من دبي إلى هوليوود: طريق السينما مفروش بالمنافسات

{الشرق الأوسط} في مهرجان دبي السينمائي الدولي 2

من «نظرية كل شيء»
من «نظرية كل شيء»
TT

من دبي إلى هوليوود: طريق السينما مفروش بالمنافسات

من «نظرية كل شيء»
من «نظرية كل شيء»

كان مثيرا للسرور لدى إدارة مهرجان دبي أن يجدوا أن فيلم ‬الافتتاح الذي تم مساء يوم الأربعاء الماضي هو أحد الأفلام الـ5 التي تم ترشيحها رسميا لجوائز «غولدن غلوبس». وانتشر هذا الخبر خلال حفل كبير لتقديم منحة 100 دولار من قبـل مؤسسة IWC السويسرية لأحد السيناريوهات الـ3 التي قام بتقديمها سينمائيون جدد يسعون لمثل هذا الدعم المهم.
بذا، وبينما كانت هوليوود تعيش حالة ما بعد إعلان ترشيحات «غولدن غلوبس» (ثاني أهم جوائز المناسبات السنوية بعد الأوسكار) كان مهرجان دبي يواصل تجديد حوافزه وعرض أفلامه الـ118 التي جيء بها لكي تشغل هواة السينما الحاضرين.

* شيرين المشغولة
* 3 مسابقات بلجنتي تحكيم؛ واحدة لـ«المهر الطويل»، وتشمل أفلاما عربية وأجنبية وهذه أودعت عناية لجنة تحكيم مؤلّفة من المخرج والمنتج الأميركي لي دانيالز («بريشوس» و«رئيس الخدم» من بين أخرى) وتضم المخرجة اللبنانية نادين لبكي والممثلة الأميركية فرجينيا مادسن والمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل والمخرج والمصور الهولندي رتيل هلمريتش.
المسابقة الثانية لـ«المهر الإماراتي» والثالثة للأفلام القصيرة، وكلتاهما تنضوي تحت لجنة تحكيم واحدة من عضوية المخرجة الفلسطينية - الأميركية شيرين دعيبس وكاتب السيناريو محمد حسن أحمد وكاتب هذه السطور رئيسا.
لي دانيالز يقول لي ونحن بانتظار الوقوف أمام الكاميرات ليل أول من أمس: «المهرجان نفسه ما زال يذهلني، وما يبديه من تفانٍ لإنجاح هذه الطاقات والمواهب. كلنا يعرف أن الأفلام قد ترتفع وتنخفض حسب معطيات وقدرات صانعيها، وقد شاهدت حتى الآن أفلاما جيدة عديدة، لكن المهرجان نفسه هو الذي أجده يستحق المكانة التي سمعتها عنه».
إذ سيعود لي دانيالز إلى لوس أنجليس سيسعى لدخول عمليات ما بعد تصوير فيلمه الجديد «وحيدا». هذا عمل من إنتاجه فقط، بينما يؤول إخراجه إلى MYC Agnew وكذلك بطولته. يشرح دانيالز: «ستجده فيلما مثيرا وغريبا بعض الشيء عن شخص يفقد زوجته وعمله وبعض عقله في يوم واحد، والآن عليه العمل لاستردادها».
من ناحيتها، فإن المخرجة شيرين دعيبس المشغولة حاليا بإنتاج وإخراج سلسلة من الأفلام حول العرب في الولايات المتحدة لحساب شركة «فوكس»، تخطط لفيلمين للعام المقبل: «واحد يحمل موضوعا عربيا وآخر كفيلم أميركي خالص».
دعيبس التي سبق أن استولت على الاهتمام عربيا وعالميا، عندما قدمت فيلمها الأول «أميركا» سنة 2009 حول أم وابنها اللاجئين إلى أميركا من فلسطين، ثم «مي في الصيف» سنة 2013، الذي افتتح في مهرجان فينيسيا حول مهاجرة عربية تعود إلى عمّـان للقاء أسرتها بعد سنوات من الغياب، ستمضي بعد الوقت في المنطقة قبل أن تعود إلى لوس أنجليس (ولو أنها تفضل مدينة نيويورك التي عاشت فيها معظم السنوات الأخيرة) لمواصلة العمل.

* الكويتي يفوز
* حفلة IWC كانت جامعة لبعض المواهب العربية التي كانت تقدّمت بسيناريوهاتها في مسابقة الدرع. هي شركة ساعات مرموقة أساسا وجدت في دعم هذه المواهب العربية سبيلا للمشاركة مع مهرجان دبي في رعايتها. طبعا، وككل راع أو داعم، فإن الغاية الأخرى هي محض تسويقية لمنتجاتها، لكن هذا بات تقليدا عاديا والمقابل الذي ينجزه المهرجان لقاء ذلك كبير. يخبرنا مدير المهرجان الفني مسعود أمر الله آل علي موضحا: «تمنح الشركة 100 ألف دولار كل سنة لمن ترتئيه يستحق الفوز من بين المتقدّمين إليها، عن طريق المهرجان، بسيناريوهاتهم آملين في الفوز بمنحة تمكنهم من التأسيس والمواصلة»، ويضيف: «وهي تدفع علاوة على ذلك كل تكاليف الحضور الأخرى، وبينها تكاليف هذا الحفل أيضا».
في السنوات الماضية تم منح المخرج البحريني محمد راشد بوعلي المنحة التي مكّـنته هذا العام من إنجاز فيلمه الطويل الأول، ومنحت المخرج الإماراتي وليد الشحي جائزتها في العام الماضي عن مشروع قدمه لها بعنوان «دلافين»، الذي عُـرض في افتتاح قسم «ليالٍ عربية» ليل يوم أمس. هذا العام تقدم 3 أعلن في الحفل عن فوز أحدهم، وهو المخرج الكويتي عبد الله الشهري، الذي سينطلق من هنا لإنجاز فيلمه خلال العام المقبل.
ليس فقط أن السعادة كانت طاغية على محياه، بل وجد الوقت الكافي لإغداق إعجابه على الممثلة إميلي بلنت التي ترأست لجنة تحكيم هذا الدعم (وشملت أيضا المخرج الأميركي مارك فورستر صاحب «مقدار الأسى» و«الحرب العالمية زد»). كان عبد الله أعرب عن إعجابه بالممثلة في كلمته الأولى. بعدها سألته إذا ما ذهب إليها وسلّم عليها، فاعترف أنه فوّت الفرصة. لكن بعد إعلان اسمه فائزا سنحت له هذه الفرصة من جدي، فتقدم نحوها واحتضنها قائلا أمام ضحك الجميع: «أخذت إذنا من زوجتي».

* أفلام غالبة
* الواقع أن المرء لن يجد بين كل المهرجانات العربية العاملة ما يشبه هذا الحدث الماثل هذه الأيام في مدينة دبي. مهرجانها السينمائي ينجز هذا العام تقدّما على أكثر من صعيد، بينها الأفلام (التي سنتناولها تباعا في الرسائل المقبلة) والحضور وطبيعة الحدث الذي وضع دبي عاصمة سينمائية وثقافية على الخارطة العالمية وبقوة.
كل ذلك وفوقه معايشة أجواء سينمائية عالمية أخرى عبرت عنه خروج ترشيحات جوائز «غولدن غلوبس» المبهرة. هناك وعلى بعد عشرات ألوف الكيلومترات يتعالى نبض آخر من الحياة السينمائية التي لا تنام. ومثل كل عام، يطغى الحدث المتمثل بإعلان ترشيحات هذه الجائزة على سواه من الأحداث ويصبغ الآتي من الجوائز بلون التوقعات الزاهية. فالأفلام والشخصيات التي تفوز بترشيحاته هي ما يبقى مترددا لما بعد إعلان النتائج في الـ11 من الشهر المقبل في أوساط الجوائز المتعددة الممتدة من الآن وحتى موعد جائزة الأولى في نهاية الشهر الثاني من العام المقبل.
«نظرية كل شيء» الذي تم افتتاح دورة مهرجان دبي الحالية به نجده بين الأفلام الـ4 الأخرى المرشـحة، وهي «بويهود» و«فوكس كاتشر» و«لعبة المحاكاة» و«سلما»، وكلها من الإنتاجات التي تستحق الترشيح، وغالبيـتها من تلك المستقلة عن نمط هوليوود السائد. وهي جميعا في قسم الدراما، بينما حفل قسم الأفلام الكوميدية والموسيقية بـ5 أعمال أخرى هي «بيردمان» و«ذا غراند بودابست هوتيل»، و«كبرياء» و«سانت فنسنت» و«إلى داخل الغابة»، الذي بدوره يمثل فيلم الختام بالنسبة لمهرجان دبي الحالي.
إلى جانب هذين القسمين قسمان آخران مهمان: مسابقة «أفضل فيلم أجنبي»، وتلك المخصصة لـ«أفضل فيلم أنيميشن». في الأولى تصطف 6 أفلام هي السويدي «فورس ماجيور»، والفرنسي «محاكمة فيفيان أمسالم»، والبولندي «أيدا»، والروسي «الطاغوت»، والإستوني «تنجارين».
الأفلام الكرتونية الطويلة المرشحة هي «بيغ هيرو 6» الذي عرضه مهرجان أبوظبي في نهاية أعماله، و«كتاب الحياة»، و«بوكسترولز»، و«كيف تدرب تنينك 2»، و«ذا ليغو موفي».

