وزير الخارجية اللبناني المستقيل: توصلت إلى قناعة بأن رؤية الإصلاح غير موجودة

ناصيف حتي أكد لـ أن السياسيين يريدون إبقاء الوضع على حاله

وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي يتحدث إلى الصحافيين لدى مغادرته مقر الوزارة إثر تقديم استقالته قبل أيام (إ.ب.أ)
وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي يتحدث إلى الصحافيين لدى مغادرته مقر الوزارة إثر تقديم استقالته قبل أيام (إ.ب.أ)
TT

وزير الخارجية اللبناني المستقيل: توصلت إلى قناعة بأن رؤية الإصلاح غير موجودة

وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي يتحدث إلى الصحافيين لدى مغادرته مقر الوزارة إثر تقديم استقالته قبل أيام (إ.ب.أ)
وزير الخارجية المستقيل ناصيف حتي يتحدث إلى الصحافيين لدى مغادرته مقر الوزارة إثر تقديم استقالته قبل أيام (إ.ب.أ)

أثارت استقالة وزير الخارجية اللبناني ناصيف حتي سيلاً من التعليقات والتكهنات، ومنها أنه تعرض لضغوط من الوزير السابق جبران باسيل، خلال ممارسته مسؤوليات الوزارة. وباستثناء البيان الذي أدلى به بعد استقالته، لم يتطرق حتي إلى الأسباب الحقيقة التي دفعته إلى الاستقالة.
في هذا الحديث الذي أدلى به لـ«الشرق الأوسط» يوضح ناصيف حتي تلك الأسباب، ويشرح نظرته إلى العلاقات التي يجب أن تقوم بين لبنان والدول العربية، ورأيه في موضوع الحياد، وفي العقبات التي تواجه تحقيق الإصلاحات الضرورية لإنقاذ الوضع المالي ونجاح المفاوضات مع «صندوق النقد الدولي». كما يدعو إلى تحقيق لتحديد المسؤولين عن الكارثة التي حلّت بلبنان نتيجة الانفجار في مرفأ بيروت. وهنا نص الحديث:

> ماذا تعني بالنسبة إليك كارثة بيروت ولبنان على صعيد عمل وأداء الدولة والنتائج المترتبة على ذلك؟
- هذه المأساة الكبيرة التي أصابت ليس فقط بيروت بل كل لبنان وكل لبناني وجميع أشقائنا وأصدقائنا عبر العالم تعكس حالة من الإهمال. لا بد من أن يجري تحقيق لاكتشاف ما حصل، وتحديد المسؤوليات لنعرف الظروف لجهة تخزين هذا الكمّ الهائل من هذه المادة القابلة للانفجار في أي لحظة في ظروف معينة (نيترات الأمونيوم)، في مرفأ بيروت، ولا يتم اتخاذ أي إجراء أو تدبير، وذلك منذ أكثر من ست سنوات. هذا الأمر يدل على أن هناك حاجةً ملحّة على توافر الشفافية والمساءلة خصوصاً في عمل مؤسسات الدولة، وتحمُّل النتائج المترتبة على الذين سمحوا بأن يحصل أمر كهذا، وأن يُترك لهذه الفترة الطويلة. وبدأنا نرى رمي المسؤوليات وتبادل التهم بين مَن يدعي أنه سأل وطرح الصوت، وآخر يقول إنه لم يتلقّ شيئاً... كل هذه الأمور تدل على غياب لمنطق المسؤولية، والحال أن المسؤولية يجب أن تفضي إلى المساءلة.
> ما الذي علينا توقّعه من استخلاص للنتائج على نكبة لم يعرف لبنان مثيلاً لها سابقاً؟
- بداية، علينا أن نشير إلى النتائج المأساوية، وعنوانها استشهاد عدد كبير من اللبنانيين وغير اللبنانيين الموجودين في لبنان، وآلاف من الإصابات، ودمار واسع في بيروت. هناك دون شك تأثيرات بيئية ونتائج نفسية، وكلها تهدد الأمن النفسي والمجتمعي للناس، إضافة لما يعيشونه من مشكلات متعددة الأشكال. علينا أن نتوقف جميعاً أمام مأساة من هذا النوع، وأن نتعاضد جميعاً، أياً كان الموقع السياسي، وأن نأخذ العِبَر الضرورية، وأقول دائماً إنه بمواجهة هذه المآسي، يتعين أن يكون هناك عمل وطني شامل وجامع. وهذا ما كنتُ أطرحه عندما كنتُ في الحكومة، وكنت أقول إن هناك حاجة، رغم الاختلافات الشديدة في وجهات النظر وفي مسائل وظروف معينة، لحوار وطني جدي ورصين لكيفية وقف النزف والانهيار. لدى الأمم المتقدمة، بمواجهة الأزمات ذات تداعيات خطيرة بالنسبة للبلاد، يُفترض أن يحصل عمل جماعي.
> شهدنا تعاطفاً دولياً مع لبنان لم يسبق له مثيل. ماذا يعني هذا التعاطف بالنسبة لك؟ هذا من جهة. ومن جهة ثانية؛ هل يمكن أن يفضي إلى تغير أو تبدل في كيفية التعاطي الدولي مع الحكومة اللبنانية، بمعنى أن تصبح أكثر ليونة في موضوع المساعدات الاقتصادية التي ينتظرها لبنان للخروج من أزماته الاقتصادية والمالية والاجتماعية؟
- في الشق الأول، من الطبيعي إزاء كارثة مثل التي ضربت بيروت ولبنان وأياً كانت الجدولة المعنية، أن يحصل تعاطف من القريب والأبعد، وبالنسبة للبنان من الأشقاء ومن الدول الصديقة، لتوفير المساعدات الإنسانية الضرورية، وهذه بنظري ردة فعل طبيعية، ويجب الإشادة بها.
أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، أريد أن أؤكد الأمور كما عشتها في الحكومة، وهي أن مواقف الدول الصديقة واضحة تماماً، وقوامها ضرورة إطلاق عملية الإصلاح الهيكلي، وأعني بذلك إصلاحاً شاملاً، وفي العمق للاقتصاد اللبناني، وهو الشرط الذي لا غنى عنه لتوفير المساعدات المطلوبة. هذه القناعة دولية وشاملة وبدأت تترسخ لبنانياً، وهي أن الحصول على المساعدات يجب أن يمرّ من خلال الاتفاق مع «صندوق النقد الدولي». وللأسف، كان هناك الكثير من التعثّر في هذا الأمر، لجملة من الأسباب، ومنها اختلاف أرقام الديون بين أطراف مختلفة، وخلافات سياسية كان يُراد لها أن تُخبأ، ولكنها كانت ظاهرة بخصوص جدية الذهاب نحو «صندوق النقد». أياً كان موقف هذا الطرف أو ذاك، اعتبر أن التوجه إلى «صندوق النقد» أمر ضروري، وفي اعتقادي أن أمراً كهذا كان يجب أن يتم منذ سنتين أو ثلاث سنوات، وتنفيذ هذه الخطوة لا يعني أبداً القبول غير المشروط بكل ما يُطرح، ولكن التفاوض الجدي وإظهار المصداقية والرغبة الصادقة في الخروج من هذا المأزق. والخلاصة أن المساعدات مرتبطة بإصلاحات جدية. الاقتصاد اللبناني أصبح منذ سنوات طويلة اقتصاداً مالياً، وهذا غير صحي، والأزمة المالية تعكس أزمة اقتصادية وخللاً في هيكل الاقتصاد اللبناني، وتعكس أزمة سياسية وإدارية، بمعنى غياب المساءلة والشفافية والفساد والشخصنة والزبائنية... وكلها تراكمات لسنوات عديدة، وهي تفضي إلى هيمنة السياسة بمفهومها التقليدي على الاقتصاد، وبالتالي تفقد القدرة على جذب الاستثمارات وبناء اقتصاد واضح قوي ومؤسسي. وبالتالي، فإن ذلك ينعكس في سياسات مالية واقتصادية، وأهمها تعزيز القطاعات المنتجة، من غير أن نتخلى عن كوننا اقتصاد خدمات. كان على لبنان أن يهتم بالقطاعات الإنتاجية والتكنولوجية الحديثة والصناعات الصغيرة، وكلها كانت متروكة ومهمشة في لبنان بسبب سياسات مالية جاذبة للاستثمار المالي، وتبعد الناس عن الاستثمار في القطاعات المنتجة. هذه من المشكلات الأساسية التي يتعين التنبه لها وإرساء السياسات المناسبة. أؤكد وأصر على النموذج الاقتصادي اللبناني، لكنه يتطلب إحداث بعض القيود عليه، وإدخال شبكات الحماية والتكافل الاجتماعي عليه، والاهتمام بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والاستثمار أيضاً في البنى التحتية.
> كنت أعني بسؤالي: ما إذا كان حجم هذه الكارثة سيدفع الدول التي تريد مساعدة لبنان لأن تكون أكثر ليونة ومرونة في الشروط التي فرضتها لمد يد المساعدة للبنان؟
- أتمنى هذا الأمر، ودول عديدة أبدت رغبتها في المساعدة. لكن تحليلي للأمور قد يأخذني إلى مكان آخر، وأنت تعرف أن الشروط الدولية، بما فيها من الدول الصديقة والشقيقة، ربما تكون أكثر مرونة، لكن لضخّ دعم اقتصادي للبنان، ومواكبة الإنعاش الاقتصادي، وإعادة إيقاف لبنان على رجليه، تم التشديد على الإصلاحات الهيكلية الضرورية، وفي رأيي أن ذلك ليس من باب معاقبة لبنان، بل لحمايته. هذه الإصلاحات ضرورة لبنانية قبل أن تكون مطلباً لمؤسسات دولية أو جهات مستعدّة لدعم لبنان. لنا مصلحة في العمل على بناء استقرار مجتمعي لبناني في نموذج اقتصادي يوفر التوازن والرعاية.
> أود أن أثير موضوع استقالتك من الحكومة. هل تعتبر اليوم أنك ارتكبتَ خطأ في قبول الدخول إلى حكومة أنت تعرف سلفاً طبيعتها والظروف التي جاءت بها؟
- بكل صراحة، شخصياً لا، ولو أن الفكرة راودتني أحياناً. لستُ مثالياً، ولكن كنتُ أحلم بأن أساعد على إحداث تغيير في لبنان، وقلت إنه ربما تكون فرصة لإحداث تغيير نوعي في التركيبة الاقتصادية لمنع الانهيار والدفع باتجاه توفير العدالة الاجتماعية... وأنا منذ أكثر من سنتين أقول إن الطبقة المتوسطة في لبنان قد سقطت، وفقدنا ما يمكن تسميته «المصعد الاجتماعي»، وهذه كلها أمور خطيرة ظاهرة منذ عدة سنوات في لبنان. وتصوري أنه يمكن المساهمة في عمل حكومة سميت تكنوقراطية يمكن أن تكون حاملة لوعي الحاجة إلى الإصلاح. أعتقد أننا لم نمضِ بالحزم والسعة المطلوبين لهذا العمل. دون شك هناك عوائق تقليدية وغير تقليدية، لكن في تقديري كان يجب المضي بشكل أكثر دينامية لمواجهة هذا الأمر وعدم التراخي. وبخصوص استقالتي، سُردت مائة رواية، ولكنه بالنسبة لي بسيط جداً: اقتنعتُ أن هنالك فرصةً أو نافذةً للقيام بإصلاح أساسي اقتصادي وهيكلي شامل في لبنان ينقذ لبنان من السقوط والاستمرار في منطق الدولة التي هي في طريقها للفشل. بيد أنني لم أرَ هذه المؤشرات، ويمكن تحميل المسؤولية لمن نريد في الداخل والخارج، ولكنني ما زلت أعتقد أنه كانت هناك معركة، وكان يجب أن تنطلق بقوة وحزم.
