وزير الخارجية اللبناني المستقيل: توصلت إلى قناعة بأن رؤية الإصلاح غير موجودة

ناصيف حتي أكد لـ أن السياسيين يريدون إبقاء الوضع على حاله

وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي يتحدث إلى الصحافيين لدى مغادرته مقر الوزارة إثر تقديم استقالته قبل أيام (إ.ب.أ)
وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي يتحدث إلى الصحافيين لدى مغادرته مقر الوزارة إثر تقديم استقالته قبل أيام (إ.ب.أ)
TT

وزير الخارجية اللبناني المستقيل: توصلت إلى قناعة بأن رؤية الإصلاح غير موجودة

وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي يتحدث إلى الصحافيين لدى مغادرته مقر الوزارة إثر تقديم استقالته قبل أيام (إ.ب.أ)
وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي يتحدث إلى الصحافيين لدى مغادرته مقر الوزارة إثر تقديم استقالته قبل أيام (إ.ب.أ)

أثارت استقالة وزير الخارجية اللبناني ناصيف حتي سيلاً من التعليقات والتكهنات، ومنها أنه تعرض لضغوط من الوزير السابق جبران باسيل، خلال ممارسته مسؤوليات الوزارة. وباستثناء البيان الذي أدلى به بعد استقالته، لم يتطرق حتي إلى الأسباب الحقيقة التي دفعته إلى الاستقالة.
في هذا الحديث الذي أدلى به لـ«الشرق الأوسط» يوضح ناصيف حتي تلك الأسباب، ويشرح نظرته إلى العلاقات التي يجب أن تقوم بين لبنان والدول العربية، ورأيه في موضوع الحياد، وفي العقبات التي تواجه تحقيق الإصلاحات الضرورية لإنقاذ الوضع المالي ونجاح المفاوضات مع «صندوق النقد الدولي». كما يدعو إلى تحقيق لتحديد المسؤولين عن الكارثة التي حلّت بلبنان نتيجة الانفجار في مرفأ بيروت. وهنا نص الحديث:

> ماذا تعني بالنسبة إليك كارثة بيروت ولبنان على صعيد عمل وأداء الدولة والنتائج المترتبة على ذلك؟
- هذه المأساة الكبيرة التي أصابت ليس فقط بيروت بل كل لبنان وكل لبناني وجميع أشقائنا وأصدقائنا عبر العالم تعكس حالة من الإهمال. لا بد من أن يجري تحقيق لاكتشاف ما حصل، وتحديد المسؤوليات لنعرف الظروف لجهة تخزين هذا الكمّ الهائل من هذه المادة القابلة للانفجار في أي لحظة في ظروف معينة (نيترات الأمونيوم)، في مرفأ بيروت، ولا يتم اتخاذ أي إجراء أو تدبير، وذلك منذ أكثر من ست سنوات. هذا الأمر يدل على أن هناك حاجةً ملحّة على توافر الشفافية والمساءلة خصوصاً في عمل مؤسسات الدولة، وتحمُّل النتائج المترتبة على الذين سمحوا بأن يحصل أمر كهذا، وأن يُترك لهذه الفترة الطويلة. وبدأنا نرى رمي المسؤوليات وتبادل التهم بين مَن يدعي أنه سأل وطرح الصوت، وآخر يقول إنه لم يتلقّ شيئاً... كل هذه الأمور تدل على غياب لمنطق المسؤولية، والحال أن المسؤولية يجب أن تفضي إلى المساءلة.
> ما الذي علينا توقّعه من استخلاص للنتائج على نكبة لم يعرف لبنان مثيلاً لها سابقاً؟
- بداية، علينا أن نشير إلى النتائج المأساوية، وعنوانها استشهاد عدد كبير من اللبنانيين وغير اللبنانيين الموجودين في لبنان، وآلاف من الإصابات، ودمار واسع في بيروت. هناك دون شك تأثيرات بيئية ونتائج نفسية، وكلها تهدد الأمن النفسي والمجتمعي للناس، إضافة لما يعيشونه من مشكلات متعددة الأشكال. علينا أن نتوقف جميعاً أمام مأساة من هذا النوع، وأن نتعاضد جميعاً، أياً كان الموقع السياسي، وأن نأخذ العِبَر الضرورية، وأقول دائماً إنه بمواجهة هذه المآسي، يتعين أن يكون هناك عمل وطني شامل وجامع. وهذا ما كنتُ أطرحه عندما كنتُ في الحكومة، وكنت أقول إن هناك حاجة، رغم الاختلافات الشديدة في وجهات النظر وفي مسائل وظروف معينة، لحوار وطني جدي ورصين لكيفية وقف النزف والانهيار. لدى الأمم المتقدمة، بمواجهة الأزمات ذات تداعيات خطيرة بالنسبة للبلاد، يُفترض أن يحصل عمل جماعي.
> شهدنا تعاطفاً دولياً مع لبنان لم يسبق له مثيل. ماذا يعني هذا التعاطف بالنسبة لك؟ هذا من جهة. ومن جهة ثانية؛ هل يمكن أن يفضي إلى تغير أو تبدل في كيفية التعاطي الدولي مع الحكومة اللبنانية، بمعنى أن تصبح أكثر ليونة في موضوع المساعدات الاقتصادية التي ينتظرها لبنان للخروج من أزماته الاقتصادية والمالية والاجتماعية؟
- في الشق الأول، من الطبيعي إزاء كارثة مثل التي ضربت بيروت ولبنان وأياً كانت الجدولة المعنية، أن يحصل تعاطف من القريب والأبعد، وبالنسبة للبنان من الأشقاء ومن الدول الصديقة، لتوفير المساعدات الإنسانية الضرورية، وهذه بنظري ردة فعل طبيعية، ويجب الإشادة بها.
أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، أريد أن أؤكد الأمور كما عشتها في الحكومة، وهي أن مواقف الدول الصديقة واضحة تماماً، وقوامها ضرورة إطلاق عملية الإصلاح الهيكلي، وأعني بذلك إصلاحاً شاملاً، وفي العمق للاقتصاد اللبناني، وهو الشرط الذي لا غنى عنه لتوفير المساعدات المطلوبة. هذه القناعة دولية وشاملة وبدأت تترسخ لبنانياً، وهي أن الحصول على المساعدات يجب أن يمرّ من خلال الاتفاق مع «صندوق النقد الدولي». وللأسف، كان هناك الكثير من التعثّر في هذا الأمر، لجملة من الأسباب، ومنها اختلاف أرقام الديون بين أطراف مختلفة، وخلافات سياسية كان يُراد لها أن تُخبأ، ولكنها كانت ظاهرة بخصوص جدية الذهاب نحو «صندوق النقد». أياً كان موقف هذا الطرف أو ذاك، اعتبر أن التوجه إلى «صندوق النقد» أمر ضروري، وفي اعتقادي أن أمراً كهذا كان يجب أن يتم منذ سنتين أو ثلاث سنوات، وتنفيذ هذه الخطوة لا يعني أبداً القبول غير المشروط بكل ما يُطرح، ولكن التفاوض الجدي وإظهار المصداقية والرغبة الصادقة في الخروج من هذا المأزق. والخلاصة أن المساعدات مرتبطة بإصلاحات جدية. الاقتصاد اللبناني أصبح منذ سنوات طويلة اقتصاداً مالياً، وهذا غير صحي، والأزمة المالية تعكس أزمة اقتصادية وخللاً في هيكل الاقتصاد اللبناني، وتعكس أزمة سياسية وإدارية، بمعنى غياب المساءلة والشفافية والفساد والشخصنة والزبائنية... وكلها تراكمات لسنوات عديدة، وهي تفضي إلى هيمنة السياسة بمفهومها التقليدي على الاقتصاد، وبالتالي تفقد القدرة على جذب الاستثمارات وبناء اقتصاد واضح قوي ومؤسسي. وبالتالي، فإن ذلك ينعكس في سياسات مالية واقتصادية، وأهمها تعزيز القطاعات المنتجة، من غير أن نتخلى عن كوننا اقتصاد خدمات. كان على لبنان أن يهتم بالقطاعات الإنتاجية والتكنولوجية الحديثة والصناعات الصغيرة، وكلها كانت متروكة ومهمشة في لبنان بسبب سياسات مالية جاذبة للاستثمار المالي، وتبعد الناس عن الاستثمار في القطاعات المنتجة. هذه من المشكلات الأساسية التي يتعين التنبه لها وإرساء السياسات المناسبة. أؤكد وأصر على النموذج الاقتصادي اللبناني، لكنه يتطلب إحداث بعض القيود عليه، وإدخال شبكات الحماية والتكافل الاجتماعي عليه، والاهتمام بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والاستثمار أيضاً في البنى التحتية.
