سبعة مخرجين يتحدثون عن أفلامهم

جياني أميليو و جيمس فرانكو و ستيفن فريرز
جياني أميليو و جيمس فرانكو و ستيفن فريرز
TT

سبعة مخرجين يتحدثون عن أفلامهم

جياني أميليو و جيمس فرانكو و ستيفن فريرز
جياني أميليو و جيمس فرانكو و ستيفن فريرز

* مهرجانات السينما التي بحجم هذا المهرجان، هي محطات لقاء يؤمها المخرجون العاملون؛ سواء أكانت أفلامهم معروضة في المسابقة أو خارجها. كل فيلم له مخرجه (وفي أحيان قليلة له أكثر من مخرج) ولكل مخرج رؤيته والغاية التي دفعته لاختيار الموضوع الذي قام بتقديمه على الشاشة.
بالنسبة لمهرجان فينيسيا الحالي، فإن الوجهة غير التجارية للمهرجان ثابتة، مما يمنح المخرجين جوا رحبا يشعرون فيه أنهم يحتلون الصدارة، أكثر مما يفعل الممثلون، باستثناء النجوم منهم بالطبع. خلال الأيام التسعة الماضية، التقت «الشرق الأوسط» بكثير من المخرجين الموجودين. بعض هذه اللقاءات كان محض صدفة، وبعضها نتيجة اتصالات. وكان من البدهي أن يسعى هذا الناقد لتوظيفها فيما يخدم القاري. بعض اللقاءات كانت سريعة ولم تتسع إلا لسؤالين، وبعضها الآخر كان رحبا، لكننا وانسياقا مع المقابلات القصيرة اخترنا منها سؤالين. المحور هنا المخرج وكيفية قراءته للفيلم الذي قام بتحقيقه.
* جياني أميليو: «بطل وحيد» (إيطاليا):
* يتخذ فيلمك نبرة كوميدية حينا ثم دراميا حينا آخر.. لماذا؟
- حين بدأت الكتابة كانت الغاية تحقيق فيلم كوميدي، لكن المادة ذاتها جادة عن رجل طيب القلب ووحيد في عصر مزدحم لا يلتفت إلى الوراء ولا إلى المنسيين مثله. هذا الوضع لم يتغير خلال التصوير. أردته تماما كما رأيته. كوميديا ودراميا ولم أكترث بما إذا كان المشاهد سيعتبره كوميديا في المقام الأول أو العكس.
* عنوان الفيلم الإيطالي يختلف عن الإنجليزي.. لماذا؟
- لذلك علاقة بمجلة «كوميكس» إيطالية كنت أقرأها وأنا صغير، اسمها «باسل» (L›intrepedo) لكن بالإنجليزية وجدنا أن العنوان لن يعني الكثير، فكان لا بد من التغيير. بالنسبة لي فإن الشخصية التي يمثلها أنطونو ألبانيز باسلة. بطلة حقيقية لكن كشأن أبطالي جميعا فإن بطولاتهم ليست ظاهرة.
* جيمس فرانكو: «طفل الله» (الولايات المتحدة):
* شخصيتك الرئيسة تصطدم بالعوائق حين تحاول التواصل مع الآخرين.
- هذا هو المقصود تماما. لقد اقتبست رواية الكاتب كورماك مكارثي وهي تتحدث عن صعوبة التواصل مع الآخر بالنسبة لبطله. هذا الموضوع وجدته مهما، لأن بعضنا يدرك أنه يريد الخروج من وحدته ويعرف أنه من الضروري أن يفعل ذلك، لكنه لا يعرف كيف، وحين يخطئ، فإن النتيجة هي المزيد من العزلة.
* تعتمد الكاميرا المحمولة.. هل تراها أفضل تعبيرا؟
- أعتقد أنها مناسبة لهذا النوع من القصص. القصة وشخصيتها تفرض شكل التعامل معها. حين قررت تحقيق هذا الفيلم استبعدت تلقائيا أن أعمد إلى أسلوب سرد متداول، وقررت أن كاميرا بلا منهج تقليدي هي ما يناسب ما أقوم بعرضه. يناسب الوضع المهزوز للشخصية ذاتها.
* إدغار رايتز: «شظايا وطنية: النساء» (ألمانيا):
* الذي تردد بعد عرض فيلمك هذا هو أن أسلوبك المختار أكثر تعقيدا مما يجب.. هل توافق؟
- بالطبع لا أوافق. لا أرى أي تعقيد، بل أرى أن الذي يقول ذلك لم يكن عليه أن يشاهد هذا الفيلم، بل فيلم آخر. هذا الفيلم بالنسبة لي تعليق اجتماعي على وضع ساد في القرن التاسع عشر. وأنا اخترت تقطيع المادة إلى فصول على النحو الذي شاهدته. وعندي أنه لا تستطيع أن تلغي هذه الفصول لأنها إشارات لمراحل أساسية.
* هناك شخصيات كثيرة في هذه القصة، لكنك اخترت التركيز على شخصين فقط يشكلان البطولة.. لماذا؟
- لأنه على الرغم من مدة العرض التي تصل إلى 230 دقيقة، كان مطلوبا مني أن أخلق قلبا لهذا الموضوع حول هجرة كثير من الألمان إلى أميركا الجنوبية في القرن التاسع عشر. جاكوب وأخوه في رأيي يختزلان الباقين، لأنهما يحلمان بالسفر ويدركان أن الحلم هو ما سيجعلهما قادرين على تحويل الحلم ذاته إلى واقع.
* لي سانغ - إل: «غير المسامَح» (اليابان):
* لماذا اخترت فيلم كلينت إيستوود هذا لكي تقوم بإخراجه كفيلم ياباني؟
- من بين كل أفلام إيستوود وجدت أن هذا الفيلم حول المقاتل الذي يريد أن يتخلى عن ماضيه العنيف، لكن ماضيه العنيف لا يريد التخلي عنه، يحمل كثيرا مما يمكن طرحه من جوانب. أنا معجب بهذا الفيلم كثيرا، لأنه يتحدث عن هذا الموضوع تحديدا. بطلي (كن واتانابي) مثل إيستوود، نبذ العنف وعاش وحيدا في مزرعة صغيرة، لكن الماضي عاد إليه ليثبت أن حياته السابقة لا يمكن لها أن تغيب. هو مسؤول عنها. نحن جميعا مسؤولون عن أعمالنا السابقة التي قد تعود فتهيمن على مستقبلنا.
* شعرت أنك تريد أيضا التعليق على الحاضر؟
- نعم، هذه ملاحظة صحيحة، لأن القصة يمكن لها أن تقع اليوم وهي تقع بالفعل. الكثير من العنف في هذا العالم ناشئ عن كثير من العنف الذي ساد البشر كافة في كل مكان. كل ما عليك هو أن تستبدل المكان والزمن لتجد أن القصة ذاتها تقع اليوم مع أفراد ومع مجتمعات.
* ستيفن نايت: «لوك» (بريطانيا):
* فيلم حول شخص واحد يقود سيارة لساعة ونصف الساعة. هذا تحدٍّ.
- نعم. هذا بالتأكيد تحدّ صعب قررت أن أخوضه ليس فقط لأني أحب التحديات، بل أيضا لأن الحكاية كان لا بد لها أن تقع كما نشاهدها. أقصد أنه حين نتحدث عن ابتداع معالجات جديدة، فإن على المخرج أن يسعى لإيجادها وقبول صعابها.
* الكاميرا منصبة على الشخصية التي يؤديها توم هاردي.. هل كانت لديك مخاوف من أن يفتر اهتمام المشاهد بالعمل بسبب ذلك؟
- فهمت الفيلم على أساس أن عليه أن يجبر المشاهد على متابعة ذلك الشخص الذي يحاول حل مشكلاته العاطفية والآنية عبر الهاتف مع الآخرين. أعتقد أننا نصبح أكثر ولوجا لعالم هذه الشخصية بجعل الكاميرا تنصب عليها من دون أن تجفل. المعادل الوحيد الذي كان عليه أن أضمنه هو الممثل الذي يستطيع أن يتصرف بثقة وبحماس شديد طوال الوقت، وتوم هاردي أمن ذلك بلا ريب.
* شون جيليت: «خائنات» (المغرب/ الولايات المتحدة):
* لماذا فيلما بموضوع مغربي؟
- تزوجت من مغربية منذ خمس سنوات، وأعيش الآن في مدينة طنجة، ولذلك كان طبيعيا أن أقوم بتقديم حكاية تقع في إطار المجتمع المغربي، ولو أن الأحداث تدور في مدينة مراكش. أفهم المجتمع وأعرفه، وإلا لكانت المهمة مستحيلة.
* «خائنات» فيلم حول فتاة قوية الإرادة تعرض نفسها للخطر في سبيل إنقاذ مستقبل فتاة أخرى. هو فيلم مؤلف، لكنه يعتمد كثيرا أيضا على الممثلة شيماء بن عايشة.. هل توافق؟
- جدا. لو لم تكن في الفيلم لكان علي البحث عن ممثلة شابة أخرى تستطيع أن تجسد الشخصية التي أريد. وأنا محظوظ أنها كانت حاضرة لي. فيلم كهذا كان لا بد له من أن يرتكز على شخصية فتاة عنيدة تقوم، لأجل جمع المال اللازم لتسجيل «برومو» لأغنيتها، من أن تقوم بتلك المخاطرة. أعتقد فتاة ضعيفة الشأن كانت ستعني فيلما آخر بكل تأكيد.
* ستيفن فريرز: «فيلومينا» (بريطانيا):
* ما دوافعك لفيلم «فيلومينا»؟ هل تكمن في حكاية المرأة التي تبحث عن ابنها، أو الصحافي الذي يبحث عن وظيفة؟
- الدوافع تتلخص في أنني أولا رغبت في العمل مع الممثلة جودي دنش مرة أخرى. إنها جوهرة للعمل معها. والموضوع أيضا جذبني على الصعيدين المذكورين، شخصيتها وشخصية الصحافي الذي عادة لا يقوم بمثل هذه التحقيقات لكنه شعر بأنه ربما استطاع مساعدة هذه المرأة التي تشكل حالة خاصة لم يعتد عليها من قبل، وبذلك أوجد لنفسه دورا في الحياة كان بدأ بالبحث عنه بعدما توقف عن عمله التلفزيوني السابق.
* هل قابلت فيلومينا الحقيقية؟
- بالتأكيد. لقد التقيت بها أكثر من مرة، ووجدتها امرأة رائعة وقوية ومباشرة من دون التواء. مستقيمة كالسهم. هذه هي الملامح الأساسية التي جذبتني إلى شخصيتها. ذات مرة طلبت أن تحضر التصوير ووافقت على طلبها في اليوم الذي كنا نصور فيه مشهدا مهما. وقفت هناك تنظر إلى ما يدور. على الرغم من كل ما حدث لها كانت لا تزال على قدر كبير من الإيمان.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».