ديفيد شنكر: أميركا تعمل على تأمين حياد لبنان... و«حزب الله» لا يهمه الإصلاح بل الدفاع عن إيران

قال لـ«الشرق الأوسط» إن انفجار المرفأ كان صدمة لكنه ليس مفاجئاً

ديفيد شنكر (أ.ف.ب)
ديفيد شنكر (أ.ف.ب)
TT

ديفيد شنكر: أميركا تعمل على تأمين حياد لبنان... و«حزب الله» لا يهمه الإصلاح بل الدفاع عن إيران

ديفيد شنكر (أ.ف.ب)
ديفيد شنكر (أ.ف.ب)

رأى ديفيد شنكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، أن كارثة مرفأ بيروت هي نتاج عقود من إهمال الحكومات اللبنانية مصالح الشعب اللبناني، وأنها بمثابة صرخة يقظة تتطلب تغييراً جدياً. وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن على الحكومة اللبنانية أن تؤمن بالإصلاح، هناك حاجة لحكومة تهتم بشعبها وطلباتهم، حكومة مسؤولة وشفافة وتقوم بإصلاحات اقتصادية وسياسية. لن يكون بعد اليوم «عمل كالمعتاد».
ويتوجه شنكر إلى لبنان للقاء مجموعات من المجتمع المدني، ليستمع إلى تفاصيل أكثر عن طلباتهم وأفكارهم وما يتوقعون من الحكومة، لأن على الحكومة اللبنانية كما يقول أن تصغي إلى شعبها ولأن الحكومة الأميركية تريد أن تتأكد ماذا يريد الشعب اللبناني.
وعن التحقيق الدولي بشحنة نترات الأمونيوم، قال شنكر إنهم متمسكون بالتحقيق، وهناك فرق أميركية تعمل: «لو تحدثنا عن محكمة دولية لاحتاج التحقيق إلى وقت طويل، وقد لا يُرضي الأطراف، لكن نتوقع من حكومة لبنان أن تكون شفافة هي الأخرى مع وجود عدد من المجموعات الدولية التي تساعد في التحقيق. ونأمل في الوصول إلى نتيجة لإعلانها كي يتحمل المسؤولون جريمة ما جرى، خصوصاً أن كثيرين كانوا يعلمون بوجود هذه المادة منذ وقت طويل». ويعترف شنكر بأن التحقيق سيبقى سرياً إلى أن ينتهي. وهذا ليس بالتحقيق الذي ينتهي في 5 أيام، ومع اعترافه بأن الانفجار صدمة كبيرة «لكن بناءً على تصرفات الحكومات اللبنانية، لم يكن بمفاجأة».
وعن الدور الفرنسي يقول شنكر: «إننا على اتصال دائم مع الفرنسيين حول لبنان. إن الولايات المتحدة وفرنسا يهمهما لبنان جداً. إنها الزيارة الثانية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كما أن نائب وزير الخارجية الأميركي ديفيد هيل كان هناك، وأنا أمضيت وقتاً طويلاً مع مايك بومبيو وزير الخارجية، قبل توجهي إلى بيروت، فهو مهتم جداً ويركز كثيراً على التطورات في لبنان، لأن لبنان شريك وصديق قديم جداً للولايات المتحدة». وعما إذا كان سمع باسم مصطفى أديب رئيس الوزراء المكلف، قال شنكر: «لا تهمنا الشخصية، تهمنا المبادئ والشفافية والمحاسبة. إن لبنان في أزمة الآن، بسبب ما حدث لبيروت. هناك نحو 300 ألف شخص من دون مأوى، لكن قبل ذلك كان في عز أزمة اقتصادية، دفعت بـ80% من الناس إلى الفقر حيث إن الليرة فقدت 80% من القيمة التي كانت عليها قبل 7 أشهر، وأكثر من 20% من الناس صاروا تحت خط الفقر، لذلك نريد مساعدة الشعب اللبناني، إننا نعمل في المساعدات الإنسانية، والولايات المتحدة كانت المانحة الكبرى للبنان، العام الماضي قدمنا 750 مليون دولار مساعدات إلى لبنان، وفي سبتمبر (أيلول) قدمنا 400 مليون دولار، وقدمنا 18 مليوناً لمكافحة وباء (كورونا)، ومع الانفجار قدمنا 18 مليوناً، وسنقدم قريباً 12 مليوناً، كما أننا ندعم برنامج الغذاء العالمي والبنك الدولي للمحتاجين اللبنانيين».
وعما إذا كانت أميركا ستعمل على إنقاذ لبنان مالياً وتساعده في مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي؟ يقول: «إن لبنان لم يبدأ التفاوض مع صندوق النقد، ذلك أن حكومة حسان دياب التي أمضت في السلطة نحو 200 يوم، لم تصل إلى نقطة التفاوض مع الصندوق، وظلت تتكلم عن قضايا مع الصندوق ولكنها لم تصل إلى قرار عن الديون اللبنانية والوضع الاقتصادي، لذلك أعتقد أن الحكومة اللبنانية لا تشعر بأي حالة طوارئ تحاكي معاناة الشعب اللبناني».
وعندما سألته عن أن الكثير من اللبنانيين لا يشعرون بأن مصطفى أديب هو رجل اللحظة لأن الأطراف التي وضعته في السلطة ستحاصره وتمنعه من القيام بإصلاح وتغييرات يحتاج إليها اللبنانيون، فما الفرق بين حسان دياب ومصطفى أديب إذن؟ أجاب: «كما ذكرت سابقاً، كولايات متحدة لا تهمنا الشخصية، تهمنا المبادئ، وهذه الحكومة يجب أن تطبّق الإصلاحات، حكومة دياب لم تفعل أي إصلاح، ربما بسبب معارضة سياسيين أساسيين فاعلين، لكنّ هذا يجب أن يتغير».
وعما إذا كان سيلتقي نبيه بري رئيس مجلس النواب، فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل يقول شنكر: «إذا كان هناك أي تطور من الجانب اللبناني سأفعل، عدا ذلك لا أنوي لقاء أي سياسي».
ولا يتضمن برنامجه في الواقع أي لقاء مع بري.
وحول تصريح ديفيد هيل بأن الولايات المتحدة لا تعترض على مشاركة «حزب الله» في الحكومة، يقول شنكر: «لقد شارك (حزب الله) في حكومات عديدة، وهو مثل الكثير من القوى السياسية في لبنان ليس مهتماً بالإصلاح. إنه يفضل الوضع الراهن ويهتم بالاستمرار في الدفاع عن الإيرانيين، ومهتم بالاستمرار في عدم دفع تكلفة الجمارك التي توفر عائدات للدولة، إنه جزء كبير من المشكلة، لذلك يقف في وجه الإصلاح. لكن مرة جديدة أقول: إن المبادئ هي التي تهمنا في تشكيل الحكومات».
وأسأله: كما فعل هيل، إذا ظللتم تتحدثون مع هؤلاء السياسيين الذين يشكلون الحكومات فإنكم تمنحونهم الشرعية وهذا ضد رغبة الشعب الذي يريد التخلص من هؤلاء السياسيين؟ يقول: «سأتكلم مع الشعب حول الكيفية التي سيتبعونها لفعل ذلك، هناك العديد من الطرق، لكن كل ذلك يعود إلى الشعب اللبناني».
وعما إذا كان فرض عقوبات على الشخصيات اللبنانية المتعاونة مع «حزب الله» لا يزال في الأجندة الأميركية، كما ذكرت صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية يوم الاثنين الماضي، بأن الفرنسيين والأميركيين يفكرون بوضع عقوبات من هذا النوع، فهل نحن متوجهون في هذا الطريق؟ يجيب شنكر: «نعم إننا نعمل على هذا. ستكون هناك تحقيقات للوصول إلى فرض العقوبات على بعض الشخصيات». وعما إذا كانت الأموال المنهوبة ستعود إلى الشعب اللبناني؟ يقول: «هذا يجب أن يكون جزءاً من أجندة الإصلاح. نعرف عن شركات تقوم بهذا العمل وقد فعلته في الكويت بعد غزو صدام حسين، ساعدت بإعادة بعض الأموال، وأظن أن هذا من حق الشعب اللبناني أن يطلبه من حكومته».
وعما إذا كانت الولايات المتحدة تدعم حياد لبنان، وعلى استعداد لمساعدة اللبنانيين للحصول عليه، يقول شنكر: «إننا نعمل مع (مجموعة الدعم الدولية)، وكل الأطراف الفاعلة، للمساعدة على هذا، وندعو كل الحكومات المستقبلية في لبنان لتبني الحياد»، ولا يرى دوراً لمجلس الأمن في دعم هذه المسألة: «لم نستطع أن نقنع روسيا والصين بتمديد الحصار العسكري على إيران. لكن الولايات المتحدة تعمل على هذا الأمر: حياد لبنان».
وماذا عن تطبيق القرار 1559 الصادر في ظل البند السابع؟ يقول شنكر إنه «يجب تطبيق كل قرارات مجلس الأمن، لكن نحترم الحكومة اللبنانية لفعل ما تستطيع لتطبيق ذلك، كما عليها تسليم سليم عياش المتهم بقتل رفيق الحريري من أجل إحقاق العدالة».
وعن قول جان إيف لو دريان، وزير خارجية فرنسا، إن لبنان يواجه خطر الزوال، وعما إذا كانت أميركا تعتقد الأمر نفسه، يقول شنكر: «أمام لبنان تحديات كثيرة، وفي الوقت نفسه لبنان خزان مواهب محتملة، وعلى الشعب اللبناني والقيادة اللبنانية أن يكونوا بحجم التحديات. لبنان يواجه انهياراً مالياً، عليهم اتخاذ خطوات لمنع ذلك، وهذا سيكون من الصعب سياسياً العمل به».
وسيقابل شنكر خلال زيارته بيروت، التي تبدأ اليوم، مجموعات من المجتمع المدني، ومن الشيعة، ومن رجال الأعمال والنواب المستقيلين مثل سامي الجميل رئيس حزب الكتائب، ونعمت أفرام ومروان حمادة ومجموعات كبيرة من «الثورة» وسيستمع إلى ما سيقولون، وما هي استراتيجيتهم للتغيير. أمامهم طريق طويل، يتفهم شنكر يأس اللبنانيين، لكنه يقول: «إن التغيير يجب أن يبدأ من الداخل». لا يعرف طول الطريق، لأن القوى التي تتمسك بالوضع القائم قوية جداً. قد يكون الأمر صعباً، لكنه واثق من أن الشعب اللبناني سيثابر للوصول إلى التغيير، لأن مستقبل البلاد يعتمد عليهم. وقد حضّرت السفارة الأميركية له لقاءات مع الشباب وخريجي الجامعات. وربما يتضمن برنامجه لقاءات مع بعض الضباط. لكنه سيظل بعيداً عن السياسيين.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.