قراءة متأنية في «الاتفاق» الصيني ـ الإيراني

حكّام طهران يعرضون بلدهم للبيع... وعقوبات واشنطن تهدد «صفقتهم» مع بكين

قراءة متأنية في «الاتفاق» الصيني ـ الإيراني
TT

قراءة متأنية في «الاتفاق» الصيني ـ الإيراني

قراءة متأنية في «الاتفاق» الصيني ـ الإيراني

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن «اتفاق استراتيجي» بين الصين وإيران مدته 25 سنة. وقالت بعض التعليقات، إنه يكشف عن حسابات مشتركة بين البلدين، تعتبر أن الولايات المتحدة باتت ضعيفة، وأن خياراتها تضيق في مواجهة التحديات الدولية، خصوصاً مع قرب انتهاء قرار الحظر الدولي للسلاح عن إيران. فهل لا تزال الولايات المتحدة، حقاً، قادرة على الوقوف في وجه التحديات التي تشكلها سياسات الصين الدولية والإقليمية، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط؟ ومع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية، وسواءً فاز الرئيس دونالد ترمب أو خسر أمام منافسه الديمقراطي جو بايدن، هل يمكن للاتفاق الصيني - الإيراني أن يشكل تهديداً استراتيجياً للولايات المتحدة، ويجبرها على العودة للاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط، وليس فقط بمنطقة بحر الصين، بحسب الاستراتيجية الدفاعية الأميركية؟
تتعرّض سياسة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على خصومها الدوليين لانتقادات من الداخل والخارج، ويشكك مراقبون فيما إذا كانت لا تزال سلاحاً ناجعاً لمعاقبة الدول، مع ظهور المزيد من القوى الدولية القادرة على الأقل، على التهرّب من العقوبات الأميركية؛ ما يعني أن الأمر بات يتطلب مقاربة جديدة من قبل واشنطن. وبالفعل، يرى البعض أن تراجع الاستثمارات الأميركية الدولية والتنموية في العالم، سمح لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية بالتقدم نحو فرض حضور عالمي لبكين.
وفي هذا الشأن، نتطرق إلى جملة أسئلة طرحتها «الشرق الأوسط» في ملف خاص عن الاتفاق الصيني - الإيراني، تلقت فيه مساهمات من متحدث باسم الخارجية الأميركية، ومن محللين متخصّصين في الشأنين الإيراني والصيني.
- الصين «ستشتري» إيران
يقول وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، إن استراتيجية الدفاع الوطني هي مفتاح نجاح الولايات المتحدة للمضي قدما في منافسة القوى العظمى. إذ أن «التحديات التي تشّكلها لنا الصين أولاً، ثم روسيا ثم دول أخرى، تفرض علينا مواصلة جهودنا على مسارات ثلاثة: بناء المزيد من الأسلحة الفتاكة وضمان الجهوزية، وتعزيز حلفائنا وبناء الشراكات، وأخيراً، تأهيل وإصلاح وترشيق وزارة الدفاع».
ووصفت بعض التعليقات «تسريب» الأنباء عن الاتفاق، بأنه قد يكون جزءاً من لعبة «عض الأصابع» الجارية بين القوى الكبرى، قبيل انتهاء صلاحية القرار الدولي 2231 في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل الذي يحظر السلاح عن إيران. ويطرح البعض تساؤلات عن الأسباب التي تمنع كشف تفاصيل هذا الاتفاق الذي مضى نحو أربع سنوات على تداوله للمرة الأولى، أو على الأقل تنفيذ اتفاقاتهما الكثيرة السابقة التي لا تزال حبراً على ورق. وهو ما يعزّز الاعتقاد برغبة القوى المنافسة للولايات المتحدة في ممارسة الضغوط عليها في هذا الوقت بالذات، للوصول إلى «تسويات» معها، ستدفع إيران ثمنها في نهاية المطاف؛ لأن ما تعرضه الصين ليس أقل من «شراء البلد» ورهنه لأكثر من ربع قرن.
ولكن ثمة مَن يرى أسباباً أخرى تقف وراء هذا المشروع الصيني - الإيراني. ومن هؤلاء مَن يتحدّث عن «رعونة» غير مسبوقة للقيادة الصينية الحالية، التي باتت ترى أن بإمكانها المضي في مخطّطاتها التوسعية، حتى ولو انتهت بكارثة على الشعب الصيني في ظل ملفات كبيرة مفتوحة في وجهها.
الأمر لا يقتصر على ما يحيط بمشروع «الحزام والطريق» من مُلابسات، بل وحول ممارسات الصين التجارية غير المقبولة والحرب التجارية التي دخلتها مع واشنطن، وملفات التجسّس الإلكتروني واستخدام منصاتها وشركاتها الكبرى في هذه الجهود وحرب القنصليات، وضربها عرض الحائط للاتفاقات الدولية حول هونغ كونغ، وتهديدها للملاحة البحرية والسيطرة على الجزر في بحر الصين الجنوبي ولجزيرة تايوان، وممارساتها اللاإنسانية تجاه أقلية الإيغور المسلمة، وصولاً إلى مسؤوليتها السياسية والأخلاقية عن أزمة فيروس «كوفيد – 19» التي قد يكون للعالم حساب آخر معها، عندما تهدأ عاصفة الجائحة.
- ابتزاز سياسي أم حقيقة
صحيفة «النيويورك تايمز» التي أفادت بأنها اطلعت على نسخة من الاتفاق الواقع في 18 صفحة، لم تكشف عن جديد في علاقة الصين وإيران المعقدة أصلاً. إلا أنها أبرزت العامل السياسي الذي يندرج ضمن خانة الاختلاف القائم مع سياسات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في عدد من الملفات الخارجية والداخلية، فقالت إن من شأن هذا الاتفاق «أن يقوّض جهودها لفرض عزلة على الحكومة الإيرانية بسبب طموحاتها النووية والعسكرية».
لكن التسريبات المفصلة عن هذا «الاتفاق الاستراتيجي» جاءت في تقرير مطوّل نشره موقع «أويل برايس دوت كوم» الأميركي، الذي استقى معلوماته من مصادر «رسمية إيرانية»؛ ما يرفع من شبهة المناورة والاستخدام السياسي والابتزاز الذي تمارسه الصين وروسيا وإيران، ليس فقط تجاه الولايات المتحدة، بل تجاه العالم كله أيضاً، وبخاصة، دول المنطقة.
- نظام مفلس يبيع البلد
يقول ريتشارد غولدبرغ، كبير المستشارين في «معهد الدفاع عن الديمقراطيات»، الذي شغل العام الماضي منصب مدير «قسم محاسبة إيران عن أسلحة الدمار الشامل» في مجلس الأمن القومي «ليس من المستغرب أن يبيع نظام مفلس آيديولوجياً كنظام إيران، الأصول الاقتصادية للشعب الإيراني إلى الحزب الشيوعي الصيني لدرء الانهيار المالي». ويضيف غولدبرغ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأمر يبدو وكأنه عمل يائس أكثر منه تحد؛ إذ من الصعب معرفة مقدار ما يتضمنه من تأطير لأغراض الدعاية وكم هو حقيقي. لقد رأينا الكثير من الإعلانات على مدى سنوات من الاستثمارات الصينية في إيران التي فشلت بسبب التهديد بفرض عقوبات أميركية. والأخبار السيئة لكل من إيران والصين هي أن هذه العقوبات، حقاً، تجعل غالبية الصفقات صعبة للغاية، وبمجرد ترجمة الاتفاق المسرّب وتحليله، سيتحوّل «خريطة طريق» للمفتشين الماليين الأميركيين في وزارتي الخزانة والخارجية.
غولدبرغ يعتقد أن الصين لا تزال ضعيفة نسبياً في قدرتها على نشر قوتها العسكرية بعيداً عن حدودها؛ لذا فإن هدفها الاستراتيجي هو بناء علاقة مع «دولة - زبون» في المنطقة تحكم بلداً مفلساً تسلمها موارده الطبيعية مقابل الاستثمار في البنية التحتية ومبيعات الأسلحة. ويرى أنه إذا استطاعت واشنطن إعادة فرض العقوبات على إيران في مجلس الأمن الدولي واستعادة حظر الأسلحة إلى أجل غير مسمى، وواصلت حملتها القصوى للضغط، سيكون من الصعب للغاية على الصين تهديد الأمن الأميركي في المنطقة. وإذا قررت بكين الانفتاح «الشامل» على إيران فهذا سيكون دافعاً لواشنطن وغيرها من صانعي السياسة الخارجية إلى تسليط الضوء على سياساتها. وتاريخياً، كان للصين دائماً شبكات غير مشروعة تبيع قطع الصواريخ إلى إيران، وسمحت لبعض العملاء والشركات الفاعلة غير المملوكة من الدولة باستيراد النفط الإيراني. لكن مع هذا الاتفاق سيتحول الوضع إلى علاقة حكومية ودفاعا كاملا عن نظام طهران، وسيسهم ذلك فقط في عزلة بكين الدولية خلال الشهور والسنوات المقبلة.
- لا كسر للعقوبات الأميركية
حتى الآن لم تتمكن الصين من كسر العقوبات الأميركية بأي طريقة ذات معنى، والاتفاق على الورق مع تطلعات تجارية، لا يعادل تفادي العقوبات. وإذا كانت الصين ترغب في تعريض نظامها المصرفي والمؤسسات الكبرى الأخرى المملوكة من الدولة لسلطة العقوبات الأميركية، فسيعاني الاقتصاد الصيني بشدة، وهذا هو السبب في أنها لم تفعل حتى الآن.
ويؤكد غولدبرغ، أن وزارة الخارجية الأميركية و«الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» ما زالتا رائدتين في المساعدات الخارجية وأعمال التنمية، و«ما من دولة في العالم ساعدت المزيد من الناس على الخروج من براثن الفقر والحصول على المياه النظيفة والبقاء على قيد الحياة وتحقيق التعليم الأساسي أكثر من الولايات المتحدة. وبخلاف الصين، نحن لا نبتز الدول المتلقية ولا نصفي الموارد الطبيعية للبلدان. ونأمل أن تنضم المزيد من الدول ذات التفكير المماثل إلى (شبكة النقطة الزرقاء) التي أطلقت حديثاً لمواجهة مبادرة (الحزام والطريق) الصينية».
متحدث باسم الخارجية الأميركية – طلب إغفال اسمه – قال في مساهمته بهذا الملف، إن الولايات المتحدة «قوة من أجل الخير» في المنطقة، وهي تسعى إلى معالجة مشاكلها من خلال العمل مع شركائها عبر تعزيز مصالحهم، وبما يراعي مصالحها أيضاً. لكن بكين تدعم جهود طهران الخبيثة لإثارة الفتنة والإرهاب عبر المنطقة بتوفيرها شرياناً حيوياً لاقتصاد إيران، ما يقوّض الجهود الدولية للضغط على طهران لتغيير سلوكها المزعزع للاستقرار. وذكر المتحدث، أن واشنطن «ساهمت منذ عام 2011 فقط بأكثر من 58 مليار دولار في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعملت في جميع القطاعات لتعزيز الاستقرار والازدهار، ونشطت مع الحكومات لمكافحة الأعداء المشتركين الساعين إلى بث الفوضى والدمار. وفي المقابل تقوم بكين بتعزيز مصالحها الخاصة، وغالباً على حساب شركائها. إن ثمة تاريخاً صينياً محبطاً ومخيّباً للآمال من الالتزامات وانتهاك المعايير الدولية التي ساءت في السنوات الأخيرة بدلاً من أن تتحسن، في حين تلتزم واشنطن برؤية مختلفة تقوم على الازدهار المشترك والأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي والشراكة الدائمة».
