مراوغة السقوط في الأطر الجميلة

منى العساسي تجسدها بروايتها «ليالي الهدنة»

مراوغة السقوط في الأطر الجميلة
TT

مراوغة السقوط في الأطر الجميلة

مراوغة السقوط في الأطر الجميلة

يهيمن صراع العقل والعاطفة على أجواء رواية «ليالي الهدنة... مطارحات الألم» للروائية منى العساسي، التي ستصدر خلال الأيام المقبلة عن «دار ميريت للنشر» بالقاهرة. يتجسد هذا الصراع في اللعب على حبال الحلم والذاكرة، فكلاهما يحاول استعادة الآخر ويفيض عنه، في سياق لغة رومانتيكية صادمة في نعومتها، وزمن يتأرجح ما بين ماض مثقل بالألم والمرارة، تنفصل عنه البطلة بحثاً عن زمن آخر بديل، تمارس فيه حيويتها كأنثى، وتعيشه بروائحه وإيقاعه وتوتره الخاص كلحظة مراوغة، لكنه مع ذلك لا يسلم من السقوط في براثن واقع شرهٍ ومضطرب مليء بالمتناقضات والمفارقات الإنسانية.
الرواية قدم لها الروائي فتحي إمبابي بدراسة ضافية احتلت 23 صفحة من 152 صفحة يضمها الكتاب، مؤكداً على أن «ليالي الهدنة أنشودة من الألم والفقد والوحدة، تستخدم فيها الكاتبة تكنيك تيار الوعي، عبر لغة آسِرة، شفافة».
تعتمد الكاتبة على بنية المتتالية السردية لإدارة لعبتها، من منظور علاقة عاطفية مفترضة بين رجل خمسيني وامرأة شابة، تتشابه ظروفهما الاجتماعية إلى حد كبير، فكلاهما خاض تجربة الحياة الزوجية، عاشتها المرأة كسجن على مدى 15 عاماً وفرّت بطفلها الصغير، وهو أيضاً يعيش وحيداً تؤنسه صورة ابنته الشابة التي تعيش مع زوجته السابقة. تحت هذه المظلَّة يوحدهما الحب في لحظة، ويشتتهما، وكأنه لا زمن له، سوى بعثرة الزمن نفسه. لتومض مطارحات الألم بين ماضي اللحظة وحاضرها في الوقت نفسه، مفسحة المجال لآلية الذاكرة والحلم ليتناوبا رسم أغلب المشاهد والمواقف والرؤى، وتجتهد الكاتبة في خلق جسر شفيف بين الوعي واللاوعي عبر ضمير المتكلم الصريح على لسان الذات الساردة (الكاتبة) وضمير المخاطب المضمر في ثنايا لطشات التعليقات الخاطفة لذات أخرى تلعب دور المراقب الضمني للأحداث والمشاهد.
يقترن الحب دائماً بالسؤال عن الحب، كأنه حالة شائكة من الحنين الطافر الموجِع لواقع مفتقَد ووجود متخيل يشبه الحقيقة، والعكس صحيح أيضاً، ومنذ البداية تمارس الكاتبة نوعاً من التمويه الشفيف على أجواء عالمها، موظّفة بنية الإرجاء ليبدو الوجود كحقيقة ومثال أبعد من تخوم اللحظة الحسية العابرة، وتفسح الفرصة للصراع حتى يستوي في مَدّه وجذره العاطفي، ويصل إلى ذروته الدرامية بتلقائية مفاجئة وشيقة.
وعلى ذلك تبدأ الليالي الخمس والثلاثون من الليلة الثانية، تاركة الليلة الأولى معلّقة في سقف الصراع، تناوش خيال القارئ، فيبدو وكأنه طرف في اللعبة، أيضاً لا تسمي الكاتبة الشخوص التي تومض في الرواية بأسماء محددة سواء في الحلم أو الواقع، مستعيضة عن ذلك بالتعريف بالكنية والصفة، فتنعت البطل على سبيل المثال بـ«الرجل الخمسيني» أو «الكهل الخمسيني»، كما أننا لا نجد توصيفاً محدداً لماهية المكان والزمان، إنما ينبثق كلاهما من رحم لحظة