«بدو النقب وبئر السبع»... 100 عام من الاحتلالات والكفاح

«بدو النقب وبئر السبع»... 100 عام من الاحتلالات والكفاح
TT

«بدو النقب وبئر السبع»... 100 عام من الاحتلالات والكفاح

«بدو النقب وبئر السبع»... 100 عام من الاحتلالات والكفاح

صدر كتاب «بدو النقب وبئر السبع 100 عام من السياسة والنضال» للدكتور منصور النصاصرة، ترجمة ساندرا الأشهب، وهو أحد إصدارات مركز الملك فيصل للأبحاث والدراسات الإسلامية للكتب المُترجَمة. يتألف الكتاب من 11 فصلاً، إضافة إلى ثبْت بالمصادر والملاحق والصور التي تضمّنها الكتاب.
يتمحور الفصل الأول على «فهم مشروع الدولة - السلطة والمقاومة والأصلانية القانونية». فالدولة الحديثة - بحسب تعريف ماكس فيبر - هي «منظمة سياسية إلزامية ذات تنظيم متصل، تنجح حكومتها في احتكار الاستخدام الشرعي للقوة في تنفيذ أوامرها ضمن منطقة إقليمية معيّنة». وإذا كانت السلطة والمقاومة مفهومين واضحين، فإن مصطلح «الشعوب الأصلانية» لا يزال غامضاً ويثير اللبس حتى الوقت الحاضر؛ لأنه يتشابك ويتشابه مع مصطلحات أخرى مثل الشعوب الأولى، والسكان الأصلانيين، وشعوب العالم الرابع وغيرها من التسميات التي تشير إلى تجمعات بشرية مبثوثة في أميركا، وأستراليا، ونيوزيلندا، والمكسيك، والبرازيل، وإسرائيل. ولعل أسهل تعريف للشعب الأصلاني، أنه «يتألف من أمة عاشت لأجيال في إقليم غزاهُ مجتمع استيطاني جديد».
يستأنس الباحث برأي ابن خلدون الذي وصف البدو «بأنهم غير متمدنين، لكنهم هم العرب الأصليون الذين وُجدوا قبل سكّان المدن المستقرين». وعندما سيطرت الإمبراطورية العثمانية على فلسطين لأكثر من 400 عام (1516 - 1917) حاولت دمج البدو في الإدارة المركزية بعد أن جعلت معظم الأراضي تابعة لها، وشرعت في بناء مدينة بئر السبع كمركز إداري عام 1900 فانتقلت السيطرة على جنوب فلسطين إلى العثمانيين بعد أن كانت بئر السبع تُدار إمّا من غزة أو القدس. أما البدو الذين كانوا يدفعون الضرائب على الأراضي الزراعية والمواشي فهو مؤشر واضح يعترف بمِلكية الأراضي للبدو الذين استوطنوا بئر السبع التي تُعدّ أهمّ رمزٍ خلّفه العثمانيون في جنوب فلسطين.
يناقش الفصل الثالث احتلال الجيش البريطاني لبئر السبع والخسارة الكبيرة التي تكبّدوها في الأرواح، لكنّ المواجهة انتهت لمصلحة البريطانيين. ويرصد الباحث طبيعة علاقة المُستعمِر البريطاني مع العرب البدو في جنوب فلسطين وكيفية اعتماد السلطة البريطانية على الشيوخ الذي ساهموا في حفظ النظام، وتأمين الحدود، مقابل الاستجابة لتخفيض الضرائب على الأراضي الزراعية والمواشي، خاصة في سنوات القحط والجفاف، إضافة إلى مطالبتهم بتحسين الخدمات الإدارية، والصحية، والتعليمية. كما يركز هذا الفصل على إنشاء المحاكم العشائرية الإقليمية التي تبتُّ في مئات القضايا، وتنفِّذ أحكامها. يعرِّج الباحث على انسحاب القوات البريطانية من بئر السبع في 14 مايو (أيار) 1948 ورفع العلم الفلسطيني على بناياتها الرسمية، لكن المدينة سرعان ما سقطت بأيدي القوات الإسرائيلية في أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته لتبدأ نكبة التهجير المعروفة.
يكتب بن غوريون في رسالة لابنه عاموس «إن أراضي النقب محجوزة للمواطنين اليهود متى أرادوا... ويجب أن نطرد العرب لضمان حقنا في الاستيطان على هذه الأرض». يتضمن الفصل الرابع حلم ثيودور هرتزل في تأسيس دولة أحادية الدين ولم ينكر بأن فلسطين كانت مأهولة بالشعب الفلسطيني، لكنه كان يراهم «رجعيين ومتخلفين». كما يستعرض الباحث الهجرات اليهودية المتتالية وبناء المستوطنات وإعلان دولة إسرائيل في 14 مايو 1948 وهجوم الجيوش العربية على إسرائيل، وهجرة العرب البدو، وتوقيع اتفاقيات الهدنة مع البلدان العربية المحيطة بإسرائيل.

