مستكشفون يحيون الأطلال الحديثة

مستكشفون يحيون الأطلال الحديثة

قصص الأماكن والمباني المهجورة تجذب الاهتمام
الجمعة - 10 ذو الحجة 1441 هـ - 31 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15221]
نيويورك: كريستوفر ميلي

من وجهة نظر جيك ويليامز، لا شيء يعني النجاح الحقيقي بقدر الدمار والأطلال. كان ويليامز قد درس التسويق التجاري بالجامعة قبل أن ينسحب من الدراسة الجامعية والتفرغ للعمل بدوام كامل كمستكشف حضري. وفي إطار عمله، يبحث ويليامز ويروي قصصاً عن أماكن مهجورة.

ويحرص ويليامز على تصوير مغامرات، وبوصفه منتجاً بشركة «برايت صن فيلمز»، فإنه يتشارك في هذه المقاطع المصورة عبر موقع «يوتيوب». اللافت أن الموضوعات التي يدور حولها بعض أكثر فيديوهاته شهرة، مثل فندق «دايز إن» السابق أو أحد متاجر «وولمارت» المجهولة، تبدو عادية ومألوفة إلى حد كبير. ومع ذلك، فإن ما يجذب المشاهدين شعور بالفضول الشديد، حسبما أوضح ويليامز. وأضاف: «أعتقد أنه عندما يرى المرء مكاناً مجهولاً على جانب الطريق يتساءل في نفسه: «كيف وصل ذلك البناء إلى تلك الحالة؟».

جدير بالذكر أن حركة الاستكشاف الحضري تعود جذورها إلى منتديات قائمة بالفضاء الإلكتروني سمحت «لجميع غريبي الأطوار بالتواصل بعضهم مع بعض» والتشارك في معلومات حول أماكن ينصحون بزيارتها، حسبما أوضح ماثيو كريستوفر، مؤسس موقع «أباندوند أميركا».

من ناحية أخرى، قال درو سكافيلو، مؤسس «ذي تروث إن ديستركشن»، التي تتولى وضع تأريخ مصور لأماكن مهجورة، إنه عندما بدأ جهود الاستكشاف الحضري عام 2007، كانت هناك مجموعة قليلة من الأفراد تركز اهتمامها على مواقع في بوسطن وديترويت وفيلادلفيا. إلا أنه منذ ذلك الحين، اتسعت الحركة وتحولت إلى شبكة كبيرة واسعة تضم مختلف الفئات العمرية، من المراهقين حتى من هم في السبعين من العمر.

وأضاف سكافيلو أنه انجذب بشكل خاص إلى تصوير المصحات النفسية السابقة، والتي وصفها بأنها «تعاني من التجاهل وعدم التقدير» بسبب الوصمة المرتبطة بالمرض العقلي.

وفي عمله، لا يجري تطويق القطع الفنية المنتمية إلى حقب غابرة داخل صناديق زجاجية أو يجري تغليفها، وإنما بدلاً عن ذلك تبدو هذه القطع متاحة بسهولة أمام الجميع. على سبيل المثال، أشار سكافيلو إلى أنه خلال زيارة إلى مستشفى سابق كان تابعاً لولاية أيوا، عثر على جهاز المدار الذي كان يُستخدم في العمليات الجراحية، داخل خزانة.

وأعرب سكافيلو عن اعتقاده أن هذا أسلوب ملموس بدرجة أكبر بكثير للتواصل مع التاريخ عن «ارتياد متحف والمشاركة في جولة مخطط لها سلفاً. الحقيقة أنه في الكثير من الأوقات، تبدو بعض الأشياء التي جرى إهمالها مذهلة للغاية».

أما كريستوفر من «أباندوند أميركا»، فقد شرع في تصوير وتوثيق أماكن مهجورة بعد أن عمل لفترة داخل مؤسسة طبية خاصة تُعنى بالصحة الذهنية. وخلال عمله، علم من المرضى وزملائه عن مستشفى سابق كان تديره الولاية، مستشفى ولاية فيلادلفيا، والمعروف كذلك باسم «مستشفى بيبيري»، والذي أغلق أبوابه عام 1990. وقال إن مرضى سابقين بالمستشفى «جرى تخزينهم وطواهم النسيان وجرى محوهم من الذاكرة». ومن هناك، اكتشف مدارس ومصانع وفنادق ودور سينما مهجورة. وقال: «قبل أن أعرف ذلك، كنت مهووساً بالأمر».

