خطة إسبانية لتشجيع «السياحة الدائمة» تحسّباً لعودة الوباء

خطة إسبانية لتشجيع «السياحة الدائمة» تحسّباً لعودة الوباء

مدريد تسعى لأن تصبح عاصمة عالمية للعمل عن بُعد
السبت - 5 ذو الحجة 1441 هـ - 25 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15215]
سياح وسكان محليون يستمتعون بمناظر برشلونة بعد تشديد الحكومة قيود «كورونا» الجمعة (رويترز)

مع تزايد المخاوف من عودة الوباء في موجة ثانية مطلع الخريف المقبل، وبعد الضربة القاسية التي تعرّض لها قطاع السياحة الذي يشكّل نحو 15% من إجمالي الناتج المحلي ويعد المحرّك الأساسي للاقتصاد، تعكف الحكومة الإسبانية على وضع خطة طموحة لتشجيع «السياحة الدائمة»، فيما تنشط بلدية مدريد وحكومتها الإقليمية لتسويق المدينة «عاصمة عالمية للعمل عن بُعد» في السياق الجديد الذي فرضته تداعيات «كوفيد - 19» على سوق العمل.

وتهدف هذه الخطة إلى الاستفادة من «الوضع الطبيعي الجديد» الذي نشأ عن الجائحة لجعل إسبانيا الوجهة الرئيسية لهذه «السياحة الدائمة»، أي المكان المفضّل الذي يختاره المهنيّون الأوروبيّون للإقامة والعمل عن بُعد مع كل أنحاء العالم. ويقول أحد المشرفين على إعداد الخطة إن «قانون كوفيد» فرض معادلة جديدة على سوق العمل، مفادها أن كل نشاط مهني يمكن القيام به رقميّاً سوف يصبح رقمياً في المستقبل القريب، بعد أن تبيّن خلال فترة العزل أن أنشطة مهنية كثيرة يمكن القيام بها كاملة من المنزل من غير أن يؤثر ذلك على الإنتاجية، لا بل يساعد أحياناً على زيادتها.

ويفيد استطلاع حديث بأن 61% من الموظفين والمهنيين في بلدان الاتحاد الأوروبي يفضّلون العمل من المنزل، حيث يشعرون بأنهم قادرون على تحقيق مستوى من الإنتاجية يعادل أو يزيد على الذي يحققونه من المكاتب. لكن يشير الاستطلاع إلى أن العقبة الرئيسية التي تواجه تعميم العمل عن بُعد وانتشاره على نطاق أوسع، خصوصاً في بلدان الجنوب الأوروبي، هي انعدام الثقة بروح المسؤولية لدى الموظف الذي يسود اعتقاد أنه لا يقوم بأداء واجبه كاملاً من غير مراقبة منتظمة. وتجدر الإشارة إلى أن نسبة الذين كانوا يعملون عن بُعد في بلدان الاتحاد الأوروبي قبل الجائحة كانت تناهز 8% من مجموع القوى العاملة، لكنها ارتفعت خلال فترة العزل إلى 27%.

وأظهرت تدابير العزل والحجر المنزلي خلال انتشار الوباء أن العمل عن بُعد ليس فعّالاً فحسب، بل كان خشبة الإنقاذ لمؤسسات كثيرة، إذ أتاح لها مواصلة نشاطها بشكل طبيعي، وبات من الراسخ أن العمل عن بُعد سيصبح إحدى السمات الرئيسية للنشاط المهني في المستقبل. كما أن هناك مؤسسات قرّرت عدم العودة إلى الصيغة السابقة، بعد أن تبيّن لها أن العمل عن بُعد زاد من إنتاجيتها وساعد على خفض تكاليفها بشكل ملحوظ، إضافة إلى أنه أسهم في تحسين مستوى معيشة موظفيها.

وعلى هذا الأساس، قامت وزارة العمل الإسبانية بوضع تشريعات جديدة ستُعرض قريباً على البرلمان لمناقشتها واعتمادها أساساً قانونياً لهذا النشاط تحسّباً لموجة جديدة من الوباء تستعدّ لها جميع الدول الأوروبية. ويذكّر أحد الخبراء المشرفين على إعداد الخطة، بأن الكثير من الوظائف التي لا تستدعي الحضور الشخصي في المؤسسات، بشكل دائم أو جزئي، رواتبها مرتفعة في معظم الشركات العالمية التي تتخذ مقرّاً لها في بلدان مثل المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا، وأنه إذا قررت هذه المؤسسات منح موظفيها فرصة العمل عن بُعد بصورة دائمة، يعود لهم عندئذ اختيار مكان إقامتهم في البلد الذي يفضّلون. وقد بدأ بعض المؤسسات الكبرى مثل «تويتر» و«فيسبوك» بتطبيق هذه السياسة على مراحل، في انتظار تعميمها على نطاق أوسع اعتباراً من مطلع السنة المقبلة. ولم يعد هذا النمط مقصوراً على الشركات التكنولوجية، إذ إن بعض المصارف الأوروبية بدأت أيضاً بتطبيقه، كما باشرت قطاعات أخرى عديدة باعتماده لفترات تجريبية تمهيداً لتعميمه.

ويقول ليوبولدو رودريغيز، المسـؤول عن إعداد هذه الخطة، إن إسبانيا تتمتّع بمزيّة نسبية أساسية مقارنةً بالبلدان الأوروبية الأخرى لتكون الوجهة الرئيسية لاجتذاب الأجانب للإقامة فيها والعمل عن بُعد لحساب مختلف الشركات التي ينتمون إليها. فقد أظهرت استطلاعات حديثة أن إسبانيا تحتلّ المرتبة الرابعة في العالم بين الدول المفضَّلة للإقامة والعمل فيها، وأن 60% من الذين شاركوا في الاستطلاع يفضلونها على بلدانهم الأصليّة. أما العوامل الرئيسية التي تجعل منها وجهة مفضّلة لهذه «السياحة الدائمة» التي تدوم 12 شهراً، فهي المناخ والأمن والخدمات الأساسية.

وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيز، قد أوضح خلال عرضه حزمة الإصلاحات التي على أساسها دافع عن صندوق الإنقاذ في القمة الأوروبية الأخيرة، ولدى مثوله أمام البرلمان ليدافع عن النتيجة التي عادت بها إسبانيا من الاتفاق التاريخي الذي أثمرته القمة، أن الحكومة قرّرت تخصيص 20 مليار يورو من المساعدات التي ستحصل عليها من أجل «رقمنة الاقتصاد والإدارة ووضع البلاد على السكّة السريعة في القرن الحادي والعشرين».

من جهتها، تسعى الحكومة الإقليمية في مدريد، مع بلدية العاصمة، للاستفادة من خطة الحكومة المركزية حول «السياحة الدائمة» لإعلان المدينة «عاصمة عالمية للعمل عن بُعد»، وتقديم حزمة من المحفّزات بهدف استقطاب المهنيين الأوروبيين للإقامة فيها. وكانت العاصمة الإسبانية قد اختيرت مؤخراً المدينة الثامنة في العالم من حيث الخدمات والحياة الثقافية والفنية والترفيه ونسبة التلوّث ووسائل النقل العام، كما صُنِّف نظامها الصحي الثالث في العالم. ومن المزايا النسبية الأخرى المهمة التي تتمتع بها العاصمة الإسبانية مقارنةً بالعواصم الأوروبية الكبرى، كلفة المعيشة وبخاصة الإيجار وأسعار السوق العقارية، فضلاً عن كونها منذ سنوات الوجهة الأوروبية المفضّلة للمعارض التجارية والمؤتمرات.


اسبانيا أخبار اسبانيا فيروس كورونا الجديد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة