ألغت شركة سوني بيكتشرز إنترتينمينت الأربعاء إصدارات أعياد الكريسماس من فيلم «المقابلة»، خشية تعرضها لهجوم واسع النطاق من المتسللين الذين يدعي مسؤولو الاستخبارات الأميركية أنهم يعملون لصالح كوريا الشمالية.
لم يكن المسؤولون الأميركيون، رغم ذلك، مستعدين لتوجيه الاتهامات العلنية ضد حكومة كوريا الشمالية، وجزء كبير من ذلك يرجع إلى أن إدارة الرئيس أوباما لم تحدد بعد نوع الإجراء، إذا كان هناك إجراء ما، الذي سوف تتخذه.
ويعتقد مسؤولون في الاستخبارات الأميركية بنسبة يقين تبلغ 99 في المائة أن المتسللين العاملين لصالح حكومة كوريا الشمالية قاموا بتنفيذ الهجمات، حسبما أفاد أحد الأشخاص الذين على دراية بالتحقيقات الجارية وتحدث شريطة عدم الكشف عن هويته. غير أن الإدارة الأميركية لم تحسم أمرها بعد فيما سوف تفعله، كما قال المسؤولون الأميركيون.
يتفق المسؤولون الأميركيون أنه ليست هناك خيارات جيدة. على العكس من الصين، التي وجهت الولايات المتحدة لها اتهاما علنيا بسرقة كميات ضخمة من الملكية الفكرية لشركات أميركية. أما كوريا الشمالية فقد تم إقصاؤها بعيدا عن الاقتصاد الدولي ولا تزال ترزح تحت وطأة العقوبات الاقتصادية، المفروضة من قبل منظمة الأمم المتحدة، استهدافا لبرنامجها النووي. وقال أحد المسؤولون الأميركيون «ليست هناك عقوبات باقية. كما أنه ليس لدينا معهم نظام تجاري نفرض عليه المزيد من العقوبات. لذا، فهناك بالفعل عدد محدود للغاية من الأدوات المتاحة لدينا لمواجهة الأمر».
صرحت شركة سوني عبر بيان صادر عنها الأربعاء أنها «تشعر بحزن عميق إثر الجهود الوقحة للمتسللين لإخماد الفيلم وأنها تخيرت عدم المضي قدما لإصداره في 25 ديسمبر (كانون الأول)».
وقال المتحدث الرسمي باسم شركة سوني في وقت لاحق إن الاستوديو «ليست لديه خطط لإصدارات أخرى للفيلم».
وقالت أكبر 5 دور للسينما في البلاد - ريجال إنترتينمينت، وإيه إم سي إنترتينمينت، وساينمارك، وسينمات كارمايك، وساينبليكس إنترتينمينت - إنها تعزم تأجيل افتتاحية الفيلم البالغة تكلفته 44 مليون دولار.
وقالت مؤسسة ريجال، وهي أكبر الدور الـ5 المذكورة، إنها سوف تؤجل العرض نظرا «للدعم المتردد للفيلم من قبل شركة سوني، فضلا عن الطبيعة الغامضة للتهديدات». وقالت مؤسسة ساينبليكس إنها «ملتزمة بمنتهى الجدية إزاء حرية التعبير الفني»، ولكنها أضافت تقول إن السلامة تأتي على رأس القائمة نظرا «للموقف المعقد غير المسبوق».
يقول الخبراء إن قدرة مجموعة من القراصنة المجهولين على عرقلة خطط واحدة من أكبر شركات الترفيه في العالم تمثل سابقة جديدة ومثيرة للقلق حيال الإرهاب الإلكتروني والتي قد تشجع على تنفيذ المزيد من الهجمات. ومع تسلل وحيد غير مكلف، يمكن لفريق ما إثارة قدر من الخوف الدولي لا يمكنه إثارته إلا من خلال قنبلة منفجرة أو تهديدات إرهابية فعلية. يقول اليك روس، وهو زميل بارز لدى كلية الشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا «ذلك هو الخطر الحقيقي على الشركات الأميركية في عالم الإنترنت. إن تكلفة إنتاج الأسلحة الخبيثة القوية ضئيلة للغاية. وهناك مجتمعات متطورة جدا من القراصنة المتسللين الذين يمكن استئجارهم حول العالم ويمكنهم إحداث أسلحة إلكترونية قوية جدا وذات تكلفة بسيطة».