يسلّط الباحث الضوء على عدد من الحكّام العسكريين الذين يجيدون اللغة العربية ويعرفون ثقافتها مثل ساسون بار تسفي، ويتسحاق تسيماح اللذين كانا يتصرفان كعرب، لكن منظومة الحكم العسكري ظلت أنموذجاً استيطانياً للمحسوبية والفساد.
أصبح الحاكم العسكري الصارم هو الذي يرسم مستقبل البدو، ويعيد تشكيلهم من جديد، فمن بين 95 عشيرة بدوية في جنوب فلسطين بقيت منها 19 عشيرة في النقب وبئر السبع أسكنوهم في منطقة مغلقة أطلقوا عليها اسم «السياج»، وهجّروا بعض مشايخهم إلى الأردن ومصر. كما طلبت السلطات الإسرائيلية من هذه العشائر أن تؤدي قسم الولاء لتطرد بالنتيجة العشائر غير الموالية مثل عشيرة الصانع التي هُجِّرت إلى الأردن، لكن الملك لم يسمح لهم بالإقامة الدائمة خشية من انضمام المزيد من القبائل المُهجّرة. وقد أجرت الحكومة الإسرائيلية خمس عمليات تعداد سكاني، لكنها لم تنجح لأن البدو رفضوا التعاون مع الجهود المبذولة لإحصائهم.
لجأت سلطات الحكم العسكري إلى تعيين شيوخ القبائل للسيطرة على السكّان الأصليين لدرجة أن هؤلاء المشايخ أصبحوا وكلاء للإدارة العسكرية يزوّدونها بالمعلومات التفصيلية عن المواليد والوفيات وحالات الزواج. تبنى البدو استراتيجية «اقتصاد الحدود» حيث لجأوا إلى تهريب القهوة والحلويات والأقمشة والمواشي التي تُعينهم على تحمّل نفقات المعيشة اليومية الصعبة. كما كانوا يستقبلون المهجّرين ويلمّون الشمل. وعلى الرغم من انتفاع الشيوخ مادياً فإنهم كانوا يقاومون المحتل بطرق متعددة، أبسطها التضليل وعدم التعاون. ارتأى الساسة الإسرائيليون بعد مجزرة كفر قاسم ضرورة إنهاء الحكم العسكري؛ وذلك لتناقضه مع اشتراطات الدولة الديمقراطية التي شجعّت على تخفيض بعض القيود عن العرب البدو الذين يتعرضون للتهميش، وحظر التجوال، ومصادرة الأراضي، ورغم المضايقات التي شهدها النقباويون، فإنهم نجحوا في بناء المدارس، والمشاركة في الانتخابات، والوصول إلى الكنيست، لكن بعضهم رضخ لسياسة التوطين التي يسعى لها المحتل أو اختاروها طوعياً بأنفسهم، وطلبوا السكن في الأماكن المختلطة بعيداً عن المناطق الحدودية في الجزء الشمالي الشرقي من النقب.
استمرت إسرائيل بعد انتهاء الحُكم العسكري بفرض سياسة الاستعمار الداخلي على البدو الأصليين، حيث تمّ بناء سبعة مواقع لتوطين أهل النقب قسرياً، وكان الهدف من هذا التوطين الإلزامي هو تفكيك قبائل النقب وتفتيتها، وسلخها من بداوتها وعروبتها ثم تمدينها لتهويد الأرض والإنسان. وقد فشل مشروع التوطين في قرية «تل السبع»، لكنه نجح جزئياً في قرية «رهط» وأصبحت حركة التنقّل أكثر حرية، وصار بإمكان العربي الحصول على تصريح تنقّل من أي مركز شرطة. وعلى الرغم من انتقال السلطة الرسمية إلى الشرطة، فإن السياسة الجديدة كانت وجهاً آخر للعملة نفسها لأنهم لا يزالون يعاملون العربي كخطر أمني.
يفحص الفصل العاشر الوعي السياسي الذي برز بعد اتفاقية أوسلو، حيث شهد النقب نهضة ثقافية متميزة أسفرت عن تأسيس أحزاب وطنية تسعى لتمثيل أهالي النقب سياسياً، وتحاول تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية مثل حزب «نداء الوفاق». كما يركِّز هذا الفصل على دعم وصايا لجنة غولدبيرغ الداعية للاعتراف بأكبر عدد من القرى النقباوية ومنع تمرير قانون «برافر» العنصري ودخوله حيّز التنفيذ.
يخلص الدكتور منصور النصاصرة إلى أن العثمانيين والسلطات البريطانية قد اعترفوا بحقوق القبائل الفلسطينية الأصلية في الأرض وبقية الموارد الأخرى في النقب وبئر السبع في جنوب فلسطين، بينما ظل الحكم العسكري الإسرائيلي يرى فيهم خطراً على الأمن وتهديداً للتوازن السكاني في الدولة الجديدة. وقد دعّم الباحث طروحاته بالأدلة والسجلات الأرشيفية العثمانية والبريطانية.


