتمد عليها الإنسان في المستقبل. ويعمل العلماء حالياً على تحضير البدائل للأغذية التي يعتمد عليها العالم في الوقت الحاضر قبل أن ينهار التوازن بين التعداد والإمداد الغذائي المتاح.
من الجوانب الأخرى التي يعمل عليها العلماء هو كيفية استخدام الأبحاث في تحسين الصحة أيضاً حيث نمط الغذاء السائد حالياً يؤدي إلى السمنة وانتشار أمراض، مثل السكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم. ومن أهم العوامل الضارة حالياً هي الإدمان على تناول السكر في أشكاله كافة من المشروبات الغازية إلى الحلوى والمخبوزات. وكانت أساليب مكافحة إدمان السكر من ضمن الأبحاث الجارية حالياً على أطعمة المستقبل من أجل تحسين الصحة.
من أحدث الاكتشافات حبة توت تنمو في أفريقيا يمكنها أن تحول أي مأكولات إلى الطعم السكري، حتى الليمون والأملاح. وهي تستخدم حالياً في اليابان لمكافحة إدمان السكر ويتم مضغ هذه الحبة قبل تناول أطعمة بلا سكر ليتغير طعمها إلى مذاق سكري وتوفر على من يتناولها السعرات الحرارية المصاحبة للمأكولات السكرية.
وتم استخلاص المادة المؤثرة من هذه التوتة، واسمها «Miraculin» واستعمالها في حبوب طبية يمكن شراؤها في بريطانيا ودول أخرى. ويمكن بهذه المادة خفض استهلاك السكر بنسب كبيرة مع التخلص من أعراض وأمراض السمنة في الوقت نفسه.
وفي مجال البحث عن مصادر طعام جديدة يبحث العلماء في عدة اتجاهات حالياً، أهمها...
> الأعشاب البحرية، وهي منتشرة بكثرة في المياه المالحة الضحلة وتوفر مصدراً غذائياً صحياً ليس فقط في توفير الطعام، وإنما في تحسين الصحة أيضاً. وفي أبحاث جرت في جامعة نيوكاسل البريطانية تأكد أن تناول الأعشاب البحرية يفيد في خفض الوزن عن طريق منع الجسم من امتصاص الدهون من الأطعمة التي نتناولها حالياً. وتوجد الأعشاب البحرية ضمن الأغذية التي تباع في المطاعم الصينية حالياً، ولكنها في المستقبل قد تنتشر إلى محلات السوبرماركت لكي تغطي أي نقص غذائي عالمي. وهي من أسرع النباتات نمواً في العالم، ويمكن إضافتها إلى الخبز والجبن والمعلبات من أجل خفض نسب الأملاح ورفع الفيتامينات. ويوجد في العالم أكثر من 10 آلاف نوع من الأعشاب البحرية.
> أغذية المعامل الطبية، كثير من الأغذية الطبيعية، حتى اللحوم، يمكن إنتاجه حالياً في المعامل الطبية. ونجحت مختبرات هولندية العام الماضي في إنتاج لحوم من خلايا جذعية من الأبقار. وتهدف الأبحاث إلى إنتاج أول برغر طبيعي من الأنابيب بنهاية العام الحالي. وتمول وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) أبحاث إنتاج اللحوم في المختبرات لاستخدامها أثناء الرحلات إلى الفضاء. ومع نجاح التجارب يمكن أن يكون هذا الأسلوب هو الأكثر رفقاً بالبيئة والحيوان في إنتاج الطعام الإنساني. وذكر بحث قامت به جامعة أكسفورد أن إنتاج اللحوم مختبرياً من شأنه خفض غازات الانحباس الحراري، بالإضافة إلى توفير الطاقة والمياه والموارد والأراضي الزراعية. ويمكن خفض نسب الدهون وإضافة الفيتامينات للحوم المنتجة في المختبرات.
> الحشرات، توفر الحشرات قيمة غذائية عالية من البروتين تعادل تناول اللحوم. وتقول أبحاث جامعات بريطانية إن تربية الحشرات من أجل الطعام أقل كلفة من تربية الأبقار، وتستهلك نسباً أقل من المياه، وليست لديها بصمة كربونية مضرة. بالإضافة إلى ذلك هناك أكثر من 1400 فصيل من الحشرات يصلح لغذاء الإنسان. ويمكن صناعة البرغر والسجق من الحشرات بطعم يماثل المنتجات الحيوانية الحالية. ويعتبر الجراد من مصادر الطعام في المستقبل، ويمكن تحضيره بالشواء أو تصنيعه في أغذية أخرى. وتنفق دول أوروبية حالياً مبالغ كبيرة في الأبحاث وتطوير القوانين المنظمة لمزارع الحشرات واستهلاكها آدمياً في الطعام. وهناك بالفعل دول أفريقية تستهلك الحشرات ضمن طعامها اليومي، لكن نقلها إلى العالم يحتاج إلى حملة إقناع للرأي العام، ربما باستبدال كلمة حشرات بكلمة أخرى.
