صورة الرواية العربية في المستقبل بعد {كورونا}

الأشكال والبنى الثقافية والأدبية والفنية تتغير

زيغمونت باومان - فرانز كافكا - غابرييل غارسيا ماركيز
زيغمونت باومان - فرانز كافكا - غابرييل غارسيا ماركيز
TT

صورة الرواية العربية في المستقبل بعد {كورونا}

زيغمونت باومان - فرانز كافكا - غابرييل غارسيا ماركيز
زيغمونت باومان - فرانز كافكا - غابرييل غارسيا ماركيز

تمر البشرية اليوم، ونحن معها، بأزمة خطيرة، ومنعطف تاريخي كبير (سياسي ثقافي اجتماعي)، ربما يعاد فيه تشكيل العالم وفق أسسٍ جديدة. فقد اهتز العالم، واهتزت معه المجتمعات الإنسانية، أمام الرعب الذي فرضته جائحة كورونا على الناس في كل مكان، ووجدت فيه جميع الدول والمجتمعات، غنيها وفقيرها، شمالها وجنوبها، نفسها في حالة استسلام فجائعي أمام هجمة داخلية غير متوقعة من فيروس خطير يتربص بنا جميعاً في كل لحظة.
لم يكن أحد يتخيل أن النظام العالمي المعاصر، بأقطابه المتعددة، وأسلحته الجبارة، وجيوشه، ومؤسساته العلمية والطبية، يركع فجأة كاشفاً عن هشاشته أمام هجوم فيروسي لكائن متناهي الصغر.
وليست العبرة الآن فيما إذا كان هذا الهجوم بفعل فاعل امتثالاً لنظرية المؤامرة، أو أنه نتاجٌ مفاجئ لتعديل بيولوجي لكائنات بعيدة عن اهتمامنا، فقد فرض علينا هذا الفيروس المتناهي الصغر أن نهرب من الشوارع والساحات العامة وأسواق التبضع، وأن نلزم بيوتنا، ونضع الكمامات، ونرتدي القفازات، ونستهلك يومياً آلاف الأطنان من المعقمات والأدوية.
ومن هنا، ندرك أن العالم سيشهد تغيراً كبيراً في المفاهيم والقيم، وربما تلزمنا الحاجة لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فقد أشعرنا هذا الفيروس الصغير بأننا حقاً متساوون في كل شي، تماماً مثلما نشعر بأننا، بصفتنا بشراً، متساوون أمام سلطة هذا الخوف الجديد، وأن العالم الذي كنا نقول إنه قرية صغيرة قد أصبح اليوم أسرة واحدة، وأننا جميعاً -أفراداً وحكومات ومؤسسات- نتحمل مسؤولية مشتركة لحماية الكائن الإنساني، والحفاظ على بيئته الطبيعية التي تتعرض كل يوم إلى خطر التدمير بسبب التغير المناخي، وتأثير السياسات غير العقلانية وغير الإنسانية التي تمارسها الأنظمة الرأسمالية والدول الصناعية. ويخيل لي أن إنسانية جديدة ستتخلق، فيها كثير من مقومات الإحساس بالتراحم الإنساني والتسامح، يتخلص فيها الإنسان -ربما بطريقة التطهير الأرسطي- من كثير من نوازع الكراهية والتعصب والانغلاق.
لا نريد أن نتحدث عن يوتوبيا (Utopia) بيضاء خيالية نظيفة، في مقابل مجتمعات الدستوبيا (Dystopia) السوداء الملوثة؛ إنها قد تكون مجرد تمنيات أو تبصرات، ولكن علينا في جميع الأحوال أن نتأمل، ونعيد الحساب مرات ومرات، ونستقرئ فيما يمكن للعالم أن يكون عليه بعد زوال كابوس جائحة كورونا.
وفي ظني، فإن كثيراً من الأشياء سوف تتبدل، بطريقة أو بأخرى، كما ستسقط كثير من الأوهام والخرافات والأكاذيب والأساطير والأوثان الميتافيزيقية التي عششت في أذهاننا لفترة طويلة، وهيمنت على سلوكنا، وقادتنا مثل قطيع لا حول له ولا قوة إلى المجهول. وستتغير أشياء وأشياء، ومنها الأشكال والبنى الثقافية والأدبية والفنية، وربما تخلق عَلاقة تواصلية تفاعلية بين المبدع بصفته كاتباً أو فناناً أو مفكراً منتجاً للثقافة، والقارئ أو المتلقي الذي بدأ يشعر بأنه بحاجة إلى مثل هذا التواصل.
وربما يتحول هذا الفضاء الافتراضي الجديد، بمنصاته الإلكترونية المفتوحة، الذي خلقته العزلة، إلى قناة التواصل الرئيسة على حساب العالم الورقي للكتاب والصحيفة والمجلة، التي راح فيها الملايين من الناس يصنعون منصاتهم الاجتماعية، لكي يتواصلوا ويطلوا من خلالها على العالم، وربما لإيجاد صيغة مشتركة عملية لإدارة الأزمة الحالية، وخلق غرفة عمليات إنسانية موحدة لهذا الغرض.
ويبدو لي أن الرواية الحديثة ستكون من أكثر الأجناس الثقافية والأدبية استجابة لمثل هذا التحول باتجاه ولادة رواية جديدة تنبثق من رحم التراجيديا الإنسانية، ومن قلب الفاجعة التي عشناها ونعيشها كل يوم. وقد يوظف الروائي كثيراً من عناصر الفنتازيا والغرائبية واستراتيجيات رواية الخيال العلمي والقص البوليسي، وسيكون للمخيال الشعبي حضوره المؤثر في رواية المستقبل القريب. لكن هذه الرواية بحاجة ماسة إلى مسافة زمنية يتأمل فيها الروائي ما حدث من أجل إعادة إنتاجه وتركيبه وخلقه من منظور جديد، ودون أن يسقط في نزعة سوداوية أو تعاطفية (سنتمنتالية) تحت وطأة هذه الفاجعة، ربما من خلال اللجوء إلى لون من الكوميديا السوداء والتغريب البريختي، وتجفيف المشاعر والصرخات، لكي تكون هذه الرواية شهادة فنية إبداعية صافية قادرة على أن تعيش، لا بصفتها مجرد مرثاة أو بكائيات عن خسارات كبيرة.
وهذه المسافة الزمنية ليست جديدة على الرواية، لكنها قد تكتسب بعداً جديداً بارتباطها بمفهوم التباعد الاجتماعي الذي لم تألفه مجتمعاتنا الريفية والبدوية والعشائرية بعد. وأعتقد أن ثيمات جديدة ستتكرس في الرواية، منها ثيمة التباعد الاجتماعي التي بدأنا نمارسها على الرغم عنا، وثيمة العزلة التي سبق للرواية العالمية أن تناولتها، لكنها هنا عزلة من نوع جديد عاشها البشر في كل مكان. ولا تقتصر هذه العزلة على الأنموذج الماركيزي للعزلة في رواية «مائة عام من العزلة»، أو تلك العزلة التي عاشها أبطال رواية «صحراء التتار» لدينو بوزاتي، أو تلك التي كان يمارسها معظم أبطال كافكا، بل ربما ستقفز إلى أذهاننا عبارة الناقد فرانك أو كونور في «الصوت المنفرد»، التي يرى فيها أن القصة القصيرة تعبر عن حالة التوحد والعزلة حد الاستيحاش. وقد ترتبط بثيمة العزلة ثيمة قريبة منها، وهي ثيمة الخوف بأبعادها المختلفة، كالخوف الكوني الذي تحدث عنه باختين، أو الخوف السائل الذي تحدث عنه المفكر البولوني سيغمونت باومان، وهو خوف من المجهول والموت والمرض والخرافة. وقد يضرب الخوف البنية الاجتماعية من خلال الخوف من الآخر الذي عبر عنه مرة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بمقولته الوجودية الشهيرة «الآخرون هم الجحيم»، أو مقولة هوبز بذئبية الإنسان. لكني أعتقد أن نزعة إنسانية هيومانية تقوم على مبادئ الغيرية والإيثار ستتكرس لمواجهة أي انزلاق نحو الاستذئاب البشري، والخوف المتطرف من الآخر، وهو ما نجده اليوم من إحساس مشترك بمصائر الآخرين، المتمثل بالدور الشجاع الذي تنهض به الطواقم الطبية وفرق الدفاع المدني، وهو ما يدفع إلى خلق شخصيات جديدة حاولت أن تواجه هذا الهجوم الغامض، منها شخصية الطبيب والمسعف الطبي ورجل الدفاع المدني ومرافق المريض وأفراد أسرته، من خلال التركيز على بنية مكانية مركزية، هي بنية المشفى أو المحجر.
ويخيل لي أن هذا المناخ سيعطي ضوءاً أخضر للرواية السيرية، ورواية المذكرات واليوميات، بما توفره حالة العزلة والمرض من فرصة للانتباه إلى مركزية الذات المتأملة، فلسفياً ووجودياً، في المصير البشري، وثنائية الحياة والموت، ووضع الإنسان داخل هذا الكون الغامض. وربما سيعود التركيز على توظيفات تيار الوعي والسرد السيكولوجي والمونولوج الداخلي والرواية الاعترافية. وسيكون هناك موقع متميز لعالم الطفولة والصبا والأسرة، ربما للتعويض غن غياب التواصل الإنساني بأبعاده الحسية الحميمة التي اعتاد عليها الفرد، وبشكل خاص في مجتمعاتنا الشرقية.
ومن المتوقع أن تنضج لدى الروائي العربي الأبعاد الفلسفية والتأملية لرؤيا العوالم الفائقة والافتراضية (Virtual Worlds) التي بلورها الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو، وقد تندمج بمنظور رواية الخيال العلمي (Science Fiction)، بما فيها من تخييل وفنتازية وتغريب، وقد نجد عودة لنظرية العود الأبدي وتداخل الأزمنة عند نيتشه، وإعادة التأمل بكثير من القيم والمنظورات الفلسفية والصوفية والعرفانية.
لكن الشيء الأساسي الذي سيتغير هو بنية المكان التي ستركز على بنية المشفى الطبي، وما يدور داخله من علاقة تعاطفية بين المريض المصاب بالكورونا والطبيب الذي يعالجه أو الممرض الذي يرعاه، كما ستتحول بيوتنا الصغيرة وحجرات نومنا ومكتباتنا الصغيرة إلى ملاذات وبنيات مكانية فاعلة مؤثرة مولدة.
والرواية قد ترحل بعيداً إلى التاريخ البعيد أو القريب، لتستحضر تجارب مماثلة من تاريخنا لأوبئة مدمرة، مثل الطاعون أو الملاريا أو الكوليرا، وربما أوبئة أخرى مرت بمجتمعات ثانية، مثل الإنفلونزا الإسبانية والإيبولا وإنفلونزا الخنازير وغيرها. وربما سيقيم الروائي تعالقاً بين الحاضر، بما فيه من آثارٍ مدمرة لجائحة كورونا الحالية، وأوبئة الماضي، لخلقِ تواصل بين الماضي والحاضر، من خلال تأكيد دور الفعل الإنساني التفاعلي في مواجهة الموت، والانتصار عليه. ولا شك أننا نتذكر كثيراً من الأعمال الأدبية التي قدمت صوراً مؤثرة عن كثير من الأوبئة.
فلا يمكن أن ننسى مثلاً منظر وباء الطاعون في مسرحية «روميو وجوليت» لشكسبير الذي كان من الأسباب التي قادت إلى انتحار روميو وجوليت، حيث كانت العربات تمر بالحارات والشوارع والبيوت لتجمع الجثث مثلما تجمع النفايات. ولا يمكن أن ننسى رواية «الطاعون» لألبير كامو، ورواية «الموت في البندقية» لتوماس مان، ورواية «الحب في زمن الكوليرا» لماركيز، ورواية «العمى» لساراماغو التي تعرض فيها الناس إلى هجوم وباء غامض يصيب الناس بالعمى. كما لا يمكن أن ننسى قصيدة الكوليرا لنازك الملائكة، التي عبرت بطريقة فنية شعرية نادرة عن تأثير وباء الكوليرا في مصر الشقيقة آنذاك؛ وغير ذلك من الأعمال الأدبية والفنية.
إن فن الرواية بصفته جنساً مفتوحاً جريئاً في قدرته على اقتحام حاجز التجنيس، وامتصاص كثير من منجزات الأجناس الأدبية الأخرى، مؤهل أكثر من غيره للتفاعل الخلاق مع الواقع الجديد، والكشف عن آفاق جديدة للكتابة السردية والروائية.
* ناقد عراقي