مقالات ذات صلة

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون «خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار

جمال القصاص
ثقافة وفنون بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب لطفية الدليمي

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها...

فخري كريم
كتب إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي

رانية حمّاد

«كتارا» تعلن قائمتها لأفضل 9 أعمال في جائزة كتارا للرواية العربية

سجلت الجائزة في هذه الدورة رقماً قياسياً هو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014 (كتارا)
سجلت الجائزة في هذه الدورة رقماً قياسياً هو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014 (كتارا)
TT

«كتارا» تعلن قائمتها لأفضل 9 أعمال في جائزة كتارا للرواية العربية

سجلت الجائزة في هذه الدورة رقماً قياسياً هو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014 (كتارا)
سجلت الجائزة في هذه الدورة رقماً قياسياً هو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014 (كتارا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر (كتارا) عن قائمة الـ9 لأفضل الأعمال المشاركة في الدورة الثانية عشرة لجائزة كتارا للرواية العربية.

وأعلنت «كتارا» الأعمال التسعة الفائزة في فئات «الروايات المنشورة، والروايات غير المنشورة، وروايات الفتيان غير المنشورة، والروايات التاريخية غير المنشورة، والرواية القطرية المنشورة، والدراسات النقدية غير المنشورة»، البالغ مجموعها 45 رواية و9 دراسات نقدية مؤهلة للفوز بجائزة كتارا للرواية العربية.

وسجلت في هذه الدورة الجائزة رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014، إذ ضمت قائمة الـ9 لفئة الروايات المنشورة روائيين من 6 دول عربية.

وتصدرت مصر القائمة بـ3 روايات، تلتها السودان بروايتين، ورواية واحدة من كل من السعودية والجزائر وسوريا والأردن. وضمت القائمة الخاصة بفئة الرواية المنشورة رواية «معزوفة اليوم السابع» لجلال برجس (الأردن)، و«آشا الجعران والقمر»، لسمر نور (مصر)، و«مجانين أم كلثوم»، لشريف صالح (مصر)، و«رأيت ما لا يجوز لك»، لطارق الطيب (السودان)، و«سبدلا»، لعبد القادر الجاسم (سوريا)، و«بخلاف ما سبق»، لعزت القمحاوي (مصر)، و«مزامير التجاني»، لمحمد فتيلينه (الجزائر)، و«يداي لا ترتجفان»، لمها اليمني (السعودية)، و«حصار الغزالة واو»، لمهند رجب الدابي (السودان).

أما قائمة الـ9 لفئة الروايات غير المنشورة فقد اشتملت على روائيين من 8 دول عربية، تصدرت فلسطين القائمة بروايتين، ورواية واحدة من كل من السعودية، ومصر، والجزائر، واليمن، وسوريا، والأردن، وتونس.

وتأهلت رواية «موسيقى جنائزية في ديار العجزة» للروائي المصري إيهاب نجاني، ومن تونس، رواية «عرش الريح» لحسن سامي، ومن الجزائر، رواية «قد نلتقي» لسارة سليني، ومن سوريا، رواية «مدينة الماضي» لسامر محمد إسماعيل، ومن الأردن، رواية «الأطلسي... دستور من خاطره» لشاكر خلف قاسم المكل، ومن اليمن، رواية «الطسم- نقش على رماد الممالك» لمحمد محمود الشويع، ومن السعودية، رواية «الصوت الذي لم يبلغه زرياب» لناصر العماري، ومن فلسطين، رواية «المخيم» لنسرين القيسي، ورواية «للموت يوم آخر» لهدى المشهراوي.

وتضم قائمة الـ9 لفئة روايات الفتيان غير المنشورة روائيين من 4 دول عربية، تصدرت مصر والجزائر القائمة بعدد 3 روايات لكل دولة، تلتها المغرب بعدد روايتين، ورواية واحدة من اليمن.

وشملت هذه القائمة؛ رواية «الخالة» لإيمان مرسي (مصر)، و«أجنحة تكسر الظلام»، لجلول رفيق (الجزائر)، و«خيّاط طولقة»، لخديجة تلي (الجزائر)، و«شهرزاد في بلاد الوقواق» لمحمد دادي عدون (الجزائر)، و«الهدهد» لمحمد زكريا عبد الفتاح (مصر)، و«نظارة شمسية» لمنال الجراش (اليمن)، و«الولد الذي أنقذته الكتب» لمنير السرحاني (المغرب)، و«مملكة الحجر» لهاني القط (مصر)، و«زقاق الغربال» ليونس الديدي (المغرب).

وتضم قائمة الـ9 لفئة الدراسات النقدية غير المنشورة نقاداً من 5 دول عربية. تصدرت مصر والمغرب القائمة بـ3 دراسات نقدية لكل دولة، ودراسة واحدة من الأردن، وفلسطين، واليمن.

وشملت هذه القائمة دراسة «تقويض الاستشراق في الرواية التاريخية العربية المعاصرة: قراءة ما بعد كولونيالية في نماذج مختارة» للدكتورة أسماء رأفت عليان (الأردن)، و«الرواية العربية المعاصرة في ضوء النقد الجيني: من المخطوط الورقي إلى الرقمي (دراسة في مسودات رقمية)»، د. الحسن أيت العامل (المغرب)، و«الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما- رواية مصاطر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، د. أمل يونس محمد إرحيم (فلسطين)، و«الرواية العربية على عتبة التطور دراسة في التحقيق من منظور المصطلح النقدي التصنيفي»، د. حميد الكتاني (المغرب)، و«الرواية في مواجهة ذاتها، تمثيل الكتابة في الرواية المغربية»، د. عبد الرحيم الإدريسي البوزيدي (المغرب)، و«فلسفة الصورة السردية وتمثيلاتها في رواية دفاتر الوراق»، د. فوزي علي صويلح (اليمن)، و«سرديات الذكاء الاصطناعي في الرواية العربية: بين صناعة النص وتفكيك الإنسان»، محمد أبو الخير ستو (مصر)، و«شعرية الوثيقة وسرديات التحول: نماذج مختارة من الرواية القطرية المعاصرة (دراسة في ضوء التاريخانية)»، محمود ربيع سمرة (مصر)، و«تمثلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي»، د. محمود فرغلي علي موسى (مصر)

وبالنسبة لقائمة الـ9 لفئة الروايات التاريخية فهي تضم روائيين من 5 دول عربية، تصدرت مصر القائمة بعدد 5 روايات، ثم رواية واحدة من كل من الجزائر والمغرب وتونس واليمن.

وضمّت القائمة رواية «منابت الجوع»، أحمد عامر (مصر)، «جابر بن حيان»، أحمد محمد المحفلي (اليمن)، «حين يُظلم العالم»، أحمد محمد أبو النجا (مصر)، «حين تكلّم النّاجي ما بين الصّفتين»، بشير توهامي (الجزائر)، «البيّة قمر (أكلة رؤوس بايات تونس)»، خديجة التومي (تونس)، «يويا»، سامح علي (مصر)، «قبل أن يطلع الفجر، رجال الظل القاهرة 1941»، صبري محمد أمين (مصر)، «أولاد الولي»، عبد العلي عالمي (المغرب)، «غروب الكازار»، نهى فهيم (مصر).

وبالنسبة لفئة الرواية القطرية، فإن عدد الروايات المشاركة في جائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة بلغ نحو 11 رواية، وسيتم اختيار فائز واحد لهذه الفئة.


«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي
TT

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها التي تركتها مفتوحةً على المستقبل. لقد أنجزته وهي تدرك، على الأرجح، أن المعرفة لا تتوقف عند حدود العمر، وأن الكتاب يستطيع أن يصل إلى قارئه حتى بعد غياب صاحبه؛ ولذلك فإن نشره اليوم لا يمثّل إضافة جديدة إلى رصيدها الغني فحسب إنما يحمل أيضاً معنى الوفاء لكاتبة اقترن اسمها طوال أكثر من نصف قرن بالكتابة والحرية والفضول المعرفي والدفاع عن حق الإنسان في التفكير.

رحلت لطفية الدليمي في عمّان في الثامن من مارس (آذار) عام 2026، بعد يوم واحد من بلوغها السابعة والثمانين، تاركةً وراءها منجزاً واسعاً توزّع بين الرواية والقصة والمسرح والدراسة والمقالة والترجمة. ولم تكن وفاتها غياباً لروائية عراقية بارزة فحسب إنما لشخصية ثقافية نادرة استطاعت أن تجمع بين حساسية المبدعة، ودقة المترجمة، وشغف الباحثة، وصلابة المثقفة المدافعة عن المرأة والحرية المدنية.

منذ مجموعتها القصصية الأولى «ممرّ إلى أحزان الرجال» عام 1970، شقّت لطفية الدليمي لنفسها طريقاً متفرّداً في السرد العراقي. لم تتعامل مع المرأة بوصفها موضوعاً اجتماعياً جاهزاً، ولا بوصفها ضحيةً صامتة، بل جعلتها ذاتاً تفكر وترغب وتقاوم وتعيد بناء عالمها الخاص وسط عالم مضطرب. وفي أعمال مثل «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«بذور النار» و«حديقة حياة» و«سيدات زحل» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مشروع أومّا»، تتداخل الذاكرة الفردية بالتاريخ العراقي، ويصبح مصير المرأة مدخلاً إلى مساءلة الحرب والمنفى والعنف والمدينة والسلطة والخراب.

غلاف الكتاب

لم تكن رواياتها منفصلة عن أسئلتها الفكرية؛ فقد ظلّت لطفية الدليمي تكتب كما لو أن الرواية مختبرٌ للمعرفة، وأن الخيال ليس نقيضاً للفكر إنما أحد أكثر أشكاله عمقاً؛ ولهذا انتقلت بحُرية بين السرد والفلسفة والعلوم وتاريخ الحضارات وقضايا المرأة، من غير أن ترى بين هذه الحقول حدوداً مغلقة. كانت تؤمن بأن الثقافة الحقيقية تنشأ عند تقاطع المعارف، وأن الكاتب لا يستطيع فهم الإنسان إذا عزل الأدب عن تحولات العلم والتقنية والمجتمع.

وتكشف ترجمتها الأخيرة «التحوّل الكبير» عن هذه الروح بأوضح صورها. فهو يضم مجموعة منتقاة من المقالات والدراسات المترجمة عن الإنجليزية، كتبها علماء وفلاسفة وروائيون ومفكرون معاصرون، وتدور حول أسئلة الذكاء السردي، والثورة الصناعية الخامسة، والذكاء الاصطناعي، والوعي، والفيزياء، والاقتصاد، ومستقبل الجامعات، والحرية، والحظ، والكتابة، ومعنى الحياة الجيدة. لا تجمع هذه النصوص أطروحة مغلقة، بل يجمعها القلق المعرفي والرغبة في إعادة النظر في المسلّمات.

لقد كتبت لطفية الدليمي في تقديمها لهذا الكتاب أن القراءة نوعان: قراءة تلبي حاجة وظيفية عابرة، وقراءة تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وكانت ترى أن كتابها ينتمي إلى النوع الثاني، فهو لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله: الكتابة في نظرها ليست وسيلة لتوزيع الأجوبة إنما طريقة لتوسيع السؤال وزعزعة اليقين وتدريب العقل على الشك الخلّاق.

أما الترجمة، فلم تكن عند لطفية الدليمي عملاً موازياً للكتابة أو نشاطاً ثانوياً في مسيرتها. كانت جزءاً جوهرياً من رؤيتها الثقافية. لقد نظرت إليها بوصفها فعلاً لاستضافة الأفكار داخل العربية، وتوسيعاً لحدود المكتبة والقارئ معاً. ومن خلال ترجماتها نقلت أعمالاً في الرواية والفلسفة والعلوم والنقد والدراسات المستقبلية، من «بلاد الثلوج» لياسوناري كاواباتا و«ضوء نهار مشرق» لأنيتا ديساي و«من يوميات أناييس نن»، إلى كتب كولن ولسون وتيري إيغلتون وستيفن هوكينغ ونك بوستروم وبول ديفيز ومارتن ريس، فضلاً عن مختاراتها من حوارات كبار الروائيين والعلماء والفلاسفة.

كانت تختار ما تترجمه وفق حاجة ثقافية واضحة، لا وفق شهرة الاسم وحدها؛ فقد انشغلت بأسئلة الرواية الحديثة، والعلاقة بين الأدب والفلسفة، والثقافتين العلمية والأدبية، ومستقبل الإنسانية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات المعرفية الكبرى؛ ولهذا تبدو ترجماتها، عند قراءتها اليوم، أجزاءً من مشروع واحد متكامل: إدخال القارئ العربي إلى النقاش العالمي المعاصر، مع الحفاظ على وضوح اللغة وكرامة الفكرة.

ارتبطت لطفية الدليمي بدار المدى بعلاقة ثقافية وإنسانية طويلة، ولم تكن بالنسبة إليها مجرد مؤلفة أو مترجمة تتعاقد الدار على نشر كتاب لها. كانت واحدة من الكتّاب الذين أسهموا في تكوين هوية المدى ومشروعها الثقافي. وقد احتفت بها الدار ككاتبة ومترجمة ومثقفة عراقية كبيرة، وحرصت على نشر كتبها وإعادة طباعة أعمالها السابقة، لتبقى متاحة للأجيال الجديدة من القرّاء.

أعادت المدى تقديم أعمالها السردية والفكرية والترجمية، من «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«موسيقى صوفية» و«شريكات المصير الأبدي»، إلى «مسرّات النساء» و«إذا كنت تحب» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مملكة الروائيين العظام» و«عصيان الوصايا» و«إضاءة العتمة» و«كاليدوسكوب» و«مشروع أومّا» و«آفاق لا نهائية» و«كراساتي الباريسية» و«بعيداً عن ضوضاء العالم»، إلى جانب عدد كبير من ترجماتها. وهكذا لم تحتفِ المدى باسمها في مناسبة عابرة، بل عملت على حفظ مشروعها الأدبي والمعرفي كاملاً، ونشره وإعادة طباعته وإيصاله إلى القارئ العربي.

الكتاب لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله

يأتي كتاب «التحوّل الكبير» اليوم ليواصل هذه العلاقة حتى بعد رحيلها؛ ففي هذا الكتاب نسمع صوتها في الاختيار، وفي ترتيب الموضوعات، وفي ملاحظاتها التي تسبق النصوص، وفي اللغة التي تمنح الأفكار المعقّدة وضوحاً من دون أن تسلبها عمقها. إنها حاضرة فيه بوصفها مترجمة، ولكنها حاضرة أيضاً بوصفها قارئةً كبيرة تقود قارئها إلى الكتب والأسئلة التي رأت أنها جديرة بالبقاء.

لم تتمكن لطفية الدليمي من رؤية هذا الكتاب مطبوعاً، لكن الكتاب يحمل أثرها كاملاً. وربما كان من العزاء أن يكون آخر ما يصل منها إلى القراء كتاباً عن العالم الآتي فهي التي أمضت حياتها تنظر إلى ما وراء اللحظة، وتبحث عن المعرفة القادرة على مقاومة العزلة والخوف واليقين. لقد رحلت الكاتبة، لكن الأسئلة التي اختارتها ما زالت حية، والكتب التي كتبتها وترجمتها ما زالت تفتح نوافذها على العالم.

وبنشر هذا الكتاب، تودع دار المدى واحدةً من أبرز كاتباتها ومترجماتها، لا بكلمات الرثاء وحدها، بل بالطريقة التي تليق بها أكثر هو أن تضع كتابها بين أيدي القرّاء، وأن تترك صوتها يواصل الحديث إليهم. إنه كتابها الأخير، لكنه هديتها الأثيرة لي شخصياً؛ فقد وجدتها خير من يضعني في قلب الحاضر واستشراف المستقبل من خلال ترجمة كتاب يجعلني أقرب إلى ما يرتقي بي معرفياً إلى مستوى فهم القفزات العلمية والإبداعية في كل الميادين التي جعلت عالمنا مفتوحاً على تحقيق أكبر قفزة في تاريخ العلم والتكنولوجيا والمعرفة الإنسانية، مواجهة تحدي عقل الإنسان ومخلوقاته المثيرة والمريبة... ثورة الذكاء الاصطناعي ومآلاته...!

كأنّها أدركت أن لقاءنا الأخير إنما هو وداعٌ أبدي، وهي تُقبِل بشغفٍ على إعداد وترجمة التحول الكبير!


إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم
TT

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي الرصين والتحليل السياسي. ويكمن إنجازه المحوري في استعادة سؤالٍ طالما أزاحته لغاتُ الدبلوماسية والأمن والتنمية والضرورة الإنسانية: مَن يمتلك السلطة الشرعية لتقرير مستقبل فلسطين السياسي؟

ينطلق الغصين من مفارقةٍ حاسمة: فلسطين لم تفتقر يوماً إلى الإدارة. فقد جرى إحصاء الفلسطينيين وتصنيفهم وتسجيلهم ومسحهم وتمثيلهم وتهجيرهم وإغاثتهم والتفاوض بشأنهم بكثافةٍ استثنائية. أمّا ما حُجِب عنهم فهو الاعتراف بهم مصدراً للسلطة التي تُمارَس على أرضهم وحياتهم. إنهم حاضرون في كل موضعٍ من السجلّ الإداري، لكنهم قلّما يظهرون بوصفهم الذات السياسية صاحبة الحق في القرار. لقد جُعِلوا مرئيين بوصفهم «سكّاناً»، وظلّوا في الوقت نفسه غيرَ مرئيين سياسياً بوصفهم شعباً صاحب سيادة.

هذا التمييز بين الإدارة والسلطة هو ما يمنح الكتاب تماسكه اللافت. ينتقل الغصين من مذكّرة هربرت صمويل عام 1915 ووعد بلفور، مروراً بانتداب عصبة الأمم، وتحطيم المؤسسات الفلسطينية التمثيلية، ونشوء «منظمة التحرير الفلسطينية»، ومسار أوسلو، وحوكمة المانحين، والإدارة الإنسانية، وصولاً إلى تدمير غزة في زمننا الراهن. ويكشف كيف أنّ أحداثاً يفصل بينها عادةً التسلسلُ الزمني والاختصاصُ المعرفي والمفردات إنما تنتمي إلى بنيةٍ واحدة متصلة: سلطةٌ تُمارَس على الفلسطينيين في حين يظلّ مصدرها خارجاً عنهم.

ويبلغ الكتاب ذروة أهميته حين يقرأ المؤلف الوثائق الرسمية على نحوٍ يناقض ادّعاءاتها الحياد. فالمذكّرات والتصريحات والإحصاءات وتقارير اللجان والقرارات القانونية والخرائط وبطاقات التموين وأنظمة التصاريح... لا يعاملها الغصين بوصفها سجلّاتٍ محايدة ساكنة، بل أدواتٍ يُنظَّم بها الواقع السياسي. يسأل: مَن يُسمَّى، ومَن يُعترَف به، ومَن يُمثَّل، ومَن يُختزَل إلى مجرّد فئة؟ وتأتي مناقشته للانتداب نافذةً حادّة؛ إذ تُشكَّل جماعةٌ واحدة بوصفها ذاتاً سياسية ذات مؤسسات معترَف بها وغايةٍ قومية، في حين تُصاغ الأغلبية العربية عبر التجريد، بوصفها «سكّاناً» أو «طوائف» أو «شرائح من السكّان». وليس هذا الإغفال عرضياً، بل هو ما يؤسّس التمييزَ الذي يقوم عليه النظام الأوسع.

وتكمن قوّة الحجّة في بيان كيف تصمد هذه البنية أمام كل تبدّلٍ في المفردات. فالمذكّرة تصبح إعلاناً، والإعلان يصبح انتداباً، والانتداب يصبح أمراً عسكرياً، والأمر العسكري يصبح تصريحَ مرور، ثم يفسح تصريحُ المرور المجال، لاحقاً، لمعايير المانحين، وأُطر إعادة الإعمار، وعتبات المجاعة، وقواعد البيانات، وسياسات ضبط المحتوى. تغدو المصطلحات أكثر تقنيةً وأكثر إنسانيةً في الظاهر، في حين تبقى العلاقة الكامنة على حالها دون تغيير.

وتُعدّ معالجة الغصين للعمل الإنساني من أهمّ إسهامات الكتاب. فهو لا يشكّك في ضرورة الإغاثة، وإنما يبيّن كيف تُترجَم الحقوق إلى احتياجات. فشعبٌ يطالب بالحرية السياسية يصير «سكّاناً» بحاجة إلى المساعدة، ويصير سلبُ الأرض والملكية «حالة طوارئ» تُدار. وتبرز غزة بوصفها فضاءً مُداراً يُحسَب فيه البقاءُ على قيد الحياة ذاته بالسعرات الحرارية وحمولات الشاحنات والسجلّات والعتبات المؤسسية. وتزداد الآلةُ دقّةً كلما تراجع الاعتراف السياسي.

وتمتدّ الحجّة بالقوّة ذاتها إلى المجال الرقمي. فالشهادة الفلسطينية تحكمها منصّاتٌ تقرّر ما يجوز أن يُرى أو يُتداوَل أو يُبحَث عنه أو يُحذَف. وتغدو الرؤية ذاتها مسألةً إدارية. فأنظمةٌ خاصة بالترتيب الخوارزمي وضبط المحتوى والتصنيف، تكتسب القدرةَ على تحديد ما إذا كانت التجربة الفلسطينية ستظلّ متاحةً للذاكرة العامة.

وتتّسم لغة الكتاب بالوضوح والانضباط والدقّة الأخلاقية. يكتب الغصين بتحفّظٍ متعمَّد، تاركاً للسجلّ الوثائقي أن يفضح العنف المتواري خلف مصطلحاتٍ مثل «التنسيق» و«الحوكمة» و«إعادة الإعمار» و«الأمن» و«الوصول الإنساني». والحصيلة ليست مجرّد تاريخٍ لفلسطين، بل تشريحٌ للمؤسسات واللغات التي تُظهر القوّةُ الخارجيةُ من خلالها نفسَها بوصفها ضروريةً ومحايدة.

يقدم كتاب توفيق جويد الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم» مساهمة مهمة في حقل الدراسات الفلسطينية والقانون الدولي ودراسة الإمبراطورية. فهو يبرهن أنّ المشكلة الجوهرية ليست مجرّد الاحتلال، أو سلب الأرض، أو انعدام الدولة، وإن كانت تشمل هذه الثلاثة جميعاً، بل هي السؤال غير المحسوم: مَن يملك الحقّ المعترَف به في اتخاذ القرار؟

* أكاديمية فلسطينية