أمبرتو إيكو: «اللامرئي»... والعالم المحتمل في العمل السردي

أحياناً يكشف عن تناقضات واضحة في علاقته بالعالم الحقيقي

أمبرتو إيكو: «اللامرئي»... والعالم المحتمل في العمل السردي
TT

أمبرتو إيكو: «اللامرئي»... والعالم المحتمل في العمل السردي

أمبرتو إيكو: «اللامرئي»... والعالم المحتمل في العمل السردي

قال الفيلسوف البولندي رومان إنغاردن إنه من الزاوية الأنطولوجية، تعد الشخصيات الروائية «غير محققة» تماماً –بتعبير آخر، نعرف القليل عن سماتها– في حين أن الأشخاص الحقيقيين «متحققون بالكامل» ويمكننا أن نؤكد كل اختلافاتهم. أعتقد أنه أخطأ: في الواقع لا يمكن لأحد أن يعدد كل سمات شخص ما، لأنها ضمنياً لا نهائية، في حين أن سمات الشخصيات الروائية مقيَّدة بشكل صارم في النص الذي يتحدث عنها –وليس سوى تلك السمات المذكورة في النص مما ينظر إليه لتحديد هويتها.
وفي الحقيقة أنني أعرف شخصية أليساندرو مانزوني، رينزو تراماغلينو، في رواية «المخطوب»، أفضل مما أعرف أبي. ففيما يتعلق بأبي، هناك حكايات في حياته –لا يعلم عددها إلا الله– لا أعرفها ولن أعرفها. كانت هناك أفكار سرية لم يبح بها، قلق يخفيه، مخاوف ومسرات لم يتحدث عنها. أنا مثل مؤرخي «الروائي الفرنسي أليكساندر» دوماً، سأظل أستدعي هذه الشبح العزيز لأتساءل عنه. على عكسه تماماً، أعرف كل شيء ينبغي أن أعرفه عن رينزو تراماغلينو. كل ما لم يخبرني مانزوني عنه ليس مهماً بالنسبة لي، مثلما أنه ليس مهماً لمانزوني بل حتى لرينزو بقدر ما هو شخصية متخيلة.
هل الأشياء حقاً هكذا؟ لأنها تخبرنا عن أشياء متخيلة، أشياء لم تثبت مطلقاً في العالم الحقيقي، لذلك السبب بالضبط تكون المقولات في الرواية دائماً غير صحيحة. ومع ذلك فإننا لا نعد مقولات الروايات كذباً، ولا نتهم هوميروس أو سرفانتيس بأنهما كاذبان. إننا نعلم تماماً أننا بقراءة عمل سردي ندخل في اتفاق ضمني مع المؤلف الذي يتظاهر بأنه يقول شيئاً «حقيقياً» ونتظاهر نحن بأننا نأخذ كلامه أو كلامها «بجدية».
بهذه الطريقة كل عبارة سردية تصمم وتبني عالماً محتملاً وكل أحكامنا بشأن الحقيقة والكذب لن تشير إلى العالم الحقيقي وإنما إلى العالم المحتمل في العمل السردي. لذا يكون من الكذب في العالم المحتمل لآرثر كونان دويل أن يقول إن شيرلوك هولمز عاش على ضفاف نهر سبون، أو في عالم تولستوي المحتمل أن يقول إن آنا كارينينا عاشت في شارع بيكر.
ثمة عوالم محتملة كثيرة: مثلاً، هناك العالم المحتمل الذي أتخيل فيه ما يمكن أن يحدث لو أن سفينتي تحطمت على جزيرة بولينيزية غير مأهولة مع شارون ستون. كل عالم محتمل هو بطبيعته ناقص أو يختار العديد من المشاهد من العالم الحقيقي لتكون خلفيته: في عالمي الفانتازي، حيث تحطمت سفينتي في بولينيزيا مع شارون ستون، ستتوج الجزيرة حتماً بأشجار نخيل حول شاطئ من الرمل الأبيض وأشياء أخرى كتلك التي يمكن أن أصادفها في العالم الحقيقي.
لا يمكن للعوالم الممكنة في الخيال أن تجعل خلفيتها مستمدة من عالم يختلف كثيراً عن العالم الذي نعيش فيه، بل إن ذلك لا يحدث حتى في الحكايات الخرافية، حيث الغابة تشبه الغابات التي نعرف –مع أن فيها حيوانات ناطقة. قصص شيرلوك هولمز تحدث في لندن كما هي أو كما كانت، وسننزعج لو أن الدكتور واتسون فجأة عبَر سانت جيمس بارك ليزور برج إيفل على الدانوب قرب زاوية نيفسكي بروسبيكت.
بل إن كاتبة يمكنها أن تأخذنا إلى عالم من هذا النوع لكن عليها أن تعتمد على عدة أساليب سردية لجعلنا نتقبلها «كأن تقدم لنا ظاهرة تدمج المكان بالزمان أو شيء من هذا القبيل». في نهاية المطاف إن كنا سنتحمس للحكاية فلا بد لبرج إيفل أن يكون البرج الذي في باريس.
أحياناً يمكن للعالم المتخيَّل أن يكشف عن تناقضات واضحة في علاقته بالعالم الحقيقي. مثلاً في «حكاية شتاء»، يخبرنا شكسبير في المشهد الثاني من الفصل الثاني أن الأحداث تجري في بوهيميا في قفر موحش قرب البحر –في حين أن بوهيميا ليست بها شواطئ، مثلما أنه لا توجد منتجعات سويسرية قرب البحر. لكنه لا يكلفنا شيئاً أن نتقبل «أو نتظاهر بالتصديق» أنه في ذلك العالم المحتمل تكون بوهيميا قرب البحر. أولئك الذين يشتركون في الاتفاق السردي ليسوا ممن يصعب إرضاؤهم، ولا هم بالذين يفتقرن إلى المعلومات بذلك القدر.
بمجرد ما نؤكد هذه الاختلافات بين العالم المتخيَّل والعالم الحقيقي، فإننا نعترف بأن عبارة «آنا كارينينا انتحرت بإلقاء نفسها تحت عجلات قطار» ليست حقيقية بالمعنى الذي تكون به عبارة «أدولف هتلر انتحر في قبو أرضي في برلين» حقيقية أيضاً.
ومع ذلك فالسؤال هو: ما الذي يجعلنا نرسّب تلميذة في امتحان تاريخ لو أنها قالت إن هتلر أُطلقت عليه النار على بحيرة كومو ثم نرسّب أيضاً تلميذاً في امتحان أدب لو أنه قال إن آنا كارينينا هربت إلى سيبيريا مع أليوشا كارامازوف؟
المسألة يمكن حلها من زاوية منطقية ودلالية بإدراك أن من الصحيح أن «آنا كارينينا انتحرت بإلقاء نفسها تحت عجلات قطار» هي فقط طريقة أسرع حسب المعتاد لقول: «إن من الصحيح أنه في العالم الحقيقي كتب تولستوي أن آنا كارينينا تنتحر بإلقاء نفسها تحت عجلات قطار». ولذا فإن تولستوي وهتلر هما اللذان ينتميان إلى نفس العالم، وليس هتلر وآنا كارينينا.
لهذا فإنه من الناحية المنطقية كون آنا كارينينا تنتحر سيكون صحيحاً فيما يتعلق بالقول «دي ديكتو de dicto» بينما أن «هتلر انتحر» تكون صحيحة فيما يتعلق بالفعل «دي ري de re». أو أفضل من ذلك، ما يحدث لآنا كارينينا لا علاقة له بمعنى العبارة وإنما بدالّها (signifier).
بتعبير آخر، يمكننا أن نقول عبارات صحيحة حول شخصيات روائية بنفس الطريقة التي نقول بها إن السيمفونية الخامسة لبيتهوفن في «سي ماينور» «وليس في إف ميجور مثل السادسة» وتبدأ بـ«جي جي جي المنخفض». سيكون ذلك حكماً على المقطوعة الموسيقية. تبدأ «آنا كارينينا» بالقول المأثور: «العائلات السعيدة تتشابه، وكل عائلة تعيسة تعيسة بطريقتها الخاصة» وهي وجهة نظر، ولكن القول المأثور تتبعه مباشرة عبارة حقيقية «كان كل شيء مقلوباً في بيت أوبلونسكي» التي علينا بالإشارة إليها ألا نتساءل عما إذا كان صحيحاً أن كل شيء كان مقلوباً في بيت أوبلونسكي وإنما عما إذا كان صحيحاً أن المقطوعة الموسيقية التي عنوانها «آنا كارينينا» تقول فعلاً «كل شيء كان مقلوباً في بيت أوبلونسكي»، أو ما يقابل ذلك بالروسية...

- من مقالة بعنوان «اللامرئي» في كتاب «على أكتاف عمالقة»، (هارفرد، 2019) الذي نُشر بعد وفاة إيكو عام 2016 ويضم سلسلة من المقالات التي كانت في الأصل محاضرات ألقاها الروائي والناقد الإيطالي الشهير في مهرجان «ميلانيزيانا» في مدينة ميلانو على مدى الأعوام الخمسة عشر الأخيرة من حياته.



«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».