مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (3 - 3): الملك حسين في حيرة وحصار... وبدء انسحاب العراق

: رغم الضغوط... أبلغنا الأميركيين صراحة أنَّنا مع الحلّ السلمي ومع الحلّ العربي لأزمة العراق والكويت

من اليمين: مضر بدران والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك الراحل الحسين بن طلال والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في اجتماع في قاعدة جوية في منطقة المفرق شرق الأردن
من اليمين: مضر بدران والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك الراحل الحسين بن طلال والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في اجتماع في قاعدة جوية في منطقة المفرق شرق الأردن
TT

مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران (3 - 3): الملك حسين في حيرة وحصار... وبدء انسحاب العراق

من اليمين: مضر بدران والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك الراحل الحسين بن طلال والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في اجتماع في قاعدة جوية في منطقة المفرق شرق الأردن
من اليمين: مضر بدران والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك الراحل الحسين بن طلال والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في اجتماع في قاعدة جوية في منطقة المفرق شرق الأردن

في هذه الحلقة الثالثة من مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران، التي تنشرها «الشرق الأوسط»، يتحدث عن الضغوط الأميركية على الأردن لإقناعه بالانضمام إلى التحالف الدولي في مواجهة غزو صدام حسين للكويت، وما واجهه الأردن من أزمة اقتصادية نتيجة موقفه آنذاك إلى جانب صدام، الذي يؤكد بدران أنه كان موقفاً إلى جانب «الحل العربي».
ويروي بدران في كتابه باسم «القرار»، تفاصيل زيارة سرية قام بها طارق عزيز إلى عمان، أبلغ خلالها المسؤولين الأردنيين أنه لم يبق شيء في العراق لم يتعرض للقصف من القصر الجمهوري إلى مصافي النفط والمصانع والجسور. كما يتحدث عن الحيرة التي واجهها الملك حسين في تلك الفترة، إذ إنه كان محاصراً من القوى السياسية والشعبية والنيابية التي كانت تضغط باتجاه دعم العراق في الحرب.
كنّا نعيش فعلاً أجواء خلية أزمة وطنية، والجهود تضافرت من كل المؤسسات، والراحل الحسين بقي ممسكاً بدفّة القيادة السياسية، ومؤسساته الدستورية كانت بمثابة الجهاز التنفيذي، الذي يربط بين رؤية القائد، وطموحات شعبه، ومن هناك بدأنا بالتَّعامل مع تداعيات الحرب، وما ينتظرنا خلال أيامها.
بدأ السوريون بهجوم إعلامي علينا، وقد كان ذلك متوقَّعاً، فبعض أعضاء مجلسي النواب والأعيان، كانوا ينتقدون سوريا في الإعلام، وتوقّعنا أن يكون الردّ علينا بالإعلام أيضاً، وسعى وزير الإعلام إبراهيم عز الدين، لاحتواء الأزمة مع السوريين، واستطاع نتيجة خبرته الدبلوماسية العالية، بالعودة إلينا بخبر وقْف الحملة الإعلامية السورية ضدّ الأردن، وأخذنا قراراً في مجلس الوزراء بوقف تصريحات السفراء، الذين قد لا تكون لديهم الخبرة الكافية في التصريحات السياسية خلال أحداث الحرب، وأن نؤجِّل أي تصريح، من قِبَل سفاراتنا، منعاً لمُضاعفة مشاعر العداء العربي ضدّنا.
لقد ساعدنا السوريون بتزويدنا بالنفط، وأوفى حافظ الأسد بوعده، وبدأت اللجان تعمل وتشرف على نقل صهاريج النفط من سوريا، وكان ذلك بعد أن أخذنا سلسلة إجراءات للتعامل مع انقطاع النفط.
وقرّرنا أن يكون الخطاب الإعلامي الرّسمي ملتزماً برفضنا للاعتداء بالقوّة على أي دولة عربية، وكُنّا نعترف بالنظام في الكويت، ونعترف بالمقاطعة للعراق، وكلّه بتوازن وعقلانية، وكان كلّ حرف محسوباً له ألف حساب.
أمّا السفير الأميركي روجر هاريسون، فواصل ضغطه علينا بشكل مستمرّ، حتى أبلغتُه صراحة أنَّنا لن نغيِّر موقفنا جراء أي ضغط أميركي، وأنّنا مع الحلّ السلمي ومع الحلّ العربي لأزمة العراق والكويت، وموقفنا الشَّعبي ينسجم مع موقفنا الرّسمي، وأبلغتُ مجلس الوزراء أنّ الأميركيين سيستخدمون ورقة المساعدات للضَّغط علينا في كلّ مرّة، وعندها بدأنا نهيئ أنفسنا لتقديرات تشير إلى أنَّ عُمْر الأزمة سيطول.
كان أي خطأ في التقدير يعني الكارثة على مستوانا، لأنّنا باختصار، لا نستطيع أن ننعزل عن العالم والجوار، فروحنا معلّقة بالمواد الأساسيّة التي نستوردها كلّها من الخارج.
في تلك الفترة كثَّف الملك الحسين اتِّصالاته مع دول العالم، ولم يهدأ خلال تلك الأيام، وكان دائم التَّواصل مع القيادات الرسمية المدنية والأمنية، وحافظ على لقاءاته بمجالس الطوارئ. في نهاية شهر يناير (كانون الثاني) زارنا الراحل الحسين في مجلس الوزراء، واجتمع بنا، وكالعادة، قدَّم رؤيته التي ساعدتنا كثيراً في التعامل مع المرحلة.
من جملة ما أتذكّره في ذلك اللقاء، أنَّه نبَّهني إلى أنَّ الحرب تريد هدفاً واحداً وهو بقاء إسرائيل بمثابة القوّة الوحيدة في المنطقة، وقال لنا: الكويت كانت المصيدة والفخّ الذي استُدرج إليه صدام، كما أكّد توقُّعاته بأن ضرب العراق سيستمرّ لمدّة طويلة، لإضعاف قوّته لتصل إلى حدود الصفر.
بقينا تحت الضَّغط الأميركي الدّاعي لتغيير موقفنا والانضمام إلى التَّحالف الدولي؛ حتى إنَّ القائم بالأعمال الأميركي قال لنا: «أعلنوا موقفكم ضدّ العراق... وبعدها افعلوا ما تشاءون».
وقد كان الملك الحسين في حيرة شديدة، في تلك المرحلة، فهو محاصَر من جميع الأطراف، قوى سياسية وشعبية ونيابية تضغط باتِّجاه دعم العراق في الحرب، وقوى دولية صاحبة قرار تضغط باتِّجاه أن يكون الموقف الرَّسمي الأردني ضدّ العراق، لكن كيف تقوم بذلك، وأنتَ تحت ضغط شعبي؟ كُنّا قد خرجنا للتوّ من أزمة ثقة شعبية بالنظام السياسي (هبّة نيسان)، واغتنمنا الفرصة ليعود الانسجام وتعود الثقة بين طرفي المعادلة الوطنية الأساسية.

