رغم حبه وإتقانه للرسم ومعرفته التامة بكيفية دمج ألوانه وفلسفته لتصبح كتابا مرسوما، فإن الكتابة هي معشوقته الأولى التي لا ينافسه عليها شيء. فالرسم وسيلة يستخدمها لكل فكرة يعصى حرفه على صياغتها.
الأمير سعد بن محمد فنان وروائي، بدأ رحلته مع الحرف عام 1981، وانطلقت رحلته اللونية عام 1990، يبحث في طيات الإنسان عن «الأنا العامة» بعيدا عن «الأنا الخاصة»، وهو ما يتحدث عنه في معرضه الشخصي الأخير في جدة الذي حمل عنوان «خلف الستار».
سمى سعد معرضه الشخصي بهذا الاسم لأنه يرى أن الإنسان منذ البدء يعيش خلف ستار له تسميات عدة «جسد، أخلاق، مبادئ، عادات، حدود..»، فالستار للحماية أو الاختباء أو الستر، كل له ستائره، يختلف أو يتفق عليها لا يهم يكفي أنها تخفي ما لا يريد الآخر أن يراه، فخلف الستار كون آخر يختلف عن المجرة التي نعيش فيها، لكل واحد من السبعة مليارات نسمة كونه وكيانه الخاص يختبئ خلف الستار.
الأمير، الذي يفضل أن ينادى بسعد من دون ألقاب، عاشق للون والحرف، فهو يرى أن الجسد البشري قالب يحكي مزيجا مختلفا من الحضارات والثقافات والتجارب التي انصهرت بداخله، وكلما كان هذا القالب مترفعا عن الدينونة سما وتألق وزاد تغلغله الفكري، وفي حضرة هذه الذات تتجلى روحانية الإبداع وتتمخض الموهبة لتنطلق بها فرشاة رسم أو قلم كاتب يغزل الحرف واللون وينسج عبرها القصص ويروي الحكايات.
معرض «خلف الستار» تحمل كل لوحة فيه قصة يرويها المشاهد حسب منظوره الخاص، وتوجد بجانب اللوحة بطاقة تعريفية صغيرة عليها عبارات مختزلة بأسلوب فلسفي لا تتجاوز بضع الكلمات، تأخذ المشاهد لعالم أسطوري كما لو أنه في بلاتوهات فيلم هوليوودي يشاهد قصة تحمل في طياتها الكثير من الحكم الفلسفية الإغريقية.
في هذا المعرض أثارت لوحة «حاصد الموت» الكثير من الجدل، فتجسيد الفنان للموت في صورة بشرية جميلة تحمل بيدها آلة حادة، يتربع على عرش تزينه الجماجم بكل حالاتها «المبتسمة والمتحفزة والممتعضة...»، جعل كل من يقف أمام هذه اللوحة يشعر بأن الموت صديق مقرب لا بد من الاحتفاء به والاستعداد لقدومه.
تعمد سعد بن محمد أن يجمّل في لوحاته كل ما هو مخيف ومنبوذ من قبل البشر، فطائر «البوم»، استحوذ على مساحات لا بأس بها في لوحاته، تعمد من خلال وجوده لتصحيح النظرة المجتمعية له والتأكيد على أنه رمز للعلم والذكاء والندرة في السلوك، كما مجدته الأساطير اليونانية واتخذته رمزا للحكمة.
اللوحة الفنية عند سعد تصل فترة بلورة فكرتها إلى شهرين، بينما لا يتعدى تنفيذها 10 أيام، ومنذ عام 2009 وحتى 2014 رسم ما يقارب 60 لوحة، كان الغرض منها إرضاء ذاته، والتنفس للوصول إلى الشعور بالراحة - على حد قوله - فهي جميعها تعني له مراحل عمرية معينة، تحمل معها أفكارا وتجارب وقناعات خاصة.
أثناء حديثه لـ«الشرق الأوسط» وصف سعد علاقته بلوحاته بـ«بناته»، اللاتي يهتم لأمرهن كثيرا ويحافظ عليهن وتحتل كل واحدة منهن منزلة كبيره في قلبه، أما كتاباته فهي رحلته في البحث عن ذاته، شرحها من خلال سلسلة «الأنا»، فأول كتاب له بعنوان «أنا»، ومن بعده «أنا مرة أخرى»، وكتاب «قيل ورددت» ورواية «خلف الأنا».
سعد يرضي ذاته من خلال الكتابة والرسم، فهو يحدد نسبة رضاه عن نفسه بـ20 في المائة، معتبرها نسبة كبيرة وجيدة، وما زالت رحلته في البحث عما تبقى مستمرة، مستعينا بالقراءة التي هي من أهم السبل - على حد وصفه. وأرجع اللوم في هجر الجيل الحالي للقراءة، لدور النشر والكتاب لأنهم لم يستطيعوا أن ينوعوا المواضيع ويجددوها كي تجاري العصر الحالي.
وانتقد من يتساءل عن كيفية تنمية موهبة الرسم لدى أبنائه، واعتبار تنميتها تحتاج إلى دروس ومعاهد في بداية حياته، مؤكدا أن الفن لا يحتاج لاستئذان الآباء لكنه يحتاج إلى خوض التجربة والدخول في الحالة دون بروتوكولات أو ترتيبات.
9:11 دقيقه
التعايش مع الموت في معرض فني في جدة
https://aawsat.com/home/article/246831/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%B4-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D9%81%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D8%AF%D8%A9
التعايش مع الموت في معرض فني في جدة
الفرشاة والقلم أدوات غزل الحرف واللون لنسج الحكايات
- جدة: أسماء الغابري
- جدة: أسماء الغابري
التعايش مع الموت في معرض فني في جدة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