ليلية، تقبع فيها البطلة بركن قصي في ذاتها، تجعل منه مرآة ينعكس عليها العالم، كما تحب أن تراه وتشتهيه، تخاطب في ظلالها صورة حبيبها العاشق بلغة عاطفية لاعجة، تستحضره وهو يدخن، وهو يسمع الموسيقي، وهو يجلس في الشرفة أو على الأريكة، وترتب معه اللقاءات عبر الهاتف، وتبثه حرقتها وحنينها والخوف الذي يحاصرها بالضجر والقلق: «الخوف الذي يجعلك فريسة سهلة لكل عابر سبيل يبتزك باسم الحب، الخوف الذي يجعلك تبذل كل شيء، كل رخيص وغالٍ مقابل البقاء، مقابل القبول والحب غير المشروط. الخوف ذاته الذي يجعلني أحبك بكل هذا التطرف» (الليلة الخامسة).
ليس هناك وجود متعين بذاته ولذاته، إنما بالرغبة فيه، إلى حد الاشتهاء والفناء، وهو ما يشي أحياناً بمسحة صوفية تعززها إشارات خاطفة تتناثر في تفاصيل السرد، فتحضر ظلال لحكايات معينة من التراث الديني ذات نكهة عاطفية خاصة، ويحضر كافكا وبطل رواية «العطر»، ويحضر شعراء وموسيقيون. تقول في تضاعيف «الليلة الثامنة» محاولة الإيهام بطبيعة المكان: «الطرقات المزدحمة بمدينتك الصاخبة لا تشبه أبداً الطرقات الخالية بهذه البلدة الصغيرة التي لا تمنحني الكثير لأنشغل به»، «رجفات أوراق الشجر ورائحتها القوية على جانبي الطريق تمارس غوايتها، كأنها تتحرش بذاكرتي».ورغم ذلك تنأى الرواية عن طابع المتاهة السردية ابنة الخرافة والأسطورة غالباً، بينما تعلو متاهة الروح والجسد، بما ينطويان من تعارضات وفواصل زمنية سميكة.
ما الحب إذن: هل هو الانغمار في أشياء حين نعرفها نجهلها، وكيف يتجدد حين يشارف خط الزوال؟ ينعكس هذا التوتر في حزمة من الدوال الأساسية: الترقب والانتظار، اللهفة والحنين، اللذة والخوف، مرارة الألم والفقد، التشبث بالرائحة وتكثيفها، كأثر لوجود ما، مضى أو راهن. يتم ذلك في سباق محموم مع فكرة التبعثر، يطال الذات والمكان والزمان، فكأننا إزاء محاولة مستميتة للإمساك بلحظات تتجمع، لتتشتت، تبدو كإطار فارغ لحريتين تتصارعان من أجل الوصول لأسرع نقطة يمكن منها الخروج بأمان، بعيداً عن قسوة التجربة واللعبة.
زمن ليلي ابن لحظته، حيث كل شيء يشتعل ويفور في الداخل، اختارته الكاتبة بوعي شديد لتكثف الإحساس بالوحدة والعجز والوجود الناقص المشوَّه، فالليل صيّاد أشباح يصبح فيه الوضوح قناعاً للعمى.
واللافت أنه حين تخف وتيرة الحلم والذاكرة من فضاء اللعبة، يتحول صراع العقل والعاطفة إلى صراع بين الذكورة والأنوثة؛ بين طرف يريدها علاقة قوية ومتأججة دوماً فوق السطح، وآخر يريدها هادئة تجري ببطء فوق السطح وفي الأعماق، محكومة بنظرة عقلانية لزمنها العابر وسياق واقعها المعقد. لكن الطرف الأول المتجسد في صورة المرأة الشابة يظل هو الأكثر سطوةً وحضوراً، بينما لا يحضر الطرف الآخر إلا من خلالها، لذلك يظل نقطة غائمة بين حبال الحلم والذاكرة، ونوبات الهذيان والشطح العاطفي الحارق، وهو ما يجعلنا أحياناً أمام شكل من أشكال بنية الرسائل، بين طرفين مرسل ومسقبِل، لكن كليهما غائب وحاضر في الوقت نفسه، ما يذكرنا بمناخات مسرح العبث واللامعقول، والمطاردات الكابوسية في الحلم والواقع التي تصل إلى حد الهوس واللاجدوى، حيث لا معنى لشيء.
في غبار كل هذا تطل الغيرة والرغبة في الاستحواذ، فتتصور البطلة أن امرأة أخرى ستخطف منها حبيبها الخمسيني. فيما يوسع الهذيان من فجوة الحب، ويصبح مرادفاً للجنون والانتحار، وإدمان عقاقير الهلوسة: «بحثتْ عن شيء يخلصها من مخالب الفكر والأرق التي مزقتها، تناولت حبّة من منتجات (الزوبيكلون)، وتمددت فوق السرير كجثة تائهة في المصباح المتدلي فوقها من سقف الغرفة، تتصبب عرقاً، وضجيج أنفاسها يذكرها بأنين فتاة وحيدة في غرفة بمشفى حدودي، تفصلها عنه سبع سنوات عجاف تقتات فيها بقايا حب، وآلاف الأميال ومئات التعرجات الأرضية غارقة في دمائها»، وهي الفتاة نفسها التي تطاردها في الليلة التالية، بإيقاع قاسٍ يكثف شعورها الحاد بالفصام: «أشعر أن هناك فتاة أخرى داخلي تعشق الظلام، تستيقظ في جسدي بعد أن أنام، وتعبث بتركيبتي النفسية، تعيد هيكلة أفكاري وقناعاتي، وتمنحني صيغة جديدة لقبول كل ما أعتبره مُحرَّماً، أو مذموماً، تجعل الهواجس المرعبة شهية لذيذة كنوع الشيكولاتة المفضل لدي، وتسحبني في طرق ملتوية ومتشابكة حتى لا أستطيع العودة».
كما تعبر بوضوح عن سيكولوجية الاضطراب النفسي قائلة: «أُفضّل تلك العلاقات المعقدة التي لا أعرف فيها طعم الراحة والاستقرار، فكل لحظة تمر بمثابة حدث منفرد لا بد أن يصدر ضجة، لا ترضيني العلاقات الهادئة التي أغفو وأستيقظ فيها على نفس درجة الثبات، على نفس الروتين والأحداث».
تعي البطلة حقيقة لعبتها وما تنطوي عليه من مخاطر، وتحتال عليها حتى بالصمت أحياناً متسائلة: «كيف أنهي تلك المهزلة؟»، ولأنها اعتادت ألا جدوى للسؤال أو الإجابة، لا تملك سوى الرثاء لنفسها، معرية تناقضات واقعها بقسوة: «في أوطاننا هناك رجال للحب فقط، ونساء أيضاً للحب فقط... وهناك أيضاً رجال ونساء للزواج فقط، وقَلّما تجد من يصلح لسواهما معا، الشيء المقزز أنهم أدمنوا أن يكونوا مدعين زائفين لتستمر هذه اللعبة» (الليلة 24).
وفي معرض الرثاء المشوب بالتهكم والسخرية توجه خطابها للعاشق: «بصراحة، الأيام ثقيلة دونك أيها السيد، ألا تمنح قلبي سلاماً، كي يهدأ؟» (25) «أي هدنة تلك وأنا فيك سجينة!» (29).
هنا تبلغ نشوة التحدي بالتهيؤ للخروج النهائي من اللعبة، ويصل الصراع بسلاسة لذروته درامياً، موحداً فعل الحب بالتحرر من الهشاشة والضعف: «سأعلق جثتك على باب ذاكرتي، لتبقى هكذا كسوط جلاد يوجعني كلما التفت نحوك بعين ضعفي». (ليلة فقدت ترتيبها).
وهكذا، إنه بطل صنعته الكاتبة بخيالها الشاسع، وبدهاء فني حولته إلى دمية عارية على مسرح مكشوف، وشَرَك للسقوط في الأطر المرعبة الجميلة، لا لتمارس نوازع الثأر والانتقام، وإنما لتفكّك لغز الألم الكامن تحت قشرة الوجود، وتختبر قدرتها على الخروج وتحمل براءة الرعب، ومواصلة الحياة بعيداً عن واقع أصبح الخيال أكثر إنسانية وصدقاً من دبيبه الرتيب.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.