وتجذب أحاديث وكتابات وصور كريستوفر جماهير من المتابعين يتحركون بدافع من إغراء المغامرة والفضول والحنين إلى الماضي والاهتمام الأكاديمي.

اللافت أن عمله يتجاوز كونه مجرد طرح لمحة من زمن مضى، وإنما يتضمن كذلك تعليقات على التأثيرات التي يتركها الإنسان على البيئة وثقافة التخلي والهجر لأشياء قيمة سادت المجتمع.

جدير بالذكر في هذا الصدد أن بعض المواقع التي تولّى توثيقها تنتمي إلى فترة كانت الولايات المتحدة تنافس أوروبا وتحاول التباهي بعظمتها. وقال كريستوفر عن ذلك: «كانوا يظنون أنهم يبنون مؤسسات ستبقى لقرون، لكن سرعان ما جرى هجرها».

ويشارك في وجهة النظر تلك بريان وايزمان ومايكل بيريندي، اللذان يتوليان إدارة موقع يطلقان عليه «ذي بروبر بيبول». أما الاسم، فقد جرى استلهامه من لافتة كانت معلقة فوق واحدة من البنايات التي زاراها يوماً ما وكانت عليها عبارة: «ممنوع الدخول - باستثناء الأفراد المناسبين».

من ناحيته، قال بيريندي: «من بين الموضوعات المشتركة التي نحاول تناولها في الفيديوهات التي ننفذها فكرة أن العالم الذي نعيش فيه زادت فيه معدلات التخلي عن الأشياء على نحو متزايد». ووصف أطلال بنايات تنتمي لعقد عشرينات القرن الماضي وما قبله، قائلاً: «إنها بنايات فخمة للغاية وتزدان بزخارف كثيفة تبهر الزائر».

وشرح أن من تولوا بناء هذه البنايات في حقب سابقة ربما كانوا يظنون أنهم يشيدون «أشياء دائمة، لذلك حرصوا على أن يبثوا فيها روحاً من الفن والإبداع والإتقان».

وذكر بيريندي أنه يشعر بتقدير خاص تجاه البنايات المنتمية إلى عقدي الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، لكن خلال العقود التالية أصبح يجري النظر إلى البنايات «بوصفها سلعاً، وليست أثراً دائماً فوق مساحة ما». وأضاف أن فن عمارة الماضي سيصبح «مذهلاً على نحو متزايد كلما زاد اعتمادنا في عالم البناء على خردة سابقة التجهيز».

جدير بالذكر أن وايزمان وبيريندي وثّقا زيارات لهما لمتنزهات ومراكز تسوق وفنادق سابقة. كما زارا محطة ضخمة لإنتاج الطاقة يعود تاريخ إنشائها لعام 1925، موقع يمكن وصفه بأنه «شديد الخطورة».

وهناك فيديو يَظهران فيه وهما يسيران بحذر بالغ عبر قناة ضيقة فوق حفرة مظلمة، بينما تتدلى من السقف قطعة من الخرسانة.

وخلال تنقلاتهما، واجه الاثنان أخطاراً أخرى، منها مواد كيميائية سامة مثل «بي سي بي» وألوان الطلاء بالرصاص والزئبق (خصوصاً داخل محطات الطاقة السابقة) وعفن وفضلات حمام. وكثيراً ما يتعرضان خلال رحلاتهما إلى إصابات وجروح وكدمات.

وتتسم مخاطرة أخرى بطابع قانوني، وتتمثل في إمكانية مواجهة تهمة التعدي على ممتلكات الغير. وفي سؤال له حول ما إذا كان يحرص دوماً على الحصول على موافقة ملاك المواقع التي يتولى زيارتها، أجاب كريستوفر بالنفي ضاحكاً.

كما واجه وايزمان وبيريندي من «ذي بروبر بيبول» بعض المشكلات مع سلطات إنفاذ القانون، لكن لم يتعرضا لإلقاء القبض عليهما قط. وأوضحا أن التوترات غالباً ما تهدأ عندما يشرحان للشرطة طبيعة عملهما.
- خدمة «نيويورك تايمز»


أميركا آثار

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة