«سوني» تلغي إصدار فيلم «المقابلة» خشية تهديدات قراصنة كوريا الشمالية

5 دور للسينما تعتزم تأجيل افتتاحه لأعياد الميلاد .. وتكلفته بلغت 44 مليون دولار

الفيلم يتناول عملية اغتيال خيالية للزعيم الكوري
الفيلم يتناول عملية اغتيال خيالية للزعيم الكوري
TT

«سوني» تلغي إصدار فيلم «المقابلة» خشية تهديدات قراصنة كوريا الشمالية

الفيلم يتناول عملية اغتيال خيالية للزعيم الكوري
الفيلم يتناول عملية اغتيال خيالية للزعيم الكوري

ألغت شركة سوني بيكتشرز إنترتينمينت الأربعاء إصدارات أعياد الكريسماس من فيلم «المقابلة»، خشية تعرضها لهجوم واسع النطاق من المتسللين الذين يدعي مسؤولو الاستخبارات الأميركية أنهم يعملون لصالح كوريا الشمالية.
لم يكن المسؤولون الأميركيون، رغم ذلك، مستعدين لتوجيه الاتهامات العلنية ضد حكومة كوريا الشمالية، وجزء كبير من ذلك يرجع إلى أن إدارة الرئيس أوباما لم تحدد بعد نوع الإجراء، إذا كان هناك إجراء ما، الذي سوف تتخذه.
ويعتقد مسؤولون في الاستخبارات الأميركية بنسبة يقين تبلغ 99 في المائة أن المتسللين العاملين لصالح حكومة كوريا الشمالية قاموا بتنفيذ الهجمات، حسبما أفاد أحد الأشخاص الذين على دراية بالتحقيقات الجارية وتحدث شريطة عدم الكشف عن هويته. غير أن الإدارة الأميركية لم تحسم أمرها بعد فيما سوف تفعله، كما قال المسؤولون الأميركيون.
يتفق المسؤولون الأميركيون أنه ليست هناك خيارات جيدة. على العكس من الصين، التي وجهت الولايات المتحدة لها اتهاما علنيا بسرقة كميات ضخمة من الملكية الفكرية لشركات أميركية. أما كوريا الشمالية فقد تم إقصاؤها بعيدا عن الاقتصاد الدولي ولا تزال ترزح تحت وطأة العقوبات الاقتصادية، المفروضة من قبل منظمة الأمم المتحدة، استهدافا لبرنامجها النووي. وقال أحد المسؤولون الأميركيون «ليست هناك عقوبات باقية. كما أنه ليس لدينا معهم نظام تجاري نفرض عليه المزيد من العقوبات. لذا، فهناك بالفعل عدد محدود للغاية من الأدوات المتاحة لدينا لمواجهة الأمر».
صرحت شركة سوني عبر بيان صادر عنها الأربعاء أنها «تشعر بحزن عميق إثر الجهود الوقحة للمتسللين لإخماد الفيلم وأنها تخيرت عدم المضي قدما لإصداره في 25 ديسمبر (كانون الأول)».
وقال المتحدث الرسمي باسم شركة سوني في وقت لاحق إن الاستوديو «ليست لديه خطط لإصدارات أخرى للفيلم».
وقالت أكبر 5 دور للسينما في البلاد - ريجال إنترتينمينت، وإيه إم سي إنترتينمينت، وساينمارك، وسينمات كارمايك، وساينبليكس إنترتينمينت - إنها تعزم تأجيل افتتاحية الفيلم البالغة تكلفته 44 مليون دولار.
وقالت مؤسسة ريجال، وهي أكبر الدور الـ5 المذكورة، إنها سوف تؤجل العرض نظرا «للدعم المتردد للفيلم من قبل شركة سوني، فضلا عن الطبيعة الغامضة للتهديدات». وقالت مؤسسة ساينبليكس إنها «ملتزمة بمنتهى الجدية إزاء حرية التعبير الفني»، ولكنها أضافت تقول إن السلامة تأتي على رأس القائمة نظرا «للموقف المعقد غير المسبوق».