حفل موسيقي بعنوان «للبنان» دعماً لمتضرري الحرب

الأختان كسرواني تشاركان بحفل «للبنان» في باريس (نويل كسرواني)
الأختان كسرواني تشاركان بحفل «للبنان» في باريس (نويل كسرواني)
TT

حفل موسيقي بعنوان «للبنان» دعماً لمتضرري الحرب

الأختان كسرواني تشاركان بحفل «للبنان» في باريس (نويل كسرواني)
الأختان كسرواني تشاركان بحفل «للبنان» في باريس (نويل كسرواني)

كما في كل مرة يتعرّض فيها لبنان لمأساة أو حرب، تبادر الأختان نويل وميشيل كسرواني إلى دعمه. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، قررتا، بالتعاون مع مجموعة من الفنانين اللبنانيين في باريس، تنظيم حفل موسيقي يذهب ريعه لمبادرات إنسانية في لبنان.

يُقام حفل «للبنان» في 25 مارس (آذار) على مسرح «فليش دور» في باريس، ويحييه عدد من الموسيقيين والمغنّين اللبنانيين المقيمين في فرنسا، من بينهم بشار مار خليفة، وزيد حمدان، والسورية لين أديب، إضافة إلى الأختين كسرواني. وقد نفدت بطاقات الحفل خلال 3 أيام فقط من الإعلان عنه.

مجموعة من التشكيليين يعرضون لوحاتهم ويُخصَّص ريعها لدعم المتضرّرين (نويل كسرواني)

توضح نويل كسرواني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الفكرة وُلدت خلال نقاش مع سارة زعيتر من مؤسسة «مشوار» حول مبادرة لدعم اللبنانيين، مضيفةً أنه «في ظل غياب خطة طوارئ فاعلة واستمرار العدوان، قررنا التحرّك سريعاً».

وأشارت إلى أن الفنانين لم يترددوا في المشاركة، قائلةً: «الجميع تحمّس، كما تفاعل الجمهور بسرعة لافتة، ما تُرجم بنفاد التذاكر خلال أيام قليلة. وهذا دليل على أن اللبنانيين في الاغتراب مستعدون دائماً للمساعدة».

وبالتعاون مع مؤسستَي «مشوار» و«كورنيش»، اكتمل البرنامج الفني للحفل، إلى جانب التحضير لسلسلة نشاطات لاحقة تصبّ في الهدف نفسه.

يتضمّن الحفل عروضاً موسيقية وغنائية، يقدّم خلالها زيد حمدان وصلة من موسيقى وأغنيات الـ«أندرغراوند». في حين يُحيي كلٌّ من لين أديب، وبشار مار خليفة، فقرات غنائية من أعمالهما الخاصة بالعربية. وتتولى تقديم الفنانين على المسرح الممثلة شادن فقيه.

حملة «للبنان» تجمع مواهب فنية لبنانية مقيمة في باريس (نويل كسرواني)

وعن النشاطات المرافقة للحملة، تقول كسرواني: «لسنا وحدنا أصحاب المبادرة، بل مجموعة أصدقاء اجتمعنا لدعم بلدنا». وتشير إلى مشاركة سارة حجار، مديرة مهرجان «الفيلم اللبناني في باريس»، التي اقترحت عرض فيلم «كلنا للوطن» للمخرج الراحل مارون بغدادي في 1 أبريل (نيسان) المقبل، بالتعاون مع «نادي لكل الناس» في بيروت، وجمعية «مشوار» في باريس.

قبل نحو عام، شاركت الأختان كسرواني في مبادرة إنسانية مشابهة حملت عنوان «الناس للناس». وتقولان: «يومها وثّقنا عبر فيديوهات ما تقوم به بعض الجمعيات الإنسانية في بيروت، بهدف تشجيع هذا النوع من المبادرات وحثّ الناس على التبرّع لها».

وفي مبادرة «للبنان»، يجمع الفنانون اللبنانيون التبرعات من خلال أنشطة فنية وثقافية، انطلاقاً من قناعة بأن اللبنانيين متكاتفون ويسعون دائماً إلى دعم بعضهم بعضاً، خصوصاً في أوقات الحرب، حيث يحرصون على تجاوز الانقسامات ومساندة المتضررين.

ويلي عرض فيلم بغدادي لقاء مع الدكتورة سماح كركي، المتخصّصة في علم الأعصاب، تتناول فيه تأثير التغطية الإعلامية للحروب على الصحة النفسية. كما تشارك الصحافية والباحثة في السينما اللبنانية لولا مابا في الفعالية، بالتعاون مع «نادي لكل الناس» و«مشوار» ومهرجان «الفيلم اللبناني في باريس»، لتسليط الضوء على واقع جنوب لبنان.

وفي 11 أبريل تُنظَّم ندوة حول الحرب في لبنان والعوامل المتراكمة التي تسهم في تكرارها، بمشاركة الخبير السياسي زياد ماجد، وعالم النفس ألبير مخيبر، واختصاصية الأعصاب سماح كركي. ويناقش المشاركون سبل التعامل مع حالة الطوارئ المستمرة، وتأثير تلقّي الأخبار على الصحة النفسية. وتدير الجلسة الصحافية ليانا صالح.

المطبخ اللبناني يشارك في حملة «للبنان» (نويل كسرواني)

وعن حجم التبرعات التي جُمعت حتى الآن، توضح كسرواني: «من المبكر إعطاء أرقام دقيقة، فالحفل ليس النشاط الوحيد. هناك فعاليات أخرى سيُخصَّص ريعها لدعم لبنان، من بينها مشاركة فنانين تشكيليين، مثل سما بيضون التي صمّمت الملصقات الترويجية للحملة، إضافة إلى عرض أعمال فنية لكلٍّ من كبريت و(رومي) للبيع لصالح المبادرة. كما ستكون هناك مشاركة للمطبخ اللبناني؛ إذ تُحضّر أمال سعادة حلويات لبنانية يذهب ريعها لدعم الحملة».

وتختم كسرواني: «المبادرة هي محاولة لمواجهة شعور العجز الذي يلازم اللبنانيين في الاغتراب. صحيح أننا بعيدون عن الوطن، لكننا نعيش القلق نفسه ونتألم لما يحدث. من خلال هذه المبادرة نؤدي واجبنا بقدر ما نستطيع. ندرك أن ما نقدّمه لا يوازي حجم المأساة، لكننا نسعى إلى التخفيف من معاناة من خسروا منازلهم وأرزاقهم وتشتّتت عائلاتهم، مستعينين بمواهبنا الفنية لخدمة وطننا».


نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)
ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)
TT

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)
ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

حقّقت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد الأعمال المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً، من بينها 11 مسلسلاً طويلاً (30 حلقة) و27 مسلسلاً قصيراً (15 حلقة) شملت إنتاجات مصرية وعربية، وعُرضت عبر منصات «شاهد» و«وتش ات» و«يانغو بلاي» وعبر قنوات «المتحدة» ومحطات التلفزيون المصري، وقنوات «إم بي سي» إلى جانب قنوات عربية.

هذا الكم الكبير شهد تنوعاً درامياً لافتاً، عبر مسلسلات اقتحمت قضايا شائكة وتصدت لأعراف اجتماعية ظالمة على غرار «حكاية نرجس»، وأخرى انتقدت قوانين أجحفت حقوقاً مثل قانون «حق الرؤية» للأب بعد الانفصال، كما في «أب ولكن»، وبين دراما شعبية غاصت في مجتمع الحارة المصرية، من بينها «إفراج» ومسلسلات تصدت لتجارة بيع الأعضاء كما في «عرض وطلب»، ومرض طيف التوحد «اللون الأزرق»، وأعمال كوميدية، من بينها «كلهم بيحبوا مودي»، وأخرى رومانسية.

وبين أعمال لاقت اهتماماً لافتاً، ووجوه جديدة صعدت، ونجوم أخفقوا، ونجوم وجب عليهم التغيير مستقبلاً، تحدث نقاد مصريون لـ«الشرق الأوسط» عن أهم متغيرات الموسم المنقضي.

ياسمين عبد العزيز على الملصق الدعائي لمسلسلها الرمضاني (الشركة المنتجة)

ترى الناقدة ماجدة خير الله أن الموسم الرمضاني هذا العام لا يقل تميزاً عن سابقه فهناك مسلسلات تصدرت المشهد مثل «صحاب الأرض» وبطلته منة شلبي وإياد نصار، و«حكاية نرجس» وبطلته ريهام عبد الغفور وفريق الممثلين معها، و«عرض وطلب» لسلمى أبو ضيف وفريقها، و«عين سحرية»، وهو مميز جداً، و«فرصة أخيرة»، و«اللون الأزرق» وهو عمل مميز جداً، ويطرح موضوعاً مهماً، لكنه لم يحظَ بالاهتمام الإعلامي الذي يستحقه.

سلمى أبو ضيف قدمت أداءً أضاف للشخصية في مسلسل «عرض وطلب» (الشركة المنتجة)

لكن في المقابل، انتقدت خير الله تشابه الأفكار في عدد من المسلسلات، منها علاقة الأب بأطفاله بعد الطلاق، التي ترى أنها طُرحت بشكل راقٍ في مسلسل «كان ياما كان» وبشكل سيئ في «أب ولكن»، وفي إطار كوميدي في «المتر سمير»، وتلامست مع مسلسل «بابا وماما جيران»، قائلة إنه «ليس من المعقول أن تراود 4 مؤلفين نفس الفكرة».

وهو ما يتفق معه الناقد أندرو محسن مستبعداً أن يكون هذا التكرار توارد خواطر بين المؤلفين، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن مسلسلات كثيرة تناولت هذه القضية بشكل مبالغ فيه، لكن الأبرز نجاحاً مسلسل «اتنين غيرنا» لأنه طرح فكرة الانفصال والزواج الثاني بشكل رومانسي، وعلى النقيض لم يكن «كان ياما كان» موفقاً، بينما كانت أحداث «المتر سمير» و«بابا وماما جيران» بها جوانب كثيرة متوقعة.

أفضل 5 أعمال

فيما أكد الناقد طارق الشناوي أن الموسم الرمضاني كان متنوعاً بشكل كبير رغم غياب الأعمال التاريخية، واختار أهم 5 أعمال بالموسم وفق تقديره. وهي «نرجس»، «صحاب الأرض»، «عين سحرية»، «عرض وطلب»، «اتنين غيرنا»، لإبداع مخرجيها وتميز الكتابة والأداء، عاداً سامح علاء مخرج «حكاية نرجس» مفاجأة هذا العام في أول مسلسل يخرجه بعد أن حاز من قبل على السعفة الذهبية بمهرجان «كان» عن فيلمه القصير «16» والمؤلف عمار صبري الذي كتب المسلسل، كما كتب أيضاً «صحاب الأرض».

لقطة من مسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

وعن المسلسلات الطويلة، قالت خير الله إنها «تنافست على المط والتطويل وافتعال مواقف لاستكمال أحداثها، كما في مسلسل (على قدر الحب) لنيللي كريم، الذي اتضحت أزمته من الحلقات الأولى. والتمثيل به لم يكن جيداً»، كما ترى أنه «لا يوجد عمل كوميدي بارز هذا العام، وهناك فقر شديد في الكوميديا».

فيما وصف الناقد أندرو محسن الموسم الرمضاني هذا العام بأنه «ضعيف»، معتبراً أن الأزمة الكبيرة تكمن في تكرار الأفكار، وفي استمرار تصوير المسلسلات على الهواء خلال عرضها، ما يؤثر سلباً على مستواها.

لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

واعتبر أن عدداً من الفنانين قاموا بمغامرات غير محسوبة، على غرار محمد فراج في «أب ولكن»، ونيللي كريم في «على قدر الحب»، وماجد الكدواني في «كان ياما كان».

وتوقف محسن عند 3 مسلسلات عدّها الأفضل هذا الموسم، وهي «عين سحرية»، و«عرض وطلب»، و«حكاية نرجس»، كما أشاد بمسلسل «صحاب الأرض»، مؤكداً أنه مهم على مستوى الموضوع والصناعة والإنتاج، لافتاً لتميز مخرجين في أول أعمالهما الدرامية، وهما سامح علاء في مسلسل «حكاية نرجس»، وعمرو موسى في «عرض وطلب».

وأشاد الشناوي بأداء ريهام عبد الغفور في «حكاية نرجس»، وسلمى أبو ضيف ودينا الشربيني، والفنانين عصام عمر وباسم سمرة وحمزة العيلي وآسر ياسين، بجانب فنانات برعن في الأدوار الثانية، في مقدمتهن سماح أنور، وتساءل عن سبب تكرار أحمد العوضي لثيمة البطل الشعبي... هل ستكون لديه القدرة على الانتقال لدائرة أخرى؟

وقارنت ماجدة خير الله بين تناول البيئة الشعبية على غير الحقيقة في مسلسلات اعتمدت على الصراخ، مثل «علي كلاي»، وبين طرحها في «حكاية نرجس» في بيئة شعبية، لتكشف الفرق بين المعالجات الراقية والمفتعلة، حسبما تقول. وأبدت خير الله دهشتها لعدم وجود عمل مخصص للأطفال على غرار «بكار» و«بوجي وطمطم».

وعَدّ أندرو محسن هذا الموسم أضعف من سابقه، قائلاً: «إن المسلسلات الضعيفة، عددها أكبر، ومشاكلها أكثر»، لافتاً إلى أن «المشكلة في المنظومة الكاملة للصناعة التي تتطلب إعادة نظر في الكتابة واختيار الموضوعات ومعالجة الأفكار وفي الكم الإنتاجي الذي يأتي أحياناً على حساب الكيف».

وطالب الشناوي بعض النجوم المصريين بتغيير البوصلة، على غرار ياسمين عبد العزيز التي يجب أن تمتلك إرادة تغيير فريق العمل، فهي أمامها ألغام درامية متعددة، وكذلك عمرو سعد الذي يتوقع له أن يغير من الدراما الشعبية التي اعتاد تقديمها، مشيراً إلى أن نيللي كريم كأنها لم تكن في «على قدر الحب».

عمرو سعد يحتفي بانتهاء تصوير مسلسل «إفراج» (الشركة المنتجة)

وحدّد الناقد محمود عبد الشكور أبرز أعمال رمضان لهذا العام، عبر حسابه على «فيسبوك»، التي تصدرها مسلسل «حكاية نرجس»، مشيداً بالأداء اللافت لبطلته ريهام عبد الغفور، ومؤكداً أن أداءها شخصية البطلة بكل ما تمثله من شرّ يثبت أن الممثل ذا الوجه الجميل والبريء وصاحب التكنيك العالي هو الأنسب من غيره لأدوار الشر. كما اختار مسلسل «صحاب الأرض» من بين أهم أعمال الموسم، إذ وصفه بأنه «عمل كبير حقاً يليق بأهل غزة وتضحياتهم ويمثل علامة مهمة في تاريخ الدراما المصرية».

وأشار عبد الشكور إلى أن موهبة سلمى أبو ضيف في «عرض وطلب» منحت شخصية «هبة» بطلة المسلسل كل تفاصيلها الإنسانية دون ذرة مبالغة أو افتعال، عاداً «عين سحرية» من أجمل مسلسلات الموسم، حيث يقدم شخصيات مركبة، طارحاً الحكاية عبر نظرة معمقة للفساد خلف الصور اللامعة، مؤكداً على تميز العمل كتابة وتنفيذاً وفكراً وفناً وأداءً.


«منافسة خجولة» في موسم عيد الفطر السينمائي بمصر

أحمد مالك يروج لفيلمه «إيجي بست» (حسابه على موقع «فيسبوك»)
أحمد مالك يروج لفيلمه «إيجي بست» (حسابه على موقع «فيسبوك»)
TT

«منافسة خجولة» في موسم عيد الفطر السينمائي بمصر

أحمد مالك يروج لفيلمه «إيجي بست» (حسابه على موقع «فيسبوك»)
أحمد مالك يروج لفيلمه «إيجي بست» (حسابه على موقع «فيسبوك»)

يشهد موسم عيد الفطر السينمائي في مصر منافسة خجولة؛ إذ تُعرض فيه 4 أفلام جديدة فقط، من بينها فيلمان كوميديان هما «فاميلي بيزنس» و«برشامة»، بجانب فيلمَي «إيجي بست» و«سفّاح التجمع»، وتنضم الأفلام الأربعة للمنافسة على إيرادات «شباك التذاكر»، بجانب عدد آخر من الأفلام التي ما زالت تُعرض من مواسم سابقة.

وكان فيلم «برشامة»، بطولة هشام ماجد، وريهام عبد الغفور، ومصطفى غريب، وباسم سمرة، وحاتم صلاح، وإخراج خالد دياب، في مقدمة الأفلام التي طُرحت في موسم العيد، وحظي الفيلم الذي تدور أحداثه في إطار كوميدي على تقييمات إيجابية على مستوى النقاد.

وتدور أحداث «برشامة» حول الغش في لجنة امتحانات لعدد من طلاب الثانوية العامة (منازل) من خلال مفارقات ومواقف كوميدية، وقال هشام ماجد على هامش العرض الخاص للفيلم إن «تصوير عدد كبير من المشاهد في (لوكيشن) واحد كان مهمة صعبة للمخرج».

ويعود الفنان محمد سعد للمنافسة السينمائية للعام الثاني على التوالي بفيلم «فاميلي بيزنس»، وذلك بعدما شارك العام الماضي بفيلم «الدشاش»، بعد غيابه عن الساحة لنحو 6 سنوات. ويشارك في بطولة فيلمه الجديد غادة عادل، ودنيا سامي، وهيدي كرم، وهو من إخراج وائل إحسان. وتدور أحداثه في إطار كوميدي حول أسرة تعيش على السرقة، لكن عندما تقترب من السجن تغير مسارها لسرقة من نوع آخر.

الملصق الترويجي لفيلم «سفّاح التجمع» (الشركة المنتجة)

الناقدة الفنية المصرية حنان شومان، أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن عدد أفلام موسم «عيد الفطر» هذا العام ضعيف جداً بالمقارنة بسنوات سابقة، مضيفة أن «موسمَي (الفطر) و(الأضحى) تحديداً من أكبر المواسم استقبالاً للعروض السينمائية».

وترى حنان شومان أن «الحالة الاقتصادية» ربما أثرت على عدد الأفلام، خوفاً من ضعف الإيرادات، خصوصاً مع ارتفاع أسعار تذاكر السينما، والتي باتت تمثل عبئاً على بعض الأسر، إلى جانب تخبط السوق السينمائية بالمقارنة مع ازدهار السوق الدرامية على مدار العام في مصر.

وعن سيطرة الكوميديا في العيد، أوضحت حنان شومان أن «الكوميديا» صاحبة «الصوت العالي» في موسم «عيد الفطر» دائماً، لتوازن بين الجرعة الفنية، والأمور الحياتية اليومية الرمضانية، لافتة إلى أن «الناس بحاجة دائماً إلى الضحك والترفيه».

محمد سعد يعود للمنافسة عبر «فاميلي بيزنس» (الشركة المنتجة)

وفي السياق، احتفل صنّاع فيلم «إيجي بست» في إحدى دور العرض السينمائي بـ«وسط البلد»، بالعرض الخاص بحضور الجمهور. الفيلم تأليف أحمد حسني، وإخراج مروان عبد المنعم، ويتصدر بطولته أحمد مالك، وسلمى أبو ضيف، ومغني الراب المصري مروان بابلو الذي يخوض أولى تجاربه في عالم التمثيل.

«إيجي بست» تدور أحداثه حول المنصة الشهيرة التي حملت الاسم نفسه والتي تم حجبها قبل سنوات، بعدما تحدت حقوق الملكية الفكرية، وقوانين صناعة السينما، وفق صنّاع الفيلم الذين طرحوا القضية في قالب درامي.

بوستر «إيجي بست» (الشركة المنتجة)

وينافس كذلك فيلم «سفّاح التجمع»، وهو الفيلم الوحيد خلال موسم «عيد الفطر» الذي تدور أحداثه في عالم «الجريمة والإثارة». والفيلم مستوحى من أحداث حقيقية، من خلال شخصية تدعى «كريم»، المعروف إعلامياً بـ«سفّاح التجمع»؛ إذ اشتهر بهذا اللقب بعد قيامه بقتل عدد من السيدات، وإلقاء جثثهن في مناطق صحراوية، حسب التحريات واعترافات المتهم أمام جهات التحقيق، وأثارت قضيته الرأي العام في مصر. والعمل من تأليف وإخراج محمد صلاح العزب.

ريهام عبد الغفور تتوسط المخرج خالد دياب والفنان هشام ماجد في العرض الخاص لفيلم «برشامة» (حسابها على «فيسبوك»)

وعلقت الناقدة الفنية المصرية صفاء الليثي على تصدر «الكوميديا» في موسم العيد، موضحة أن تشبّع الناس من الموسم الدرامي الرمضاني وراء ذلك، وأن «(الكوميديا) ليست نقيصة، فالمهم الكتابة والإخراج، والابتعاد عن الإفيهات واللزمات المتجاوزة».

وعن رأيها في عدد الأفلام المعروضة، أكدت صفاء الليثي لـ«الشرق الأوسط» أن «تزامن عيد الفطر مع موسم الامتحانات، وانشغال الناس بالتحضيرات، ربما كان وراء مراعاة ذلك من قبل بعض المنتجين».

ويُعرض حالياً في السينمات المصرية حسب التصدر في قائمة إيرادات «شباك التذاكر»، وفق بيان الموزع السينمائي المصري محمود الدفراوي، أفلام «إن غاب القط»، و«طلقني»، و«جوازة ولا جنازة»، و«ولنا في الخيال حب».