> الطحالب البحرية، وهي تقع في أسفل السلم الغذائي وتمثل طعاماً للمخلوقات البحرية والأسماك بأنواعها، لكنها يمكن أن تنتقل إلى الغذاء الإنساني لكي تنقذ العالم من النقص الغذائي في المستقبل. ويمكن تنمية الطحالب في البحار والمحيطات بلا حدود، وبعيداً عن الموارد المحدودة للأراضي الزراعية والمياه. كما أن للطحالب فوائد إضافية في إنتاج الوقود. وتعتقد مصادر الأغذية المستدامة أن محاصيل الطحالب في المستقبل سوف تمثل أكبر مصادر الغذاء العالمي. وتستخدم الطحالب البحرية بالفعل في الدول الآسيوية واليابان عبر مزارع بحرية لتنميتها مثل المزارع السمكية. لكن تناول الطحالب لم ينتقل إلى بقية أنحاء العالم بعد.
> أغذية هايبرد، ابتكر العلماء وسيلة لزراعة أكثر من محصول على المساحة الزراعية نفسها بأسلوب جديد هجيني. وجمعت أول المحاولات الناجحة بين محصولي الطماطم والبطاطس، وهو نتاج 15 عاماً من الأبحاث من شركة بريطانية. وينمو النبات الهجين في الموقع نفسه بحيث تنمو الطماطم فوق الأرض، والبطاطس بين الجذور.
من الابتكارات التي تدخل في نطاق التجارب حالياً أنواع من الباستا يمكن إنتاجها بطابعة ثلاثية الأبعاد، وبيتزا يمكنها أن تصلح للاستهلاك لمدة 3 سنوات، وهي تصلح للاستهلاك العسكري خلال المهام القتالية. وتجري تجارب أيضاً على تأثير النغمات على طعم المأكولات.
من الاكتشافات الحديثة أيضاً، تفاوت ردّ الفعل من الأفراد تجاه الأطعمة نفسها. ولذلك تجري الأبحاث على تصميم مأكولات شخصية تناسب كل فرد وفقاً لخريطته الجينية. وسوف تعتمد الوجبات الفردية في المستقبل على اختبارات جينية لكشف أصلح المأكولات لفرد معين. وقد يكون من الصعب في المستقبل إعداد وجبات موحدة لكل الأسرة.
أغذية المستقبل سوف تحمل نسباً أفضل من الفيتامينات والأملاح والبروتين، بفضل التجارب المعملية عليها. ويعتبر هذا التوجه امتداداً لأسلوب اختيار أفضل السلالات في الماضي. ويتم تحسين السلالات في المستقبل بأسلوب التعديل الجيني للنباتات. وتجري استعارة جينات لها خواص معينة من ثمار إلى ثمار أخرى لتعزيز الفوائد الغذائية. ويعمم هذا الأسلوب على المحاصيل، مثل القمح والذرة، لتحسين صحة الفقراء الذين يعتمدون عليها في الغذاء اليومي.
وتجري أيضاً تجارب مماثلة على تغيير الطعم، وهو أسلوب متبع في تطوير البرغر النباتي الذي يأتي بطعم البرغر الحقيقي. كما يتم تطوير الأطعمة لكي تساهم في تخفيض الوزن أو منع زيادته، وتدخل أجهزة الروبوت إلى المطبخ الحديث لكي تعد الوجبات في المواعيد المطلوبة، ليجد العائد من العمل وجبته جاهزة فور عودته إلى المنزل.
- حقائق لا نعرفها عن الغذاء
> تستهلك البقرة الواحدة 12 ألف غالون من المياه سنوياً، وتفرز 70 كيلوغراماً من المخلفات السامة يومياً. هذا النمط الحالي غير مستدام في المستقبل.
> تم استنباط محاصيل للقمح والشعير والأرز مضادة للقحط، ولا تستهلك كثيراً من المياه.
> لم تعد الفواكه والخضراوات التي تباع حالياً في السوبرماركت تحتوي على القيمة الغذائية التي كانت تحتويها في الماضي.
> السلطة المعبأة في أكياس جاهزة للأكل قد لا تكون نظيفة كما تعتقد.
> أفضل وسيلة للتخلص من رائحة الفم هي مضغ حبات البن المحمص.
> الشوكولاتة الداكنة مفيدة للجسم، وبها مضادات أكسدة مماثلة للفواكه. أما الشوكولاتة البيضاء فهي ليست شوكولاتة بالمرة.
> يحتوي نبات البروكلي على نسب بروتين أعلى من اللحوم.
> العلامات اللاصقة على فواكه السوبرماركت صالحة للأكل.
> لحوم السالمون من المزارع البحرية تكون بيضاء، وتتم صباغتها باللون الوردي.


مقالات ذات صلة

من الغذاء إلى الرياضة... خطوات يومية لحماية كليتيك

صحتك مضادات الالتهاب غير الستيرويدية قد تُلحق الضرر بالكلى إذا جرى تناولها بجرعات كبيرة دفعة واحدة (بيكسلز)

من الغذاء إلى الرياضة... خطوات يومية لحماية كليتيك

تؤدي الكليتان دوراً حيوياً في تنقية الدم من الفضلات، وتنظيم توازن السوائل والأملاح، والمساهمة في ضبط ضغط الدم وإنتاج بعض الهرمونات الأساسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك  الاستمرار في تناول الأطعمة والمشروبات شديدة السخونة على مدى طويل قد يُلحق أضراراً بالمريء (بيكسلز)

هل تحتسي قهوتك وهي تغلي؟ تحذير من مخاطر المشروبات الساخنة جداً

يفضّل كثيرون احتساء الشاي أو القهوة أو تناول الحساء وهو في أقصى درجات سخونته، خصوصاً خلال الأجواء الباردة، لما يمنحه ذلك من شعور بالدفء والراحة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
صحتك إذا شممت رائحة طعام شهي فقد تسمع معدتك تقرقع (بيكسلز)

هل تصدر معدتك أصوات قرقرة؟ إليك أبرز الأسباب

سواء لاحظتها أم لا، يصدر جسمك أصواتاً مستمرة. قد لا تثير طقطقة المفاصل أو أصوات الغازات قلقك، لكن سماع قرقرة معدتك قد يثير شعوراً بالحرج أو الفضول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك علماء يعملون في مختبرات تابعة لجامعة تشيلي في سانتياغو (أ.ف.ب)

علماء يطورون أجساماً مضادة واعدة للوقاية من فيروس «إبستاين بار»

ربما يكون ‌الباحثون قد اقتربوا من تطوير لقاح يحمي من فيروس «إبستاين بار»، وهو فيروس شائع مرتبط بداء كثرة الوحيدات، والتصلب ​المتعدد، وبعض أنواع السرطان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية قالت مجموعة القرصنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إنها «نشرت بيانات طبية حساسة لأكثر من 10 آلاف مريض» من الشبكة الإسرائيلية (رويترز)

مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران تعلن اختراق أكبر شبكة رعاية صحية في إسرائيل

أعلنت مجموعة قرصنة تُعرف باسم «حنظلة» يُعتقد أنها مرتبطة بإيران، الأربعاء، أنها نجحت في اختراق أنظمة أكبر شبكة رعاية صحية في إسرائيل، وهي شبكة «كلاليت».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».