ثم قال «هذه مساهمات لا يمكن للصين مجاراتها، بينما هي تدعم التدخل الإيراني الخبيث في الشؤون الداخلية لجيرانها وتقويض المبدأ الأساسي للسيادة، وعدم التدخل الذي تدّعي الصين حرصها عليه. علاوة على ذلك، هناك كيانات وأفراد صينيون لهم أيضاً تاريخ مقلق في دعم برامج إيران النووية والصاروخية الباليستية، فضلاً عن مواصلة تحدي القرار الدولي الرقم 2231؛ لذا فرضنا أخيراً عقوبات على أكثر من 12 من أفراد وكيانات صينية». وتابع «خارج منطقة الشرق الأوسط، أنتم على دراية بالكثير من الاعتداءات على مدى الأسابيع القليلة الماضية وحدها، من توسيع جهاز الأمن الصيني إلى هونغ كونغ وخارجها إلى التقارير عن عمليات التعقيم القسري وغيرها من ممارسات تنظيم الأسرة القسرية في إقليم شينجيانغ، حيث أقلية الإيغور المسلمة». ثم أردف «بعض ما يحدث الآن هناك من قمع ثقافة ودين معيّن بوحشية؛ لأنه لا يتناسب مع رؤية بكين الشيوعية للعالم، حدث أيضاً على مدى عقود في إقليم التيبت. لذلك؛ لم نقف مكتوفي الأيدي في وجه هذا العداء. لقد فرضنا عقوبات مالية وقيوداً على التأشيرات، وأصدرنا إرشادات تجارية، ونفكّر في اتخاذ تدابير إضافية لفرض تكاليف على انتهاكات بكين. وحيال إيران، فإن عقوباتنا أوسع، لكنها واضحة في نطاقها، وبالتأكيد سنفعل ذلك فيما يتعلق بالنشاط الخاضع للعقوبات بين إيران والصين. العقوبات أدوات مهمة وسنواصل استخدامها بالتنسيق الوثيق مع شركائنا وحلفائنا الدوليين، كما أن العمل معهم لتمديد حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على إيران أولوية قصوى».
- نظامان... وضغط واحد
المتحدث دافع عن السياسة الخارجية الأميركية واستراتيجية الدفاع للنهوض بمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، قائلاً إنها «لم تكن استجابة لاتفاقيات اسمية من قبل نظامين يجدان نفسيهما تحت ضغط متزايد بسبب انتهاكاتهما الداخلية والخارجية... نحن لا نتوقع من الدول أن تختار بين الولايات المتحدة والصين، بل يجب وينبغي عليها أن تقيم علاقات قوية معنا. نريد من الدول أن تعي التكاليف التي ستتكبدها لقاء ارتباطات معينة مع الصين الشعبية، من سيادتها واستقرارها الإقليمي، وتأثيرها على النظام الدولي القائم على القواعد الذي وفر الأمن والازدهار لعقود». وأضاف «يجب ألا نخلط القروض الصينية بالاستثمارات الأميركية التي يقودها القطاع الخاص. أساس مبادرة (الحزام والطريق) هو تمويل القروض الذي يتعين على البلد المتلقي سدادها. وهذا يختلف تماماً عن الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تبقى الأموال في الدولة. والكثير من ردود الفعل السلبية التي واجهتها الصين في تلك الدول في السنوات الأخيرة يعود إلى أن الشركات الصينية المملوكة من الحكومة الصينية، والتي تنفذ مشاريع البنية التحتية في الخارج، أولاً، لا تقدّم بنية تحتية ذات قيمة وجودة عالية مقابل المال على المدى الطويل... وثانياً، تتجاهل الحوكمة الرشيدة وحماية البيئة والأوضاع الاجتماعية، ولا تيسر نقل التكنولوجيا وبناء القدرات التي تحتاج إليها البلدان النامية».
وتابع المتحدث «... ثم إن الشفافية مشكلة كبيرة أخرى. فبكين تحافظ عمداً على سرية تفاصيل هذه القروض، مفضلة التفاوض عليها عبر صفقات مبهمة في الغرف الخلفية التي تضع الدول المتلقية في مواقف ضعيفة. ونتيجة لذلك؛ تركت بكين سلسلة من الفساد في الكثير من بلدان (الحزام والطريق). وهو ما يتعارض مع أساليب الولايات المتحدة في إدارة عملها، التي لا مجال لمقارنتها مع الأساليب القسرية الاقتصادية للصين. إن ما نقدمه بديلٌ إيجابي شفاف يقوده القطاع الخاص مع سجل حافل في تحقيق النمو المستدام، والحد من الفقر وتعزيز الابتكار التكنولوجي. والبلدان النامية تفهم هذا التمييز. لذا؛ ليس من قبيل المصادفة أن هذه الصفقة المفترضة تواجه معارضة قوية من الطيف السياسي في إيران، حيث يعارض الناس بشدة فكرة الاعتماد المتزايد على الصين».
- استثمارات في البنى التحتية... ومعالم استراتيجية ـ عسكرية بمشاركة روسية
> يقول تقرير «أويل برايس دوت كوم» المشار إليه سابقاً «إن أحد العناصر السرية للصفقة الموقعة العام الماضي هو أن الصين ستستثمر 280 مليار دولار أميركي في تطوير قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات في إيران. وسيوضع هذا المبلغ مقدماً في فترة السنوات الخمس الأولى من صفقة الـ25 سنة الجديدة، أما المبالغ الإضافية فستكون متاحة في كل فترة خمس سنوات لاحقة، بشرط موافقة الطرفين». ويضيف التقرير، «سيكون هناك استثمار آخر بقيمة 120 مليار دولار أميركي، يمكن تحميله مرة أخرى في فترة السنوات الخمس الأولى، لتطوير البنية التحتية للنقل والتصنيع في إيران، وسيخضع مرة أخرى للزيادة في كل فترة لاحقة إذا وافق الطرفان. في المقابل بداية، ستُمنح الشركات الصينية الخيار الأول للمزايدة على أي مشاريع جديدة - أو متوقفة أو غير مكتملة - للنفط والغاز والبتروكيماويات في إيران. وستتمكن الصين أيضا من شراء جميع منتجات النفط والغاز والكيماويات بتخفيض مضمون بحد أدنى 12 في المائة لمتوسط سعر ستة أشهر للمنتجات القياسية القابلة للمقارنة، بالإضافة إلى ما بين 6 و8 في المائة أخرى من هذا المقياس لتعويض المخاطر المعدلة. كما ستمنح الصين الحق في تأخير السداد لمدة تصل إلى سنتين، والأهم من ذلك أنها ستكون قادرة على الدفع بعملات ميسّرة حصلت عليها من ممارسة الأعمال التجارية في أفريقيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق».
ويضيف التقرير، أنه وفق المصدر الإيراني نفسه، «بالنظر إلى أسعار الصرف المرتبطة بتحويل هذه العملات الناعمة إلى عملات صعبة يمكن أن تحصل عليها إيران من بنوكها الغربية الصديقة، تبحث الصين عن حسم آخر يتراوح بين 8 و12 في المائة، ما يعني حسماً إجمالياً يبلغ نحو 32 في المائة للصين على كل النفط والغاز ومشتريات البتروكيماويات».
جزء رئيسي آخر من العنصر السري للاتفاق هو أن الصين ستشارك بشكل متكامل في بناء البنية التحتية الأساسية لإيران، ما سيكون في توافق تام مع مشروع «الحزام والطريق». إذ تعتزم الصين الاستفادة من العمالة الرخيصة المتاحة حالياً في إيران لبناء المصانع التي ستموّل وتصمم وسيُشرف عليها من قبل شركات التصنيع الصينية الكبيرة ذات المواصفات والعمليات المماثلة لتلك الموجودة في الصين. وستتمكن المنتجات المصنعة النهائية بعد ذلك من الوصول إلى الأسواق الغربية عبر خطوط نقل جديدة، ستخططها الصين وتموّلها وتديرها.
أيضاً، أضيف للصفقة بعدٌ عسكري من شأنه «تغيير التوازن الكامل للقوى الجيوسياسية في الشرق الأوسط». إذ ادعى المصدر الإيراني لموقع «أويل برايس» أن ذلك سيشمل تعاوناً عسكرياً جوياً وبحرياً كاملاً بين إيران والصين، مع لعب روسيا أيضاً دوراً رئيسياً. وأردف المصدر «هناك اجتماع مقرّر في الأسبوع الثاني من أغسطس (آب) المقبل بين الخبراء الإيرانيين ونظرائهم الصينيين والروس، للموافقة على التفاصيل المتبقية ولكن، شريطة إتمام ذلك كما هو مخطط. واعتباراً من 9 نوفمبر (تشرين الثاني)، سيتاح للقاذفات الصينية والروسية والمقاتلات وطائرات النقل الوصول غير المقيد إلى القواعد الجوية الإيرانية. واستطرد «ستبدأ هذه العملية بمنشآت ذات الاستخدام المزدوج بنيت لهذا الغرض بجوار المطارات الحالية في همذان وبندر عباس وتشابهار وعبادان». وفي الوقت نفسه، ستكون السفن العسكرية الصينية والروسية قادرة على استخدام منشآت مزدوجة الاستخدام بنتها حديثاً الشركات الصينية في الموانئ الإيرانية الرئيسية تشابهار وبوشهر وبندر عباس.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.