أطلقت مجموعة أوصياء السلام، وهي المجموعة التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجمات الإلكترونية، تحذيرا شديدا هذا الأسبوع متوعدة بـ«مصير مفجع» لأولئك الذاهبين لمشاهدة الفيلم وحذرت الآخرين «بالبقاء مبتعدين عن أماكن العرض في تلك الفترة».
وقالت المجموعة في تدوينة مجهولة المصدر على الإنترنت «سوف يمتلئ العالم بالخوف. لتتذكروا الـ11 من سبتمبر».
ونفت حكومة كوريا الشمالية اضطلاعها في الاختراق غير أنها وصفته «بالعمل الصالح» وهددت باتخاذ «إجراءات مضادة بلا رحمة» ردا على العرض الأول للفيلم. كما أضافت أن الفيلم الكوميدي من بطولة سيث روجين وجيمس فرانكو، والذي ينتهي بمقتل زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، ما هو إلا «أكثر أعمال الإرهاب والحرب وقاحة».
ويقول المحللون إن أي عمل عسكري انتقاما من الهجوم الإلكتروني سوف يكون بلا أساس فعلي وقد يؤدي لتصعيدات لا داعي لها. كما أن لوائح الاتهام لا طائل من ورائها، حيث لن تسمح كوريا الشمالية بمثول مواطنيها أمام المحاكم الأميركية في أي حال. وعلى الأغلب، كما يقول بعض المحللين، فإن الإدارة الأميركية سوف تشن حملة تعريض علنية، كما قال أحد المسؤولين الأميركيين السابقين «فلتعلم كوريا الشمالية أننا نعرف أنها وراء تلك الهجمات».
يقول جيمس إيه لويس، وهو خبير في السياسة الإلكترونية لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إن الإدارة الأميركية في مأزق من حيث توجيه الاتهام إلى دولة مثل كوريا الشمالية. وأضاف: «لدينا قدر من المخاوف هنا. أولا، أنهم يريدون دليلا يمكن رفعه إلى المحكمة. وإذا كان ذلك مبتغاك، فأنت على الثرى حالما بالثريا. وثانيا، إذا قصدنا كوريا الشمالية بإجراء ما، فبأي شيء يمكنهم الرد؟ إنهم يعلمون هشاشة دفاعاتنا الإلكترونية جيدا».
يقول أحد المسؤولين الأميركيين الذي يتحدث شريطة عدم الكشف عن هويته «ليست لدينا النية للتصعيد». توصل المحققون إلى استنتاجهم، في جزء منه، إثر مقارنة البرمجيات الخبيثة المستخدمة في التسلل ببرمجيات خبيثة استخدمتها كوريا الشمالية في محاولات اختراق أخرى ضد البنوك في السنوات الأخيرة، على حد وصف بعض الشخصيات على دراية بالتحقيقات. كما خلصوا إلى أن القراصنة وجهوا هجماتهم عبر حواسيب موزعة على 7 دول – ومن بينها الولايات المتحدة ذاتها، وتايلاند، وبوليفيا – في محاولة منهم لإخفاء مصدر الهجوم الأصلي، وأن بعضا من البرمجيات الخبيثة تمت برمجتها باستخدام اللغة الكورية الشمالية.
وقالت وزارة الأمن الداخلي الأميركية يوم الثلاثاء إنه ليس من دليل موثوق يشير إلى مؤامرة نشطة ضد دور السينما في الولايات المتحدة فيما يتعلق بالاختراق الواقع، وصرح مسؤول لدى وزارة الخارجية الأميركية يوم الأربعاء أن الوزارة ليست لديها معلومات محددة تضفي مصداقية ما على التهديدات.
ومع ذلك، أعلنت باو تاي سينما، وهي شركة تمتلك سلسلة صغيرة من 55 دارا للسينما في 6 ولايات، في بيان لها الأربعاء أنها «شعرت بحزن عميق إثر التهديدات الإرهابية الأخيرة، وأنها وفقا لغموض مصدر التهديدات والجهل بمصداقيته، فإن السلسلة سوف تلغي العرض الأول للفيلم المزمع يوم 25 ديسمبر (كانون الأول)».
كان لذلك القرار رد فعل عنيف، حيث انتقل الناس على موقع فيسبوك يصفون الشركة بالجبناء والخانعين أمام التهديدات. وفي المقابل، قال جو ماشر، المتحدث الرسمي باسم شركة باو تاي سينما «إن سلامة الرعاة والموظفين هي أولى أولوياتنا.. وإنه لقرار كان عسيرا علينا للغاية اتخاذه».
هذا وقد اتخذت دور السينما قراراتها بعدما أعلنت شركة سوني أنها لن تعترض على أي أحد يقرر عدم عرض الفيلم لديه. وقال بعض الخبراء القانونيين إن البيان نقل المسؤولية القانونية حيال أي هجوم من على عاتق شركة سوني إلى دور السينما، ما إذا كانوا يبغون المضي قدما في عرض الفيلم في مواجهة التهديدات.
وصرحت الرابطة الوطنية لملاك دور السينما في بيان لها بأن أعضاء الرابطة من المسارح ودور السينما «قد يقررون تأجيل العرض حتى إلقاء القبض على المجرمين المسؤولين».
ومع إلغاء العرض الأولي يمكن لشركة سوني عرض الفيلم في وقت لاحق بدور السينما أو تتجاوز عرضه على الشاشات السينمائية بالكلية وتعمل على إصداره من خلال الفيديو حسب الطلب. وقد يغير ذلك تماما من الاتفاقية طويلة الأجل فيما بين دور السينما واستوديوهات سوني حيال التأخير لشهور طويلة بين العرض الأول في السينما وبين العرض المنزلي لنفس المادة.
وأحجمت الممثلة الأميركية روجين عن التعليق، ولم يرد أحد على الرسائل التي تُركت لدى الممثل فرانكو. وقد ألغيا الظهور على البرامج الحوارية وغيرها من المقابلات الإعلامية.
وكشفت مجموعة القراصنة عن مستندات داخلية لدى شركة سوني ترجع لسنوات مضت، ومن بينها بيانات رواتب الموظفين، وبيانات صحية، وأرقام الضمان الاجتماعي. كما توعدت بـ«هدية عيد الميلاد»، ومن المرجح أنها تقصد الإفراج عن مزيد من الأسرار الداخلية المسروقة.
وعقد المديرون التنفيذيون بشركة سوني اجتماعات مفتوحة للاعتذار إلى الموظفين الذين تسربت بياناتهم الشخصية على الملأ، وقد عينت مختصين في الأزمات للتعامل مع رسائل البريد الإلكتروني الحساسة التي سببت الإحراج لكبار مسؤولي الشركة.
لكن الشركة انتقلت أيضا إلى الهجوم، حيث عقدت شراكة مع شركات مثل (اينتورا)، وهي من شركات الخصوصية في لندن، في محاولة لحجب تبادل الملفات وإيقاف المزيد من التسريبات. كما عينت المحامي ديفيد بويس، الذي هدد باتخاذ الإجراءات القانونية ضد وسائل الإعلام التي تعرض تفاصيل مستوحاة من تسريبات شركة سوني.
وقد يؤدي تأجيل عرض الفيلم إلى آثار مالية فادحة على شركة سوني خلال فترة عطلة نهاية العام، وهي من أكثر مواسم هوليوود ربحية لشبابيك التذاكر.
وأعرب بعض مسؤولي دور السينما على قلقهم من أن إلغاء العرض قد يسرع من توجه بعض المشاهدين بعيدا عن شاشات السينما وتفضيل مشاهدة الأفلام في المنازل. لم تقدم مجموعة القراصنة أي تفاصيل حول مدى التهديد الذي أطلقوه.
«سوني» تلغي إصدار فيلم «المقابلة» خشية تهديدات قراصنة كوريا الشمالية
5 دور للسينما تعتزم تأجيل افتتاحه لأعياد الميلاد .. وتكلفته بلغت 44 مليون دولار
الفيلم يتناول عملية اغتيال خيالية للزعيم الكوري
«سوني» تلغي إصدار فيلم «المقابلة» خشية تهديدات قراصنة كوريا الشمالية
الفيلم يتناول عملية اغتيال خيالية للزعيم الكوري
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

