تقلبات أسعار النفط.. تاريخ طويل من التجارب

من حرب 73 إلى الهبوط الكبير عام 1986 وصولا إلى الأزمة المالية العالمية

تقلبات أسعار النفط.. تاريخ طويل من التجارب
TT

تقلبات أسعار النفط.. تاريخ طويل من التجارب

تقلبات أسعار النفط.. تاريخ طويل من التجارب

في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما اجتمع وزراء منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) في العاصمة النمساوية فيينا في الغرفة المغلقة التي لا يدخلها سوى الوزراء والأمين العام للمنظمة، تقدمت بعض الدول من بينها فنزويلا والجزائر بمقترح يعتمد على إخراج 2 مليون برميل يوميا من السوق في آخر محاولة لإقناع وزير البترول السعودي علي النعيمي ورفاقه الخليجيين بخفض إنتاج المنظمة لدعم الأسعار التي هبطت قبيل الاجتماع إلى أقل مستوى في 4 سنوات.
كان المقترح يعتمد على أن تخفض دول أوبك 1.5 مليون برميل يوميا من سقف إنتاجها البالغ 30 مليون برميل يوميا، فيما يقوم وزير خارجية فنزويلا ومبعوثها إلى أوبك رافاييل راميرز بإقناع روسيا والمكسيك بتخفيض الـ500 ألف برميل الباقية.
لكن النعيمي رفض هذا المقترح قائلا للجميع «من خبرتي الطويلة التي دامت 60 عاما في قطاع النفط أحب أن أقول لكم إننا لا يمكن أن نعتمد على روسيا أو غيرها لمساعدتنا في رفع الأسعار»، بحسب ما أوضحته مصادر في أوبك لـ«الشرق الأوسط» على اطلاع بما دار في الاجتماع.
لقد أزعج قرار النعيمي هذا وزراء البترول الباقين في الاجتماع الذين رأوا في التوجه إلى روسيا «القشة التي سيتعلق بها الغريق»، إلا أنهم استسلموا جميعا للأمر الواقع، فالسوق يعاني من فائض كبير بين 1 إلى 2 مليون برميل يوميا وجزء كبير من هذا الفائض تراكم بسبب زيادة إنتاج النفط من خارج أوبك وخصوصا من حقول النفط الصخري في الولايات المتحدة، ولن ترتفع الأسعار إلا إذا قامت السعودية ودول الخليج بالمساهمة في تخفيض كبير لإنتاجهم، وهذا ما لن يحدث بسهولة.
وأمام هذه المعطيات اتفق الوزراء على أن يبقوا سقف إنتاج المنظمة كما هو ويسلموا السوق مهمة تصحيح الأسعار وموازنة العرض مع الطلب. وخرجوا من الاجتماع وهم مدركون تماما أن الأسعار لن ترتفع إلى 90 أو 100 بعد اليوم. ومنذ ذلك اليوم وأسعار النفط مستمرة في الهبوط، وفي هذا الأسبوع تتداول حول مستويات 65 إلى 67 دولارا وهي أقل مستويات لها منذ منتصف عام 2009.
يرى الكثير من المحللين أن هذا الهبوط سيكون قاصمة ظهر لأوبك إذ إنها ولأول مرة تسلم الأمر بالكامل للسوق لتحديد الأسعار وقد تصل الأسعار إلى مستويات منخفضة جدا أقل مما يتوقعه الجميع.
لكن هذه ليست هي المرة الأولى التي تهبط فيها أسعار النفط بالنسبة لأوبك ولن تكون الأخيرة، ولكن ما يميز هذه المرة عن غيرها هو أن الهبوط تم بإدارة من أوبك لكن موازنة السوق لن تكون بالأمر السهل وستتطلب نفسا طويلا جدا إذا ما أراد الجميع أن يتركوا الأسعار لقوى السوق. وهنا أبرز محطات أسعار النفط صعودا وارتفاعا منذ عام 1973.

* حظر النفط العربي 1973
* كانت أسعار النفط مستقرة طيلة السنوات التي سبقت عام 1973 عند مستوى قريب من 3.6 دولار إذ إن أسعار النفط كانت بيد الشركات العالمية وخاصة مجموعة من الشركات تعرف باسم الأخوات الـ7 (إكسون وموبيل وشيفرون وغلف وتكساكو وشل وبي بي) وكانت هذه الشركات هي التي تضع الأسعار بالاتفاق فيما بينها وكانت هي التي تحدد حجم العرض في السوق ولهذا كان السوق مستقرا ومتوازنا في أغلب الأحيان.
وانهار هذا النظام بعد القرار الذي اتخذه المنتجون العرب للنفط داخل أوبك في الكويت عام 1973 بحظر تصدير النفط العربي إلى الولايات المتحدة احتجاجا على دعمها لإسرائيل في حربها ضد مصر آنذاك. وسرعان ما بدأت أسعار النفط في الارتفاع. وواصلت الأسعار ارتفاعها تدريجيا حتى بلغت 12 دولارا بنهاية عام 1974.
واستقرت الأسعار عند مستوى بين 12.5 دولار و14 دولارا خلال الفترة ما بين 1974 و1978 وكان إنتاج أوبك حينها مستقرا عند 30 مليون برميل يوميا. ولكن بقاء الأسعار مرتفعة ساهم كذلك في زيادة الإنتاج من خارج أوبك خلال نفس الفترة ليرتفع من 25 مليون برميل يوميا إلى 31 مليون برميل يوميا.

* الحرب العراقية - الإيرانية
* في عام 1979 انطلقت الثورة الإسلامية في إيران وانقطعت إمدادات النفط حينها عن السوق بما يقارب نحو 2 مليون برميل يوميا. وتضاعفت الأسعار في ذلك العام لتصل القيمة الاسمية للبرميل إلى 25 دولارا. وكانت هذه أعلى قيمة يصل إليها سعر برميل النفط منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وفي عام 1980 بدأت الحرب العراقية - الإيرانية التي تسببت في هبوط إجمالي إنتاج النفط من البلدين من 6.5 مليون برميل يوميا قبل الحرب إلى نحو مليون برميل يوميا في عام 1981. وبسبب الحرب في الخليج ارتفع متوسط أسعار النفط إلى 35 دولارا في 1980 ثم إلى 37 دولارا في 1981 وكانت هذه هي أعلى قيمة يصل إليها برميل النفط في التاريخ.

* سنوات سوء إدارة أوبك
* بين أعوام 1982 و1985 انخفضت أسعار النفط بصورة كبيرة والسبب في ذلك كان سوء إدارة أوبك للسوق وطمع وجشع الدول الأعضاء الذين عملوا المستحيل لإبقاء أسعار النفط عالية. لكن بقاء أسعار النفط عالية هو ما تسبب في تدمير الطلب على النفط واتجاه العالم نحو ترشيد الطاقة واستخدام البدائل، كما ساهم ذلك في زيادة الإنتاج من خارج أوبك وبخاصة من بحر الشمال الذي كان قاصمة ظهر لأوبك.
وانخفضت أسعار النفط من 35 دولارا في 1981 إلى 31 دولارا في 1982 ثم تواصل الهبوط إلى 29 دولارا في عام 1983 واستمر ليصل إلى 28 دولارا في 1984 وأخيرا إلى 26 دولارا في 1985 قبل أن تنهار في عام 1986 وتصل إلى 14 دولارا مجددا كما كانت عليه في عام 1978.
وخلال هذه الفترة حاولت السعودية من خلال وزير نفطها السابق الشيخ أحمد زكي يماني إقناع باقي أوبك بضرورة خفض الأسعار وأن هذا لن يفيد أوبك في المدى البعيد ولكن من دون جدوى.
ونتيجة لسياسات أوبك الخاطئة وجشع دولها انخفض إنتاج أوبك ليصل إلى قرابة نصف إنتاجها السابق البالغ 30 مليون برميل مع تراجع الطلب وزيادة الإنتاج من خارج أوبك. وحاولت أوبك خلال هذه الفترة فرض نظام الحصص على دولها ولكن من دون فائدة إذ لم يرغب أحد في الالتزام بالإنتاج بأي حصة مما تسبب في تدهور الوضع. ثم حاولت السعودية خلال هذه الفترة لعب دور المنتج المرجح في محاولة يائسة لرفع الأسعار. وتحت هذا الدور كان على السعودية أن تدع كل دول أوبك تنتج كل ما تقدر عليه للوصول إلى سقف الإنتاج حينها ثم تقوم هي بإكمال النقص.
وحاولت أوبك في ذلك الوقت الدفاع عن سعر محدد وهو 28 دولارا ثم عادت للدفاع عن سعر 18 دولارا إلا أن النفط كان لا يزال عند 14 دولارا. وبسبب دور المنتج المرجح الذي لعبته السعودية انخفض إنتاجها اليومي إلى 2 مليون برميل بحلول منتصف عام 1986 وانتهت هذه الأمور المأساوية بإعفاء الشيخ يماني من منصبه.

* الهبوط الكبير عام 1986
* لا يمكن أن ينسى كل من عاشوا وعملوا في القطاع النفطي الهبوط الكبير في أسعار النفط الذي بدأ من عام 1986 بعد أن أعلنت أوبك فيما بينها أشرس حرب أسعار. فبعد أن تخلت السعودية عن دور المنتج المرجح وأعلنت أنها ستدافع عن حصتها في السوق أمام باقي المنتجين في أوبك، بدأت الأمور تتغير إذ قدمت تخفيضات كبيرة على نفطها ورفعت الإنتاج بصورة كبيرة لإغراق السوق واستعادة حصتها. وبطبيعة الحال لم يستسلم أحد في أوبك وبدأ الجميع في تقليد السعودية وإعطاء تخفيضات كبيرة وهو ما أدى في الأخير إلى هبوط أسعار النفط إلى أقل من 10 دولارات. وكانت بعض الدول في أوبك تبيع برميل النفط في ذلك العام بسعر 7 دولارات.
وانتصرت السعودية في تلك الحرب ثم عادت أوبك إلى الاتفاق على أنها يجب أن تحمي سعر 18 دولارا واتفق الجميع في ديسمبر (كانون الأول) عام 1986 على أنه يجب عليهم تقليص الإنتاج مجددا للدفاع عن هذا السعر وخفضه من 17 مليون برميل يوميا إلى 15.8 مليون برميل. وظلت أسعار النفط أقل من 18 دولارا بين أعوام 1987 و1989 قبل أن ترتفع إلى 23 في عام 1990 بعد غزو العراق للكويت.

* الأزمة الآسيوية 1997
* ظلت أسعار النفط تدور في فلك العشرين دولارا طيلة السنوات الـ7 بين 1990 و1997 وهو العام الذي انهارت فيه الاقتصادات الآسيوية وتسبب بما يعرف بالأزمة الآسيوية. وكانت أوبك قد اجتمعت في إندونيسيا في ذلك العام واتفقت على رفع إنتاجها وتزامن هذا مع انهيار الطلب وفي الوقت ذاته مع بدء الأمم المتحدة للعراق تصدير نفطها تحت برنامج النفط مقابل الغذاء. وبفضل هذه الظروف انهارت الأسعار لتصل إلى 10 دولارات مجددا وسجل متوسط سعر النفط في 1998 11 دولارا للبرميل.
وانتهت هذه الأزمة بفضل محاولة ماراثونية من الوزير السعودي علي النعيمي الذي أكمل حينها عامه الثاني في الوزارة. وتمكن النعيمي من إقناع أوبك والمنتجين خارجها مثل المكسيك والنرويج بخفض الإنتاج لرفع الأسعار. وفي عام 1999 ارتفعت أسعار النفط إلى 16 دولارا ثم إلى 27 دولارا في عام 2000 واستعادت أوبك ومنتجو النفط عافيتهم.

* الأزمة المالية العالمية
* في الأعوام ما بين 2000 و2008 ازداد الطلب على النفط في العالم بصورة كبيرة جدا بعد نمو الطلب من الصين والهند وباقي الدول الناشئة كما أطلق عليها حينها. إلا أن النمو في الطلب كان مفاجئا ولم تكن أوبك جاهزة له وهو ما تسبب في ارتفاع الأسعار بسبب محدودية نمو المعروض النفطي أمام نمو الطلب.
لكن عام 2008 كان مخيبا للآمال. ففي ذلك العام اشتدت المضاربة على أسعار النفط وساهمت في ارتفاع الأسعار ووصولها إلى 147 في يوليو (تموز) ذلك العام وهو أعلى مستوى لها في التاريخ. إلا أن الأسعار انهارت في النصف الثاني من ذلك العام بعد أن تقلصت المضاربة وضعف الطلب بسبب الأزمة المالية العالمية التي نشأت نتيجة سقوط المصارف الأميركية الكبرى وانهيار شركات الرهن العقاري. وانخفضت الأسعار بنهاية عام 2008 إلى ما دون 40 دولارا للبرميل.
واتخذت أوبك قرارا في ذلك العام في اجتماع وهران التاريخي في الجزائر بعمل أكبر تخفيض جماعي في تاريخ المنظمة وعلى أثره تم سحب 4.2 مليون برميل يوميا من السوق. واستعادت الأسعار عافيتها منذ ذلك الحين.

* الربيع العربي
* في عام 2011 تفاقمت الاضطرابات السياسية في المنطقة العربية في أعقاب الربيع العربي وأدى ذلك إلى انقطاع الإمدادات من الكثير من الدول المنتجة مثل ليبيا وسوريا واليمن. وخرج نحو 1.6 مليون برميل يوميا من النفط الليبي الخفيف عالي الجودة ولم تتمكن دولة في أوبك من تعويضه. ولهذا ارتفعت أسعار النفط منذ ذلك الحين فوق مستوى 100 دولار واستقرت عند ذلك الحد حتى سبتمبر (أيلول) من العام الجاري نظرا لأن ليبيا ما زالت غير مستقرة إضافة إلى سوريا والعراق.
وفي عام 2012 فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حظرا على تصدير النفط الإيراني تسبب في خروج نحو مليون برميل يوميا من نفطها من السوق. وأدى هذا الأمر إلى تفاقم المخاوف من رد فعل عسكري إيراني وهو ما أبقى أسعار النفط عالية.
وكما حدث في الثمانينات، فإن بقاء أسعار النفط فوق 100 دولار لـ3 سنوات ونصف ساهم في إضعاف الطلب نوعا ما وسمح بدخول حقول جديدة ومصادرة جديدة لإنتاج النفط إلى السوق. ففي الثمانينات دخل بحر الشمال، وفي السنوات الأخيرة دخل النفط الصخري إلى السوق. وتسبب هذا الأمر إضافة إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وانحسار المخاوف السياسية في المنطقة، في هبوط أسعار النفط من 115 دولارا في يونيو (حزيران) إلى 65 دولارا حتى وقت كتابة هذه السطور.



كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
TT

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006 من «قواعد اشتباك» غير مكتوبة نجحت في ضبط إيقاع الصراع طوال نحو 17 سنةً، يبدو أنه انهار مع الحرب الأخيرة، التي أعادت رسم البيئة العملياتية على الجبهة الجنوبية، وفرضت معادلات جديدة تقوم على المنطقة العازلة، والسيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، وحرية العمل العسكري الإسرائيلي. وبين حربين تفصل بينهما 20 سنة، لا تقتصر المقارنة على تطوّر الأسلحة أو تبدّل موازين القوى، بل تمتد إلى العقيدة العسكرية التي حكمت الصراع. ففي حين قامت قواعد ما بعد عام 2006 على الردع المتبادل ورفع كلفة الحرب على الطرفين، أفرزت «حرب 2026» نموذجاً مختلفاً، تسعى إسرائيل من خلاله إلى تعطيل قدرات «حزب الله» قبل استخدامها، مستفيدة من التفوّق الاستخباراتي والتكنولوجي، ومن الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة العسكرية.

لا يقتصر التحوّل في الوضع العسكري بين لبنان وإسرائيل على الأدوات العسكرية، بل يشمل أيضاً فلسفة إدارة الصراع؛ إذ بعدما كان الهدف الأساسي خلال السنوات التي أعقبت «حرب 2006» منع انزلاق الجبهة إلى مواجهة واسعة، أصبحت المواجهة اليوم تُدار وفق قواعد مختلفة تقوم على المبادرة والضربات الاستباقية، ومحاولة فرض الوقائع الميدانية قبل أن تتحول إلى تهديد.

قواعد 2006... كيف وُلدت؟

لفهم طبيعة التحول الذي شهدته الجبهة الجنوبية، يرى اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي أن العودة إلى حرب يوليو (تموز) 2006 وحدها لا تكفي؛ لأن جذور قواعد الاشتباك تعود إلى تفاهم أبريل (نيسان) 1996 الذي أعقب عملية «عناقيد الغضب». قال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» شارحاً إن «الاستهداف كان يقتصر على العسكريين، وإذا جرى استهداف المدنيين من أحد الطرفين كان يُقابَل باستهداف مماثل للمدنيين من الطرف الآخر».

وأردف أن هذه القواعد «تكرّست بصورة أوضح بعد حرب 2006؛ إذ أصبحت عمليات (حزب الله) العسكرية محصورة بالمناطق المحتلة، ولا سيما مزارع شبعا، بينما كان الرد على عمليات الاغتيال الإسرائيلية يجري غالباً ضمن هذا الإطار، بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة».

شحيتلي أوضح أيضاً «أن مرحلة ما بعد حرب 2006 لم تكن مرحلة سلام، بل مرحلة إدارة دقيقة للصراع. فالحزب التزم بما نص عليه القرار 1701 لناحية سحب أسلحته الثقيلة والصاروخية من جنوب الليطاني، فيما بدأ الطرفان، الإسرائيلي و(حزب الله)، مباشرة التحضير للمواجهة التالية».

وتابع: «إسرائيل كانت تتحضر للحرب المقبلة، وكذلك الحزب، وكان كل طرف يراقب تحركات الآخر. الإسرائيليون كانوا يتحدثون عن إنشاء تحصينات أو رصد أعمال ميدانية للحزب، فيما كان لبنان يعتبر أن كل ما يجري داخل أراضيه يدخل ضمن الإجراءات الدفاعية ولا يبرر أي تدخل إسرائيلي». ومن ثم «خلال تلك المرحلة، تشكلت منظومة ردع غير معلنة، قوامها أن أي تصعيد واسع سيقود إلى رد واسع، وهو ما أفرز معادلات مثل (بيروت مقابل تل أبيب) و«الضاحية مقابل حيفا). ولم تكن هذه المعادلات تعني تكافؤاً في القدرات العسكرية، بقدر ما كانت تعكس تكافؤاً في كلفة الحرب؛ إذ امتلك كل طرف القدرة على إلحاق أضرار يصعب على الطرف الآخر تحملها سياسياً وعسكرياً».

وهنا يلفت اللواء شحيتلي إلى أن «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لعبت خلال تلك المرحلة دوراً محورياً في منع التصعيد... وأي حادث ميداني، مهما كان محدوداً، كان يُعالج عبر قنوات الارتباط بين الجيش اللبناني و(اليونيفيل) والجيش الإسرائيلي، مع تدخلات أميركية حالت دون تحول الحوادث الموضعية إلى حرب واسعة». ويستطرد، من ثم، ليشير إلى أن هذه المنظومة بقيت تحكم الحدود لسنوات طويلة، إلى أن بدأت تتآكل تدريجياً مع تبدل البيئة الإقليمية والعسكرية، قبل أن تصل إلى نقطة الانهيار مع الحرب الأخيرة، التي لم تغيّر حجم العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً طبيعة قواعد الاشتباك التي استقرت منذ عام 2006.

لماذا انهارت قواعد الاشتباك التي كرّستها حرب 2006؟

إذا كانت قواعد الاشتباك التي أرستها حرب يوليو (تموز) 2006 قد نجحت في ضبط المواجهة على مدى سنوات طويلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الذي أدى إلى انهيارها؟

العميد الركن المتقاعد بهاء حلّال قال، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن الإجابة لا ترتبط بنتيجة الحرب الأخيرة وحدها، بل بمجموعة تحوّلات استراتيجية وعسكرية تراكمت تدريجياً، قبل أن تبلغ ذروتها مع الحرب التي أعقبت السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والتي أفرزت بيئة عملياتية تختلف جذرياً عن تلك التي سادت بعد عام 2006.

وبحسب حلّال: «حرب 2006 أفرزت منظومة ردع متبادل استندت إلى أربعة مرتكزات أساسية، هي: الردع المتبادل، ومعادلة بيروت مقابل تل أبيب، ومعادلة الضاحية مقابل حيفا، إضافة إلى احترام نسبي للقرار 1701 الذي أبقى الحدود البرية مستقرة نسبياً رغم الخروقات الجوية الإسرائيلية».

وأوضح أن «معادلة بيروت مقابل تل أبيب كرّست توازناً يقوم على أن أي استهداف واسع للعاصمة اللبنانية قد يقابله استهداف للعمق الإسرائيلي، بما فيه تل أبيب، فيما قامت معادلة الضاحية مقابل حيفا على أن أي تدمير واسع للضاحية الجنوبية سيُقابل باستهداف المدن الإسرائيلية الكبرى، وفي مقدمها حيفا، الأمر الذي رفع كلفة أي تصعيد وجعل الطرفين أكثر حذراً في استخدام القوة».

ثم شرح أن «إسرائيل كانت تمتلك التفوق الجوي والاستخباراتي، فيما امتلك (حزب الله) قدرة صاروخية قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، ما جعل كلفة الحرب مرتفعة على الطرفين، ورسّخ معادلات ردع حالت دون اندلاع مواجهة واسعة لسنوات».

لبنان: 5 قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة

ووفق حلال، هذه المنظومة لم تسقط بفعل عامل واحد، بل نتيجة «خمسة متغيرات استراتيجية رئيسة، هي: تغير البيئة الإقليمية بعد هجوم السابع من أكتوبر، ودخول الجبهة اللبنانية في حرب استنزاف طويلة، واتساع استخدام المسيّرات الدقيقة، والتطوّر غير المسبوق في القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية، إضافة إلى تراجع فاعلية الردع التقليدي مع استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة».

واستطرد مشدداً على أن «هذه المتغيرات لم تبدّل شكل العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً فلسفة إدارة الصراع. فبدلاً من أن يكون الردع المتبادل هو الآلية الأساسية لمنع الحرب، أصبحت الأولوية لدى إسرائيل تتمثّل في منع تشكل التهديد أصلاً، من خلال المراقبة المستمرة، والاستهداف المسبق، وحرمان الخصم من إعادة بناء قدراته».

وهنا حدّد حلّال خمس قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة؛ إذ قال إن «القاعدة الأولى تتمثل في إنشاء منطقة عازلة بالنار، بحيث لم تعد إسرائيل تعتمد فقط على وجود قواتها على الحدود، بل على الاستطلاع الدائم والمسيّرات والضربات الجوية والاغتيالات لمنع إعادة بناء البنية العسكرية، وهكذا أصبحت المنطقة العازلة منطقة نارية أكثر منها منطقة احتلال».

أما القاعدة الثانية، وفق حلاّل، فهي «توسيع حرية العمل الإسرائيلي داخل لبنان بهدف منع تراكم القدرات العسكرية قبل استخدامها... أي الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي».

وأما القاعدة الثالثة «فتقوم على السيطرة بالنار عبر الاستطلاع المستمر ثم اكتشاف الأهداف واستهدافها فوراً، بما يعني الانتقال من الردع إلى الهيمنة العملياتية بالنار». ثم استأنف كلامه ليقول إن «القاعدة الرابعة تقوم على الضربات الاستباقية؛ إذ لم يعد العمل العسكري ينتظر وقوع التهديد، بل أصبح التهديد المحتمل مبرراً كافياً لتنفيذ الضربة. وأخيراً... تتمثل القاعدة الخامسة في اعتماد ردود موضعية وتكتيكية محدودة واحتواء سريع للتصعيد، بدلاً من الردود الاستراتيجية الواسعة التي كانت سائدة بعد حرب 2006».وهكذا، يعتبر حلّال أن التحول العملياتي الأبرز يتمثل في انتقال مركز الثقل «من توازن القوة إلى توازن المعلومات، حيث أصبحت الاستخبارات وسرعة كشف الأهداف العامل الحاسم، كما انتقلت المبادرة العملياتية بدرجة أكبر إلى الطرف القادر على فرض إيقاع الاشتباك من خلال الضربات الاستباقية والسيطرة على المجال الجوي»، ويؤكد أن «الردع لم يعد قائماً فقط على التهديد بتدمير المدن، بل بات يعتمد بصورة متزايدة على تعطيل القدرات العسكرية للطرف المقابل قبل استخدامها، وهو ما يقترب من مفهوم الردع بالحرمان إلى جانب الردع بالعقاب».

ومن هنا، فإن الفارق الجوهري، بحسب العميد والمحلل العسكري اللبناني، بين مرحلتي 2006 و2026، يتمثل في أن قواعد الاشتباك السابقة كانت تهدف إلى منع الحرب عبر رفع كلفتها على الطرفين، بينما تقوم القواعد الحالية على إدارة التصعيد بصورة مستمرة، وفرض السيطرة بالنار، والمحافظة على حرية العمل العسكري، مع السعي إلى منع الخصم من استعادة قدراته قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

من الردع المتبادل إلى قواعد جديدة

في صعيد موازٍ، إذا كان انهيار قواعد الاشتباك التي كرستها حرب يوليو 2006 يفسّر التحوّل الذي شهدته الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما القواعد التي تحكم المواجهة اليوم؟

عن هذا السؤال، أجاب العميد الركن المتقاعد فادي داود بـ«أن الحرب الأخيرة لم تبدّل قواعد الاشتباك فحسب، بل غيّرت طبيعة الحرب نفسها، بعدما انتقلت إسرائيل من سياسة تقوم على الردع المتبادل إلى استراتيجية تهدف إلى فرض قواعدها الميدانية مستندة إلى تفوقها العسكري والتكنولوجي».

وأضاف داود في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «قواعد الاشتباك التي سادت بين إسرائيل و(حزب الله) بعد حرب يوليو 2006 لم تعد قائمة... والمواجهة دخلت عام 2026 مرحلة مختلفة كلياً، تقوم على تفوّق عسكري إسرائيلي يسمح بفرض قواعد ميدانية جديدة، بعدما كانت العلاقة سابقاً تستند إلى ردع متبادل يفرض قيوداً على الطرفين». وتابع أن معادلة عام 2006 كانت تقوم على مبدأ «بيروت مقابل تل أبيب»، بحيث كان أي استهداف إسرائيلي للبنان يقابله استهداف من «حزب الله» للعمق الإسرائيلي، ما أوجد مستوى من الردع المتبادل؛ إذ امتلك الحزب منظومة صاروخية قادرة على تهديد شمال إسرائيل، فيما كانت إسرائيل تتردد في تنفيذ اجتياحات برية واسعة خشية الاستنزاف والخسائر. غير أن هذه المعادلة تبدلت جذرياً؛ إذ لم تعد قواعد اللعبة قائمة على تفاهم غير مباشر بين طرفين يمتلك كل منهما القدرة على إيلام الآخر، «بل باتت إسرائيل تفرض قواعد الاشتباك مستندة إلى تفوقها العسكري الكاسح، في حين يسعى الطرف المقابل إلى تجنب الانهيار الكامل والمحافظة على ما تبقى من قدراته».

تحولات رئيسة

وبالنسبة للتحوّلات، فثمة خمسة تحولات، حسب رأي داود، هي:

1 - الانتقال من الردع المتبادل إلى السيطرة بالنار؛ إذ إن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى احتلال المناطق ميدانياً لإخضاعها، بل تعتمد بصورة متزايدة على القوة النارية، ولا سيما سلاح الجو، لتدمير المواقع وفرض السيطرة عليها من دون وجود بري دائم.

2 - انتهاء مرحلة اللاحرب واللاسلم التي استمرت سنوات بعد حرب 2006، لتحل محلها مرحلة تقوم على الضربات الاستباقية في العمق، بحيث أصبحت إسرائيل تعتمد سياسة المبادرة العسكرية المستمرة بدلاً من الاكتفاء بالرد على الهجمات، وتسعى إلى تعطيل مصادر التهديد قبل أن تتحول إلى خطر مباشر.

3 - الانتقال من المواجهة التقليدية المتكافئة نسبياً إلى الحرب غير المتماثلة... ذلك أن الاشتباكات في السابق كانت تقوم على عمليات خاصة متبادلة، سواء عبر تسلل مجموعات أو تنفيذ عمليات محدودة على جانبي الحدود، أما اليوم فقد تغيرت طبيعة القتال، وباتت الطائرات المسيّرة، والقدرات التكنولوجية، والضربات الدقيقة، تشكل أدوات المواجهة الرئيسة، بما يعكس انتقال الحرب إلى نمط مختلف تحكمه التكنولوجيا أكثر مما تحكمه الكثافة العددية للقوات.

4 - تبدّل مفهوم الردع لدى «حزب الله»؛ إذ انتقل من الردع المسبق الذي كان يقوم على التهديد برد فوري يمنع إسرائيل من الإقدام على الهجوم، إلى ردع استنزافي مؤجل، حيث لم يعد الرد المباشر والفوري هو القاعدة، بل بات يعتمد على استنزاف الخصم مع مرور الوقت، بدلاً من الرد العسكري المتزامن مع الضربة الإسرائيلية.

5 - تغيّر مفهوم وقف إطلاق النار نفسه. فبعد حرب 2006 كان وقف النار يعني عملياً توقف العمليات العسكرية، أما اليوم فأصبح وقف إطلاق النار إطاراً سياسياً أكثر منه واقعاً ميدانياً؛ إذ تستمر العمليات العسكرية والضربات الإسرائيلية رغم وجود تفاهمات أو اتفاقات سياسية، وهو ما يعكس اختلافاً جذرياً في طبيعة إدارة الصراع مقارنة بما كان سائداً بعد عام 2006».

ختاماً، بحسب داود، «هذه التحولات مجتمعة تعكس انتقالاً من مرحلة كانت تقوم على توازن الردع وفرض القيود المتبادلة، إلى مرحلة باتت إسرائيل فيها تسعى إلى فرض قواعدها العملياتية عبر السيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، والتفوّق في مجالات الاستخبارات والاستطلاع، بما يجعل إدارة الصراع مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفتها الجبهة اللبنانية طوال السنوات التي أعقبت حرب يوليو 2006».


جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو
TT

جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو

في ولاية تكساس الأميركية، حيث يمكن لصورة السياسي وهو يأكل اللحم المشوي أن تصبح بياناً انتخابياً، وجد جيمس تالاريكو نفسه مضطراً إلى تأكيد أنه ليس نباتياً. إذ قال ساخراً في تجمع بمدينة سان أنطونيو إن الجمهوريين وصفوه بأشياء كثيرة، «حتى إنهم قالوا إنني نباتي، وهذه كلمات قتال في تكساس». لم تكن النكتة تفصيلاً عابراً؛ فالمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ يواجه حملة تتهمه بالضعف و«قلة الرجولة»، وتلاحق جسده وحالته الاجتماعية وعقيدته قبل برنامجه. إلا أنه لا يرد بأسلوب راعي البقر الذي يريد خصومه جرّه إليه، بل بحكاية أبيه الذي كان يجزّ عشب جارته الأرملة من دون طلب منها، ليقول إن «العظمة ليست في الإخضاع والإهانة، بل في خدمة الآخرين». هذه المواجهة تختصر الرهان كله.

يسعى جيمس تالاريكو، النائب المحلي البالغ 37 سنة والمدرّس السابق وطالب اللاهوت المشيخي، لينتزع تعريفات الرجولة والإيمان والشعبوية من حركة «ماغا» الجمهورية المتشددة يميناً، ويعيد تقديم الديمقراطيين حزباً للعمل والأسرة لا حزباً للمواعظ الثقافية.

والواقع، أنه إذا نجح تالاريكو في إلحاق الهزيمة بمنافسه المدعي العام الجمهوري كين باكستون، سيصبح أول ديمقراطي تنتخبه تكساس لمجلس الشيوخ منذ لويد بنتسن - الوزير السابق - عام 1988، وسيقلب تحديداً مقعداً ظلّ جمهورياً منذ فوز جون تاور التاريخي عام 1961. ولكن، على الرغم من ذلك، فإن عليه أن يثبت أن القصص التي صنعت نجوميته كفيلة بتحريك ولاية أعطت الرئيس دونالد ترمب تقدّماً بنحو 14 نقطة عام 2024.

سيرة تُروى كعظة

يقدم تالاريكو نفسه بصفته «تكساسياً من الجيل الثامن»، بيد مركز قصته ليس نسباً عريقاً، بل غرفة متواضعة في فندق. فوفق روايته الانتخابية، غادرت أمه، وهي ابنة واعظ من مدينة لاريدو، أباه المدمن والعنيف عندما كان جيمس رضيعاً، وانتقلت به إلى الفندق الذي كانت تعمل فيه.

يومذاك، لم يكن في شقتهما مكان لغرفة طفل، فوضعت سريره في خزانة وزيّنتها بالصور والألعاب.

هذه الحكاية تمنحه لغة سياسية عن الحب الذي «لا يتسامح مع الإساءة»، وتربط حديثه عن الأجر والسكن والرعاية الصحية بخبرة عائلية لا ببيانات مستشارين.

درس تالاريكو العلوم السياسية في جامعة تكساس - أوستن، ثم نال شهادة الماجستير في سياسات التعليم من جامعة هارفارد، وبينهما درّس اللغة لطلاب الصف السادس في حي مكسيكي - أميركي فقير بسان أنطونيو.

عام 2018 طرق متطوِّعو حملته الانتخابية 95 ألف باب، وسار هو على امتداد دائرته، وقلب مقعداً كان ترمب قد فاز به قبل سنتين بنحو ألفي صوت، ليصبح أصغر أعضاء مجلس نواب تكساس. ولكن أثناء ذلك المشي، أصابه دوار قاده إلى المستشفى وإلى تشخيص إصابته بالسكري؛ وبعد انتخابه شارك في تمرير قانون خصص سقفاً مقداره 25 دولاراً للمدفوعات الشخصية للإنسولين.

هنا تتصل الإصابة الشخصية مباشرة بفكرته عن السياسة: تحويل جرح فردي إلى قانون.

لم يكن تالاريكو مجرد خطيب معارض داخل مجلس يهيمن عليه الجمهوريون. إذ عمل معهم لتمرير تشريعات تتصل بالمدارس والأدوية ورعاية الأطفال والإسكان، واشتهر في الوقت نفسه باستجواب أصحاب مشاريع عرض «الوصايا العشر» في الصفوف وحظر كتب المكتبات.

وبعد انسحاب ديمقراطيي الولاية إلى واشنطن عام 2021 لمنع سَن قانون انتخابي، عاد خائباً من عجز قيادة الحزب الوطنية عن إقرار حماية اتحادية للتصويت. وسقط ذات ليلة على درج نصب لنكولن وكسر إبهامه، ثم قرّر، كما روى لصحيفة الـ«نيويوركر»، أن يدخل مدرسة لاهوت كي يوازن إغراء القوة ببوصلة أخلاقية.

يسار... ولكن بلكنة تكساسية

الدين عند جيمس تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة اليمين الإنجيلي، بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً. ثم إنه يصف «القومية المسيحية» بأنها تحويل للمسيح إلى أداة سلطة، ويقول إن الإيمان يقوده إلى ديمقراطية متعددة الأعراق والأديان. وحقاً، جعلته مقاطع مواجهاته في المجلس ووعظه ضد توظيف الدين، نجماً رقمياً يتابعه الملايين، وقادته إلى برنامج جو روغان، مقدم «البودكاست» المحافظ الشهير، الذي بقي في الربع الثاني من 2026 الأكثر استماعاً أسبوعياً في الولايات المتحدة. وللعلم، قال له روغان في نهاية حواره الطويل: «عليك أن تترشح للرئاسة».

لكن «الواعظ التقدمي» سياسي عملي أيضاً. وجوهر رسالته أن الانقسام الحقيقي ليس بين اليسار واليمين، بل بين القمة والقاع. ويضيف: «المليارديرات يريدون أن ينشغل الناس ببعضهم كي لا ينظروا إليهم».

ثم إن تالاريكو يعرض برنامجاً تفصيلياً لزيادة ضرائب الأثرياء والشركات، ورفع الحد الأدنى الاتحادي للأجور إلى 15 دولاراً، ومنع شركات وول ستريت من شراء المنازل والتلاعب بالإيجارات، ويعمل لخفض تكلفة الدواء، وإلغاء رسوم ترمب الجمركية. كذلك، يرفض أموال «لجان العمل السياسي» (اللوبيات) المرتبطة بالشركات، ويعِد بحزمة لمكافحة الفساد وحظر تداول أعضاء الكونغرس للأسهم وإعادة رسم الدوائر بواسطة لجان مستقلة.

وحتى الحدود، التي يعدّها ترمب والجمهوريون إحدى أهم القضايا لاستقطاب الناخبين، يصوغها تالاريكو باستعارة تكساسية؛ إذ يقول: «يجب أن تكون شرفة أمامية عليها بساط ترحيب وقفل في الباب»، مع تشديد التصدي للعصابات والمهرّبين، مع اتباع مسارات قانونية للمهاجرين وتسوية أوضاع المقيمين منذ زمن.

الدين عند تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة

اليمين الإنجيلي... بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً

ضد الانعزال والحروب

وفي السياسة الخارجية يرفض تالاريكو الانعزال والحروب غير الضرورية، ويدعم الدفاع عن أوكرانيا، ويقرّ «بحق إسرائيل في حماية شعبها»، لكنه يرفض قصف المدنيين والتجويع والعقاب الجماعي في غزة واستخدام المال الأميركي لإيذائهم. بذا يحاول الإجابة عن أزمة الحزب الديمقراطي... ليس بالهروب من الدين والحدود والأمن، بل بإعادة تعريف هذه القضايا أخلاقياً واقتصادياً.

في المقابل، نقطة ضعفه أن اللغة التي تمنحه التميز قد تبدو أكاديمية أو متكلفة، حسب «بوليتيكو». فقد اعترف بأن قوله عام 2021 إن «الله غير ثنائي» كان استفزازياً و«محرجاً»، موضحاً أن قصده أن الله يتجاوز التصنيفات البشرية. والحال، أن بعض خطاباته المحفوظة بإتقان تبدو مصنوعة، كما أن وعده «بشفاء» الاستقطاب يمكن أن يصطدم بعصر يكافئ الغضب أكثر مما يكافئ المصالحة.

«الرجولة» ساحة قتال

باكستون والجمهوريون يرون في هذه الثغرة مدخلاً واسعاً، فيسمونه «توفو تالاريكو» و«لو-تي تالاريكو»، في إشارة سلبية إلى رجولته، ويستحضرون قوله عن جنس الله ودفاعه السابق عن حقوق المتحوّلين. ويلمّحون إلى أن نحول جسمه وبقاءه عازباً «دليلان» على الضعف، في حين روّج بعض أنصارهم ادعاءات كاذبة بأنه مثلي أو متحوّل. وأنتجت لجنة محافظة شريطاً بالذكاء الاصطناعي يصوّره في هيئة جولي أندروز، بطلة فيلم «صوت الموسيقى»، وهي تغني عن إعطاء الهرمونات للأطفال، مع أن حملته تؤكد أنه يعارض رعاية تأكيد النوع للقاصرين.

بالطبع، الهدف أكبر من السخرية الشخصية. فقد انتقل شبان لاتينيون وسود إلى اليمين بانتخابات 2024، وبات كثير منهم يربط الجمهوريين بالاستقلال المالي وتكوين الأسرة، والديمقراطيين بصراعات الهوية. وأظهر استطلاع لمركز «ثيرد واي» (الطريق الثالث) أن 49 في المائة من الرجال يرون تالاريكو يسارياً جداً. وفي تكساس، حيث للرجل القوي مكانة ثقافية خاصة، يريد الجمهوريون تحويل الانتخاب من استفتاء على فساد باكستون وتكلفة المعيشة إلى اختبار لهوية تالاريكو.

لكن رد الأخير لم يكن التجاهل. فقد بات يأكل الشواء أمام الكاميرات، وقدّم رسائل معلنة خلال مباريات كأس العالم ونهائيات كرة السلة، وهو يسعى إلى تكرار ظهوره الناجح مع روغان، ويتحدى باكستون إلى مناظرات متلفزة «رجلاً لرجل». وحين سماه خصمه «تالافريكو»، فإنه طبع اللقب على قمصان وباعها. لكنه يرفض أن يقلد استعراض ترمب؛ فتعريفه لـ«الرجل الحقيقي» هو من يكون صادقاً ويحمي أسرته ويخدم جيرانه، أما الضعيف فهو من يخدم نفسه.

باكستون... أفضل فرصة وأخطر فخ

من جهة ثانية، لم يختر الديمقراطيون خصم تالاريكو، لكنهم حصلوا على المرشح الذي تمنّونه. فقد أطاح باكستون السيناتور المخضرم جون كورنين في جولة الإعادة الجمهورية بنسبة تقارب 64 في المائة، بعد تأييد متأخر من ترمب، في انتصار لجناح يعتبر القتال ضد اليسار أهم من التسويات. غير أن الرجل الذي يقدم نفسه «محارباً محافظاً» يحمل سجلاً ثقيلاً: أحاله مجلس نواب تكساس ذو الغالبية الجمهورية عام 2023 إلى محاكمة برلمانية باتهامات إساءة المنصب والرشوة، قبل أن يبرئه مجلس الشيوخ؛ وأُسقطت اتهامات احتيال بالأوراق المالية بعد اتفاق تضمن نحو 300 ألف دولار تعويضاً من دون إقرار بالذنب، كما امتنع القضاء الاتحادي عن توجيه اتهامات إليه. ثم طلبت زوجته الطلاق «لأسباب إنجيلية».

وبالفعل، أثبت باكستون ثلاث مرات أنه قادر على الفوز على مستوى الولاية رغم الفضائح، وأن أنصاره يرون التحقيقات دليلاً على أنه مقاتل مضطهد لا سبباً لإسقاطه. وهذه هي خطورة بناء حملة تالاريكو كلها على فساد الخصم. لكن الفارق هذه المرة هو المال والبيئة الوطنية. فقد أفادت صحيفة «تكساس تريبيون» بأن حملة تالاريكو جمعت منذ مطلع 2025 نحو 72 مليون دولار، مقابل 16.8 مليون لباكستون، وأنها أنهت يونيو (حزيران) بأكثر من ثلاثة أضعاف سيولته.

مع ذلك، تمنح الاستطلاعات تالاريكو أملاً... لا ضماناً. ولقد وضعه مسح «تكساس بابليك أوبينيون ريسيرتش» في يوليو (تموز) متقدماً 45 إلى 40 في المائة، ومسح جامعة تكساس الجنوبية المنشور في 4 أغسطس (آب) متقدماً 47 إلى 45، وكلا الفارقين ضمن هامش الخطأ أو قريب منه.

كذلك، ما زالت النشرة السياسية المستقلة «كوك بوليتيكال ريبورت»، المتخصصة في تحليل الانتخابات، تصنّف السباق بأنه «يميل للجمهوريين». فالاستطلاع كان محطة وجاء بعد إنفاق تالاريكو التلفزيوني الكبير وقبل اكتمال اتحاد الجمهوريين، وليس إلغاءً لثلاثة عقود من الهزائم الديمقراطية.

مرشح أمام أزمة حزبين

كما سبق، اختار الناخبون الجمهوريون باكستون، المدعوم من ترمب، على حساب كورنين الذي عدّته قيادات في الحزب أكثر قدرة على خوض الانتخابات العامة، في حين ركزت حملة باكستون على قضايا النوع الاجتماعي بالتزامن مع تصاعد قلق الناخبين من أسعار الطاقة وتداعيات الحرب مع إيران.

ولكن استطلاع «رويترز/إبسوس» مطلع أغسطس بيّن تراجع شعبية ترمب إلى 35 في المائة، وتقدم الديمقراطيين للمرة الأولى منذ نحو عقد بنقطة واحدة فقط في الثقة بإدارة الاقتصاد؛ أي أن أفضلية الجمهوريين تآكلت، لا أن الناخب اقتنع تماماً بالبديل.

في أي حال، الديمقراطيون أكثر شعبية في الصحة والتعليم والإجهاض، لكنهم فقدوا لغة الرجال والطبقة العاملة، وضعفت قاعدتهم الريفية، وما عادوا ضامنين ولاء ناخبيهم السود. إذ هزم تالاريكو، منافسته جاسمين كروكيت في تمهيدية مشحونة عرقياً، ويدعي 77 في المائة من الناخبين السود في تكساس أن الحزب يأخذهم أمراً مسلماً به، وإن كان استطلاع حديث قد وجد أن 79 في المائة منهم معه مقابل 12 لباكستون.ختاماً، الديمقراطيون يحتاجون إلى كسب أربعة مقاعد صافية لاستعادة مجلس الشيوخ؛ وتكساس يمكن أن تكون طريقاً إلى الغالبية، لكنها قبل ذلك اختبار لما إذا كان تالاريكو قصة وطنية جميلة أم بداية اصطفاف سياسي جديد.


كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)
TT

كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)

كانت تكساس في الماضي، مثل معظم الجنوب، معقلاً حصيناً للحزب الديمقراطي. وفي حينه جمع الحزب محافظين وليبراليين تحت سقف واحد.

لكن الانشقاق الحديث بدأ عام 1961، عندما فاز الجمهوري جون تاور في انتخابات خاصة لمجلس الشيوخ، أول جمهوري تنتخبه الولاية على مستوى عام منذ حقبة إعادة الإعمار. ومع انتقال البيض المحافظين والإنجيليين وأصحاب الأعمال تدريجياً إلى الجمهوريين، وتسارع الاستقطاب حول الحقوق المدنية والضرائب والطاقة، حافظت تكساس لمدة ثلاثة عقود على سيناتور من كل حزب، قبل أن يكتمل التحوّل.

لويد بنتسن كان آخر ديمقراطي ينتخب لمجلس الشيوخ عام 1988، وكان بوب كروغر آخر ديمقراطي يشغل مقعداً فيه بالتعيين خمسة أشهر عام 1993. كذلك فاز ديمقراطيون بمناصب الولاية للمرة الأخيرة عام 1994، ثم اكتسح الجمهوريون المناصب التنفيذية في 1998. ومنذ ذلك الحين عزّزت قبضتهم الضواحي المحافظة، وصناعة النفط والغاز، والكنائس الإنجيلية، والريف الشاسع في شرق وغرب وشمال تكساس. ولا تزال المقاطعات الريفية تمنحهم هوامش قد تتجاوز 70 نقطة، فيما أظهرت دراسة أكاديمية أن أكثر من ربع المقاطعات الريفية كان بلا رئيس محلي ديمقراطي عام 2022، مقابل وجود رئيس محلي جمهوري في كل منها.

السناتور لويد بنتسن (وزارة الخزانة الأميركية)

قوة الديمقراطيين تتركّز في قلب المدن الكبرى: مقاطعة هاريس حول هيوستن، ودالاس، وترافيس حول أوستن عاصمة الولاية، وبيكسار حول سان أنطونيو، وإل باسو، إضافة إلى هايز وبعض الضواحي المتنوعة مثل فورت بيند. لكن الفوز بهذه الجزر لا يكفي إذا لم يرفعوا المشاركة ويقلّصوا خسائر الضواحي والريف.

عام 2024، فاز ترمب بالولاية بنحو 14 نقطة، واستعاد مقاطعة تارانت، وتقدم بقوة في وادي ريو غراندي؛ حتى مقاطعة ستار على الحدود مع المكسيك ذات الغالبية اللاتينية الساحقة صوتت جمهورياً للمرة الأولى منذ أكثر من قرن.

لذا، ليست تكساس «زرقاء مؤجلة» بفعل الديموغرافيا وحدها. إنها ولاية شابة ومتنوعة ومنخفضة المشاركة، لكن اللاتينيين والآسيويين والوافدين لا يصوّتون ككتلة واحدة. لهذا فطريق تالاريكو يمرّ بهوامش ضخمة في المدن، واستعادة اللاتينيين في الجنوب، واجتذاب المستقلين في الضواحي، وتقليص الانهيار الريفي. وتلك عملية تنظيمية، لا معجزة حسابية.