نحو الحرب البرِّية
زارنا رئيس الوزراء العراقي سعدون حمادي، منتصف فبراير (شباط) 1991، حاول أن يزورنا برّاً فلم يستطع، فالقصف على بغداد اشتدّ، فجاء جوّاً عن طريق طهران، وجاء بعد أن حمل رسالة جوابية للرئيس الإيراني، تفيد بالقبول العراقي لإعلان نية الانسحاب من الكويت، مقابل انسحاب القوّات الأجنبية من الجزيرة العربيّة، وكان ذلك عنوان المبادرة الإيرانية، والعراقيون قبلوا بها، لكن اشترطوا عدم الإعلان عنها حتى تتَّضح الأمور والمواقف أكثر.
بعد تلك الزيارة بأيام، ولأوّل مرّة، كان يصدر عن العراق تصريحات تفيد بقبول مبدأ الانسحاب من الكويت، السوفيات وإيران والصين إلى جانب العراق، وهذا صار سبباً لنكون أكثر اطمئناناً، وهم يؤيِّدون وبشدّة مبدأ الانسحاب مقابل وقف ضرْب بغداد.
العراق حتى تلك اللحظات، بقي يناور بموقفه، ويريد مقايضة انسحابه من الكويت، مقابل تنفيذ متطلّبات الشرعية الدولية في القضية الفلسطينية.
في اللقاء، أكّد سعدون حمادي، أنّ قصف قوى التحالف يركِّز على المراكز المدنية والبنى التحتية، والهدف إضعاف العراق. لكنه أكّد أنّ المعنويات عالية في مواجهة الحدث، والجبهة متماسكة، وخسائرها أقل بكثير ممّا يعلنه العدو، وأنّ التقديرات العراقيّة تشير إلى أنّ الوضع ما يزال مُحتملاً، خصوصاً أنّ معدّل القصف انخفض كثيراً عمّا بدأ به.
في 24 فبراير، وفي تمام الساعة الخامسة صباحاً، أعلن بوش بدء الحرب البرِّية. وهذا تطوُّر جديد، وعلى الأردن أن يتعامل معه بمنتهى الجديّة. العراقيون أبلغونا أنّهم إذا تعرّضوا لأي ضرب مدمِّر، فسيضربون إسرائيل بالكيماوي، لكنّهم لن يكونوا البادئين. المعلومات أفادت بأنَّ الأميركان يتقدَّمون باتِّجاه الجهراء الكويتية، والخطة تؤكد تطويق مدينة الكويت، وعزلها عن الإمداد.
ظَهَرَ أمامنا في تلك الفترة تحدٍّ أمني داخليّ، هو تنفيذ عمليّات فردية ضدّ إسرائيل عبْر التسلُّل إلى الضفة الغربية ضمن تلك الأجواء، والخشية كانت من أن تكون مثل تلك العمليات ذريعة لإسرائيل لجرّنا لمعركة، ولذلك حاولنا ألا نُجَرّ لحرب مع أي طرف، خصوصاً وأنَّ ظهيرنا العراق مشغول بحربِه، وصرنا نعيش في حالة من الشكّ الكبير، بأنّنا معرّضون للخطر الكبير فعلاً، فنحن الآن وحدَنا، لذا يجب تلافي الاحتكاك.
الأخبار السيِّئة نقلها لنا طارق عزيز في زيارة سرِّية لعمّان، وكانت تلك الأنباء نقطة التحوُّل الكبير في الموقف العسكري ضدّ العراق، وقال لنا إنَّهُ لم يبقَ شيء في العراق لم يُضرب، القصر الجمهوري مسحوه خمس مرّات، وكذلك قصر المؤتمرات، المصافي ضُربت مرات عدة، ولم يعُد هناك أي مجال لإصلاحها، تمَّ تدمير كلّ مصنع، والجسور في الجنوب، وبقيَت ثلاثة جسور خفيفة في بغداد.
ظلّت العمليّة السياسيّة تدور، وظلّت المحرّكات تعمل، وكل ما نريده أن يتوقّف إطلاق النار، فقد بدت المعلومات متضاربة حيال الوضع داخل العراق، وحجم الخسائر، فإنَّ ما تعرّض له العراق في 40 يوماً من قصف، كان يعادل ما تعرّضت له ألمانيا في الحرب العالميّة الثانية على مدار أربع سنوات.
في 26 فبراير 1991، انسحب العراق من الكويت. عرفنا بالخبر، وصُدمنا، ليس لخبر الانسحاب العراقيّ، فهذا ما كنّا نتمنّاه من غير حرب على العراق، لكن صُدمنا لأنَّ الجبهات ما تزال صاخبة، والحرب تدور، وقد تعرَّض العراق لأكبر الخسائر، خلال عمليّة انسحابه، لأنَّ قوّات التّحالف الدولي بقيت تقصف بينما الجيش العراقي يتراجع إلى الحدود العراقية.
الصَّدمة كانت بفعل البيانات العراقية، التي ظلّت مشجِّعة حتى مساء اليوم السابق ليوم 26 فبراير، لكن كنا محبَطين سلفاً عندما طلب طارق عزيز اقتصار الدَّوْر الأردني على التحرُّك السياسي، فقد كانت آخر زيارة له لعمّان تحمل بعض مؤشّرات الهزيمة.