* ممثلون وممثلات
* من بين كل هذه الأفلام يجري انتخاب المخرجين الـ5 المرشحين لجائزة أفضل إخراج، وهم هذا العام وس أندرسون عن «ذا غراند بودابست هوتيل» وآفا دوفرني عن «سلما» وديفيد فينشر عن «فتاة اختفت» ثم أليخاندرو غونزاليس إيناريوت عن «بيردمان» ورتشارد لينكلتر عن «بوهود».
كل هؤلاء، باستثناء ديفيد فينشر هم من بين السينمائيين المستقلين، وكل فيلم حققه كل واحد منهم هو نتيجة سعي دؤوب لتحقيق رؤيته الخاصة. والحديث عن الرؤيا الخاصّـة ينسحب على ديفيد فينشر الذي لا يمكن لومه إذا ما كان ينتمي إلى هوليوود بقدر ما تنتمي هوليوود إليه.
وفي حين أن إيدي ردماين، الذي وجه تحية إلى مهرجان دبي عبر الساتالايت يوم الافتتاح، يلعب الدور الأصعب جسديا في «نظرية كل شيء»، فإن باقي الممثلين المرشحين في قسم أفضل تمثيل رجالي درامي من الباذلين بدورهم لإتقان أدوارهم: ديفيد أولاوو عن «سلما»، والغالب أننا سنجده في سباق الأوسكار أيضا، علما بأنه أحد أهم المتسابقين في مهرجان بالم سبرينغز الذي ينطلق في الأسبوع الثاني من الشهر المقبل. مثل شيوتل إجيفور في العام الماضي بطل «12 سنة عبدا»، أولاوو ممثل أسود بريطاني الجنسية من أصول نيجيرية. ويؤدي في «سلما» شخصية مارتن لوثر كينغ في تجسيد مقنع وقوي الحضور.
على صعيد الممثلات، لافت أيضا، وكما توقعنا هنا، ترشيح فيليسيتي جونز لدورها في «نظرية كل شيء»، وجوليان مور عن «لا زلت أليس»، وريز ويذرسبون عن «وايلد». 2 من هؤلاء الـ3 سينتقلان، بلا ريب، إلى ترشيحات الأوسكار المقبلة إن لم يكن الـ3 بالفعل.
إميلي بلـنت واحدة من المرشحات لـ«غولدن غلوبس» أفضل ممثلة في فيلم كوميدي أو استعراضي، ومعها جوليان مور عن «خريطة النجوم»، مما يضمن فوز مور إلى حد مضاعف، ولو أنه يبقى غير مؤكد، بالفوز إن لم يكن في الدراما ففي الكوميديا.
وبين ممثلي الكوميديا رالف فاينس عن «ذ غراند بودابست هوتيل» ومايكل كيتون عن «بيردمان»، وكلاهما يقود بفاعلية، ولو أن المنافسة من الآخرين (بل موراي عن «سانت فنسنت» وواكين فينكس عن «رذيلة متوارثة» وكريستوف فولتز عن «أعين كبيرة») مشهودة.
بالعودة إلى دبي، فإن ربط فعالياته بأحداث عالمية ليس جديدا، لكنه في هذا العام يأخذ منحى مختلفا أكثر قوة. ليس فقط لأن فيلمي الافتتاح والاختتام يبرزان في عداد ترشيحات «غولدن غلوبس» فقط، بل لأن وقته من العام يضمن وجوده بين ما يقع سينمائيا في أكثر من مكان حول العالم في هذه الفترة.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».