لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

كتّاب باتوا بلا منازل

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة
TT

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

من الصعب على اللبناني اليوم، أن يكتب عن عاصمته المنكوبة. إنه ليس وقت الكتابة، بل هو زمن للصمت والحزن والحداد، ولا يزال أهالي المفقودين يبحثون عن أشلاء أولادهم تحت الحطام. بعض الكتّاب باتوا بلا منازل بعد أن تحطم كل شيء، منهم من يلملون أجزاء بيوتهم التي تهاوت، منهم من فقدوا حبيباً أو صديقاً أو قريباً. بيوت بيروت في غالبيتها فقدت نوافذها وأصبح الناس معرضين للعراء. في هذه الأجواء، تصبح الكتابة فعل مقاومة أو فعل غضب. أو هي مجرد تأمل في سوريالية باتت تتجاوز الجميع. في لحظة واحدة طارت بيروت «ست الدنيا» ثم عادت واصطدمت بالأرض، وحلّ الخراب. الكتابة عن بيروت، من بيروت ليست سهلة، وهذه المساهمات التي تنشر اليوم، هي خارجة من قلب الصدمة.
أمين ألبرت الريحاني: أكتب
ولا أدري ماذا أقول
بقلب حزين وعين دامعة وغضبٍ «ساطع»، وبعد أيام على فاجعة تفجير بيروت وتدميرها، أجدني مختلياً بنفسي أكتب ولا أدري ماذا أقول. أحاول الابتعاد عن كل انفعال وكل ميل وهوى لأتساءل: هل أصرخ مع الصارخين بوجه أهل السلطة؟ هل أُذَكِّرُهم بأن الناس ما عادوا يتحملون كلامهم على الشاشات الصغيرة، هنا يُعلَن «الحداد الرسمي»، وكأن المسألة تتوقّف عند الحداد على الضحايا، ضاربين عرض الحائط كرامات الناس وحقوقهم ومطالبهم وعدالتهم ومستقبلهم ومستقبل أولادهم، أو أن المسألة رهن بصفة هذا الحِداد ما إذا كان «رسميّاً أم غير رسمي». ما قيمة كل هذه التفاصيل الشكلية حين تكون الدولة مستهترة، إلى هذه الدرجة، بحقوق الناس وكراماتهم؟ ما قيمة الشكليات حين تضرب الدولة عرض الحائط العدالة المنتظَرة وحماية المواطن من كلّ أذى لَحِقَ، أو قد يلحق به؟ هذا الاستخفاف بالمواطنين يطرح العديد من الأسئلة الجوهرية في معنى الحكم ودوره ومنافعه وحقيقة وجوده.
الدولة إمّا أن تكون في خدمة المواطن أو لا تكون، إمّا أن تسهم في عمليّة النمو الاجتماعي والاقتصادي والتربوي أو لا تكون. أي إمّا أن تكون دولة أو تصبح مغارة للصوص. وأهل الدولة، أهل السلطة، إمّا أن يتسابقوا على تعزيز الشأن العام، كما هو حاصل في البلدان المتقدّمة، أو يجدوا أنفسهم في «تناتش» السلطة ومكاسبها، وفي «كباش»، واحدهم مع الآخر، لكسب الصفقات وتوزيع المغانم... لذا تجدهم في تَذاكٍ دائم، وفي مزايدات لا تنتهي، والنتيجة تراجع مؤسسات الدولة وتقهقرها. واللافت أنّ أهل السلطة، في مزايداتهم وتذاكيهم، يرُدّون الفساد إلى ثلاثين سنة خلَت ظنّاً منهم أنّهم بذلك يرفعون المسؤولية عن كاهلِهِم ليلقوها على الآخرين، والآخرين الأبعدين. في حين أنّ الفساد المستشري قد نشط بشكل مباشر ووقِح منذ عشر سنوات وبدأ الانهيار الاقتصادي منذ نحو خمس سنوات. فميزان المدفوعات حتى عام 2010 كان يحمل مؤشرات إيجابية، ونسبة الصادرات بالمقارنة مع الاستيرادات كانت شبه متوازية ومتوازنة. ويجب أن نُذَكِّر بأننا في عام 1963، في عصرنا الذهبي، صُنِّفَ لبنان الرابع عالميّاً في النمو الاقتصادي بعد الولايات المتحدة الأميركيّة، وفرنسا، وسويسرا. إذن ما الذي كنّا قادرين عليه منذ ستين سنة تقريباً، ولم نعد قادرين عليه اليوم؟ صحيح أننا مررنا بحروب إقليمية وحروب الآخرين على أرضنا ولكن كلّ ذلك لا ينفي قدرة معيّنة كُنّا نتمتع بها جماعيّاً ووطنيّاً وافتقدناها اليوم. ما هو سحرُ ذلك العصر الذهبي الذي نجحنا في تنفيذه عهدذاك وأخفقنا في تنفيذه في هذا العهد؟
الدولة في بلاد الناس، هي التي تتكّل على أخلاقها قبل الاتكال على دستورها وقوانينها وأنظمتها. الدولة في بلاد الناس، دستورها الأخلاق، وقانونها الأخلاق، ونظامها الأخلاق.
الدولة عندنا في تخبّط وضياع لأننا عاجزون عن اتخاذ قرارات حاسمة حول أي مشكلة تواجهنا. والسبب في ذلك سببان: الأول: أنّ منطق التراضي والاسترضاء ما زال يغلب على كلّ اعتبار آخر. والثاني: أنّ منطق تغليب المصلحة الوطنية ما زال ضعيفاً أو غائباً كلّ الغياب.
والدولة في بلاد الناس، تحزم أمرها من البداية، فبعد تقديم الملفات المكشوفة والأهداف المكشوفة والأرقام المكشوفة، حول أي قضيّة من القضايا أو حول أي مشروع من المشاريع، تكون مستعدة للحسم في أمر قراراتها بلا تردد وبلا هوادة فالقرار يصدر بسرعة (من دون تسرّع)، والاستقالة عند الضرورة فورية، والفعل دائماً يسبق القول. لذا فالفعل في المواقف الوطنية لا يعرف صيغة المستقبل (سنفعل وسنُنشِئ وسوف نُنَفِّذ) بل يباشر دائما بصيغة الماضي (فعلنا وأنشأنا ونفّذنا) والقول يأتي دائماً بعد الفعل وليس العكس، لأنه لا قيمة للقول الذي يسبق الفعل.

إيمان حميدان: لا نريد سوى أن نؤلف الشعر والموسيقى
أنا في المترو للقاء ابنتي، حين شعرت بهاتفي الصامت يهتز. رأيت اسم صديقة لم أسمع منها منذ أشهر. لم أردّ. ترَكَت رسالة «كوني بخير مع عائلتك في بيروت. إنها فاجعة. طمّنيني»... رسائل متتالية من أصدقاء وصديقات، فيما بدأتُ أبحثُ عمّا حدث في بيروت وأتلقى الصور والأفلام... إنها أكثر من فاجعة، بيروت تحت الأنقاض، ضربة أبوكاليبتيكية. حدث جلل يتجاوز خيالي أنا التي عشت الحروب الأهلية والعنف لسنوات. إلا أن ما حدث في مدينتي مساء 4 أغسطس (آب) لا يشبه ما عشناه سابقا بشيء. إنها 11 أيلول بيروت، هيروشيما بيروت.
أقضي الليل مع ابنتي نتصل بأفراد العائلة ونطمئن على الأصدقاء. ليلة بيضاء تتخللها كوابيس قصيرة أخاف أن أرويها.
بيروت، لماذا يكرهونك إلى هذا الحد؟ لماذا عليكِ، أنت التي على صورتنا، أن تُدمّري مرّات ومرّات؟ متى سيشبعون؟ متى سيحوّلون كرههم وأمراضهم عنك ويتركوننا بسلام؟ لماذا كتب على أطفالنا أن يولدوا في الحرب ويكبروا في الحرب ويهاجروا، هذا إن لم يموتوا، في الحرب؟ لماذا كُتب على لبنان أن يبقى في عين العاصفة الدولية والإقليمية؟
كفى! نريد أن نحيا بسلام، أن ننتج بحرية ونبدع ونكتب ما نفكّر به. أن نرسم ونغني ونؤلف الشعر والموسيقى.
اتركوا لنا لبناننا الذي نريد، وخذوا حقدكم وكرهكم وارحلوا!
اتركوا لنا بيروتنا الغارقة في دمها ودمارها. اتركوها!
نحن، فقط نحن، سنبنيها من جديد.

جنى الحسن: أخجل من الاعتراف
بيروت... أحبك ولكن لا ضوء في آخر هذا النفق. مرّ انفجار بيروت وأنا على بعد مئات آلاف الأميال عن المدينة. بعيدة جداً بالمسافة. بعيدة بقرارٍ شخصي اتخذته منذ خمسة أعوام لأنّ هذه المدينة أرهقتني. أن ترهقنا أوطاننا لا يعني أنّنا توقفنا عن حبّها، بل إن الألم الذي تسببت لنا به كان أقوى من أن نستمر بالعيش فيها
أنا الهاربة من الانفجارات وقطع الكهرباء المستمر والجدالات السياسية العقيمة والطائفية والنفايات والتضخم الاقتصادي والبطالة وغياب العدالة ولائحة لا تنتهي من المشاكل التي تثقل كاهل اللبنانيين. أراقب الانفجار عن بعد وأجد نفسي عالقة بين إحساسين، الأوّل يتمثّل بالغضب والحزن، يتماشى معه شعورٌ رهيب بالعجز، والثاني والذي يؤرقني فعلياً ويشعرني بالخزي بشكلٍ أو بآخر، ولكن سأعترف به لأنّه موجود، وهو شعوري بالخلاص وبأنّني ناجية من «جحيم» الوطن.
الشعور الثاني هو فعلياً ما أخجل بالاعتراف به حتّى لنفسي، فكيف سأقول إنّ جزءاً منّي، يشعر بأنّي محظوظة لأنّي حظيت بفرصة الرحيل. ثمّ أتذكر أنّني لست المهاجرة الوحيدة. الذين هربوا من هذه البلاد هم فعلاً أكثر من الذين بقوا فيها. وربما معظم من بقوا هناك إمّا ندموا أو لم تأتهم فرصة الرحيل.
أنا لا أتباهى بالرحيل، فهو مؤلمٌ كثيراً. ألمه على قدر الخيبة. والخيبة شعورٌ قاتم، كعنكبوتٍ ينسج خيوطه حول القلب، فيجد الأخير نفسه يعتصر كلّ الوقت بحرقة، ويبقى نزفه داخلياً، عاجزا حتى عن الصراخ. لا يمكنني أن أشاهد كلّ صور الموتى التي أتت من بيروت، لا أريد ذلك. لا أريد أن أرى غضب الناس الذي لا يستجيب له أحد، لأنّي محبطة. وأعرف أن الإحباط ليس الحل، لكن هذا ما أشعر به.
حكايات الموت في هذا البلد لا تنتهي. والصراعات تصبح أحياناً نمط حياة، نألفها بشدة لدرجة أنّنا لا نعود قادرين على إدراك مدى كونها غير طبيعية وكم يمكن أن تكون تأثيراتها سلبية.
وها هو جرحٌ جديد وعميق وآخر. وليس هذا أسوأ ما في الأمر، الأسوأ هو أنّه على الأغلب لن يكون الأخير. لا ضوء في آخر هذا النفق. لقد اعتقدنا أننا رأيناه العام الماضي، حين نزل اللبنانيون إلى الشوارع في مظاهرات سلمية كان وجهها الأبرز الحب وهتافات الحرية والمطالبة بالعيش الكريم. كان ذلك الضوء الذي رأيناه، طرابلس التي رقصت على موسيقى التكنو لتصرخ أنّها ليست مدينة اشتباكات وبيروت التي تخلّت عن أي صبغة طائفية والنبطية، وخلعت عباءة الزعيم ومشاهد أخرى أضاءت لنا شعوراً بأنّه قد يصبح لنا يوماً وطن.
ولكن تلك المشاهد زالت وحلّ مكانها العنف والتكسير، وتلا ذلك شعور بالانهزام في داخل الكثيرين، كأنّه محكوم على هذا البلد الصغير بأن يبقى رهينة من يعبثون به.
الانفجار ليس وحده المأساة. قد يكون ربما دويّها الأشدّ، ولكنّ يوميات الحياة في لبنان هي انفجار صامت تحرق نيرانه السكّان.
من على بعد آلاف الأميال... أرى بلداً يحترق، حكاما يقتلون شعبهم، وشعبا يتمسّك جزء منه بهؤلاء الحكام. بلدٌ يحترق، يحرق معه أبناءه الذين يحبونه بشدّة ولكنّ بعضهم تعبوا من هذا الحب، لا يريدون أن يتصدّروا نشرات الأخبار ولا أن يلملموا الجراح ويستمروا بالصمود. الصمود يجب ألا يتحوّل إلى أسلوب حياة. يريدون فقط أن يعيشوا ببساطة وبأمان، فهل هذا ممكن؟
بيروت، أنا أحبّك وأدين لك بالكثير. أنت وأنا، كلانا نعرف أنّنا تشاركنا لحظات كثيرة حميمة معاً، ضحكنا وتألمنا وفرحنا وبكينا. وأنتِ تؤلمينني كثيراً وأنا أراكِ هكذا ولا يمكنني أن أفعل لكِ شيئا. وأنت تعرفين أنّي أحاول أن أخرجكِ من تفكيري لأنّكِ منهكة. وأنا أبحث لكِ عن الخلاص، ولا أجده، وأحياناً أحسبكِ وهماً وأحياناً أخرى مارداً قادرا على النهوض من بين الركام.
بيروت أنا أحبّك وأحاول من على بعد آلاف الأميال، أن أجدكِ وأمدّ جسراً إليكِ ولكنّي لا أرى هذا الضوء في آخر النفق. وربما كل ما تحتاجين إليه الآن ليس الحل، بل أن أضيء شمعة لأجلك. هذا ما سأفعله لكِ وأعدك يوماً أنّي سأجد لك طريقة لأعبّر لك بها عن هذا الحب. حتّى ذلك الوقت، كوني بخير ولا تحزني.