مساعدات إنسانية للعراق
كان قدرنا أن نعيش كل الحروب ونتائجها كالنكبة والنكسة، ثم وصلنا إلى ما وصلنا إليه بعد حرب 1991، وبلغ الإحباط مداه عند الكثيرين، سامح الله صدام حسين، ورحم الله الراحل الملك الحسين، فقد كانت دعواته ومبادراته كفيلة بألا نشهد تلك اللّحظة المؤلمة والمحزنة.
اجتمعنا في مجلس الوزراء، ورصدتُ في وجوه الزملاء، كلّ الإحباط والمأساة، فكلّنا صدمتنا النتيجة، وقلنا في تلك الجلسة، إنَّ الأردن قام بواجبه على أكمل وجه، وقدَّم ما هو أكبر من طاقته، وقد وضع النظام والقيادة نفسهما في كفّ القَدَر مختارين غير نادمين، وأكَّدنا أنّ التاريخ سيسجِّل للمملكة الأردنية الهاشمية موقفاً لم تستطع دولة كبرى، مثل الاتحاد السوفياتي أن تأخذه، وأكّدنا موقفنا، إنَّنا لم نكُن مع احتلال الكويت، وتمنَّينا لو لم يحدث ذلك.
لكن التطوُّر الأهمّ، كان تلك المخاوف، التي طرحها وزير الخارجية طاهر المصري، حول الفلسطينيين الموجودين في الكويت، والتي أشارت التقديرات إلى أنَّ عددهم نحو 200 ألف فلسطيني، لكنْ كان الراحل الحسين قد سبقنا جميعاً، واجتمع مع سفراء الدول الخمس دائمة العضويّة بمجلس الأمن، ونبَّه لمصير الفلسطينيين من حَمَلَة الوثائق، وضرورة عودتهم لمصر، والطَّلب من القاهرة الاعتراف بوثائقهم.
حاولنا رصد معاملة السعوديّين الجيدة لهؤلاء، كما أنَّ بعض الفلسطينيين في الكويت، كان موقفهم المُعلن حتى أثناء احتلال العراق للكويت، هو رفض احتلال بلد عربي لبلد عربي آخر.
شكَّلت هزيمة العراق لنا تحدياً أمنيّاً خطيراً، فالخطر كان بإبداء أي روح عدائية عند انفعال المواطنين، خصوصاً إذا ما حاول بعضهم الاحتجاج أمام السفارات ومحاولة اقتحامها. الإحباط هنا كان خطراً جداً، ولم نكُن نريد لرجال الأمن أن يصطدموا مع أي من المواطنين المحتجّين، وبالفعل فقد خرجت مظاهرة نسائية، وعند منعها من الوصول للسفارة الأميركية، تمّت المواجهة مع الأمن، الذي لا يريد منْع الاحتجاجات، لكنَّهُ لا يريد لأي مظهر من مظاهر الانفلات الأمني، أن يكون موجوداً.
وفِي جلسة علنية لمجلس النواب، قلت يومها إنَّ الحكومة لا ترى أنّ خروج العراق من الكويت هزيمة، فمبدأ الانسحاب كان وارداً منذ مطلع الأزمة، وأضفت أنَّ الحسين اتَّصل بالرئيس صدام، الذي أكد له أنه سينسحب خلال بضعة أيام، وعاد الحسين ليطلب من صدام تحديد موعد للانسحاب مقابل القمّة المصغَّرة، وأنّ مجلس قيادة الثورة اتخذ قراراً بالموافقة على بدء الانسحاب في تمام الساعة السابعة من صباح الأحد 6 أغسطس (آب) 1990، أي أنّ الانسحاب كان قراراً متَّخذاً منذ بداية العمل العسكري.
تحدَّث البعض ببلاغة ومُبالغة، أنَّنا قدَّمنا مساعدة عسكرية للعراقيين في تلك المرحلة، وأنا أؤكد أنَّ مثل هذا الأمر لم يحصل، على الرّغم من أنَّ العراقيين طلبوا مساعدتنا على تدريب ضباط عراقيين على توجيه وإطلاق صواريخ «هوك»، كانوا قد نقلوها إلى العراق من الكويت خلال احتلالها، ونظراً لطول المدّة اللازمة لتدريب ضباط على التَّعامل مع هذه الصواريخ، فقد طلب العراقيّون منّا إرسال ضباط أردنيين إليهم، ولم تتمّ تلبية الطَّلب، لكنَّ الجيش العراقي تعاقد مع ضبّاط أردنيين متقاعدين بشكل شخصي ومباشر.

إدارة الأزمة

كان موقفنا واضحاً في حينه، فنحن كنّا مع الحلّ العربي للأزمة، ولم نرِد أي تدخُّل أجنبي لحلّ القضية، وقد التزمنا بعدم الدُّخول بالتَّحالف الدولي ضد العراق لهذا السبب، وموقفنا حتى اللحظة، يجب أن يوضَّح، لأنَّ الكثير من الأشقاء والأصدقاء ظلمونا على هذا الصعيد، كل ما قمنا به هو تشكيل خليّة تفكير في الأزمة بأبعادها، وكان الراحل الحسين يطلعنا أولاً بأول على تحليلاته لآفاق الأزمة، ونتشارك في تقدير الموقف، وبناء عليه نقترح كيفيّة التصرُّف.
في تلك المرحلة، بعد الاحتلال بأيام قليلة، أنهينا صيغة الرِّسالة الموجَّهة لمجلس الأمن الدولي، وأبلغنا الأميركيين أنَّنا سنستمرّ بتصدير الأرزّ والقمح والسكَّر والزيوت واللحوم للعراق، وهي مواد غذائية أساسية، كما سنستمرّ باستيراد النفط من العراق، علماً بأنّ حصاراً قد فُرض ضدّ أي تصدير أو استيراد من العراق.
صحيح أنَّ تقديراتنا كانت متشائمة لتطوُّر الأزمة، لأنَّنا كُنّا موقنين برفض المجتمع الدولي للحل السياسي، وأنَّ المطلوب هو الحل العسكري، لكن ما كان يطمئننا قليلاً هو أنَّ إيران نأت بنفسها عن الأزمة، بل إنَّ علاقتها مع العراق بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية شهدت تحسُّناً، فلو اقتربت المصالح الإيرانية الأميركية، لكانت الكارثة أكبر من قدرة المنطقة على الاحتمال.
مع امتداد الأزمة تحمَّلنا أعباء اقتصادية وأمنية هائلة، فقد كانت هناك مخاوف كبيرة، وبدأ الهجوم على المواد الغذائية، لأنَّ هناك مخاوف عند المواطنين من التعرُّض للعدوان. من النّاحية التموينية، كنّا على اطِّلاع في مجلس الوزراء، أوّلاً بأوّل، على مخزوننا من المواد الغذائية، وكنا ندرك أن مخزوننا يكفينا لستة أشهر، باستثناء السُكَّر لشهرين ونصف الشهر فقط.
أمّا عن الوضع المالي، فقد كان مرعباً حقاً، ففي أوّل الأزمة، تمّ سحب ودائع دينار وعملة أجنبية، حيث تمّ في خلال ساعتين سحب 8 ملايين دينار، والدولار صار شبه مفقود كنقد، وبلغ سعر صرفه 74 قرشاً، وزاد من تعقيد الظَّرف أنَّ علاقاتنا المالية مع العراق توقَّفَت بفعل الحرب، وأموالنا في البنوك الخليجيّة مجمَّدة لأنَّ الأزمة على أشدّها.
وعلى الصَّعيد العربي، سعَيْنا لحراك دبلوماسي يطالب بعقد مؤتمر لوزراء خارجيّة الدول الداعية للحلّ العربي في عمّان؛ الأردن واليمن والسودان والجزائر وليبيا والمغرب وتونس، بناءً على رغبة العراق. والهدف كان كسر الحصار السياسي على العراق. في تلك الفترة، رفضنا تطمينات طارق عزيز، وتأكَّدنا أنّ المصدر الوحيد للمعلومات هو الإعلام الغربي.
كُنّا يومها نتعامل مع العراق، بعد تدميره كاملاً، وكانت التَّقديرات بعد الانسحاب تشير إلى إفشاء معلومات وتسريبها من العراق، وتحديداً معلومات عسكرية، وكانت الشُّكوك تتَّجه نحو الاتحاد السوفياتي. كما أنَّ البصرة والتدخُّل الإيراني ولجوء ستة آلاف عراقي لإيران، كان تحدِّياً أمنيّاً خطيراً يهدَّد وحدة الأراضي العراقية، بينما لا أعلم مدى دقّة المعلومات، التي تحدَّثَت عن بدء انسحاب العراق من الكويت قبل الهجوم البرّي، لكن القصف المستمرّ خلال مائة ساعة، أدى إلى تدمير كبير، وتسبَّب في اهتزاز معنويّات العسكر، وشعورهم بالهزيمة.
