لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

كتّاب باتوا بلا منازل

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة
TT

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

لبنان... شهادات ما بعد الصدمة

من الصعب على اللبناني اليوم، أن يكتب عن عاصمته المنكوبة. إنه ليس وقت الكتابة، بل هو زمن للصمت والحزن والحداد، ولا يزال أهالي المفقودين يبحثون عن أشلاء أولادهم تحت الحطام. بعض الكتّاب باتوا بلا منازل بعد أن تحطم كل شيء، منهم من يلملون أجزاء بيوتهم التي تهاوت، منهم من فقدوا حبيباً أو صديقاً أو قريباً. بيوت بيروت في غالبيتها فقدت نوافذها وأصبح الناس معرضين للعراء. في هذه الأجواء، تصبح الكتابة فعل مقاومة أو فعل غضب. أو هي مجرد تأمل في سوريالية باتت تتجاوز الجميع. في لحظة واحدة طارت بيروت «ست الدنيا» ثم عادت واصطدمت بالأرض، وحلّ الخراب. الكتابة عن بيروت، من بيروت ليست سهلة، وهذه المساهمات التي تنشر اليوم، هي خارجة من قلب الصدمة.
أمين ألبرت الريحاني: أكتب
ولا أدري ماذا أقول
بقلب حزين وعين دامعة وغضبٍ «ساطع»، وبعد أيام على فاجعة تفجير بيروت وتدميرها، أجدني مختلياً بنفسي أكتب ولا أدري ماذا أقول. أحاول الابتعاد عن كل انفعال وكل ميل وهوى لأتساءل: هل أصرخ مع الصارخين بوجه أهل السلطة؟ هل أُذَكِّرُهم بأن الناس ما عادوا يتحملون كلامهم على الشاشات الصغيرة، هنا يُعلَن «الحداد الرسمي»، وكأن المسألة تتوقّف عند الحداد على الضحايا، ضاربين عرض الحائط كرامات الناس وحقوقهم ومطالبهم وعدالتهم ومستقبلهم ومستقبل أولادهم، أو أن المسألة رهن بصفة هذا الحِداد ما إذا كان «رسميّاً أم غير رسمي». ما قيمة كل هذه التفاصيل الشكلية حين تكون الدولة مستهترة، إلى هذه الدرجة، بحقوق الناس وكراماتهم؟ ما قيمة الشكليات حين تضرب الدولة عرض الحائط العدالة المنتظَرة وحماية المواطن من كلّ أذى لَحِقَ، أو قد يلحق به؟ هذا الاستخفاف بالمواطنين يطرح العديد من الأسئلة الجوهرية في معنى الحكم ودوره ومنافعه وحقيقة وجوده.
الدولة إمّا أن تكون في خدمة المواطن أو لا تكون، إمّا أن تسهم في عمليّة النمو الاجتماعي والاقتصادي والتربوي أو لا تكون. أي إمّا أن تكون دولة أو تصبح مغارة للصوص. وأهل الدولة، أهل السلطة، إمّا أن يتسابقوا على تعزيز الشأن العام، كما هو حاصل في البلدان المتقدّمة، أو يجدوا أنفسهم في «تناتش» السلطة ومكاسبها، وفي «كباش»، واحدهم مع الآخر، لكسب الصفقات وتوزيع المغانم... لذا تجدهم في تَذاكٍ دائم، وفي مزايدات لا تنتهي، والنتيجة تراجع مؤسسات الدولة وتقهقرها. واللافت أنّ أهل السلطة، في مزايداتهم وتذاكيهم، يرُدّون الفساد إلى ثلاثين سنة خلَت ظنّاً منهم أنّهم بذلك يرفعون المسؤولية عن كاهلِهِم ليلقوها على الآخرين، والآخرين الأبعدين. في حين أنّ الفساد المستشري قد نشط بشكل مباشر ووقِح منذ عشر سنوات وبدأ الانهيار الاقتصادي منذ نحو خمس سنوات. فميزان المدفوعات حتى عام 2010 كان يحمل مؤشرات إيجابية، ونسبة الصادرات بالمقارنة مع الاستيرادات كانت شبه متوازية ومتوازنة. ويجب أن نُذَكِّر بأننا في عام 1963، في عصرنا الذهبي، صُنِّفَ لبنان الرابع عالميّاً في النمو الاقتصادي بعد الولايات المتحدة الأميركيّة، وفرنسا، وسويسرا. إذن ما الذي كنّا قادرين عليه منذ ستين سنة تقريباً، ولم نعد قادرين عليه اليوم؟ صحيح أننا مررنا بحروب إقليمية وحروب الآخرين على أرضنا ولكن كلّ ذلك لا ينفي قدرة معيّنة كُنّا نتمتع بها جماعيّاً ووطنيّاً وافتقدناها اليوم. ما هو سحرُ ذلك العصر الذهبي الذي نجحنا في تنفيذه عهدذاك وأخفقنا في تنفيذه في هذا العهد؟
الدولة في بلاد الناس، هي التي تتكّل على أخلاقها قبل الاتكال على دستورها وقوانينها وأنظمتها. الدولة في بلاد الناس، دستورها الأخلاق، وقانونها الأخلاق، ونظامها الأخلاق.
الدولة عندنا في تخبّط وضياع لأننا عاجزون عن اتخاذ قرارات حاسمة حول أي مشكلة تواجهنا. والسبب في ذلك سببان: الأول: أنّ منطق التراضي والاسترضاء ما زال يغلب على كلّ اعتبار آخر. والثاني: أنّ منطق تغليب المصلحة الوطنية ما زال ضعيفاً أو غائباً كلّ الغياب.
والدولة في بلاد الناس، تحزم أمرها من البداية، فبعد تقديم الملفات المكشوفة والأهداف المكشوفة والأرقام المكشوفة، حول أي قضيّة من القضايا أو حول أي مشروع من المشاريع، تكون مستعدة للحسم في أمر قراراتها بلا تردد وبلا هوادة فالقرار يصدر بسرعة (من دون تسرّع)، والاستقالة عند الضرورة فورية، والفعل دائماً يسبق القول. لذا فالفعل في المواقف الوطنية لا يعرف صيغة المستقبل (سنفعل وسنُنشِئ وسوف نُنَفِّذ) بل يباشر دائما بصيغة الماضي (فعلنا وأنشأنا ونفّذنا) والقول يأتي دائماً بعد الفعل وليس العكس، لأنه لا قيمة للقول الذي يسبق الفعل.

إيمان حميدان: لا نريد سوى أن نؤلف الشعر والموسيقى
أنا في المترو للقاء ابنتي، حين شعرت بهاتفي الصامت يهتز. رأيت اسم صديقة لم أسمع منها منذ أشهر. لم أردّ. ترَكَت رسالة «كوني بخير مع عائلتك في بيروت. إنها فاجعة. طمّنيني»... رسائل متتالية من أصدقاء وصديقات، فيما بدأتُ أبحثُ عمّا حدث في بيروت وأتلقى الصور والأفلام... إنها أكثر من فاجعة، بيروت تحت الأنقاض، ضربة أبوكاليبتيكية. حدث جلل يتجاوز خيالي أنا التي عشت الحروب الأهلية والعنف لسنوات. إلا أن ما حدث في مدينتي مساء 4 أغسطس (آب) لا يشبه ما عشناه سابقا بشيء. إنها 11 أيلول بيروت، هيروشيما بيروت.
أقضي الليل مع ابنتي نتصل بأفراد العائلة ونطمئن على الأصدقاء. ليلة بيضاء تتخللها كوابيس قصيرة أخاف أن أرويها.
بيروت، لماذا يكرهونك إلى هذا الحد؟ لماذا عليكِ، أنت التي على صورتنا، أن تُدمّري مرّات ومرّات؟ متى سيشبعون؟ متى سيحوّلون كرههم وأمراضهم عنك ويتركوننا بسلام؟ لماذا كتب على أطفالنا أن يولدوا في الحرب ويكبروا في الحرب ويهاجروا، هذا إن لم يموتوا، في الحرب؟ لماذا كُتب على لبنان أن يبقى في عين العاصفة الدولية والإقليمية؟
كفى! نريد أن نحيا بسلام، أن ننتج بحرية ونبدع ونكتب ما نفكّر به. أن نرسم ونغني ونؤلف الشعر والموسيقى.
اتركوا لنا لبناننا الذي نريد، وخذوا حقدكم وكرهكم وارحلوا!
اتركوا لنا بيروتنا الغارقة في دمها ودمارها. اتركوها!
نحن، فقط نحن، سنبنيها من جديد.

