الغرب يبحث عن سبل للتعامل مع بكين

فشلت سياساته إلى حد كبير في إبطاء صعود الصين كقوة اقتصادية

الرئيس الصيني مع نظيره الأميركي خلال قمة العشرين في اليابان العام الماضي (أ.ب)
الرئيس الصيني مع نظيره الأميركي خلال قمة العشرين في اليابان العام الماضي (أ.ب)
TT

الغرب يبحث عن سبل للتعامل مع بكين

الرئيس الصيني مع نظيره الأميركي خلال قمة العشرين في اليابان العام الماضي (أ.ب)
الرئيس الصيني مع نظيره الأميركي خلال قمة العشرين في اليابان العام الماضي (أ.ب)

الرئيس الأميركي دونالد ترمب «لا يستبعد أي شيء» فيما يتعلق بالتعامل مع الصين، رافضاً في الوقت نفسه تأكيد إذا ما كانت هناك إمكانية لفرض حظر على دخول أعضاء الحزب الشيوعي الصيني إلى الولايات المتحدة. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كايلي ماكناني: «ليس هناك شيء مستبعد فيما يتعلق بالصين». وطوال مدة كبيرة من فترة رئاسته، تجنب ترمب انتقاد الصين فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، وهو يتأرجح بين إعلان حرب تجارية والإعراب علانية عن إعجابه بالرئيس الصيني تشي.
وردت بكين، أمس (الجمعة)، على واشنطن تقول إن أي حظر سفر تفرضه الولايات المتحدة على أعضاء الحزب الشيوعي الحاكم في الصين سيكون عبثياً، وإن مثل هذه الخطوة سترقى إلى معارضة واشنطن لجميع سكان الصين.
ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن هذا الإجراء سيواجه عقبات كبيرة، خصوصاً قيود عملية، ذلك أن الحزب الشيوعي الصيني يضم 92 مليون عضو. وقال وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إن هناك «أفكاراً كثيرة» قيد الدرس. وردت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، هوا تشون يينغ، على الصحافيين خلال إفادة صحافية يومية بأنه لا يمكن لأي دولة أو فرد منع الصين من المضي في طريقها.
ويعد التعامل مع الصين أمراً معقداً للغاية. فالقيادة في عهد تشي جينبينغ ترى أن الصين قوية الآن لدرجة أنها تستطيع أن تفرض بعزم أجندتها في الداخل والخارج، وأصبحت قادرة على الصمود أمام أي عقوبات تقف في طريقها. فقد فرض تشي قانون أمن قومي على هونغ كونغ، رغم الغضب العالمي، ووقوع اشتباك عسكري مميت على الحدود مع الهند، ودبلوماسية بكين الشرسة في أثناء جائحة كورونا تعد مجرد أحدث الأمثلة على كيفية فشل السياسات الغربية إلى حد كبير في إبطاء تحرك الصين أو وقفه.
وقال شي ينهونغ، مستشار الحكومة الصينية أستاذ العلاقات الدولية بجامعة رينمين في بكين، إنه «بالنسبة للصين، يعد التزامها بأولوياتها الداخلية -على سبيل المثال، قرار المضي قدماً في فرض التشريع الأمني في هونغ كونغ، والتأكيد على بناء الاعتماد على النفس في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، والالتزام بالنظام السياسي الخاص بالصين، بغض النظر عن الهجمات الأميركية- هو في حد ذاته أكبر رد على الولايات المتحدة وإدارة ترمب».
وقال فيرناندو شيونغ، وهو نائب برلماني من دعاة الديمقراطية في هونغ كونغ، كما نقلت عنه الوكالة الألمانية: «إن السياسات المفتوحة تجاه الصين من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كانت ذات هدف جيد ونفع متبادل، على أمل أن تنضم الصين إلى نظام العالم الحر، أو على الأقل تتعلم التوافق معه... ولكن في ظل قوة اقتصادية وقوة عسكرية متزايدة، أصبح من الواضح أن تشي يعتقد أن النظام في ظل الحزب الشيوعي الصيني أفضل».
وقال بيتس جيل، وهو أستاذ لدراسات أمن آسيا - الباسفيكي بجامعة ماكواير في سيدني، الذي يقدم استشاراته للشركات والأجهزة الحكومية، إنه بينما أدت جائحة كورونا إلى تسريع النقاش بشأن الصين «تتمثل المشكلة في الافتقار إلى اتفاق حول الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه العمل كفريق، فليست كل الحكومات متماثلة الآراء عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع التحديات التي تمثلها الصين». كما أن التصدعات التي تسبب فيها ترمب مع حلفاء الولايات المتحدة القدامى تعوق أيضاً تحقيق موقف موحد. ويضيف جيل: «إن الأسس الرئيسية لإرساء مثل هذه الاستراتيجية -وهي العمل على أساس متعدد الأطراف، واحترام الحلفاء، والالتزام بمجموعة من السياسات المدروسة التي يمكن الاعتماد عليها والتنبؤ بها، والتي توحد الوسائل والأهداف- ليست جزءاً من برنامج هذه الإدارة (الأميركية)».
ومع إعطاء الولايات المتحدة لمبدأ «أميركا أولاً» الأولوية، وضعف الهيكل متعدد الأطراف القائم على أساس احترام القيم، بدأت الدول الآن تدرك بصورة متزايدة أنها تحتاج إلى إعادة تفكير. وحتى الآن، تتركز الاستراتيجيات حول: انتظار تحول الصين إلى دولة تتصرف بشكل أفضل من خلال جذبها إلى النظام العالمي بقواعده ومؤسساته، أو محاولة وقف تحركها في مساراتها من خلال الضغط الاقتصادي أو العسكري. وفي الوقت الحالي، تقوم الولايات المتحدة بتصعيد تصرفاتها، من إجراءات أكثر قوة ضد عملاق الاتصالات «هواوي» إلى مطالبة وسائل الإعلام الصينية الرسمية بتسجيل نفسها بصفتهم وكلاء أجانب، إلى فرض عقوبات على كبار المسؤولين الصينيين.
ويشير تقرير لـ«بلومبرغ» إلى أن مسؤولين من دول متعددة يقولون إن الحل الوحيد للتعامل مع الصين هو التكاتف معاً بصورة أفضل، مع أميركا أو من دونها. وقد بدأوا يفعلون ذلك بطرق جديدة مهمة، خاصة الدول الوسطى مثل أستراليا وكندا والهند والمملكة المتحدة، التي طالما سعت للموازنة بين اعتمادها الاقتصادي على الصين ومخاوفها الاستراتيجية بالنسبة لتصرفاتها.
وحاولت الولايات المتحدة مؤخراً إصلاح بعض علاقاتها: وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب، واثنان من كبار الدبلوماسيين الغربيين في الصين، إن الدبلوماسيين يسعون لحشد حلفاء في آسيا وغيرها من المناطق. ويتمثل جزء من الدعوة الواضحة لذلك في الحد من الاعتماد الاقتصادي على الصين عن طريق فك الارتباط بسلسلة الإمدادات، مع زيادة الاستثمارات المحلية في التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع. وتقول «بلومبرغ» إن الأمر لن يكون سهلاً. وقال مسؤول أميركي إن بعض الصقور في الدائرة المقربة لترمب ما زالوا يريدون محاولة تحقيق انهيار للحزب الشيوعي على غرار ما حدث في الاتحاد السوفياتي، وهو موقف لن تؤيده الدول الأخرى. وفي اجتماع جرى مؤخراً مع وزير الخارجية الأميركي، مايكل بومبيو، اقترح جوزيب بوريل، مفوض الأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إجراء حوار خاص مع الولايات المتحدة يركز فقط على الصين. ولكن مسؤولاً قريباً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حذر من أنه لا يجب أن يصبح الاتحاد الأوروبي وسيطاً بين واشنطن وبكين، وذلك لأن أوروبا لها أجندتها ومقترحاتها الخاصة.
وقال تشارلز ليو، وهو دبلوماسي سابق مؤسس شركة «هاو كابيتال» (وهي شركة أسهم خاصة)، إن دور الصين في التصنيع العالمي، ومصالح الحلفاء الغربيين المكتسبة، تجعل من الصعب على ترمب أن يدعو بصورة مقنعة إلى انفصال كامل عن ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وقال شين شيشون، وهو أحد كبار الباحثين بمعهد الصين للدراسات الدولية التابع لوزارة الخارجية الصينية: «إن الولايات المتحدة لم تُعد نفسها عقلياً لصعود نجم الصين، لذلك فإنها تبحث عن سبل لخلق المشكلات بالنسبة للصين، والحد من صعودها».


مقالات ذات صلة

«الخدمة السرية»: مقتل شخص حاول الدخول إلى مقر إقامة ترمب في فلوريدا

الولايات المتحدة​ ضباط من فرقة «الخدمة السرية» يرتدون الزي الرسمي يقومون بدورية في ساحة لافاييت المقابلة للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 27 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

«الخدمة السرية»: مقتل شخص حاول الدخول إلى مقر إقامة ترمب في فلوريدا

أعلن جهاز الخدمة السرية الأميركي، اليوم الأحد، قتل شخص حاول الدخول إلى مقر إقامة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فلوريدا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة نشرها موقع لاريجاني من اجتماعه مع كبار قادة «الحرس الثوري» 24 يناير الماضي p-circle

تقرير: لاريجاني يتولى إدارة ملف الحرب وبقاء النظام

كشف تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» أن المرشد الإيراني علي خامنئي كلف علي لاريجاني، أعلى مسؤول أمني في طهران، بإدارة شؤون البلاد مع تصاعد احتمالات الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الاقتصاد جلسة سابقة للبرلمان الأوروبي بمدينة ستراسبورغ الفرنسية (رويترز)

عضو بالبرلمان الأوروبي يقترح تعليق العمل التشريعي الخاص بالاتفاق التجاري مع أميركا

قال بيرند لانغ، العضو في البرلمان الأوروبي، إنه سيتقدم باقتراح إلى فريق التفاوض بالبرلمان الأوروبي، بأن يعلَّق العمل التشريعي الخاص بالاتفاق التجاري مع أميركا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد شاحنة تمر بجانب حاويات مكدسة في ميناء تانجونغ بريوك لدى جاكرتا (رويترز)

إندونيسيا تؤكد استعدادها لأي نتيجة بعد إلغاء رسوم ترمب

أكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، استعداد بلاده لتغيير السياسات التجارية الأميركية، عقب قرار المحكمة الأميركية العليا بإلغاء رسوم ترمب التجارية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد حاويات شحن ورافعات في ميناء تجاري بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

مسؤول ياباني: الرسوم الأميركية «فوضى حقيقية»

وصف أحد المسؤولين البارزين في «الحزب الليبرالي الديمقراطي» الحاكم في اليابان، الرسوم الجمركية الأميركية بأنها «فوضى حقيقية».

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended