«كورونا» يوجّه ضربة قاضية للمطاعم

1 من كل 5 يغلق أبوابه بشكل دائم

«كورونا» يوجّه ضربة قاضية للمطاعم
TT

«كورونا» يوجّه ضربة قاضية للمطاعم

«كورونا» يوجّه ضربة قاضية للمطاعم

على الرغم من السماح للمطاعم في إنجلترا بفتح أبوابها مرة أخرى لاستقبال الزبائن هذا الشهر، بعد أكثر من 100 يوم من الإغلاق بسبب فيروس كورونا، فإن كثيراً منها قرر الإغلاق النهائي وعدم فتح الأبواب مرة أخرى. وتتكرر هذه الصورة في أنحاء أوروبا وفي الولايات المتحدة، فيما يبدو أنه نهاية حقبة وبداية أخرى على أسس جديدة، تراعي قيود التباعد الاجتماعي وشروط التعقيم والنظافة. وتشير شركات أبحاث إلى أن الأزمة الحالية سوف يسفر عنها إغلاق مطعم من كل 5 مطاعم بصفة مستديمة.
وتوصلت المطاعم التي قررت إغلاق أبوابها بصفة مستديمة إلى نتيجة أن النموذج الحالي الذي يحتم تباعد المقاعد وتطبيق شروط تعقيم جديدة وتحديد عدد الزبائن لن يغطي تكاليف تشغيلها، وسيؤدي إلى مزيد من الخسائر. ولذلك قررت اختصار الطريق والخروج من السوق.
حتى شركات المطاعم الكبرى ذات الفروع المتعددة قررت إغلاق نسب كبيرة من مطاعمها لا تكاد تغطي تكاليفها. وترى الشركات أن عليها إعادة التفاوض بشأن الإيجارات العالية ورسوم التشغيل التي كانت محتملة في عصر سابق لـ«كورونا»، لكنها تحتاج إلى إعادة تقييم حالياً.
وقالت شركة «تي آر جي» التي تملك سلسلة مطاعم «غارفانكل وبيني وشيكيتو» إنها سوف تغلق 125 مطعماً ما لم يتم تخفيض الإيجارات السابقة لها حتى يمكن تشغيلها بهوامش ربح مقبولة.
ومن المؤكد أن مطاعم المستقبل سوف تعمل بعدد أقل من العمال لخدمة عدد قليل من الزبائن. وتوفر المطاعم تطبيقات إلكترونية يتم من خلالها اختيار الوجبات المطلوبة بلا حاجة إلى نادل يقدم قوائم طعام وينتظر طلبات الزبائن. وفي شبكة مطاعم «تي آر جي» وحدها من المتوقع أن يفقد نحو 3000 عامل وظائفهم.
وقالت الشركة إنها أغلقت بالفعل 61 من 80 مطعماً مكسيكياً يعمل تحت اسم «شيكيتو» بعد إعلان إفلاس هذه المطاعم في نهاية شهر مارس (آذار) الماضي. وكانت منطقتي سوهو والحي الصيني في لندن من أكثر المناطق المتضررة من إغلاق المطاعم. كما عانت أيضاً أحياء لندن الغربية التي تعد من أعلى المناطق إيجاراً في لندن.
في قطاع آخر من المطاعم، كان الإعلان عن إغلاق الفروع وتسريح العمال مرحلياً ومؤقتاً على أساس العودة على أسس جديدة بعد تراجع خطر «كورونا». وساعد على ذلك قرار الحكومة البريطانية دفع نسبة 80 في المائة من الأجور للعمال الموقوفين عن العمال مؤقتاً بسبب فيروس كورونا. وتتحمل الحكومة هذه التكاليف حتى نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وإذا لم يتحسن الوضع حتى ذلك الوقت فسوف تقوم المطاعم بتسريح عمالها رسمياً، ما يفاقم من أزمة البطالة.