سليمان بختي: بيروت 2020 و2750 طنا من الياسمين
هذه بيروت. مدينة ولدت فيها ونشأت وتعلمت وعملت وحلمت. ومشيت فوق ترابها مع جدي وأبي وابني وأمني النفس أن أمشي فيها مع أحفادي وأموت فيها
هي مدينة الأفق والأمل إذا سكنتها مرة سكنتك إلى الأبد. وإذا غبت عنها أو تأخرت قليلاً تركت لك الباب مفتوحاً للعود الأبدي. اليوم، ينام معنا السؤال كيف ننقذ بيروت. كيف؟ ونحن لا نعيش بل ننجو. وبيروت لا تعتم تعطيك من روحها وتوسع لك مطرحاً فكيف ترد. في الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 افتدى صنوبر بيروت أرز لبنان. وفي انفجار بيروت عام 2020 افتدى أهل بيروت المدينة بأرواحهم. كم صعبة ومعبرة صورة الأم التي ولدت الطفل في غرفة مدمرة في مستشفى مدمر. هكذا تولد الحكاية. يولد الأمل. تولد بيروت.
كم صعبة ومؤثرة صورة اليمامة الميتة النائمة على أوتوستراد المرفأ، وكان لها حصة من فنجان قهوتنا كل صباح في البلد.
وبيروت لا ترمى بوردة وليس بـ2750 طنا من المواد المتفجرة وعنابر الزيت وهي التي اعتادت أن تغدق أطنان الياسمين وينتشر العبير في ضفاف المتوسط. ولم يبق من وهم المدن المشرقية المتوسطية المهمة (الإسكندرية، إزمير، بيروت) سواها ولم تلبث تقاتل ببسالة لأجل النور. تحرقها نار القربى، ونار الصراع العربي الإسرائيلي، ونار صراعات المنطقة والقوى الصاعدة والقوى النازلة، ولا تستسلم. وما أحرقت ألف حرب هويتها بل بلورتها وحققتها.
تنهض في كل مرة لتشهد للحداثة والحرية وقبول الآخر المختلف وقيمة الإنسان وكرامته وتعزيز سبل التلاقي بين الجميع. مدينة المواطن والمقيم والعابر. مدينة أنت تملكها وتكون فيها ما تريد من الزهو والانكسار وتساعدك على إنجاز مشروعك وعلى الحلم، وشغف الحياة.
كتب الشاعر محمود درويش غير مرة: أدهشتني بيروت حين لم أستطع الحصول على تذكرة لحضور فيلم لبيرغمان في بعد ظهر يوم عادي. وشرح العلاقة مع بيروت: «نادراً ما تحتاج إلى التأكيد من أنك في بيروت لأنك موجود فيها بلا دليل وهي موجودة فيك بلا برهان».
بيروت حنونة على المهاجرين وكانوا يهبطون من القرى للهجرة من مرفئها ومعهم الأهل يودعون فلذاتهم. وكانوا يحملون معهم درفات المرايا في خزائنهم وكلما أبحرت السفينة صعدوا إلى تلال المرفأ لكي تنعكس الشمس في المرايا باتجاه عيونهم. «هكذا تبقى شمس بلادهم في عيونهم، ويعودون. يا بحر هدي الموج فيك حبابنا». هكذا يروي فؤاد سليمان قصة الذين هاجروا من مرفأ بيروت بداية القرن الماضي.
«لماذا تطير بيروت بأجنحة قاتلة؟» هل ثمة من يرسم مصيرا آخر لها؟ كيف يعود الزمن الذي تحبه بيروت؟ تقول الأغنية الفيروزية: «ارجعي يا بيروت بترجع الأيام».



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.