يقول الخبراء إن قدرة مجموعة من القراصنة المجهولين على عرقلة خطط واحدة من أكبر شركات الترفيه في العالم تمثل سابقة جديدة ومثيرة للقلق حيال الإرهاب الإلكتروني والتي قد تشجع على تنفيذ المزيد من الهجمات. ومع تسلل وحيد غير مكلف، يمكن لفريق ما إثارة قدر من الخوف الدولي لا يمكنه إثارته إلا من خلال قنبلة منفجرة أو تهديدات إرهابية فعلية. يقول اليك روس، وهو زميل بارز لدى كلية الشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا «ذلك هو الخطر الحقيقي على الشركات الأميركية في عالم الإنترنت. إن تكلفة إنتاج الأسلحة الخبيثة القوية ضئيلة للغاية. وهناك مجتمعات متطورة جدا من القراصنة المتسللين الذين يمكن استئجارهم حول العالم ويمكنهم إحداث أسلحة إلكترونية قوية جدا وذات تكلفة بسيطة».
أطلقت مجموعة أوصياء السلام، وهي المجموعة التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجمات الإلكترونية، تحذيرا شديدا هذا الأسبوع متوعدة بـ«مصير مفجع» لأولئك الذاهبين لمشاهدة الفيلم وحذرت الآخرين «بالبقاء مبتعدين عن أماكن العرض في تلك الفترة».
وقالت المجموعة في تدوينة مجهولة المصدر على الإنترنت «سوف يمتلئ العالم بالخوف. لتتذكروا الـ11 من سبتمبر».
ونفت حكومة كوريا الشمالية اضطلاعها في الاختراق غير أنها وصفته «بالعمل الصالح» وهددت باتخاذ «إجراءات مضادة بلا رحمة» ردا على العرض الأول للفيلم. كما أضافت أن الفيلم الكوميدي من بطولة سيث روجين وجيمس فرانكو، والذي ينتهي بمقتل زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، ما هو إلا «أكثر أعمال الإرهاب والحرب وقاحة».
ويقول المحللون إن أي عمل عسكري انتقاما من الهجوم الإلكتروني سوف يكون بلا أساس فعلي وقد يؤدي لتصعيدات لا داعي لها. كما أن لوائح الاتهام لا طائل من ورائها، حيث لن تسمح كوريا الشمالية بمثول مواطنيها أمام المحاكم الأميركية في أي حال. وعلى الأغلب، كما يقول بعض المحللين، فإن الإدارة الأميركية سوف تشن حملة تعريض علنية، كما قال أحد المسؤولين الأميركيين السابقين «فلتعلم كوريا الشمالية أننا نعرف أنها وراء تلك الهجمات».
يقول جيمس إيه لويس، وهو خبير في السياسة الإلكترونية لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إن الإدارة الأميركية في مأزق من حيث توجيه الاتهام إلى دولة مثل كوريا الشمالية. وأضاف: «لدينا قدر من المخاوف هنا. أولا، أنهم يريدون دليلا يمكن رفعه إلى المحكمة. وإذا كان ذلك مبتغاك، فأنت على الثرى حالما بالثريا. وثانيا، إذا قصدنا كوريا الشمالية بإجراء ما، فبأي شيء يمكنهم الرد؟ إنهم يعلمون هشاشة دفاعاتنا الإلكترونية جيدا».
يقول أحد المسؤولين الأميركيين الذي يتحدث شريطة عدم الكشف عن هويته «ليست لدينا النية للتصعيد». توصل المحققون إلى استنتاجهم، في جزء منه، إثر مقارنة البرمجيات الخبيثة المستخدمة في التسلل ببرمجيات خبيثة استخدمتها كوريا الشمالية في محاولات اختراق أخرى ضد البنوك في السنوات الأخيرة، على حد وصف بعض الشخصيات على دراية بالتحقيقات. كما خلصوا إلى أن القراصنة وجهوا هجماتهم عبر حواسيب موزعة على 7 دول – ومن بينها الولايات المتحدة ذاتها، وتايلاند، وبوليفيا – في محاولة منهم لإخفاء مصدر الهجوم الأصلي، وأن بعضا من البرمجيات الخبيثة تمت برمجتها باستخدام اللغة الكورية الشمالية.
وقالت وزارة الأمن الداخلي الأميركية يوم الثلاثاء إنه ليس من دليل موثوق يشير إلى مؤامرة نشطة ضد دور السينما في الولايات المتحدة فيما يتعلق بالاختراق الواقع، وصرح مسؤول لدى وزارة الخارجية الأميركية يوم الأربعاء أن الوزارة ليست لديها معلومات محددة تضفي مصداقية ما على التهديدات.