- مطاعم القمة
لم تسلم مطاعم القمة في لندن من الإغلاق، حيث أعلن الشيف الشهير غوردون رامزي عن إغلاق مطاعمه اللندنية مؤقتاً، بما في ذلك مطاعم منطقة مايفير الحاصلة على نجوم ميشلان. وأغلق مطعم «كور» لصاحبته كلير سميث في منطقة كنزنغتون، وهو أيضاً حاصل على نجمتي ميشلان. وأغلقت مطاعم «أيفي» و«سكوت» و«سكسي فيش» التي تملكها مجموعة كابريس.
وأعلنت مجموعة مطاعم «ديشوم» الهندية إغلاق كل فروعها البريطانية، بما فيها 5 مطاعم لندنية، وتعمل المطاعم الباقية على توفير توصيل طلبات الوجبات إلى المنازل.
وأعلن مطعم «ليدبيري» الشهير في مايفير أنه سوف يغلق أبوابه إلى أجل غير مسمى. ويعتقد الشيف بريت غراهام، الذي يديره، أن قواعد التباعد الاجتماعي لا يمكن تطبيقها في المطعم بصورة عملية. وتبعه مطعم «أنديان إكسنت» في منطقة بلغرافيا، الذي قال أصحابه إن الإغلاق سوف يكون مستديماً، وليس من المتوقع أن يستأنف المطعم نشاطه.
كما صرّح الشيف ناثان أوتلو أنه أغلق مطعمه «سايرن» في بلغرافيا بصفة دائمة، بينما أعلن الزوجان جون وجولي إغلاق مطعم «أبوتس إيلم» اللندني والتقاعد. ويتفاوض بعض عمال المطعم على الإبقاء عليه، وافتتاحه عندما تسمح الظروف بذلك.
ويتكرر الوضع في عشرات المطاعم الراقية في لندن وضواحيها، كما ألغي كثير من معارض المأكولات والمهرجانات، وأغلقت عشرات المقاهي. كما تأجل افتتاح كثير من المطاعم التي كان مقرراً لها دخول السوق هذا العام.
وهناك مطاعم ومقاهٍ أخرى تبدو على شفا الإفلاس، منها «بيلا إيطاليا» و«كوفي روج» و«لاس أيغواناس» التي يتهددها الإغلاق الدائم وفقدان وظائف فيها تقدر بنحو 6000 عامل في 250 مطعماً ومقهى. وأصدرت شركة «سي دي جي» القابضة التي تملك المنافذ الثلاثة أنها سوف تعين فريقاً قانونياً يشرف على التصفية أو صفقة بيع لمن يريد الاستثمار فيها. وقد يستغرق الأمر عدة أشهر قبل الإعلان الرسمي عن إغلاق هذه المطاعم والمقاهي بصورة نهائية. وقال متحدث من الشركة إن الوضع الذي تواجهه الشركة غير مسبوق في الصناعة كلها، وإن مجلس إدارة الشركة يتفاوض مع مستشارين من أجل اتخاذ قرار فيما يتعلق بالخطوات التالية.
وإضافة إلى المطاعم الشهيرة كانت مفاجأة إعلان شركات كبرى مثل «ستاربكس» و«دانكن» عن إغلاق 1300 فرع بصفة مستديمة. حتى مع إعادة فتح بعض منافذ البيع للجمهور مع نهاية فترة الحجر الصحي، لم تكن فروع هذه المقاهي والمطاعم تغطي تكاليفها بسبب ضعف الإقبال وشروط التباعد الاجتماعي.