> كنت أعني بسؤالي: ما إذا كان حجم هذه الكارثة سيدفع الدول التي تريد مساعدة لبنان لأن تكون أكثر ليونة ومرونة في الشروط التي فرضتها لمد يد المساعدة للبنان؟
- أتمنى هذا الأمر، ودول عديدة أبدت رغبتها في المساعدة. لكن تحليلي للأمور قد يأخذني إلى مكان آخر، وأنت تعرف أن الشروط الدولية، بما فيها من الدول الصديقة والشقيقة، ربما تكون أكثر مرونة، لكن لضخّ دعم اقتصادي للبنان، ومواكبة الإنعاش الاقتصادي، وإعادة إيقاف لبنان على رجليه، تم التشديد على الإصلاحات الهيكلية الضرورية، وفي رأيي أن ذلك ليس من باب معاقبة لبنان، بل لحمايته. هذه الإصلاحات ضرورة لبنانية قبل أن تكون مطلباً لمؤسسات دولية أو جهات مستعدّة لدعم لبنان. لنا مصلحة في العمل على بناء استقرار مجتمعي لبناني في نموذج اقتصادي يوفر التوازن والرعاية.
> أود أن أثير موضوع استقالتك من الحكومة. هل تعتبر اليوم أنك ارتكبتَ خطأ في قبول الدخول إلى حكومة أنت تعرف سلفاً طبيعتها والظروف التي جاءت بها؟
- بكل صراحة، شخصياً لا، ولو أن الفكرة راودتني أحياناً. لستُ مثالياً، ولكن كنتُ أحلم بأن أساعد على إحداث تغيير في لبنان، وقلت إنه ربما تكون فرصة لإحداث تغيير نوعي في التركيبة الاقتصادية لمنع الانهيار والدفع باتجاه توفير العدالة الاجتماعية... وأنا منذ أكثر من سنتين أقول إن الطبقة المتوسطة في لبنان قد سقطت، وفقدنا ما يمكن تسميته «المصعد الاجتماعي»، وهذه كلها أمور خطيرة ظاهرة منذ عدة سنوات في لبنان. وتصوري أنه يمكن المساهمة في عمل حكومة سميت تكنوقراطية يمكن أن تكون حاملة لوعي الحاجة إلى الإصلاح. أعتقد أننا لم نمضِ بالحزم والسعة المطلوبين لهذا العمل. دون شك هناك عوائق تقليدية وغير تقليدية، لكن في تقديري كان يجب المضي بشكل أكثر دينامية لمواجهة هذا الأمر وعدم التراخي. وبخصوص استقالتي، سُردت مائة رواية، ولكنه بالنسبة لي بسيط جداً: اقتنعتُ أن هنالك فرصةً أو نافذةً للقيام بإصلاح أساسي اقتصادي وهيكلي شامل في لبنان ينقذ لبنان من السقوط والاستمرار في منطق الدولة التي هي في طريقها للفشل. بيد أنني لم أرَ هذه المؤشرات، ويمكن تحميل المسؤولية لمن نريد في الداخل والخارج، ولكنني ما زلت أعتقد أنه كانت هناك معركة، وكان يجب أن تنطلق بقوة وحزم.
> ما هو العامل الحاسم الذي دفعك إلى الاستقالة من بين مجموعة العوامل التي أشرت إليها في بيان الاستقالة؟
- توصلتُ إلى قناعة بعد خمسة أشهر ونصف الشهر من وجودي في الحكومة؛ بأن الرؤية الإصلاحية التي كنت أبحث عنها ليست موجودة، وأن العزم مفقود، وبالتالي أخذت تحصل أكثر من ضغوطات وتدخلات من هنا وهناك في إطار اللعبة السياسية التقليدية. وبهذا الخصوص أريد أن أكون واضحاً: أنا لا أحمّل المسؤولية لطرف واحد. أنا أحمل المسؤولية للتركيبة السياسية اللبنانية، وفي سياق لعبتها التقليدية لإبقاء الوضع على ما هو عليه، وربما للقبول ببعض الإصلاحات الشكلية والخفيفة. وفي رأيي، كان يجب الذهاب إلى مواجهة أكبر مستندة إلى رأي عام متحالف. بعض الحكومة يقول: ذهبنا للإصلاح ولكنّ ظروفاً معينة منعتنا من ذلك. لستُ من أنصار هذا الرأي. السبب الحقيقي والأول لاستقالتي أنني أُصبت بخيبة أمل. كنت أتمنى أن نمضي بشكل حازم في عملية الإصلاح. وهذا رأيي وقناعتي. وبدل الإصلاحات التي كنت أبحث عنها، وجدت أننا عدنا إلى منطق المحاصصة. وبدل المواجهة والرغبة في الإسراع بها، وجدت غير ذلك. التركيبة السياسية لم تقبل السير بالإصلاحات. أما التفسيرات التي قرأتها أو سمعتها في بعض وسائل الإعلام فلا أساس لها.
> هل ستفعل استقالتك فعل كرة الثلج المتدحرجة، أي قد تعقبها استقالات أخرى من الحكومة؟
- هنالك كثيرون يقولون إن استقالتي قد تدفع بآخرين إلى الاستقالة. كل ما أريده أن تكون هناك لحظة توقّف وتأمل ومراجعة للذات، وأن تمضي الحكومة بعزم لأن تحاول تحقيق العمل الذي جاءت من أجله.
> سمعنا تعليقات تقول إن استقالتك ذات علاقة بدعوات أو بضغوط خارجية. هل من أساس لهذه الأقوال؟
- في ثقافتنا السياسية العربية، تغلب نظرية المؤامرة. البعض يقول السبب داخلي والآخر يقول إنه خارجي. قطعاً أقول إن أحداً لم يطلب مني الاستقالة ولا يستطيع أحد في الداخل أو الخارج أن يطلب مني ذلك. جئتُ إلى الحكومة وفق قناعاتي، وإذا اعتبر البعض أن استقالتي قد تفيد هذا الطرف الخارجي لأنها قد تعرّض الحكومة للمخاطر فهو مخطئ في نظري، لأنني أعتبر أن ما قد يعرضها للمخاطر هو عدم المضي بقوة في العملية الإصلاحية، وليس استقالة ناصيف حتي. لتؤخذ هذه الاستقالة على أنها جرس إنذار ينبه لضرورة العمل والمبادرة.