حتى اللحظة الأخيرة ما قبل الحرب البرِّية، ظلَّ العراقيون يعيشون تحت انطباع أنَّ المبادرة الروسيّة ستكون فاعلة، وسيقبلها الأميركيّون، بينما الانطباع السائد لدينا أنّ أميركا تريد انسحاب العراق من الكويت دون شروط، وأن يوافق على جميع القرارات، بينما القوات الأميركية كانت تستعدّ للهجوم خلال ساعات. الخسائر كانت هائلة، أذكر ما سمعتُه من وصف عن معركة الدبّابات، التي ارتُكبت فيها مجزرة، وسقط نحو ألف وخمسمائة جندي عراقي، بين شهيد ومُصاب، وما قيل عن معركة اهتزَّت الأرض فيها، نتيجة قوَّة الضَّرب بين الجانبين العراقي والأميركي.
ومنذُ أن بدأ الهجوم البرّي، بدا واضحاً ضعف الجبهة العراقيّة، التي فقدت اتِّصالاتها بالقوّات المتقدِّمة، وذلك كان نتيجة تأخُّر الاتِّصال بين القيادة السياسية والعسكرية، وبدأ العراقيون يفقدون الاتِّصال فيما بينهم.
في الأردن الرَّسمي، تمَّ توثيق موقفنا في الكتاب الأبيض الذي أعدَّه الديوان الملكي بجهود من سياسيين وإعلاميين ومؤرِّخين، وهذا الكتاب يثبت سعْي الأردن لتأمين الانسحاب العراقي من الكويت قبل فوات الأوان، وفيه رسالة تاريخية تباينت المواقف حولها، وأصر الراحل الحسين على إرسالها لصدام من أجل تأمين الحلّ العربي العربي الذي أفشله الكثيرون.
 



«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
TT

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات لا سيما في ظل شكاوى مصريين من ظروف اقتصادية صعبة ومحاولات حكومية لتخفيف وطأتها.

وأعلن هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ«مجموعة طلعت مصطفى» المصرية، خلال مؤتمر صحافي بحضور رئيس الوزراء، مساء السبت، عزم المجموعة بناء مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار) على مساحة نحو 2.4 مليون متر مربع، تجمع بين الوحدات السكنية والمرافق التجارية والفندقية والتجزئة والترفيه والمساحات الخضراء.

وتحمل المدينة اسم «ذا سباين»، ويجري تطويرها بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).

مدبولي خلال كلمته عن المشروع (مجلس الوزراء)

وأثار المشروع جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن تمويله. وبينما انتقد عدد من الرواد هذا الكم من الاستثمارات في بناء «مدينة فارهة» تضاف إلى مثيلاتها اللاتي «لا يستطيع غالبية المصريين السكن فيها»، وإلى نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بحسب بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء»، دافع آخرون عن المشروع، وعدُّوه وسيلة لتحقيق التنمية والرواج الاقتصادي، وأرجعوا الجدل بشأنه إلى أن تمويله مصري على عكس مشروعات أخرى لمدن فارهة تنفَّذ باستثمارات عربية.

وأشار عدد من رواد مواقع التواصل في تعليقاتهم إلى أن «المبلغ المعلن هو إجمالي ما سينفَق على المشروع خلال مدة تنفيذه التي قد تتجاوز 10 سنوات»، لافتين إلى أن «جزءاً من تمويل المشروعات العقارية عادة ما يعتمد على ما يدفعه الراغبون في شراء وحدات فيه من مقدمات حجز وأقساط».