ومع ذلك، أعلنت باو تاي سينما، وهي شركة تمتلك سلسلة صغيرة من 55 دارا للسينما في 6 ولايات، في بيان لها الأربعاء أنها «شعرت بحزن عميق إثر التهديدات الإرهابية الأخيرة، وأنها وفقا لغموض مصدر التهديدات والجهل بمصداقيته، فإن السلسلة سوف تلغي العرض الأول للفيلم المزمع يوم 25 ديسمبر (كانون الأول)».
كان لذلك القرار رد فعل عنيف، حيث انتقل الناس على موقع فيسبوك يصفون الشركة بالجبناء والخانعين أمام التهديدات. وفي المقابل، قال جو ماشر، المتحدث الرسمي باسم شركة باو تاي سينما «إن سلامة الرعاة والموظفين هي أولى أولوياتنا.. وإنه لقرار كان عسيرا علينا للغاية اتخاذه».
هذا وقد اتخذت دور السينما قراراتها بعدما أعلنت شركة سوني أنها لن تعترض على أي أحد يقرر عدم عرض الفيلم لديه. وقال بعض الخبراء القانونيين إن البيان نقل المسؤولية القانونية حيال أي هجوم من على عاتق شركة سوني إلى دور السينما، ما إذا كانوا يبغون المضي قدما في عرض الفيلم في مواجهة التهديدات.
وصرحت الرابطة الوطنية لملاك دور السينما في بيان لها بأن أعضاء الرابطة من المسارح ودور السينما «قد يقررون تأجيل العرض حتى إلقاء القبض على المجرمين المسؤولين».
ومع إلغاء العرض الأولي يمكن لشركة سوني عرض الفيلم في وقت لاحق بدور السينما أو تتجاوز عرضه على الشاشات السينمائية بالكلية وتعمل على إصداره من خلال الفيديو حسب الطلب. وقد يغير ذلك تماما من الاتفاقية طويلة الأجل فيما بين دور السينما واستوديوهات سوني حيال التأخير لشهور طويلة بين العرض الأول في السينما وبين العرض المنزلي لنفس المادة.
وأحجمت الممثلة الأميركية روجين عن التعليق، ولم يرد أحد على الرسائل التي تُركت لدى الممثل فرانكو. وقد ألغيا الظهور على البرامج الحوارية وغيرها من المقابلات الإعلامية.
وكشفت مجموعة القراصنة عن مستندات داخلية لدى شركة سوني ترجع لسنوات مضت، ومن بينها بيانات رواتب الموظفين، وبيانات صحية، وأرقام الضمان الاجتماعي. كما توعدت بـ«هدية عيد الميلاد»، ومن المرجح أنها تقصد الإفراج عن مزيد من الأسرار الداخلية المسروقة.
وعقد المديرون التنفيذيون بشركة سوني اجتماعات مفتوحة للاعتذار إلى الموظفين الذين تسربت بياناتهم الشخصية على الملأ، وقد عينت مختصين في الأزمات للتعامل مع رسائل البريد الإلكتروني الحساسة التي سببت الإحراج لكبار مسؤولي الشركة.
لكن الشركة انتقلت أيضا إلى الهجوم، حيث عقدت شراكة مع شركات مثل (اينتورا)، وهي من شركات الخصوصية في لندن، في محاولة لحجب تبادل الملفات وإيقاف المزيد من التسريبات. كما عينت المحامي ديفيد بويس، الذي هدد باتخاذ الإجراءات القانونية ضد وسائل الإعلام التي تعرض تفاصيل مستوحاة من تسريبات شركة سوني.
وقد يؤدي تأجيل عرض الفيلم إلى آثار مالية فادحة على شركة سوني خلال فترة عطلة نهاية العام، وهي من أكثر مواسم هوليوود ربحية لشبابيك التذاكر.
وأعرب بعض مسؤولي دور السينما على قلقهم من أن إلغاء العرض قد يسرع من توجه بعض المشاهدين بعيدا عن شاشات السينما وتفضيل مشاهدة الأفلام في المنازل. لم تقدم مجموعة القراصنة أي تفاصيل حول مدى التهديد الذي أطلقوه.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».