انقسام أميركي ـ روسي في مجلس الأمن حول الانتخابات السورية

بيدرسن يدعو إلى اجتماع «الدستورية» في 24 أغسطس المقبل

اجتماع افتراضي لممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن مع المبعوث الأممي غير بيدرسن أمس (الأمم المتحدة)
اجتماع افتراضي لممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن مع المبعوث الأممي غير بيدرسن أمس (الأمم المتحدة)
TT

انقسام أميركي ـ روسي في مجلس الأمن حول الانتخابات السورية

اجتماع افتراضي لممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن مع المبعوث الأممي غير بيدرسن أمس (الأمم المتحدة)
اجتماع افتراضي لممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن مع المبعوث الأممي غير بيدرسن أمس (الأمم المتحدة)

وصفت واشنطن الانتخابات التشريعية التي أجريت الأسبوع الماضي في سوريا بأنها «ذريعة كاذبة» من نظام الرئيس بشار الأسد «لتقويض العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة»، مشيرة إلى «تقارير ذات مصداقية» عن قيام موظفي الاقتراع بتوزيع بطاقات الاقتراع المملوءة بالفعل بأسماء مرشحي حزب البعث. بينما عدّت موسكو أن ما حصل يؤكد أن «هياكل السلطة التشريعية التنفيذية (تعمل بشكل طبيعي)» في هذا البلد.
جاءت هذه المواقف خلال جلسة عقدها مجلس الأمن عبر الفيديو واستمع خلالها إلى إحاطة من المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن، الذي أشار أولاً إلى أنه يتطلع إلى استئناف أعمال اللجنة الدستورية خلال الشهر المقبل. وقال إنه وضع قضية المعتقلين والمختطفين والمفقودين «في صميم جهودي» منذ بدأ مهمته مبعوثاً إلى سوريا، عادّاً أن هذه القضية الإنسانية «بإمكانها أن تبني ثقة كبيرة داخل المجتمع، وكذلك بين الأطراف والشركاء الدوليين». وأضاف أن «عدم إحراز تقدم أمر مؤسف»، مناشداً الحكومة السورية وكل الأطراف السورية «القيام بإفراجات أحادية عن المعتقلين والمختطفين». وقال: «يعاني السوريون الآن تسونامي آخر؛ وهو الانهيار الاقتصادي»، مشيراً إلى ارتفاع كبير في معدلات التضخم والبطالة وإغلاق مزيد من الشركات، ومعدلات انعدام الأمن الغذائي؛ إذ «اضطرت العائلات إلى تقليل عدد الوجبات». ولاحظ ارتفاع عدد المصابين بوباء «كوفيد19» في كثير من المناطق، داعياً كل الأطراف إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية.
وتحدث بيدرسن عن «بعض التقدم» في اتجاه وقف عام لإطلاق النار في كل أنحاء البلاد وفقاً للقرار «2254»، علماً بأن «نشاط تنظيم (داعش) لا يزال يشكل مصدر قلق بالغ - في جنوب ووسط وشرق سوريا - مع ورود تقارير حول أعمال شغب بين معتقلي (داعش) في الحسكة. وآمل أن تعمل الأطراف الدولية الرئيسية من أجل إحراز تقدم في العملية السياسية الأوسع»، قائلاً إنه «فقط من خلال الحوار بين الأطراف الدولية، يمكننا أن نبدأ في معالجة كثير من التحديات التي تواجهها سوريا والسوريون؛ من الحاجات الإنسانية والاعتقال والنزوح والعنف والإرهاب إلى الفقر والتدهور الاقتصادي وانتهاك سيادة سوريا وسلامتها الإقليمية واستقلالها». وأضاف: «لا نزال نستمع إلى وجهات نظر متباينة حول طبيعة هذه التحديات؛ فالنقاش حول مسألة العقوبات ليس سوى مثال واحد»، داعياً إلى «دبلوماسية دولية جادة ومهمة، لجسر الخلافات، بما في ذلك من خلال الخطوات المتبادلة». وأكد أن «هناك مصلحة مشتركة في مثل هذا الحوار» بين روسيا والولايات المتحدة. وحض على التقدم «خطوة بخطوة، من رسم طريق إلى الأمام لإنهاء معاناة الشعب السوري والسماح له بتحديد مستقبله».
وقال وزير الدولة الألماني نيلس آنين إنه «ينبغي أن يتحد مجلس الأمن لحض كل الأطراف على الإفراج الفوري عن جميع الأشخاص المحتجزين تعسفاً»، مشيراً بصورة خاصة إلى «النظام السوري الذي يحتجز الغالبية العظمى من المعتقلين». وأكد أن «السلام والمصالحة في سوريا لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال عملية سياسية تحت رعاية الأمم المتحدة تماشياً مع القرار (2254)». وكرر دعوة بيدرسن لوقف إطلاق نار كامل وفوري على الصعيد الوطني. وأضاف: «تواصل ألمانيا دعم كل الجهود، لا سيما جهود الآلية الدولية والنزيهة والمستقلة لسوريا ولجنة التحقيق، لضمان ألا تمر أخطر الجرائم والفظائع التي ارتكبت خلال الصراع السوري دون عقاب. سيحاسب الجناة، ويحصل الضحايا على العدالة». وطالب كل الدول الأخرى بـ«استخدام كل الوسائل القانونية المتاحة لها لملاحقة الجناة (...) ومكافحة الإفلات من العقاب».
وقالت المندوبة الأميركية كيلي كرافت: «نحن بحاجة إلى رؤية تقدم حقيقي ومفاوضات حقيقية. لا لالتقاط صور وفرص انتخابية بعيدة عن أن تكون حرة ونزيهة»، مضيفة أن إدارة الرئيس دونالد ترمب ترى الانتخابات التشريعية التي أجريت في 19 يوليو (تموز) الحالي، «بالضبط ذريعة كاذبة لتقويض العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، وواحدة من سلسلة طويلة من عمليات الاقتراع التي يديرها نظام الأسد، والتي لا توجد فيها للشعب السوري خيارات حقيقية لتحديد قادته». وكشفت عن أن «الولايات المتحدة تلقت تقارير ذات مصداقية عن قيام موظفي الاقتراع بتوزيع بطاقات الاقتراع المملوءة بالفعل بأسماء مرشحي حزب البعث»، علماً بأنه «لم يُسمح للسوريين المقيمين خارج البلاد - الذين يشكلون نحو ربع سكان سوريا قبل الثورة - بالتصويت». وقالت: «يجب أن تكون الانتخابات في سوريا حرة ونزيهة، وتشرف عليها الأمم المتحدة، وتشمل مشاركة الجالية السورية في الشتات. يجب أن يتحد المجلس في مطلبنا بإجراء أي انتخابات سورية مستقبلية بما يتماشى مع القرار (2254)، وأن يتحرك عمل اللجنة الدستورية لصياغة دستور سوري جديد، إلى الأمام دون تأخير».
وأكد نظيرها الفرنسي نيكولا دو ريفيير أن «العملية السياسية المشروعة الوحيدة تجري في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة»، داعياً إلى استئناف المباحثات في أقرب وقت ممكن استعداداً للاجتماع الثالث للجنة الدستورية. وقال إن «استمرار النظام في عرقلة عمل اللجنة الدستورية أمر غير مقبول»، مؤكداً أنه «من مسؤولية هذا المجلس أن يحيط علماً بذلك إذا تم تعطيل عمله مرة أخرى. لن تكون اللجنة الدستورية وحدها كافية لإحداث انتقال سياسي موثوق به»؛ بل «يجب تنفيذ جميع عناصر القرار (2254) من أجل تلبية توقعات الشعب السوري».
في المقابل؛ أشار المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا إلى إجراء الانتخابات التشريعية في سوريا، موضحاً أنها «الدورة الانتخابية الثالثة التي تمر بها البلاد منذ بداية النزاع المسلح». وقال إنه «من خلال تنظيم الانتخابات، تضمن السلطات السورية أن هياكل السلطة التشريعية منها والتنفيذية تعمل بشكل طبيعي». وإذ لفت إلى إعادة إطلاق اللجنة الدستورية، حض الجميع على «دعم العملية السياسية من خلال الانخراط مع الأحزاب السورية وتشجيعها على الحوار البناء». ورأى أن «السبيل الوحيد لإحلال السلام والاستقرار في سوريا هو إعادة وضع كل أراضيها تحت سيطرة دمشق، وتعزيز التسوية السياسية من خلال حوار شامل وجامع لكل فئات السكان السوريين. لكي يحدث هذا في أقرب وقت ممكن؛ يجب ألا ندخر جهداً».



العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».


واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية
TT

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

أكد سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى اليمن ستيفن فاغن دعم بلاده لإجراء حوار جنوبي سياسي شامل تستضيفه السعودية.

جاء ذلك خلال اجتماع عقده مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.

وقالت السفارة الأميركية أمس في منشور على منصة «إكس» إن فاغن شدّد خلال الاجتماع على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار في اليمن، وذلك بعد اضطرابات أشعلتها تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في شرق اليمن وجنوبه في الأسابيع القليلة الماضية.

وكان الإعلام الرسمي اليمني أفاد بأن عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي التقى في العاصمة السعودية الرياض، السفير فاغن لبحث العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع على الساحتين الوطنية والإقليمية.

​وتطرّق اللقاء إلى الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والدور البارز الذي تلعبه في دعم أمن واستقرار اليمن.

ونقلت المصادر الرسمية عن المحرمي تأكيده أن دور واشنطن يمثل عنصراً حاسماً في تعزيز تماسك الدولة اليمنية، وقدرتها على تجاوز التحديات الراهنة، لا سيما في ملفي مكافحة المنظمات الإرهابية، والحد من عمليات التهريب، وهما مما يهدد الأمن سواء القومي أو الإقليمي.

تأمين عدن

​واستعرض اللقاء - وفق المصادر الرسمية - التطورات المحلية الأخيرة، والإجراءات المتخذة لتأمين العاصمة المؤقتة عدن، وحماية المقار السيادية للدولة من أي عبث، بما يسهم في تثبيت الوضع الأمني، والحفاظ على السكينة العامة وحماية مصالح المواطنين والمؤسسات الحكومية.

​وشدّد المحرّمي على أهمية تكثيف التعاون الدولي لتجفيف منابع تمويل الحوثيين والجماعات الإرهابية، ورفع كفاءة قوات خفر السواحل والأجهزة الأمنية لتشديد الرقابة على المنافذ ومنع تهريب الأسلحة والمواد الممنوعة التي تستخدمها الميليشيا لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

​كما ناقش الجانبان - وفق المصادر نفسها - الاستعدادات الجارية لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي في العاصمة السعودية الرياض، حيث أكد المحرّمي أن هذا الحوار يمثل محطة تاريخية لتوحيد الجبهة الداخلية، وصياغة رؤية سياسية جامعة تلبي تطلعات اليمنيين في الجنوب.

وأشار المحرّمي إلى أن نجاح هذا الاستحقاق، برعاية السعودية، سيسهم بشكل مباشر في تعزيز التوافق الوطني ودعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الشامل.