> ما هو العامل الحاسم الذي دفعك إلى الاستقالة من بين مجموعة العوامل التي أشرت إليها في بيان الاستقالة؟
- توصلتُ إلى قناعة بعد خمسة أشهر ونصف الشهر من وجودي في الحكومة؛ بأن الرؤية الإصلاحية التي كنت أبحث عنها ليست موجودة، وأن العزم مفقود، وبالتالي أخذت تحصل أكثر من ضغوطات وتدخلات من هنا وهناك في إطار اللعبة السياسية التقليدية. وبهذا الخصوص أريد أن أكون واضحاً: أنا لا أحمّل المسؤولية لطرف واحد. أنا أحمل المسؤولية للتركيبة السياسية اللبنانية، وفي سياق لعبتها التقليدية لإبقاء الوضع على ما هو عليه، وربما للقبول ببعض الإصلاحات الشكلية والخفيفة. وفي رأيي، كان يجب الذهاب إلى مواجهة أكبر مستندة إلى رأي عام متحالف. بعض الحكومة يقول: ذهبنا للإصلاح ولكنّ ظروفاً معينة منعتنا من ذلك. لستُ من أنصار هذا الرأي. السبب الحقيقي والأول لاستقالتي أنني أُصبت بخيبة أمل. كنت أتمنى أن نمضي بشكل حازم في عملية الإصلاح. وهذا رأيي وقناعتي. وبدل الإصلاحات التي كنت أبحث عنها، وجدت أننا عدنا إلى منطق المحاصصة. وبدل المواجهة والرغبة في الإسراع بها، وجدت غير ذلك. التركيبة السياسية لم تقبل السير بالإصلاحات. أما التفسيرات التي قرأتها أو سمعتها في بعض وسائل الإعلام فلا أساس لها.
> هل ستفعل استقالتك فعل كرة الثلج المتدحرجة، أي قد تعقبها استقالات أخرى من الحكومة؟
- هنالك كثيرون يقولون إن استقالتي قد تدفع بآخرين إلى الاستقالة. كل ما أريده أن تكون هناك لحظة توقّف وتأمل ومراجعة للذات، وأن تمضي الحكومة بعزم لأن تحاول تحقيق العمل الذي جاءت من أجله.
> سمعنا تعليقات تقول إن استقالتك ذات علاقة بدعوات أو بضغوط خارجية. هل من أساس لهذه الأقوال؟
- في ثقافتنا السياسية العربية، تغلب نظرية المؤامرة. البعض يقول السبب داخلي والآخر يقول إنه خارجي. قطعاً أقول إن أحداً لم يطلب مني الاستقالة ولا يستطيع أحد في الداخل أو الخارج أن يطلب مني ذلك. جئتُ إلى الحكومة وفق قناعاتي، وإذا اعتبر البعض أن استقالتي قد تفيد هذا الطرف الخارجي لأنها قد تعرّض الحكومة للمخاطر فهو مخطئ في نظري، لأنني أعتبر أن ما قد يعرضها للمخاطر هو عدم المضي بقوة في العملية الإصلاحية، وليس استقالة ناصيف حتي. لتؤخذ هذه الاستقالة على أنها جرس إنذار ينبه لضرورة العمل والمبادرة.
> في بيان الاستقالة ذكرتَ أنك دخلت إلى الحكومة على اعتبار أن لك ربّ عمل واحداً هو لبنان، ولكن وجدت أن هناك أرباب عمل كثيرين. هل توضح لنا هذه النقطة بالغة الأهمية؟
- لقد رأيتُ أن التركيبة السياسية اللبنانية بجميع أطرافها، وأياً كان موقع هذا الطرف اليوم وكان موقعه في مكان آخر بالأمس، ما زالت شبه مهيمنة على أي عملية إصلاحية في لبنان، وتؤثر به بشكل كبير لأنها تضر بسياسة الزبائنية. والمشكلة الرئيسية في لبنان هي المذهبية السياسية التي هي أيضاً تشكل حاجزاً أساسياً لعملية بناء دولة المواطنة والحقوق. وكلها عوامل موضوعية قائمة بقوة، وهي تعيق العمل الإصلاحي والتغييري. لكن لو توافرت الإرادة والعزم لمواجهة هذا الواقع، لكان بالإمكان القيام بهذا العمل الإصلاحي؛ فإذا كان نصيبه النجاح فهذا جيد، أما إذا لم ينجح، فسنكون على الأقل قد حاولنا.
> هل ما زال في الإمكان أن نرى دبلوماسية لبنانية مستقلّة وفاعلة أم أن هذا التوق من باب التمني الذي لا أساس له؟
- أنا دخلت إلى الحكومة وكنت واقعياً للغاية، ومنذ البداية كنت أدعو لما يعرف بـ«الحياد الإيجابي» وليس الحياد بالمفهوم القانوني؛ إذ لا يمكن للبنان أن يكون محايداً بين الأسرة العربية وإسرائيل. ولكن ما أعنيه بـ«الحياد الإيجابي» هو الابتعاد عن أي محور، ورفض الانجرار إلى نزاعات، وبدل ذلك العمل على بناء الجسور وتشجيع الحوار بين الدول، وخاصة التي تعنينا ولكن على أساس قواعد معروفة في العلاقات الدولية: عدم التدخل في شؤون الآخر، واحترام سيادة الآخر. هذه ليست «مثالية»، والخلافات بين الدول طبيعية، ولكن نحن نعيش في منطقة شرق أوسطية تتسم بفوضى كلية وبسقوط النظام الدولتي (مِن دولة). لبنان اليوم الأكثر تأثراً والأقل تأثيراً في المنطقة. لذلك، أقول بالحياد الإيجابي القائم على الانخراط في أي عملية تسوية سياسية تقوم على أسس القانون الدولي والأعراف الدولية، وإذا توصلنا إلى نظام إقليمي مستقر؛ فإننا سنكون أول المستفيدين منه. أنا أدعو (ودعوتُ) إلى الاتجاه أولاً نحو الأسرة العربية، وليس الصدام مع الآخر. وما يهمني أن ننفتح، وعملت ضمن طاقتي للانفتاح بالذهاب نحو الأسرة العربية، ونتمنى أن نصيب نجاحاً في هذا الأمر.
> قيل الكثير عن وجود «وزراء ظل» في وزارة الخارجية بلبنان. هل هذا الأمر كان حاسماً بالنسبة إليك للخروج من الحكومة؟
- بصراحة، لم يكن هذا الأمر قائماً. البعض قال إنني أريد أن آتي بجماعتي إلى وزارة الخارجية لتحل محل جماعة الوزير السابق جبران باسيل، وردي أنه ليست عندي جماعة. أنا جئتُ من الدبلوماسية المحترفة، وكان هدفي الأول إصلاح العلاقات اللبنانية مع عدد كبير من الدول العربية، وتعزيز التوافق العربي، والعمل على التخفيف من الخلافات. وأؤكد لك أن أحداً لم يأتِ ليقول لي أن أقوم بهذا الأمر أو أن أمتنع عن ذلك. لم يحدثني أحد بهذا الأمر، ولم يعرقلني أحد عما أقوم به. أنا أدرتُ الوزارة في إطار ما أسميه السياسة العامة للدولة اللبنانية، ولكن كنت أدفع باتجاه معين، وحددت منذ البداية أولوية رأب الصدع بيننا وبين عدد من الدول العربية، وأولوية خياراتي العربية، دون أن يعني ذلك أنني أردت الاصطدام مع أحد آخر، وأولويتي الأخرى كانت مركزية القضية الفلسطينية، والانفتاح على العالم. بعضهم قال: الانفتاح على الشرق والغرب. وأنا قلتُ: نذهب حيث نجد لنا مصلحة. وباختصار، أولوياتي كانت رأب الصدع في علاقاتنا العربية، وفي المؤتمرات العربية التي شاركت فيها، كنت أركز على إعادة ترتيب العلاقات العربية - العربية، والذهاب نحو الإخوة العرب، وهذه ليست قناعة شخصية بل هي قناعة أساسها أن مصلحة لبنان تكمن في ذلك، دون أن يعني الاصطدام مع أحد. نريد بناء علاقات على أسس واضحة وشفافة تقوم على احترام الآخر والأسس المتعارف عليها في العلاقات بين الدول.
> في موضوع الحياد: هل المقصود بالحياد «النأي بالنفس»؟ أم الحياد القانوني الذي له أسسه ومبادئه وتبعاته؟
- في الحوار الدائر في لبنان، هناك التباس بين الحياد بمفهومه القانوني والحياد الإيجابي. لبنان لا يستطيع أن يكون محايداً بالمفهوم القانوني، وهو عضو مؤسس في الجامعة العربية، وهناك نزاع بين العرب وإسرائيل. لكن أسارع إلى القول إن لبنان لا يتعين أن يكون شبيهاً بـ«هانوي»؛ إنْ للثورة الفلسطينية أو غير الفلسطينية، أو أن يكون ملعباً للصراعات العربية أو غير العربية مع إسرائيل أو مع أطراف أخرى. لبنان لا يستطيع أن يكون محايداً لكن يمكنه التصرف كما تتصرف جميع الدول العربية. الدولة هي المسؤولة. ومن هذا المنطلق، فإن الحياد القانوني غير ممكن، لأننا دولة عربية ولا يمكن الحياد فيما يتعلق بالصراع مع إسرائيل. والحياد الإيجابي في نظري البقاء بعيداً عن سياسة المحاور، وأحلاف رسمية أو غير رسمية، بل المحافظة على التوازن. ليس المطلوب النأي بالنفس بل الانخراط في دبلوماسية نشطة، إن لم يكن مباشرة فبالتعاون مع دول أخرى في الاتجاه نفسه لرأب الصدع وإطفاء الحرائق واحتواء النزاعات؛ لأن لنا مصلحة، إذ إن انفجارها سيؤثر سلباً على لبنان. وهذا مفهومنا للدبلوماسية النشطة.
> هل لبنان على عتبة حرب جديدة بين إسرائيل و«حزب الله»؟ أم أن المعطى الدولي «يفرمل» التوجه نحو النزاع؟ هل لإيران مصلحة اليوم في ذلك؟
- لا أعتقد أن لأي طرف اليوم مصلحةً في نشوب حرب مفتوحة لأسباب خاصة به، لكن خوفي دائماً أن التصعيد المدروس قد لا يبقى تحت السيطرة. التصعيد هدفه توجيه رسائل. وفي ملف الصراعات، هناك ما يسمى «قواعد اللعبة». لكن أحياناً ما يمكن أن نسميه «دعسة ناقصة أو زائدة» يمكن أن تفضي إلى نزاع واسع. لكن لا أعتقد أن هناك توجهاً اليوم نحو الحرب. وأود أن أضيف أنه عند الحديث عن استراتيجية دفاعية للبنان، فالمقصود ليس المسائل العملانية، ولكن من يقول «قرار الرد» (أي الدخول في الحرب)، وهذا يجب أن يكون بين يدي مجلس الوزراء.



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.