لا يهم أي مهرجان فكر بفيلم جيمس مارش «نظرية كل شيء» قبل الآخر. لقد اختاره مهرجان مراكش لافتتاح دورته الحالية (من الخامس وحتى الثالث عشر من الشهر الحالي)، واختاره مهرجان دبي، الذي ينطلق هذا اليوم ويستمر حتى السابع عشر من الشهر، لافتتاح دورته الحادية عشرة أيضا.
كلاهما فكر في هذا الفيلم في وقت متقارب. «نظرية كل شيء» كان شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان تورنتو في السابع من سبتمبر (أيلول) الماضي الذي حضره رئيس مهرجان دبي عبد الحميد جمعة وشاهده هناك. ومن المرجح أن بعض إداريي مهرجان مراكش السينمائي كانوا هناك أيضا. شاهدوا الفيلم ووضعوه كاحتمال. والاحتمال تحول إلى رغبة ثم إلى اختيار لدى الجانبين. رغم ذلك، لم يكن في بال أي فريق أن الآخر اختار هذا الفيلم، وعندما عرفت إدارة مهرجان مراكش بالأمر لم تكترث كون المهرجان المغربي الكبير يبدأ قبل دبي على أي حال.
إلى جانب أن هذا الواقع يؤكد الأهمية المتزايدة لمهرجان تورنتو الكندي، كونه بات واحدا من المحطات الرئيسة حول العالم التي تتوقف المهرجانات الأخرى فيها لكي تتسوق أفلامها وتوزع بعض دعواتها السينمائية، فإنه يؤكد بالطبع الوضع غير المريح للفترة الممتدة من نهاية سبتمبر حتى منتصف شهر ديسمبر (كانون الأول) التي تكتظ بالمهرجانات العربية. مثلا لو أن مهرجان مراكش يقع في سبتمبر أو ما قبله واختار هذا الفيلم أولا، لاختار مهرجان دبي سواه سريعا حتى ولو فكر فيه قبلا. أما والمهرجانات العربية تتزاحم في عنق أنبوب طويل على مدى الأسابيع الأخيرة من العام، فإن تلافي هذا التصادم غير ممكن في اللحظات الأخيرة.
* بين مهرجانين
* مهما يكن من حال، فإن جمهور مهرجان مراكش يختلف عن جمهور مهرجان دبي، ليس فقط بالنسبة إلى المواطنين والمقيمين الذين لا يكترثون لإذا ما كان الفيلم الماثل على الشاشة عرض سابقا في مهرجان آخر أو لم يعرض، بل حتى للسينمائيين المدعوين وصولا إلى كيان المهرجان الواحد وهويته.
طوال 11 سنة، أصر مهرجان دبي على أن يعزز حضور السينما العربية في دوراته. أنشأ لها مسابقة خاصة بها. زودها دوما بدعوة صانعي الأفلام، ثم عمل إلى إقامة ورش العمل وتأسيس صناديق الدعم منتقلا من هيئة المهرجان العارض فقط، إلى المهرجان المشارك. من المناسبة التي تحتفي بالإنتاجات العربية وغير العربية في شتى التظاهرات، إلى واحدة تستقطب السينمائيين لأنها تريد إشعارهم بأنهم مرحب بهم كما لو كانوا أهل البيت فعلا.
والموقع الجغرافي له دخله في تصرف كل من هذين المهرجانين، بل في كل مهرجان سينمائي مميز على وجه الأرض. مهرجان «كان» لم يكن ليصبح على ما هو عليه لولا تضافر عوامل من أهمها ذلك الساحل الشهير. لوكارنو يتميز بكونه يقع وسط جبال الألب وصندانس بثلوج جبال شمال ولاية يوتاه، وتوليارايد في تلك الجبال المنزوية في ولاية كولورادو. وحتى تلك التي لا تشكل جغرافية مدنها وبلداتها أهمية جمالية خاصة، مثل القاهرة وتورنتو ونيويورك وسان فرانسيسكو والكثير سواها، تحافظ على مكانتها تبعا لهوية ثقافية خاصة بكل منها تواكبها تلك المساعي الحثيثة للتقدم والاختلاف.
حين يأتي الأمر إلى دبي ومراكش، فإن موقع الأولى كقلب العالم العربي الاقتصادي النابض وكواحدة من عواصم الدنيا الأكثر انشغالا بالتحديث وعصرنة الحياة، يميز مهرجانها من حيث دفعهم لأن يكون صلة وصل بين ما هو عربي وعالمي في الوقت ذاته. والعالمية تأخذ إطارا واسعا جدا فيه بسبب رغبة القائمين عليه في التوجه إلى حيث يوجد فيلم جيد يستحق أن يعرض.
المهرجان المراكشي بدوره يستفيد من موقعه الجغرافي القريب من فرنسا والغرب الأوروبي. أساسا يقام بإشراف هيئة فرنسية تحت إدارة ميليتا توسكان دي بلانتييه ورئيس المهرجان الفني (الفرنسي أيضا) برينو بارد. وهذا ما دفع بالمهرجان لكي يكون أقرب، في اهتماماته المختلفة، من أصول فرنسية وأوروبية عن أصول مغربية أو عربية. ومع أن هذا القرب أثار حفيظة سينمائيين من المغرب وجدوا أنهم دائما ما حلوا على هامش المهرجان، إلا أن الناتج لا يتغير من عام إلى آخر وهوية المهرجان المتحفظة حيال السينما العربية ككل عوضها انفتاحه على السينما الغربية خصوصا الفرنسية والأميركية. الأولى لأنها في الجوار، والثانية لأن المغرب بنى صرحا في العلاقة بينه وبين الإنتاجات الهوليوودية الكبيرة التي كثيرا ما توجهت إلى المغرب لاختيار صحرائه كموقع للتصوير الخارجي.
* حضور كثيف
* مهرجان دبي هذا العام لن يخلو من الضيوف الكبار. مخرج فيلم الافتتاح جيمس مارش سيؤم وبعض أبطال فيلمه. كذلك ستفعل الممثلة إميلي بلنت وإيفا لونغوريا و(المخرج) مارك فورستر والنجمة الهندية آشا بوسل. لي دانيالز يرأس لجنة تحكيم مسابقة «المهر العربي» (بينما يرأس هذا الناقد لجنة تحكيم مسابقة «المهر الإماراتي») وفريقه يضم، فيمن يضم، الممثلة الأميركية فرجينيا مادسون والممثلة الفرنسية أولغا كوريلنكو.
عربيا يستقبل عددا كبيرا من السينمائيين وفناني الدراما الخليجيين، من بينهم هدى الغانم وعبد الله أبو عبد وبلال عبد الله وعلاء شاكر ونجوم الغانم وأحمد الجاسمي وإسماعيل عبد الله. وإلى هؤلاء سينمائيون من مصر ولبنان ومنهم نور الشريف (الذي سيتم الاحتفاء به) وبوسي وميرفت أمين وخالد أبو النجا ومحمد سليمان ونادين لبكي وشيرين دعيبس و(المغربي) مالك بن إسماعيل من بين آخرين.
هناك 118 فيلما من بينها 44 عرضا عالميا أول، وهذه الأفلام وردت بدورها من 48 دولة وتتحدث 36 لغة. الجهد المنصبّ على إنجاح هذه الدورة تحديدا ربما فاق الجهد الذي انصب على أي من الدورات السابقة، باستثناء الدورة العاشرة التي كانت بمثابة مناسبة خاصة. والسبب في ذلك ليس التنافس الطبيعي القائم بين مهرجانات المنطقة ولا ذاك الحاصل مرة تلو المرة مع مهرجان مراكش، خصوصا هذه السنة لجهة اضطرارهما إلى اعتماد الفيلم ذاته للافتتاح. هذا كله يأتي في السياق الطبيعي حيث لا يمكن إقامة مهرجان ناجح من دون أن يجد المسؤولون أنفسهم في سباق خاص بهم حيال المهرجانات الأخرى المنافسة.
ما يجعل الدورة الحالية بمثابة امتحان صعب تم تجاوزه هو ما انتشر الحديث فيه من أن ميزانية المهرجان لم تعد كما كانت عليه، وأن هذا التقليص يؤثر على قدرته ومكانته. من مصادر مقربة، نعم المهرجان قلص ميزانيته لكنه ما زال مرتاحا وغير منكفئ. هناك عدد أقل من المدعوين، خصوصا في الجسم الصحافي، وتم سحب يوم من أيام المهرجان العادية فأصبح عمليا 8 أيام عوض 9 أو 10، إلا أنه وزع ميزانيته على نحو يؤمن استمراريته في العطاء.
رئيس المهرجان، عبد الحميد جمعة، طمأن القلقين قبل أيام قائلا: «المهرجان ماضٍ بنجاح، وميزانيات السنوات الخمس المقبلة مؤمنة». لا ينفي ذلك الرغبة في توسيع رقعة دعم المؤسسات الخاصة وتم للدورة الجديدة إبرام عقود مهمة في هذا السبيل، من أبرزها مع مصرف «بنك الإمارات دبي الوطني NBD» وهو الشأن الذي سيعزز مهرجان دبي السينمائي ويقويه.
* انعكاسات
* «نظرية كل شيء» سيطلق إشارة البدء. هو فيلم بريطاني حول الحياة العائلية للمفكر والعالم الرياضي الأشهر ستيفن هوكينغ مقتبس عن مذكرات زوجته جين هوكينغ التي صدرت قبل أعوام قليلة تحت عنوان «السفر إلى الأبدية: حياتي مع ستيفن». على الشاشة تؤدي فيليسيتي جونز دور الزوجة بينما يلعب إيدي ردماين دور العالم هوكينغ في تشخيص لا بد سيذكر بتأدية الممثل دانيال داي لويس لشخصية الفنان المعاق كريستي براون في «قدمي اليسرى» (1989).
وفي الثاني عشر من الشهر سيتم عرض فيلم المخرج الإماراتي الشاب وليد الشحي وعنوانه «دلافين». هذا هو فيلم المخرج الذي تعامل بتميز مع الأفلام القصيرة منذ بداية نهضة الفيلم الإماراتي قبل أكثر من 10 سنوات. الآن ينجز فيلمه الأول الذي هو ثاني فيلم روائي إماراتي طويل يتم إطلاقه هذا العام من بعد «من أ إلى ب» الذي قام بإخراجه علي مصطفى وعرضه مهرجان أبوظبي كفيلم افتتاح قبل نحو شهرين (الفيلم ذاته سيعرض أيضا في سياق مهرجان دبي).
هذا وحده يعكس تقدما في صناعة الفيلم الإماراتي. ليس عدديا بالطبع لكن نوعيا، خصوصا إذا ما أضيفت حقيقة أن مسابقة الفيلم الإماراتي ستكون زاخرة بالأعمال الجديدة التي يستمد منها المرء اكتشافات جديدة وأخرى معادة.
فيلم الاختتام سيكون «إلى الغابات» (Into the Woods)، وهو فيلم غنائي خيالي داكن النبرة من إخراج روب مارشال (صاحب «شيكاغو» الحائز على الأوسكار سنة 2002) وبطولة آنا كندريك وجوني دب وكريس باين وإميلي بلنت وميريل ستريب. هو عرضه العالمي الأول خارج الولايات المتحدة.
هنا تكمن ملاحظة مهمة لا نعرف بعد ما تطرحه من معان: فشركة ديزني كانت خصت مهرجان أبوظبي في دورته الأخيرة بفيلم آخر من إنتاجها هو الكرتوني «بيغ هيرو 6» والآن تمنح مهرجان دبي الموافقة على ختام دورته بفيلمها الجديد، وكانت صورت أجزاء من الفيلم الكبير المنتظر «ستار وورز: القوة تستيقظ» في دولة الإمارات.
من ناحية، يعزز ذلك من تولي دولة الإمارات المرتبة التي تستحقها كمستقطب للإنتاجات السينمائية الهوليوودية. ومن ناحية أخرى، يدلنا ذلك على ثقة واحدة من كبرى شركات الإنتاج بما يتيحه كلا هذين المهرجانين من فرصة إطلاق العروض العالمية لإنتاجاتها.
بين هاتين الناحيتين هناك وضع مثير ثالث: الإقبال على دور السينما في الإمارات يتجاوز إقبال باقي دول الخليج بمراحل كثيرة.
* ناقد {الشرق الأوسط} رئيس لجنة تحكيم
* اختير ناقد صحيفة «الشرق الأوسط» محمد رُضا رئيسا لمسابقتي «المهر الإماراتي» و«الأفلام القصيرة» . وسيقوم الناقد بمهامه مع عضوية كل من المخرجة شيرين دعيبس، التي سبق لها أن فازت بجوائز عدة عندما قامت بإخراج فيلمها الأول «أمريكا»، وكاتب السيناريو محمد حسن أحمد الذي وضع بصمته على الكثير من الإنتاجات الإماراتية.