وكتب أحد المعلقين أن «المشروعات الضخمة مثل (ذا سباين) لا تؤثر في قطاع واحد فقط، بل تُنشّط الاقتصاد بشكل متكامل، وتسهم في تنويع مصادر الدخل».

وعدَّ المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إطلاق المشروع «ناسفاً ادعاءات انهيار الاقتصاد» المصري.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد أكد في كلمته خلال إطلاق «ذا سباين» أن «المشروع يحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة»، مشيراً إلى توقيع عقود مشروعات كبرى مماثلة في القاعة نفسها من قبل، بينها مشروعات في الساحل الشمالي في إشارة إلى (مشروع رأس الحكمة باستثمارات إماراتية)، لافتاً إلى «أن الشيء المهم جداً هو أننا نطلق هذا المشروع العالمي بكل المقاييس، في خضم حروب وصراعات جيوسياسية بهذا الحجم الكبير، تفرض حالة من عدم اليقين بالمستقبل، أو عدم استشراف شكل المنطقة أو العالم».

وقال مدبولي إن «المشروع سيوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، كما يضع مصر في مصاف الدول التي استثمرت بصورة كبيرة للغاية في إنشاء مثل هذه النوعية من المراكز التي تسمى مراكز مالية وإدارية وتجارية».

وعدّ الإعلان عن المشروع «دليلاً على أمن مصر، لا سيما أنه ينطلق في خضم أوضاع عالمية وإقليمية تخلق حالة من عدم اليقين».

وتشهد حركة البناء والتشييد نمواً ملحوظاً في مصر، لا سيما أن كثيراً من المصريين يعدون العقارات مخزن قيمة تتزايد أهميته في ظل ظروف عدم اليقين الحالية.

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن «السوق العقارية أحد القطاعات النامية بقوة في مصر»، موضحاً أن «حجم الاستثمارات المعلن في (ذا سباين) هو قيمة المبلغ الذي سينفَق على إنشاء المشروعات في مدى زمني يصل إلى 15 عاماً، كما أن جزءاً من التمويل سيكون من مقدمات الحجز، كما هو الحال في معظم المشروعات المماثلة».

وأضاف بدرة لـ«الشرق الأوسط»: «العقار هو الملاذ الآمن للمصريين، وهناك طلب على هذا النوع من المشروعات، سواء في الداخل أو من الخارج (أجانب ومستثمرين)»، لافتاً إلى أن شركات العقارات الكبرى «لن تقدم على مشروع بهذا الحجم دون دراسة تؤكد أن السوق تسمح، وتحتاج للمزيد»، وأكد أن «الحديث عن فقاعة عقارية في مصر ليس له أساس».

يتفق أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر» للتسويق العقاري، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر دولة نامية، ومن طبيعة الدول النامية أن تشهد نمواً في السوق العقارية تزامناً مع نموها السكاني».

وأضاف: «هناك تباين في حجم الطلب خلال الربع الأول من العام الحالي بين شركات حققت نمواً ومبيعات كبيرة، وأخرى شهدت ركوداً، معظمها من الشركات حديثة العهد بصناعة العقار»، مرجعاً التباين إلى «حالة عدم اليقين التي رافقت الأحداث الجيوسياسية»، لكنه أكد أن «حجم الطلب والمبيعات يشهد نمواً لدى الشركات ذات الخبرة الطويلة التي تنفذ مشروعات كبرى على غرار (ذا سباين)»، وتابع: «مشروعات المدن الكبرى تخاطب عادة الشرائح العليا من المجتمع والمستثمرين والأجانب».


الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
TT

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

وصف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين، وذلك في ختام زيارة استمرت 4 أيام.

وقال ولد الغزواني في تدوينة على منصة «إكس»: «في ختام زيارة الدولة التي قمت بها إلى فرنسا، أود أن أعرب عن خالص امتناني لصديقي فخامة الرئيس إيمانويل ماكرون على حفاوة الاستقبال، وثراء المباحثات التي جمعتنا».

وأضاف: «‏لقد شكلت هذه الزيارة محطة مهمة في تعزيز شراكة دولتينا، القائمة على الثقة والطموح ورؤية مشتركة لمواجهة التحديات الكبرى في عصرنا».

الرئيس الفرنسي وقرينته لدى استقبال رئيس موريتانيا وقرينته (الرئاسة الموريتانية)

وكانت الرئاسة الموريتانية قد احتفت بالزيارة، وقالت إنها المرة الأولى التي يقوم فيها رئيس موريتاني بزيارة دولة إلى فرنسا منذ 64 عاماً. وبدا واضحاً أن الهدف منها هو تأسيس «شراكة استراتيجية» بين البلدين، وسط تراجع النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا والساحل.

وعقب استقباله في قصر الإليزيه، أشاد ماكرون خلال مؤتمر صحافي بمستوى العلاقات بين البلدين، ووصف موريتانيا بـ«الشريك الأساسي» لفرنسا.