- المطاعم المستقلة
إلى جانب المطاعم الكبرى، يزداد خطر الإغلاق على المطاعم الصغيرة المستقلة التي تقدر أوساط الصناعة أن نسبة 85 في المائة منها سوف يغلق أبوابه هذا العام. وتمثل المطاعم المستقلة نسبة 70 في المائة من حجم المطاعم، وهي تعتمد أكثر على الإيراد من خدمة الزبائن الزائرين. كما أنها لا تستند إلى شركات كبرى تغطي خسائرها في الأوقات الصعبة.
ويعتقد أصحاب المطاعم المستقلة أن العودة إلى الوضع العادي الذي كان سائداً قبل جائحة كورونا قد يستغرق عدة سنوات. ولا تحتمل معظم المطاعم الصغيرة العمل بخسائر لفترات طويلة. وبالإضافة إلى مساعدة الحكومة البريطانية في تغطية نسبة 80 في المائة من أجور العمال الذين تُقرر المطاعم الإبقاء عليهم أثناء فترة الحجر الصحي، فإن الصناعة بشكل عام تطالب بدعم مالي حتى تستمر في نشاطها، وذلك لتغطية التكاليف الثابتة مثل الإيجارات والضرائب حتى نهاية فترة العمل تحت قيود «كورونا».
وفي الولايات المتحدة وحدها، تطالب صناعة الأغذية بدعم فيدرالي قدره 120 مليار دولار يقدم في صيغة إعانات لأصحاب المطاعم والعاملين فيها. وترى هيئة الأبحاث «ليكسيغون» أن الخطر يزداد على المطاعم الإثنية التي ليست لها مصادر دخل أخرى، واضطرت للإغلاق خلال فترة العزل الصحي.
وفي البداية، اعتقد أصحاب هذه المطاعم أنها مشكلة سوف تنتهي بعد أسبوعين، ولكن القناعة السائدة الآن هي أن المشكلة مستمرة لمدة عامين على الأقل. وخلال فترة الحجر الصحي استمرت المطاعم في دفع تكاليف الإيجار وفواتير الكهرباء والغاز والضرائب، ولكنها لم تستقبل أي زبائن، ولم تتلقَ أي إيرادات.
وتقول أبحاث بنك «يو بي إس» إن الوباء سوف ينتج عنه إغلاق مطعم من كل 5 مطاعم، وتشمل هذه النسبة أيضاً المطاعم التي تتبع أسماء مشهورة، ولكنها تعمل مستقلة بأسلوب «فرانشايز».
واستنتج البحث أن المطاعم لن تعود إلى معدلات الربح السابقة إلا إذا انتهى التباعد الاجتماعي، وعاد النشاط إلى ما كان عليه قبل الوباء. لكن على رغم عودة افتتاح كثير من المطاعم في شهر يوليو (تموز) الحالي، فإنها لا تعتبر أن هذه العودة هي بداية الانتعاش، وذلك لأن معظم المطاعم ما زالت تسجل الخسائر على رغم عودتها لنشاطها المعتاد.

- المطاعم تواجه تعقيدات أخرى غير «كورونا»
على الرغم من أن انتشار فيروس كورونا وجّه ضربة قاضية للمطاعم، وتسبب في إغلاق نسبة 20 في المائة منها بصفة مستديمة، فإنه لم يكن السبب الوحيد في أزمة المطاعم. فالصناعة كانت تشهد تراجعاً وانكماشاً من قبل أزمة «كورونا»، كان من أسباب انهيارها السريع مع أول انتشار للفيروس.
ففي الشهور السابقة للحجر الصحي كانت المطاعم تعاني من تراجع الطلب عليها بسبب ارتفاع أسعارها، والوجبات الجامدة غير المناسبة لمذاق الجمهور، وعدم خدمة الزبائن بالمستوى المطلوب. وظهرت أيضاً بعض مشكلات النظافة العامة وعدم الاستثمار الكافي في اللحاق بمتغيرات السوق، وعدم القدرة على استقطاب قوى عاملة مدربة وملتزمة.
وساهمت أيضاً تعليقات الزبائن على مواقع تقييم المطاعم على الإنترنت في تحول الإقبال عنها في حالات حصولها على تعليقات سلبية. وتتعلق هذه المشكلة بأخرى أكبر منها، وهي فشل بعض المطاعم أحياناً في تسويق خدماتها إلى الجمهور كما ينبغي. وأهم جوانب التسويق في العصر الحديث هو وجود صفحة فعّالة لموقع المطعم على الإنترنت.
وعندما حلّ فيروس كورونا ضيفاً ثقيلاً على العالم وجد أصحاب المطاعم أنفسهم في موقف صعب من حيث مسؤوليتهم عن صحة العمال والزبائن والتزامهم بشروط التباعد الاجتماعي والتعقيم بعد فترة إغلاق طويلة فاقت 100 يوم. ومع هذه الأعباء الإضافية، تراجعت الإيرادات إلى الحد الذي لا يكاد يغطي تكاليف التشغيل. فكان قرار إغلاق المطاعم هو الحل المنطقي الحتمي، على الأقل حتى تعود الأمور إلى نصابها.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended