معزوفة بصرية تحتفي بالمرأة وفضاءاتها الإنسانية المتنوعة ونثريات عالمها الأنثوي الخاص يجسدها الفنان المصري عصام معروف في معرضه «متتالية الوجه» المقام حاليا بقاعة «جاليري مصر» بالقاهرة.
يراكم الفنان في هذا المعرض خبرته المتميزة خاصة مع الوجه الإنساني، ففي بعض اللوحات صغيرة الحجم يصطاد الوجه ويركز على ما يحمله، ويلمح به من مشاعر وأحاسيس ورؤى وانفعالات، وذلك عبر إيقاع البورتريه الخاطف، ثم يمد هذا الإيقاع في مساحات أكبر تغطي جزءا كبيرا من الجسد، وهو ما يعطي إحساسا للمشاهد بحيوية اللغة الصورية، وأنها قادرة على تنويع مساراتها على السطح وخلق مساحات مرنة لحركة الكتلة والشكل في محيط الفراغ.
ولا يبدو لي أن الفنان مشغول بالعلاقة التقليدية بين القناع والوجه، فالوجه رغم أنه يشكل تيمة المعرض وموضوعه، فإنه لا يخايلنا في غلالة مسرحية، من خلال قناع الوجه (الممثل) وحضوره على خشبة المسرح، وإنما ينحل كحالة إنسانية، تتعدد إيقاعاتها وصورها في اللوحات، وتتشابه أيضا، إلى حد التناسخ والتكرار، لكنه تناسخ يعكس صدى الواقع، أو البيئة الخارجية للوجه، وكيف يعاني في مرآتها من الرتابة والجمود، وفقدان الإحساس بالتغير والتجديد.. على عكس مرآة اللوحة، التي تشكل له نافذة جديدة يطل منها الوجه على حيواته وأحلامه وطفولته وزمنه الهارب في ركام الوجود. هذا جعلنا ننظر إلى عدد من لوحات المعرض، وكأنها بمثابة رسائل شفيفة لا مرئية بين اللوحة والوجه، أو بين الفنان نفسه، وصورة المرأة، التي تبدو أنها ستظل مقيمة في مخيلته التشكيلية، قادرة على أن تجدد اللوحة، وتمنحها في كل مرة مفتاحا للفن والحياة معا.
ينوع الفنان هذا المضمون بصريا وفلسفيا على مسطح اللوحات، فيحتفي حتى بنثريات المرأة، وقطع إكسسواراتها كحقيبة اليد والحذاء، ويجعل منها مدارا للتأمل والتساؤل، يتجاوز معنى الزينة، إلى ما هو أعمق، حول حقيقة الوجود وأسئلته الملتاثة، وما تصادفه كل يوم من إجابات هشة ومبتورة، تصل إلى حد العبث أحيانا. ويتبدى هذا في تعبيرات الوجه، ونظراته المثقلة بدلالات شتي في اللوحات، فهي أحيانا نظرة واثقة تتطلع للأعلى وللأمام، وأحيانا منكسرة تنظر بخجل لأسفل، وكأنها تبحث عن شيء ضائع ومفقود سقط أسفل ظلها، ثم إنها لا تبتسم بشكل صريح، بل توحي بذلك في بعض اللوحات، وكأنها تتلصص على شفتيها.
وبصريا يعمد الفنان إلى المناورة بين التجريد والتشخيص، ليقيم علاقة حية بين الداخل والخارج، بين مسطح الصورة وعمقها، واللافت أن طاقة التجريد في اللوحات تسحب الشكل دائما للداخل، في اختصارات واختزالات موحية ليحتفظ بكينونته الخاصة، ودفئه البصري بعيدا عن عناصر الفوضى الخارجية، التي غالبا ما توقع التجريد في دائرة الغموض، أو تجعله شكلا مصمتا منغلقا على ذاته.
وفي مغامرته اللونية بخامة الأكريلك تبرز خبرته العميقة مع اللون وطبقاته التي تتنقل برشاقة بين الخفة والثقل، بين لمسة الفرشاة السريعة الخاطفة وضرباتها الضاغطة بقوة على حواف الخطوط والألوان، وكلك انبثاقات النور المتدفقة بعفوية من داخل التكوين، وتنوعها في غلالات اللون بين أقصي تدرجاته الصريحة المتوهجة، والخافتة الباردة.
أيضا من الأشياء اللافتة في المعرض، السعي دائما لكسر حيادية الصورة، أو الوجه، فهو منحاز حتى لصمته، يملك القدرة على أن يقيم معك حوارا أو علاقة خاصة، حول ما يخبئه في طبقاته من أسئلة وعلامات وإشارات.. إنه وجه لا يزاحم وجودك الواقعي كمشاهد، بل تحس أنه ينتمي إليك، وأنه في لوحات كثيرة يشبه ظلك، سواء كان وجه أنثى أو رجل.
يكثف الفنان هذا الإحساس بعدم تركه الخلفية محايدة ومشتتة في قبضة الفراغ؛ فدائما يفرشها بطبقات مخففة من العجينة اللونية للصورة، أو ترديد الرسم نفسه، بأشكال ظليه في الخلفية، لخلق نوع من الذبذبة البصرية تترك أثرا شجيا على عين المشاهد، وتعطي انطباعا بإيقاع النحت والحفر، ورائحة الجداريات القديمة فوق جدران المعابد.
10:45 دقيقه
معزوفة بصرية تحتفي بالمرأة في معرض «متتالية الوجه» بالقاهرة
https://aawsat.com/home/article/246836/%D9%85%D8%B9%D8%B2%D9%88%D9%81%D8%A9-%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D8%AA%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%C2%AB%D9%85%D8%AA%D8%AA%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%87%C2%BB-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9
معزوفة بصرية تحتفي بالمرأة في معرض «متتالية الوجه» بالقاهرة
الفنان عصام معروف يجسد نظراتها القلقة بين التشخيص والتجريد
الفنان مع إحدى لوحاته بالمعرض - من أعمال الفنان
- القاهرة: جمال القصاص
- القاهرة: جمال القصاص
معزوفة بصرية تحتفي بالمرأة في معرض «متتالية الوجه» بالقاهرة
الفنان مع إحدى لوحاته بالمعرض - من أعمال الفنان
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