جنى الحسن: أخجل من الاعتراف
بيروت... أحبك ولكن لا ضوء في آخر هذا النفق. مرّ انفجار بيروت وأنا على بعد مئات آلاف الأميال عن المدينة. بعيدة جداً بالمسافة. بعيدة بقرارٍ شخصي اتخذته منذ خمسة أعوام لأنّ هذه المدينة أرهقتني. أن ترهقنا أوطاننا لا يعني أنّنا توقفنا عن حبّها، بل إن الألم الذي تسببت لنا به كان أقوى من أن نستمر بالعيش فيها
أنا الهاربة من الانفجارات وقطع الكهرباء المستمر والجدالات السياسية العقيمة والطائفية والنفايات والتضخم الاقتصادي والبطالة وغياب العدالة ولائحة لا تنتهي من المشاكل التي تثقل كاهل اللبنانيين. أراقب الانفجار عن بعد وأجد نفسي عالقة بين إحساسين، الأوّل يتمثّل بالغضب والحزن، يتماشى معه شعورٌ رهيب بالعجز، والثاني والذي يؤرقني فعلياً ويشعرني بالخزي بشكلٍ أو بآخر، ولكن سأعترف به لأنّه موجود، وهو شعوري بالخلاص وبأنّني ناجية من «جحيم» الوطن.
الشعور الثاني هو فعلياً ما أخجل بالاعتراف به حتّى لنفسي، فكيف سأقول إنّ جزءاً منّي، يشعر بأنّي محظوظة لأنّي حظيت بفرصة الرحيل. ثمّ أتذكر أنّني لست المهاجرة الوحيدة. الذين هربوا من هذه البلاد هم فعلاً أكثر من الذين بقوا فيها. وربما معظم من بقوا هناك إمّا ندموا أو لم تأتهم فرصة الرحيل.
أنا لا أتباهى بالرحيل، فهو مؤلمٌ كثيراً. ألمه على قدر الخيبة. والخيبة شعورٌ قاتم، كعنكبوتٍ ينسج خيوطه حول القلب، فيجد الأخير نفسه يعتصر كلّ الوقت بحرقة، ويبقى نزفه داخلياً، عاجزا حتى عن الصراخ. لا يمكنني أن أشاهد كلّ صور الموتى التي أتت من بيروت، لا أريد ذلك. لا أريد أن أرى غضب الناس الذي لا يستجيب له أحد، لأنّي محبطة. وأعرف أن الإحباط ليس الحل، لكن هذا ما أشعر به.
حكايات الموت في هذا البلد لا تنتهي. والصراعات تصبح أحياناً نمط حياة، نألفها بشدة لدرجة أنّنا لا نعود قادرين على إدراك مدى كونها غير طبيعية وكم يمكن أن تكون تأثيراتها سلبية.
وها هو جرحٌ جديد وعميق وآخر. وليس هذا أسوأ ما في الأمر، الأسوأ هو أنّه على الأغلب لن يكون الأخير. لا ضوء في آخر هذا النفق. لقد اعتقدنا أننا رأيناه العام الماضي، حين نزل اللبنانيون إلى الشوارع في مظاهرات سلمية كان وجهها الأبرز الحب وهتافات الحرية والمطالبة بالعيش الكريم. كان ذلك الضوء الذي رأيناه، طرابلس التي رقصت على موسيقى التكنو لتصرخ أنّها ليست مدينة اشتباكات وبيروت التي تخلّت عن أي صبغة طائفية والنبطية، وخلعت عباءة الزعيم ومشاهد أخرى أضاءت لنا شعوراً بأنّه قد يصبح لنا يوماً وطن.
ولكن تلك المشاهد زالت وحلّ مكانها العنف والتكسير، وتلا ذلك شعور بالانهزام في داخل الكثيرين، كأنّه محكوم على هذا البلد الصغير بأن يبقى رهينة من يعبثون به.
الانفجار ليس وحده المأساة. قد يكون ربما دويّها الأشدّ، ولكنّ يوميات الحياة في لبنان هي انفجار صامت تحرق نيرانه السكّان.
من على بعد آلاف الأميال... أرى بلداً يحترق، حكاما يقتلون شعبهم، وشعبا يتمسّك جزء منه بهؤلاء الحكام. بلدٌ يحترق، يحرق معه أبناءه الذين يحبونه بشدّة ولكنّ بعضهم تعبوا من هذا الحب، لا يريدون أن يتصدّروا نشرات الأخبار ولا أن يلملموا الجراح ويستمروا بالصمود. الصمود يجب ألا يتحوّل إلى أسلوب حياة. يريدون فقط أن يعيشوا ببساطة وبأمان، فهل هذا ممكن؟
بيروت، أنا أحبّك وأدين لك بالكثير. أنت وأنا، كلانا نعرف أنّنا تشاركنا لحظات كثيرة حميمة معاً، ضحكنا وتألمنا وفرحنا وبكينا. وأنتِ تؤلمينني كثيراً وأنا أراكِ هكذا ولا يمكنني أن أفعل لكِ شيئا. وأنت تعرفين أنّي أحاول أن أخرجكِ من تفكيري لأنّكِ منهكة. وأنا أبحث لكِ عن الخلاص، ولا أجده، وأحياناً أحسبكِ وهماً وأحياناً أخرى مارداً قادرا على النهوض من بين الركام.
بيروت أنا أحبّك وأحاول من على بعد آلاف الأميال، أن أجدكِ وأمدّ جسراً إليكِ ولكنّي لا أرى هذا الضوء في آخر النفق. وربما كل ما تحتاجين إليه الآن ليس الحل، بل أن أضيء شمعة لأجلك. هذا ما سأفعله لكِ وأعدك يوماً أنّي سأجد لك طريقة لأعبّر لك بها عن هذا الحب. حتّى ذلك الوقت، كوني بخير ولا تحزني.

سليمان بختي: بيروت 2020 و2750 طنا من الياسمين
هذه بيروت. مدينة ولدت فيها ونشأت وتعلمت وعملت وحلمت. ومشيت فوق ترابها مع جدي وأبي وابني وأمني النفس أن أمشي فيها مع أحفادي وأموت فيها
هي مدينة الأفق والأمل إذا سكنتها مرة سكنتك إلى الأبد. وإذا غبت عنها أو تأخرت قليلاً تركت لك الباب مفتوحاً للعود الأبدي. اليوم، ينام معنا السؤال كيف ننقذ بيروت. كيف؟ ونحن لا نعيش بل ننجو. وبيروت لا تعتم تعطيك من روحها وتوسع لك مطرحاً فكيف ترد. في الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 افتدى صنوبر بيروت أرز لبنان. وفي انفجار بيروت عام 2020 افتدى أهل بيروت المدينة بأرواحهم. كم صعبة ومعبرة صورة الأم التي ولدت الطفل في غرفة مدمرة في مستشفى مدمر. هكذا تولد الحكاية. يولد الأمل. تولد بيروت.
كم صعبة ومؤثرة صورة اليمامة الميتة النائمة على أوتوستراد المرفأ، وكان لها حصة من فنجان قهوتنا كل صباح في البلد.
وبيروت لا ترمى بوردة وليس بـ2750 طنا من المواد المتفجرة وعنابر الزيت وهي التي اعتادت أن تغدق أطنان الياسمين وينتشر العبير في ضفاف المتوسط. ولم يبق من وهم المدن المشرقية المتوسطية المهمة (الإسكندرية، إزمير، بيروت) سواها ولم تلبث تقاتل ببسالة لأجل النور. تحرقها نار القربى، ونار الصراع العربي الإسرائيلي، ونار صراعات المنطقة والقوى الصاعدة والقوى النازلة، ولا تستسلم. وما أحرقت ألف حرب هويتها بل بلورتها وحققتها.
تنهض في كل مرة لتشهد للحداثة والحرية وقبول الآخر المختلف وقيمة الإنسان وكرامته وتعزيز سبل التلاقي بين الجميع. مدينة المواطن والمقيم والعابر. مدينة أنت تملكها وتكون فيها ما تريد من الزهو والانكسار وتساعدك على إنجاز مشروعك وعلى الحلم، وشغف الحياة.
كتب الشاعر محمود درويش غير مرة: أدهشتني بيروت حين لم أستطع الحصول على تذكرة لحضور فيلم لبيرغمان في بعد ظهر يوم عادي. وشرح العلاقة مع بيروت: «نادراً ما تحتاج إلى التأكيد من أنك في بيروت لأنك موجود فيها بلا دليل وهي موجودة فيك بلا برهان».
بيروت حنونة على المهاجرين وكانوا يهبطون من القرى للهجرة من مرفئها ومعهم الأهل يودعون فلذاتهم. وكانوا يحملون معهم درفات المرايا في خزائنهم وكلما أبحرت السفينة صعدوا إلى تلال المرفأ لكي تنعكس الشمس في المرايا باتجاه عيونهم. «هكذا تبقى شمس بلادهم في عيونهم، ويعودون. يا بحر هدي الموج فيك حبابنا». هكذا يروي فؤاد سليمان قصة الذين هاجروا من مرفأ بيروت بداية القرن الماضي.
«لماذا تطير بيروت بأجنحة قاتلة؟» هل ثمة من يرسم مصيرا آخر لها؟ كيف يعود الزمن الذي تحبه بيروت؟ تقول الأغنية الفيروزية: «ارجعي يا بيروت بترجع الأيام».



كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.


معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.