واشنطن «تعترف» سياسياً بـ«الإدارة الكردية» وتُغضب أنقرة ودمشق

بعد موافقتها على توقيع شركة أميركية عقداً لاستثمار النفط شمال شرقي سوريا

عربة أميركية قرب بئر للنفط في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
عربة أميركية قرب بئر للنفط في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
TT

واشنطن «تعترف» سياسياً بـ«الإدارة الكردية» وتُغضب أنقرة ودمشق

عربة أميركية قرب بئر للنفط في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
عربة أميركية قرب بئر للنفط في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

اعتبر قيادي كردي سوري موافقة إدارة الرئيس دونالد ترمب لشركة أميركية على توقيع اتفاق مع قائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي لاستثمار النفط شرق الفرات «خطوة سياسية لـلاعتراف بالإدارة الذاتية وضمان بقاء الجيش الأميركي» ما يساهم في تشجيع القامشلي للابتعاد أكثر عن دمشق و«قطع صلات» مع «أثرياء حرب» كانوا يقومون بدور الوساطة لنقل النفط إلى مصفاتي حمص وبانياس في مناطق سيطرة الحكومة.
وكان السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، المقرب من الرئيس ترمب، قال أمام الكونغرس بحضور وزير الخارجية مايك بومبيو ليل الخميس - الجمعة إن عبدي أبلغه بتوقيع اتفاق مع شركة أميركية لاستثمار النفط. وزاد: «هذه أفضل وسيلة لمساعدة الجميع في هذه المنطقة». وأعرب بومبيو عن دعم الإدارة لهذا التوجه، وقال «إن الاتفاق أخذ وقتا أكثر مما كان متوقعا»، مضيفا: «نحن في إطار تطبيقه الآن».
وتطلب إبرام الاتفاق الحصول على استثناء من وزارتي الخارجية والخزانة باعتبار أن قطاع النفط ومؤسسات سورية كثيرة خاضعة لعقوبات من الحكومة الأميركية خصوصاً بعد بدء تنفيذ «قانون قيصر» منتصف شهر يونيو (حزيران) الماضي.
- حماية النفط
وحسب المعلومات المتوفرة لـ«الشرق الأوسط»، فإن عبدي أبلغ غراهام يوم الخميس بتوقيع الاتفاق مع شركة «ديلتا كريسنت إنيرجي» طالباً إبلاغ الرئيس ترمب بذلك، خصوصاً أن غراهام لعب دورا رئيسيا في إقناع ترمب في نهاية العام الماضي بالإبقاء على جنوده شرق الفرات بعد قرار سابق في بداية أكتوبر (تشرين الأول) بسحب بعض العناصر من حدود تركيا ما فتح الباب أمام توغل الجيش التركي وفصائل موالية لتأسيس منطقة «نبع السلام» بين رأس العين وتل أبيض شرق الفرات.
وبعد تدخلات من حلفاء واشنطن ومن غراهام، قال ترمب في 6 أكتوبر الماضي إن «عددا قليلا من الجنود» الأميركيين سيبقون في سوريا «في المناطق التي تحوي نفطا»، مؤكدا «قمنا بضمان أمن النفط». وتابع ترمب: «سنقوم بحمايته وسنقرر ماذا سنفعل في المستقبل». كما اقترح شخصيا أن تقوم الولايات المتحدة بـ«إرسال واحدة من كبريات المجموعات النفطية» لاستغلال النفط السوري. وأعلن وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر بعد ذلك: «نتخذ إجراءات لتعزيز موقعنا في دير الزور لمنع وصول داعش إلى الحقول النفطية». وأكد البنتاغون إرسال تعزيزات لحماية حقول النفط، بحيث بقي حوالي 500 جندي شرق الفرات مع رفع في عدد ونوعية المعدات العسكرية لتوفير حماية للآبار النفطية، إضافة إلى حوالي 100 في قاعدة التنف.
- «أثرياء الحرب»
ويتضمن الاتفاق، حسب المعلومات، تأسيس مصفاتي نفط متنقلتين شرق الفرات بحيث تنتجان حوالي 20 ألف برميل يومياً ما يساهم في سد قسم من حاجة الاستهلاك المحلي الذي كان يلبى عبر خراقات محلية الصنع وبدائية وساهمت في زيادة التلوث. كما يساهم الاتفاق في تقليص اعتماد الإدارة الذاتية على «أثرياء حرب» بينهم مجموعة قاطرجي التي تقوم بنقل النفط بين مناطق «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات ومناطق الحكومة السورية مقابل عمولة معينة، خصوصاً أن قاطرجي مدرجة على قائمة العقوبات الأميركية.
وكان إنتاج سوريا من النفط يبلغ حوالي 360 ألف برميل يومياً قبل 2011 وانخفض إلى حدود 60 ألف برميل. ويقع 90 في المائة من النفط السوري ونصف الغاز تحت سيطرة حلفاء واشنطن. وكان قسم من هذا النفط يستخدم محليا، فيما ينقل القسم الأكبر منه إلى مناطق سيطرة الحكومة كي يكرر ويعود جزء منه إلى شرق الفرات. كما كان يهرب قسم من النفط إلى تركيا عبر كردستان العراق.
- ورقة تفاوضية
هناك اعتقاد واسع بأن إدارة ترمب تحاول جعل الموارد النفطية للبلاد ورقة تفاوضية، مع أوراق أخرى (العقوبات، العزلة، الغارات الإسرائيلية، إدلب، وغيرها)، للضغط على دمشق وموسكو لقبول شروط كانت واشنطن حددتها، وتشمل ستة مطالب، هي: «وقف دعم الإرهاب، وقطع العلاقات العسكرية مع إيران وميليشياتها، والتوقف عن الأعمال العدائية ضد الدول المجاورة، والتخلي عن أسلحة الدمار الشامل، وتغيير الوقائع على الأرض وتنفيذ القرار الدولي 2254 بطريقة تسمح للنازحين واللاجئين للعودة في شكل طوعي، ومحاسبة مجرمي الحرب». وكانت واشنطن اقترحت على موسكو استغلال النفط السوري وإيداع الأرباح في صندوق للتنمية يوضع بتصرف الدولة بعد انتهاء النزاع. لكن «الروس لم تعجبهم الفكرة». ويعتقد مسؤولون أميركيون أنهم يحققون «مكاسب استراتيجية باستثمارات عسكرية بسيطة» بينها التموضع قرب الموارد الطبيعية لسوريا. وأظهرت واشنطن تصميمها على حرمان دمشق وموسكو من السيطرة على من النفط. وكان الجيش الأميركي وجه ضربة لمرتزقة روس حاولوا في بداية 2018 الاقتراب منها. وقال بومبيو في جلسة الكونغرس: «أستطيع أن أؤكد لكم أن الثلاثمائة روسي الذين كانوا في سوريا وهددوا أميركا ولم يعودوا في هذا العالم يفهمون هذا أيضا»، في إشارة إلى تلك الضربة.
- اعتراف سياسي
ويعتبر توقيع الاتفاق، الذي صار العمل عليه جاريا حوالي ثلاث سنوات، خطوة ذات بعد سياسي، ذلك أنه وقع في شكل مباشر بين شركة أميركية و«الإدارة الذاتية» من دون المرور عبر موافقة الحكومة السورية. وقال مسؤولون أكراد: «المغزى السياسي لتوقيع الاتفاق كبير ومهم وهو بمثابة الاعتراف»، إضافة إلى أنه «يخفف القلق من احتمال انسحاب أميركي مفاجئ من شرق الفرات».
وللإدارة الذاتية مكتب في واشنطن وزارها بعض القادة السياسيين من «مجلس سوريا الديمقراطية». وحال تدخل أنقرة دون قيام عبدي بزيارة واشنطن، قائلة إنه قريب من «حزب العمال الكردستاني» المصنف تنظيما إرهابياً فيها. لكن العلاقات العسكرية والسياسية موجودة بين الطرفين، حيث يقيم السفير الأميركي ويليام روباك شرق الفرات.
ويتوقع أن تثير خطوة واشنطن هذه غضب أنقرة التي أعربت عن قلقها من قيام كيان كردي شمال سوريا. وأبرمت سلسلة تفاهمات مع موسكو لتقطيع أوصال هذا الكيان المحتمل على ضفتي نهر الفرات. وحرص الجانب التركي على إقناع روسيا وإيران بتضمين كل البيانات الرسمية الصادرة عن «مجموعة أستانة» مواقف واضحة ضد «الإدارة الذاتية» و«الأجندات الانفصالية»، مع التمسك بـ«وحدة سوريا وسيادتها».
كما يتوقع أن يثير الاتفاق حفيظة دمشق لأنه سيزيد من الضغوط عليها ويعمق الأزمة الاقتصادية فيها، إضافة إلى أنه «يساهم في تشدد موقف الأكراد من التفاوض معها»، حسب مصدر مقرب منها. وتقول دمشق إن «الإدارة الذاتية» لم تلتزم ببنود الاتفاق الذي أبرم في أكتوبر الماضي ونص على «تعاون عسكري وعودة رموز الدولة ومؤسساتها» إلى شرق الفرات، فيما يقول مسؤولون أكراد إن دمشق غير جادة في إجراء مفاوضات سياسية للوصول إلى تفاهمات حول العلاقة بين القامشلي ودمشق وطبيعة النظام اللامركزي لسوريا الجديدة.



الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.


1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
TT

1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)

خسرت الجماعة الحوثية أكثر من 1400 مقاتل من محافظة ذمار، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب صنعاء، خلال شهرين، في حصيلة محلية تكشف عن حجم الاستنزاف البشري المتصاعد في صفوفها، بالتزامن مع تكثيف أنشطتها التعبوية وإقامة معارض لصور قتلاها في مدينة ذمار و12 مديرية تابعة لها، ضمن مسعى لتحويل خسائرها المتلاحقة إلى أدوات للتحشيد والتجنيد وتعويض النقص في مقاتليها.

وقالت مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن قتلى الجماعة سقطوا في جبهات متفرقة، أبرزها تعز والضالع والجوف والساحل الغربي ومأرب، مشيرةً إلى أن معارض الصور ومواكب التشييع التي تشهدها المحافظة تكشف عن جانب من حجم الخسائر التي تتكبدها الميليشيات، في وقت تواصل فيه الدفع بمزيد من أبناء المحافظة إلى خطوط المواجهة لتعويض قتلاها.

الحوثيون يقيمون معارض صور قتلاهم لتمجيد ثقافة الموت (فيسبوك)

وخلال الأيام الماضية، كثفت الجماعة إقامة معارض صور لقتلاها في مدينة ذمار وبقية مديريات المحافظة، ضمن فعاليات أسبوعها السنوي المخصص للقتلى، مستغلةً المناسبة لتكريس خطابها التعبوي وتطبيع المجتمع مع الموت في الجبهات، بدلاً من الإقرار بالتكلفة الإنسانية الباهظة لمعاركها وما تخلّفه من مآسٍ في أوساط الأسر اليمنية.

معارض مفتوحة

في مدينة ذمار، حوَّلت الجماعة الحوثية عدداً من الأحياء والشوارع الرئيسية والمدارس والمساجد والمقرات الحكومية إلى معارض مفتوحة لصور مئات من قتلاها، بينهم أطفال وصغار سن، سقطوا في جبهات القتال المختلفة، وفقاً للمصادر المحلية.

وامتدت الفعاليات إلى مديريات وصاب العالي، وعنس، وضوران آنس، ووصاب السافل، ومغرب عنس، وجبل الشرق، وجهران، وميفعة عنس، والحداء، والمنار، وعتمة، حيث نصبت الجماعة المعارض والخيام لعرض صور القتلى، في مشهد يعكس اتساع نطاق خسائرها ومحاولاتها توظيفها في خدمة أجندتها العسكرية والتعبوية.

معرض أقامه الحوثيون لصور قتلاهم من مدينة ذمار (إعلام حوثي)

ولم تقتصر المعارض على قتلى الجبهات، بل شملت، حسب المصادر، فئات مرتبطة بالتعبئة العامة والحشد والأقسام الأمنية، إلى جانب موظفين في المكاتب الحكومية، بمن فيهم العاملون في القطاع التربوي والطلبة الذين دفعت بهم الجماعة إلى جبهات القتال.

وفي مؤشر على محدودية التجاوب الشعبي مع فعاليات الجماعة، كشفت المصادر عن ممارسة الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في مناطق متفرقة من ذمار لإجبارهم على تنظيم زيارات جماعية إلى معارض القتلى، غير أن هذه المساعي لم تحقق الإقبال الذي كانت تتطلع إليه الجماعة، إذ وصفت المصادر الحضور بأنه «باهت»، رغم محاولات فرض المشاركة.

مواكب تشييع

بالتوازي مع المعارض، واصلت الجماعة الحوثية تنظيم مواكب تشييع قتلاها، وإغراق الشوارع والحارات والأزقة في المدينة ومديريات المحافظة بصورهم وشعاراتها الطائفية، ضمن حملة دعائية تسعى من خلالها إلى إظهار التعبئة بوصفها حالة شعبية، رغم ما يصاحبها من ضغوط على السكان الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية.

ويؤكد ناشطون من ذمار أن تكثيف إقامة معارض القتلى يعكس حجم النزيف البشري في صفوف الجماعة، موضحين أنها تستغل فعالياتها السنوية لتجديد خطابها التعبوي واستهداف صغار السن والموظفين الخاضعين لسلطتها، بدلاً من التعامل مع الخسائر بوصفها مأساة إنسانية تطول الأسر والمجتمع.

الحوثيون يجبرون السكان على الاحتشاد لزيارة مقابر القتلى في ذمار (إكس)

وحذر الناشطون من أن تحويل صور القتلى إلى أدوات للتحشيد يفتح الباب أمام مزيد من الاستنزاف، عبر دفع شباب جدد إلى الجبهات لتعويض النقص في صفوف الميليشيات، بما يفاقم معاناة الأسر ويُبقي المحافظة رهينة دوامة متواصلة من الخسائر البشرية.

وفي وقت يواجه فيه الملايين في مناطق سيطرة الحوثيين أوضاعاً معيشية وإنسانية متدهورة، قدرت مصادر يمنية مطلعة أن الجماعة أنفقت مليارات الريالات اليمنية (الدولار 535 ريالاً) على طباعة صور قتلاها، وتجهيز المعارض، وتنظيم الفعاليات المصاحبة لها في مناطق سيطرتها، في وقت تكافح فيه أسر كثيرة لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط الفقر وتراجع القدرة الشرائية.

وتكشف هذه النفقات عن اختلال أولويات الجماعة، التي تخصص موارد كبيرة لأنشطتها الدعائية والتعبوية، بينما تتفاقم الأعباء المعيشية على السكان وتتراجع قدرتهم على توفير متطلبات الحياة اليومية.


تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
TT

تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية يومها الرابع والعشرين، الأربعاء، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز؛ حيث كثّفت الجماعة الحوثية هجماتها على قرى ومديريات صبر، في محاولة للوصول إلى جبل صبر الاستراتيجي المطل على المدينة، بالتزامن مع استمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب، وسط ضربات جوية استهدفت مواقع للجماعة في مناطق متفرقة.

وتتركز المواجهات في جبهات الشقب وكحلان والأقروض؛ حيث تسعى القوات الحوثية، وفق تقديرات ميدانية، إلى السيطرة على مواقع تتيح لها إغلاق الطرق الجبلية البديلة التي يستخدمها السكان والقوات الحكومية للتنقل بين مديريات الريف الجنوبي، بما يُعزز عزل المدينة، ويُقيد حركة الإمدادات والإسناد العسكري.

وتكتسب هذه الجبهات أهمية إضافية لكونها تربط مديريات صبر والموادِم والمسراخ بالريف الجنوبي لتعز، ويؤدي اختراقها، حسب التقديرات الميدانية، إلى عزل القوات المدافعة عن بعضها وقطع خطوط الإسناد عنها، في وقت تحاول فيه الجماعة تعويض خسائرها وتراجعها في الجبهات الغربية، خصوصاً تلة الميدان ومحيط طريق الضباب.

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

وتحدّثت أنباء ميدانية عن معارك عنيفة في جنوب جبل صبر، تركزت في جبهتي كحلان والشقب، وسط ترجيحات بأن الجماعة شنت هجوماً سعت من خلاله إلى انتزاع مواقع من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية المدافعة عن المنطقة.

وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من التصدي لهجوم حوثي استهدف قريتي كحلان وحمة في مديرية المسراخ جنوب تعز، فيما تواصلت المواجهات في المحاور الغربية للمدينة بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت مواقع الجماعة وتعزيزاتها.

مركبات مصطفة من قوات «درع الوطن» على جانب طريق عقب عملية عسكرية في منطقة باب المندب (رويترز)

وفي محور باب المندب، أعلنت قوات «درع الوطن» و«ألوية العمالقة الجنوبية» تنفيذ عملية عسكرية سيطرت خلالها على مرتفعات ومواقع استراتيجية، وأوقعت خسائر بشرية ومادية في صفوف الحوثيين. وتواصل القوات، بدعم جوي من التحالف، عملياتها ضد جيوب الجماعة المتبقية في المنطقة، والمتحصنة في التلال والمناطق المزروعة بالألغام.

وامتدت الضربات الجوية، وفق المعطيات الميدانية، إلى المخا وحرف سفيان شمال محافظة عمران، في إطار اتساع نطاق العمليات التي تستهدف مواقع الجماعة وتحركاتها.

مئات العمليات العسكرية

في سياق العمليات العسكرية، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، تنفيذ 1382 عملية استهداف خلال يوم الثلاثاء، قال إنها طالت مراكز القيادة الميدانية والتحصينات ومصادر النيران والتجمعات العسكرية والاحتياطيات ووسائل الحركة والإمداد التابعة للحوثيين.

وأوضح النزيلي أن وحدات محور تعز والمقاومة الشعبية نفذت، بإسناد من الطيران الحربي، إغارات وهجمات منسقة أسهمت، وفق البيان، في إحباط محاولات الجماعة استعادة المواقع التي فقدتها، وتحقيق تقدم ميداني، وتعزيز السيطرة النارية على عدد من المواقع والمرتفعات.

جندي يمني في تعز يستعد لتلقيم مدفع بقذيفة خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ف.ب)

وأضاف أن القوات الحكومية أحبطت محاولات تسلل حوثية في جبهات باب المندب وذوباب والمضاربة، واستهدفت تعزيزات وآليات للجماعة، بالتزامن مع استمرار العمليات في المحاور الشمالية والشمالية الغربية والجبهة الشرقية شرق صنعاء، باستخدام المدرعات والمدفعية والطيران المسيّر.

وذكر البيان أن العمليات أسفرت عن تحييد نحو 440 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 146 آلية وعربة ووسيلة نقل عسكرية وقطعة سلاح ثقيل ومعدة قتالية، مؤكداً استمرار الضغط على مواقع الحوثيين وتحركاتهم بين الجبهات.

وفي تطور موازٍ، اتهم النزيلي الحوثيين بتشويه جثامين عدد من الجنود الذين تسلمتهم القوات المسلحة اليمنية عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وقال إن الجهاز الطبي في المستشفى العسكري بتعز وثق صب مواد كيميائية حارقة على الجثامين وتكسير أطرافها وطمس معالم الوجوه.

وعدّ النزيلي هذه الأفعال انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، مطالباً الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بفتح تحقيق مستقل لتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم. واستشهد بحوادث سابقة قال إن الجماعة ارتكبتها بحق أسرى وجنود، بينها قضية العميد حسين العصيمي عام 2020، وحوادث تسليم جثامين جنود احتجزتهم الجماعة في الجوف عام 2023.

دعوة لتحرك أوروبي

سياسياً، دعا رئيس «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني رشاد العليمي، الاتحاد الأوروبي إلى تبني قرار البرلمان الأوروبي الداعي إلى إدراج الحوثيين، بأجنحتهم السياسية والعسكرية وقياداتهم وأجهزتهم الأمنية، على قائمة المنظمات الإرهابية.

وقال العليمي، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، إن الحكومة اليمنية تعوّل على تحويل الموقف السياسي الأوروبي إلى إجراءات قانونية واقتصادية ودبلوماسية للضغط على الجماعة ووقف هجماتها.

وحسب الإعلام الرسمي، حذّر العليمي من أن استمرار الهجمات داخل اليمن وعبر الحدود، واستهداف الملاحة الدولية، يرفع تكلفة التأخير في اتخاذ إجراءات أوروبية، مشيراً إلى ما وصفه بانتهاكات الجماعة بحق المدنيين والمطارات والمنشآت الحيوية، وحصار المدن واحتجاز العاملين الأمميين والإنسانيين.

كما تناول الاتصال الأوضاع الإنسانية في تعز، إذ اتهم العليمي الحوثيين بعرقلة وصول المياه والمشتقات النفطية والاحتياجات الأساسية، وممارسة القتل والتنكيل والاعتقال والتهجير القسري، مؤكداً استمرار عملية «فجر اليمن» حتى إنهاء التهديد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

ونقلت المصادر الرسمية اليمنية عن كوستا تأكيد دعم الاتحاد الأوروبي لـ«مجلس القيادة الرئاسي» والحكومة اليمنية، ومساندة الشعب اليمني، مشيراً إلى متابعة التطورات الميدانية والاحتياجات الإنسانية الملحّة في تعز ومناطق أخرى، والعمل على تعزيز الاستجابة الإنسانية بالتنسيق مع الحكومة والشركاء المعنيين.