«آخر الحلفاء»

حظيت زيارة الرئيس الموريتاني إلى باريس باهتمام الإعلام الفرنسي، حيث كتبت صحيفة «ليبراسيون» أن ماكرون يسعى لتعزيز العلاقات «مع آخر حلفائه في منطقة الساحل»؛ في إشارة إلى القطيعة بين فرنسا وأغلب مستعمراتها السابقة في الساحل، خصوصاً مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وظهور تيارات سياسية معادية لفرنسا في منطقة غرب أفريقيا، لصالح الصعود الروسي والصيني.

وقالت الصحيفة إن باريس ونواكشوط تربطهما «علاقات تعاون عسكري طويلة الأمد»، مشيرة إلى أن هذا التعاون استمر على الرغم من أن موريتانيا لم يسبق لها أن احتضنت أي قاعدة عسكرية فرنسية.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

أما صحيفة «لو موند» فقد نشرت موضوعاً تحت عنوان: «آخر حليف موثوق به لفرنسا في منطقة الساحل... الرئيس الموريتاني يرغب في تعزيز تعاونه العسكري مع باريس»، وأشارت إلى أنه بعد طرد القوات الفرنسية من دول الساحل «باتت موريتانيا تقدم نفسها كآخر حليف متبقٍّ لفرنسا في المنطقة».

في السياق نفسه، نشر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية موضوعاً تحدث فيه عن العلاقات بين فرنسا وموريتانيا، ورأى أنها «نموذج للعلاقات الهادئة بين باريس ومستعمرة سابقة»، مضيفاً أن ولد الغزواني «حليف موثوق به في منطقة عانت فيها فرنسا انتكاسات كبيرة في السنوات الأخيرة».

الحضور الاقتصادي

رغم التركيز الكبير والواضح على الملف الأمني والتعاون العسكري بين باريس ونواكشوط، كان الجانب الاقتصادي حاضراً هو الآخر بقوة، حيث شهدت الزيارة سلسلة من اللقاءات الاقتصادية رفيعة المستوى، ركزت على تعزيز الشراكة الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون بين البلدين.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في قصر الإليزيه بباريس (الرئاسة الموريتانية)

وافتتح الرئيس الموريتاني من باريس المنتدى الاقتصادي الموريتاني - الفرنسي، حيث دعا إلى توسيع الاستثمارات الفرنسية في بلاده، خصوصاً في القطاعات الحيوية كالتعدين والطاقة والبنى التحتية، مؤكداً أن موريتانيا توفر فرصاً واعدة ومناخاً استثمارياً جاذباً.

وزار ولد الغزواني مدينة بريست الفرنسية، حيث اطَّلع على تجارب فرنسية في مجال الصناعات والبحوث البحرية، بما في ذلك زيارة شركة «PIRIOU» والمعهد الفرنسي لعلوم البحار.

مكانة دولية

الوزير الأول الموريتاني، المختار ولد أجاي، وصف الزيارة بأنها «محطة ناجحة وموفقة»، وقال إنها «عكست مستوى متقدماً من علاقات التعاون بين البلدين».

ونشر ولد أجاي تدوينة على «فيسبوك» قال فيها إن الزيارة «دليل جديد على المكانة التي باتت تحتلها موريتانيا على الساحة الدولية»، مشيراً إلى أن ماكرون قدم موريتانيا على أنها «نموذج في تبنِّي نهج قائم على الاستقلال الاستراتيجي والمسؤولية».

وخلص الوزير الأول إلى أن نتائج الزيارة من شأنها تعزيز الشراكة بين البلدين، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات؛ بينما لم يصدر أي بيان مشترك حول نتائج الزيارة.

علاقة مضطربة

ترتبط موريتانيا وفرنسا بعلاقات شديدة التعقيد، بدأت منذ بداية القرن العشرين حين دخلت فرنسا الأراضي الموريتانية كقوة استعمارية، ولكنها منحتها الاستقلال عام 1960.

غير أن قوى معارضة آنذاك ظلت تعد ذلك الاستقلال «شكلياً»؛ لأن الإدارة وقيادة الجيش والأمن كانت بيد الفرنسيين، كما أن الثروات المعدنية هي الأخرى كانت تهيمن عليها شركات فرنسية، جرى تأميمها فيما بعد، في عام 1974.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي بباريس (الرئاسة الموريتانية)

ومنذ الاستقلال، مرت العلاقات بفترات من التقلب، وصولاً إلى ذروة التوتر عام 1999 حين طردت موريتانيا المسؤولين العسكريين الفرنسيين وقوات كانت تتولى مهام تدريب وتأطير العسكريين الموريتانيين. وجاء القرار على خلفية اعتقال ضابط موريتاني في باريس في إطار اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان.

وعادت العلاقات بين البلدين إلى التهدئة ثم القرب الوثيق، خصوصاً مع تصاعد خطر الإرهاب والتطرف في منطقة الساحل، وموجة الانقلابات في دول الساحل، وطرد القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، ثم خروجها فيما بعد من كوت ديفوار والسنغال، وفقدان باريس كثيراً من مراكز قوتها التقليدية.


مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تشدد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح وزير خارجية دولة الكويت الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

جددت مصر التأكيد على رفضها القاطع لأي اعتداء على الكويت أو أي دولة عربية. وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأحد، خلال استقباله وزير خارجية الكويت الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، أن «أمن الكويت وسائر الدول العربية هو امتداد طبيعي لأمن مصر القومي»، حسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «دعم مصر الكامل لأمن واستقرار الكويت ولما تتخذه من إجراءات لحماية مقدرات شعبها».

ونقل بيان الرئاسة المصرية تثمين وزير الخارجية الكويتي «المواقف التاريخية لمصر في دعم أمن وسيادة واستقرار الكويت، ووقوفها الدائم إلى جانب أمن دول الخليج العربي»، معرباً عن «تطلع بلاده إلى تكثيف التشاور والتنسيق مع مصر، بما يسهم في الحفاظ على السلم والاستقرار الإقليمي وصون أمن الدول العربية».

وعقد السيسي جلسة مباحثات مع وزير الخارجية الكويتي تناولت تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، لا سيما الاستثمارية والتجارية، حسب الإفادة. كما عقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الكويتي جراح الصباح جلسة مشاورات سياسية تناولت الجهود الرامية إلى وقف التصعيد وإنهاء الحرب، ومستجدات المفاوضات الأميركية - الإيرانية، حسب المتحدث باسم الخارجية المصرية.

محادثات مصرية - كويتية موسعة الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وجدد عبد العاطي التأكيد على «موقف مصر الثابت والداعم لدولة الكويت»، معرباً عن «إدانة القاهرة الكاملة للاعتداءات التي استهدفت أمن واستقرار دولة الكويت، والرفض التام لأي محاولات للمساس بسيادتها».

كما أطلع وزير الخارجية المصري نظيره الكويتي على نتائج زيارته الأخيرة إلى واشنطن والاجتماع الرباعي الذي عُقد السبت في أنطاليا لوزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا، مشيراً إلى «تأكيد مصر على أهمية مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية». وشدد عبد العاطي على أن «أمن الكويت يُعد جزءاً لا يتجزأ من أمن مصر»، مؤكداً أهمية تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين الدول العربية لمواجهة التحديات الراهنة.

وعلى صعيد العلاقات الثنائية أعرب الوزيران عن التطلع لعقد الدورة الرابعة عشرة للجنة المشتركة بين البلدين قبل نهاية العام الحالي، بما يسهم في دفع مسارات التعاون المشترك إلى آفاق أرحب، حسب السفير تميم خلاف.

وأكد عبد العاطي «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية»، منوهاً إلى «الفرص الواعدة التي يجب اغتنامها في قطاعات البنية التحتية والتطوير العقاري والصناعة والطاقة»، ومشيراً إلى «ضرورة تعزيز التعاون الثلاثي في القارة الأفريقية بالتنسيق مع الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والصندوق الكويتي للتنمية».

وزيرا خارجية مصر والكويت يترأسان مشاورات سياسية في القاهرة ويؤكدان عمق العلاقات الأخوية بين البلدين (الخارجية المصرية)

بدوره، أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن أهمية زيارة وزير الخارجية الكويتي للقاهرة، كونها تأتي بعد الاجتماعات التي عقدت في أنطاليا بشأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «عبد العاطي أطلع نظيره الكويتي على تفاصيل ما دار في اللقاءات بشأن إنهاء الحرب، لا سيما مع تعرض الكويت لاعتداءات خلال الحرب».

وأشار إلى أن «المشاورات بين الجانبين تأتي في إطار التنسيق المشترك، وتأكيد التضامن المصري مع الكويت ومع دول الخليج بشكل عام في مواجهة أي اعتداءات».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد حجازي، أن زيارة وزير خارجية الكويت للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية دقيقة، تتقدم فيها الأزمة مع إيران إلى صدارة مشهد التهديدات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الزيارة لا تندرج ضمن الروتين الدبلوماسي، بل تعكس إدراكاً مشتركاً لضرورة بناء مقاربة عربية متماسكة لإدارة التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة».

وأشار حجازي إلى أن «العلاقة المصرية - الكويتية مرشحة للانتقال من مستوى التشاور إلى مستوى التنسيق التنفيذي، ويتجلى ذلك في ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولاً، توحيد التقديرات الاستراتيجية بشأن التهديدات الإيرانية، وثانياً دعم الجهود الدولية الرامية إلى تأمين الملاحة في الخليج دون عسكرة مفرطة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ثالثاً تعزيز التنسيق الاقتصادي، خصوصاً في مجالات الطاقة والاستثمار، لتخفيف آثار أي اضطرابات محتملة في الإمدادات».

وقال إن «زيارة الوزير الكويتي إلى القاهرة تمثل خطوة متقدمة نحو بلورة مقاربة عربية عقلانية، تسعى إلى احتواء التصعيد مع إيران دون التفريط في محددات الأمن القومي العربي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended