منذ حادثة انفجار مرفأ بيروت والمبادرات الإنسانية والثقافية والفنية تنطلق من هنا وهناك؛ محاولة الإسهام في التخفيف من تداعيات الحادثة على المتضررين منها.
حملات تبرعات بالعشرات تفاعل معها الناس من مقيمين ومغتربين وأجانب. من بينها ما أطلقه «متحف بيروت» في منطقة السوديكو، وأخرى نظمها تلفزيون «إم تي في» عبر شاشته مع الإعلامي أنطوان بارود، إضافة إلى غيرها من مبادرات فردية وجماعية شهدها المجتمع المدني منذ حصول الانفجار في 4 أغسطس (آب) الحالي حتى اليوم.
وأحدث هذه المبادرات أطلقها مصمم الأزياء اللبناني نجا سعادة تحت عنوان «أنا بيروت». وهي كناية عن فستان من الحرير الأبيض صممه خصيصاً ليدخل في مزاد علني يعود ريعه للمتضررين من انفجار بيروت.
الفستان الذي يحمل لوحة بيروت مرسومة وموقّعة من الفنانة التشكيلية أدريانا الحاج قدّمها سعادة عبر الإعلامية رابعة الزيات. فوقفت هذه الأخيرة وسط الدمار الذي سببه الانفجار تعرضه من منحى إنساني. فهو كما تقول «حمّلني رسالة كبيرة بحجم حبّي لهذه العاصمة ووجعي على أهلها».
استطاع فستان «أنا بيروت» أن يحصد مبلغ 125 مليون ليرة ضمن مزاد علني أطلقته عبر شاشتها محطة «الجديد». وشارك فيه لبنانيون مقيمون ومغتربون، إضافة إلى عدد كبير من المشاهدين العرب الذين تابعوا مجريات المزاد عبر شاشة المحطة الفضائية.
وفي المراحل الأخيرة من المزاد انحصرت المزايدات بين مواطنين عربيين انتهى بفوز سيدة من الكويت به بعد أن رفعت المبلغ إلى 125 مليون ليرة، أي ما يوازي الـ20 ألف دولار.
ويقول المصمم نجا سعادة الذي يقف وراء إطلاق هذه المبادرة «لم أتوقع أن نحصد هذا المبلغ، لكن أيادي الخير تغلّبت على كل هذا الشر الذي شهدته بيروت. فالناس تفاعلت بشكل إيجابي كبير مع هذه اللوحة. وقد تولّت جمعية (كلنا لبعض) التي ترأسها الإعلامية ماغي بو عون إيصال المبلغ إلى المتضررين من الانفجار. وهي تأتي من ضمن الحملة الخاصة التي تنظمها في هذا الإطار وتحمل عنوان (بواب بيروت)».
وعن كيفية ولادة الفكرة يوضح سعادة في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «منذ حصول الانفجار الذي طالنا جميعاً من دون استثناء، إما مادياً وإما نفسياً أصبت بصدمة كبيرة. فحتى مشغلي في منطقة حرش تابت تضرر أيضاً بفعل الانفجار. وعندما استوعبت أننا كنا محظوظين أكثر من غيرنا وسلمت أرواحنا من هذه الكارثة؛ قررت القيام بمبادرة تساعد المتضررين وأهالي الضحايا. من هنا ولدت فكرة فستان (أنا بيروت) ليكون بمثابة قطعة فنية توثّق الحدث بطريقة فنية. ومع فريق متكامل بدءاً بمستشارتي الإعلامية اليان الحاج مروراً بالرسامة أندريا الحاج وصولاً إلى الإعلامية رابعة الزيات وقناة «نيو تي في» نجحت المبادرة».
صمم سعادة الفستان ليأخذ طابعاً شرقياً، فجاء فضفاضاً على طريقة العباءة. أما الرسمة التي تحمله فتضمنت مشهدية بيروت الجميلة الراسخة في أذهان محبيها بعيداً عن الدمار الذي تشهده اليوم. كما نقلت أدريانا الحاج بريشتها هذه الرؤية، فرسمت وجه بيروت امرأة تودع أبناءها الذين رحلوا كطيور من نور.
ويعلّق سعادة في حديثه «من الطبيعي أن أتدخل باللوحة وأتفاهم مع أدريانا على خطوطها العريضة. فهي رسامة تشكيلية سبق وتعاونت معها أكثر من مرة ولديها رؤية فنية لا تشبه غيرها تأخذني في آفاقها إلى عالم عميق ومحمل بالرسائل الإنسانية. وقد استغرق منا هذا العمل أياماً قليلة وكنا نعمل بجهد كبير ومتواصل؛ كي يتسنى لنا مساعدة الناس في أقرب وقت ممكن».
من ناحيتها، تقول أدريانا الحاج «لم أستطع خلال رسمي اللوحة إلا أن أتخيل بيروت الجميلة الساكنة في قلبي وكياني». وتتابع في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، «فمهما حاولوا تشويه صورتها فهي محفورة بذاكرتنا جميعاً (ست الدنيا) التي لا تموت. ولذلك؛ قررت أن أقلب الطاولة على التشوه الذي أصابها ورسمت بيوتها الحلوة الملونة وكأنه أعيد ترميمها. في حين ركنت إلى الطيور ووجه المرأة المتأمل لأترجم فكرة بيروت الأم التي تودع أبناءها الصاعدة أرواحهم إلى السماء».
لم تستخدم أدريانا الحاج ألواناً نافرة، بل دافئة ضمن تقنية استخدمت فيها الأكواريل والأكليريك. «كان من الصعب أن أتنقل بريشتي على قماش الحرير ضمن هذه التقنية الصعبة التحديد. وكانت دموعي تنهمر غير متمكنة من إيقافها. فالشهداء وضحايا الانفجار وبيروت المدمرة صوراً لم تفارقني طيلة فترة رسمي للوحة. ولكني ترجمتها على الحرير لتأخذ منحى الغد ألعابق بالأمل رغم كل شيء».
ويتوجه المصمم سعادة في ختام حديثه إلى الشباب المصدوم والمحبط، ويقول «لدي إيماني الكبير ببيروت التي تقوم من تحت الردم مهما جارت عليها الدنيا. فهي عاصمة الموضة والفن والثقافة وأنا على قناعة أن بعد كل ظلمة يطلع النور. فليس من الخطأ أن نحبط وننصدم، لكن على الشباب ألا يستسلموا، فممنوع على أحد أن يسرق أحلامنا. فبدل أن ننكسر وننعزل علينا أن نلملم حاضرنا ونحضر لمستقبل أفضل رغم أن همومنا غير عادية وتتمحور حول الموت والحياة».
8:27 دقيقه
«أنا بيروت» للمصمم نجا سعادة يبلسم جروح بعض المتضررين
https://aawsat.com/home/article/2467616/%C2%AB%D8%A3%D9%86%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%AA%C2%BB-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%B5%D9%85%D9%85-%D9%86%D8%AC%D8%A7-%D8%B3%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D9%8A%D8%A8%D9%84%D8%B3%D9%85-%D8%AC%D8%B1%D9%88%D8%AD-%D8%A8%D8%B9%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%B6%D8%B1%D8%B1%D9%8A%D9%86
«أنا بيروت» للمصمم نجا سعادة يبلسم جروح بعض المتضررين
حصد 125 مليون ليرة في مزاد علني عبر الشاشة
المصمم نجا سعادة والرسامة أدريانا الحاج خلال تنفيذهما فستان «أنا بيروت»
«أنا بيروت» للمصمم نجا سعادة يبلسم جروح بعض المتضررين
المصمم نجا سعادة والرسامة أدريانا الحاج خلال تنفيذهما فستان «أنا بيروت»
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