> في بيان الاستقالة ذكرتَ أنك دخلت إلى الحكومة على اعتبار أن لك ربّ عمل واحداً هو لبنان، ولكن وجدت أن هناك أرباب عمل كثيرين. هل توضح لنا هذه النقطة بالغة الأهمية؟
- لقد رأيتُ أن التركيبة السياسية اللبنانية بجميع أطرافها، وأياً كان موقع هذا الطرف اليوم وكان موقعه في مكان آخر بالأمس، ما زالت شبه مهيمنة على أي عملية إصلاحية في لبنان، وتؤثر به بشكل كبير لأنها تضر بسياسة الزبائنية. والمشكلة الرئيسية في لبنان هي المذهبية السياسية التي هي أيضاً تشكل حاجزاً أساسياً لعملية بناء دولة المواطنة والحقوق. وكلها عوامل موضوعية قائمة بقوة، وهي تعيق العمل الإصلاحي والتغييري. لكن لو توافرت الإرادة والعزم لمواجهة هذا الواقع، لكان بالإمكان القيام بهذا العمل الإصلاحي؛ فإذا كان نصيبه النجاح فهذا جيد، أما إذا لم ينجح، فسنكون على الأقل قد حاولنا.
> هل ما زال في الإمكان أن نرى دبلوماسية لبنانية مستقلّة وفاعلة أم أن هذا التوق من باب التمني الذي لا أساس له؟
- أنا دخلت إلى الحكومة وكنت واقعياً للغاية، ومنذ البداية كنت أدعو لما يعرف بـ«الحياد الإيجابي» وليس الحياد بالمفهوم القانوني؛ إذ لا يمكن للبنان أن يكون محايداً بين الأسرة العربية وإسرائيل. ولكن ما أعنيه بـ«الحياد الإيجابي» هو الابتعاد عن أي محور، ورفض الانجرار إلى نزاعات، وبدل ذلك العمل على بناء الجسور وتشجيع الحوار بين الدول، وخاصة التي تعنينا ولكن على أساس قواعد معروفة في العلاقات الدولية: عدم التدخل في شؤون الآخر، واحترام سيادة الآخر. هذه ليست «مثالية»، والخلافات بين الدول طبيعية، ولكن نحن نعيش في منطقة شرق أوسطية تتسم بفوضى كلية وبسقوط النظام الدولتي (مِن دولة). لبنان اليوم الأكثر تأثراً والأقل تأثيراً في المنطقة. لذلك، أقول بالحياد الإيجابي القائم على الانخراط في أي عملية تسوية سياسية تقوم على أسس القانون الدولي والأعراف الدولية، وإذا توصلنا إلى نظام إقليمي مستقر؛ فإننا سنكون أول المستفيدين منه. أنا أدعو (ودعوتُ) إلى الاتجاه أولاً نحو الأسرة العربية، وليس الصدام مع الآخر. وما يهمني أن ننفتح، وعملت ضمن طاقتي للانفتاح بالذهاب نحو الأسرة العربية، ونتمنى أن نصيب نجاحاً في هذا الأمر.
> قيل الكثير عن وجود «وزراء ظل» في وزارة الخارجية بلبنان. هل هذا الأمر كان حاسماً بالنسبة إليك للخروج من الحكومة؟
- بصراحة، لم يكن هذا الأمر قائماً. البعض قال إنني أريد أن آتي بجماعتي إلى وزارة الخارجية لتحل محل جماعة الوزير السابق جبران باسيل، وردي أنه ليست عندي جماعة. أنا جئتُ من الدبلوماسية المحترفة، وكان هدفي الأول إصلاح العلاقات اللبنانية مع عدد كبير من الدول العربية، وتعزيز التوافق العربي، والعمل على التخفيف من الخلافات. وأؤكد لك أن أحداً لم يأتِ ليقول لي أن أقوم بهذا الأمر أو أن أمتنع عن ذلك. لم يحدثني أحد بهذا الأمر، ولم يعرقلني أحد عما أقوم به. أنا أدرتُ الوزارة في إطار ما أسميه السياسة العامة للدولة اللبنانية، ولكن كنت أدفع باتجاه معين، وحددت منذ البداية أولوية رأب الصدع بيننا وبين عدد من الدول العربية، وأولوية خياراتي العربية، دون أن يعني ذلك أنني أردت الاصطدام مع أحد آخر، وأولويتي الأخرى كانت مركزية القضية الفلسطينية، والانفتاح على العالم. بعضهم قال: الانفتاح على الشرق والغرب. وأنا قلتُ: نذهب حيث نجد لنا مصلحة. وباختصار، أولوياتي كانت رأب الصدع في علاقاتنا العربية، وفي المؤتمرات العربية التي شاركت فيها، كنت أركز على إعادة ترتيب العلاقات العربية - العربية، والذهاب نحو الإخوة العرب، وهذه ليست قناعة شخصية بل هي قناعة أساسها أن مصلحة لبنان تكمن في ذلك، دون أن يعني الاصطدام مع أحد. نريد بناء علاقات على أسس واضحة وشفافة تقوم على احترام الآخر والأسس المتعارف عليها في العلاقات بين الدول.
> في موضوع الحياد: هل المقصود بالحياد «النأي بالنفس»؟ أم الحياد القانوني الذي له أسسه ومبادئه وتبعاته؟
- في الحوار الدائر في لبنان، هناك التباس بين الحياد بمفهومه القانوني والحياد الإيجابي. لبنان لا يستطيع أن يكون محايداً بالمفهوم القانوني، وهو عضو مؤسس في الجامعة العربية، وهناك نزاع بين العرب وإسرائيل. لكن أسارع إلى القول إن لبنان لا يتعين أن يكون شبيهاً بـ«هانوي»؛ إنْ للثورة الفلسطينية أو غير الفلسطينية، أو أن يكون ملعباً للصراعات العربية أو غير العربية مع إسرائيل أو مع أطراف أخرى. لبنان لا يستطيع أن يكون محايداً لكن يمكنه التصرف كما تتصرف جميع الدول العربية. الدولة هي المسؤولة. ومن هذا المنطلق، فإن الحياد القانوني غير ممكن، لأننا دولة عربية ولا يمكن الحياد فيما يتعلق بالصراع مع إسرائيل. والحياد الإيجابي في نظري البقاء بعيداً عن سياسة المحاور، وأحلاف رسمية أو غير رسمية، بل المحافظة على التوازن. ليس المطلوب النأي بالنفس بل الانخراط في دبلوماسية نشطة، إن لم يكن مباشرة فبالتعاون مع دول أخرى في الاتجاه نفسه لرأب الصدع وإطفاء الحرائق واحتواء النزاعات؛ لأن لنا مصلحة، إذ إن انفجارها سيؤثر سلباً على لبنان. وهذا مفهومنا للدبلوماسية النشطة.
> هل لبنان على عتبة حرب جديدة بين إسرائيل و«حزب الله»؟ أم أن المعطى الدولي «يفرمل» التوجه نحو النزاع؟ هل لإيران مصلحة اليوم في ذلك؟
- لا أعتقد أن لأي طرف اليوم مصلحةً في نشوب حرب مفتوحة لأسباب خاصة به، لكن خوفي دائماً أن التصعيد المدروس قد لا يبقى تحت السيطرة. التصعيد هدفه توجيه رسائل. وفي ملف الصراعات، هناك ما يسمى «قواعد اللعبة». لكن أحياناً ما يمكن أن نسميه «دعسة ناقصة أو زائدة» يمكن أن تفضي إلى نزاع واسع. لكن لا أعتقد أن هناك توجهاً اليوم نحو الحرب. وأود أن أضيف أنه عند الحديث عن استراتيجية دفاعية للبنان، فالمقصود ليس المسائل العملانية، ولكن من يقول «قرار الرد» (أي الدخول في الحرب)، وهذا يجب أن يكون بين يدي مجلس الوزراء.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.