بقاء أندريه دودا في رئاسة بولندا يُكرِّس الانقسام الداخلي

نتيجة الانتخابات تشير إلى أن المعركة مستمرة مع الاتحاد الأوروبي لخمس سنوات إضافية

بقاء أندريه دودا في رئاسة بولندا يُكرِّس الانقسام الداخلي
TT

بقاء أندريه دودا في رئاسة بولندا يُكرِّس الانقسام الداخلي

بقاء أندريه دودا في رئاسة بولندا يُكرِّس الانقسام الداخلي

لم تنتج الانتخابات الرئاسية في بولندا خياراً مفاجئاً، بل أبقت على الرئيس اليميني الحالي أندريه دودا في السلطة. إلا أن نتيجتها المتقاربة جداً أظهرت أن بولندا باتت منقسمة (بالتساوي تقريباً) بين مسنّيها وشبابها، وبين سكان المدن وأولئك الذي يقطنون في الريف، وبين المحافظين والليبراليين.
كذلك أكدت حصيلة الانتخابات أن المعركة مستمرة مع الاتحاد الأوروبي لخمس سنوات إضافية على الأقل، وهي مدة الفترة الرئاسية الجديدة لدودا. وكانت هذه المعركة قد بدأها الرئيس المنتمي لحزب «القانون والعدالة» اليميني المتشدد عندما فاز بالانتخابات الرئاسية للمرة الأولى قبل 5 سنوات.

نجح الرئيس أندريه دودا بانتشال فوز بفارق ضئيل في الجولة الثانية من الانتخابات، متقدماً بفارق بسيط جداً على منافسه عمدة مدينة وارسو الليبرالي رافال تجاشكوفسكي، إذ حصل على 50.2 في المائة من الأصوات مقابل 48.8 في المائة نالها تجاشكوفسكي.
والملاحظ أنه بينما حصل تجاشكوفسكي على 65 في المائة من أصوات من هم دون سن الثلاثين، كسب دودا أصوات نحو الـ62 في المائة من أصوات من هم فوق سن الستين. كذلك حصل المرشح الليبرالي الخاسر على غالبية أصوات سكان المدن مثل وارسو التي صوّت 67 في المائة من الناخبين فيها لصالحه، وغدانسك – ميناء البلاد الرئيسي – حيث حصل على 70 في المائة من الأصوات. وفي المقابل، في النهاية نجح دودا بفضل الأرياف وكبار السن في السباق الذي شهد أعلى نسبة مشاركة في أي انتخابات رئاسية أجرت في بولندا حتى اليوم، إذ زادت على الـ68 في المائة.
وبينما احتفل مؤيدو دودا، الذين صوّتوا له بالأساس لنجاحه في تقليص نسبة الفقر خلال السنوات الخمس الماضية - لا سيما في المناطق الريفية - وكذلك لأجندته الانتخابية المحافظة التي بناها على مهاجمة المثليين، فقد بدأت المخاوف تتزايد ليس فقط لدى معارضيه، بل أيضاً لدى المنظمات الحقوقية والاتحاد الأوروبي، حول مستقبل حكم القانون في البلاد.

قلق أوروبي من تشدد اليمين

منذ عام 2015، أي منذ أن أصبح دودا رئيساً، وسيطر حزبه كذلك على البرلمان منذ ذلك الحين، تسارع تقويض الديمقراطية في بولندا، خصوصاً لجهة محاولة السيطرة على الإعلام والقضاء، أهم أعمدة الدول الديمقراطية. وخلال أشهر قليلة من تسلمه منصبه، بدأ دودا العمل على «تغييرات» تستهدف النظام القضائي، تحوّلت إلى معركة مع السلك القضائي ثم إلى معركة مع الاتحاد الأوروبي... وتسببت بخروج مظاهرات كبيرة ضد الحزب الحاكم.
دودا، هذا الزعيم اليميني الشعبوي - ومن خلفه رعاته من قادة اليمين المتشدد - يرى منذ وصوله إلى السلطة في أغسطس (آب) 2005، السلك القضائي بأنه «من مخلفات الحقبة السوفياتية» وأن «الفساد ينخره»، وهو بالتالي، يحتاج إلى تغيير.
ومن ثم، دفعت عدة خطوات اتخذتها حكومتها منذ ذلك الحين بحجة «إصلاح» النظام القضائي، بالاتحاد الأوروبي إلى اعتماد خطوة غير مسبوقة وتحريك البند السابع من «اتفاقية دبلن» للمرة الأولى ضد دولة في الاتحاد الأوروبي. ويتعلق هذا البند بإطلاق إجراءات تأديبية بحق إحدى دول الاتحاد في حال ارتأت المفوضية أن هناك تهديداً للمبادئ والأسس التي يقوم عليها الاتحاد الأوروبي.
عندما اتخذت المفوضية قرار بدء إجراءات تأديبية ضد بولندا في ديسمبر (كانون الأول) 2017. فهي برّرت القرار يومذاك بأنها حاولت على مدى سنتين «إطلاق حوار بنّاء» مع الحكومة البولندية، بهدف «حماية حكم القانون في أوروبا»، لكنها لم تتوصل لأي نتيجة. وأضافت أنه «في غياب قضاء مستقل، فإن أسئلة جدّية تُطرح حول تطبيق القانون الأوروبي». وفي تبريرها لتحريك البند السابع، قالت المفوضية الأوروبية أن الحكومة البولندية تبنّت 13 قانونا ً خلال سنتين تؤثر على «التركيبة الكاملة للجسم القضائي في بولندا، وتؤثر على المحاكم الدستورية والمحكمة العليا والمحاكم العادية والمجلس الوطني للقضاة وغيرها».

التلاعب باستقلالية القضاء

والحال أنه يمكن لهذه الآلية أن تؤدي إلى عقوبات ضد الدولة المستهدفة في حال لم تتعاون مع المفوضية الأوروبية، وإلى تجريد هذه الدولة من حقها في التصويت، وصولاً إلى تعليق عضويتها. ومن بين ما يقلق المفوضية الأوروبية، تخفيض سن التقاعد للقضاة إلى 65 سنة للرجال و60 سنة للنساء بدلاً من 67 سنة في السابق للرجال والنساء. وهذا الأمر يسمح عملياً للحكومة بالتخلص من قضاة سابقين وتعيين آخرين تنتقيهم بنفسها.
أيضاً، من الخطوات الأخرى التي اتخذها حزب «القانون والعدالة» تأسيس هيئة تأديبية للقضاة، تمكّن الحكومة من قتح تحقيقات ضد القضاة بسبب أحكام واتخاذ إجراءات تأديبية بحقهم. ولقد دفعت هذه الخطوة، بالذات، الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق عملية قانونية جديدة ضد بولندا لإجبارها على التراجع عن سياسة قال عنها نائب رئيس المفوضية الأوروبية (آنذاك) فرانس تيمرمانز إن هدفها «إخضاع القضاة بشكل ممنهج للسيطرة السياسية للسلطة التنفيذية».
وحقاً، خلال العام الماضي لفّت بولندا فضيحة كبرى، بعد كشف صحافية في موقع محلي عن تورّط وزارة العدل بحملات لتشويه سمعة القضاة. وكتبت الصحافية الأميركية أنا أبلباوم المتزوجة من سياسي بولندي معارض، في موقع «أتلانتيك»، أن الحكومة البولندية تشن حملات تشويه سمعة ضد القضاة. وأردفت الكاتبة أنها التقت أحد هؤلاء في «محكمة العدل الأوروبية» بستراسبورغ كان يخضع لتدقيق مالي منذ 18 شهراً، ويواجه خمسة إجراءات تأديبية بحقه. وتقول أبلباوم إن محاولات حزب دودا تصوير القضاة على أنهم من مخلفات العهد السوفياتي أمر غير منطقي «لأن معدل عمر القاضي 42 سنة، بينما سقط (جدار برلين) قبل 30 سنة، ما يعني أن الغالبية العظمى من القضاة ما كانوا في سن يسمح لهم بأن يكونوا شيوعيين».

المعركة ضد الإعلام
لم يكتف دودا بشن معركته ضد القضاء، بل فتح أيضاً معركة أخرى مع الإعلام. وفي مطلع العام 2016 - أي بعد أشهر قليلة على وصوله للرئاسة - وقّع دودا على قانون يعطي الحكومة الحق بالإشراف المباشر على المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة. وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كتب كريستوف بوبينسكي، من جمعية الصحافيين في وارسو، أن التلفزيون الرسمي في بولندا يدعم بشكل مستمر مرشحي حزب «القانون والعدالة» منذ وصول هذا الحزب اليميني إلى السلطة عام 2015. وأضاف أن هذا «يتعارض مع قانون الإعلام في بولندا الذي ينص على ضرورة أن يكون الإعلام الرسمي منصة حيادية مهمتها تغطية الأخبار للمواطنين».
وفي العام الماضي، نقلت مجلة «فورين بوليسي» عن صحافيين يعملون في الإعلام الرسمي البولندي قولهم إنه قبل عام 2015 «ما كان للساسة الموجودين في الحكم التأثير الذي يتمتعون به اليوم». وذكر بعض الصحافيين الذين لم يسمّهم التقرير، أنه «ما عاد ممكناً أن تجد الحقيقة في قناتنا». وحتى إن منظمة «صحافيين بلا حدود» وصفت الإعلام الرسمي في بولندا بأنه «تحوّل إلى أداة دعائية للحكومة».

موضوع اللاجئين

من جانب آخر، لا تقتصر خلافات الاتحاد الأوروبي مع بولندا على التغييرات التي تدخلها حكومة دودا في مجالي القضاء والإعلام، بل تتصل أيضاً برفض بولندا استقبال لاجئين بخلاف «الكوتا» (ترتيبات الحصص) التي تم الاتفاق عليها لتوزيع اللاجئين بين دول الاتحاد بعد أزمة اللجوء الكبيرة عام 2015. وفي أبريل (نيسان) الماضي، استنتجت المحكمة الأوروبية العليا أن بولندا، إضافة إلى المجر والتشيك، خرقت القانون الأوروبي عندما رفضت استقبال لاجئين، معظمهم من سوريا والعراق. وراهناً تواجه بولندا و«جارتاها» عقوبات أوروبية محتملة لرفضها الالتزام بـ«الكوتا» الأوروبية الخاصة بها من اللاجئين. ورفضت المحكمة الأوروبية دفاع بولندا عن قرار رفضها استقبال لاجئين، وادعاءها بأنه «يحق لها التغاضي عن قوانين أوروبية إذا كانت تعرّض الأمن والسلم القومي البولنديين للخطر».

التقارب مع واشنطن

ولكن مقابل دخول دودا في صراع مع الاتحاد الأوروبي يُتوقّع أن يستمر طوال فترة حكمه المقبلة، فإنه نجح بنسج علاقات ودية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كانت بولندا الدولة الأوروبية الأولى التي زارها بعد انتخابه رئيساً. وفي يوليو (تموز) من عام 2017، توقف ترمب في العاصمة البولندية وارسو عندما كان في طريقه إلى هامبورغ بألمانيا للمشاركة في «قمة العشرين». وفي حينه أزعجت تلك الزيارة الدول الأوروبية الأخرى التي كانت دخلت في مواجهة في بولندا بسبب أزمة اللاجئين.
أيضاً، كان دودا الرئيس الأجنبي الأول الذي يزور البيت الأبيض في خضم أزمة جائحة «كوفيد - 19» في نهاية الشهر الماضي، قبل أسابيع قليلة من الانتخابات الرئاسية في بولندا. ولقد وُصفت هذه الخطوة كذلك بأنها دعم مباشر من ترمب لدودا الذي يتشارك معه في سياساته وقناعاته اليمينية. وبالفعل، هذه العلاقة بين الرجلين انعكست كذلك في تصريحات ترمب الأخيرة حول سحب جزء من القوات الأميركية المتمركزة في ألمانيا، وإعادة نشرها في بولندا، وهو ما لاقى ترحيبا كبيراً من دودا.

العداء لألمانيا

ثم إن الرئيسين يتفقان على «كُره» ألمانيا. فترمب لا يوفر فرصة لانتقاد برلين حول كثير من القضايا، مثل إحجامها عن إنفاق 2 في المائة من ناتجها الإجمالي على الدفاع، وكذلك الفائض التجاري مع الولايات المتحدة، وخط أنابيب الغاز مع روسيا «نورد ستريم 2». ودودا كذلك لا يتردد في تكرار اتهاماته لألمانيا بمحاولة التدخُّل بشؤون بلاده، أو محاولة التأثير على الانتخابات فيها، كما حصل خلال الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة عندما تهجّم دودا على صحافي ألماني واتهم برلين بأنها تريد التأثير على نتائج الانتخابات. وجاء كلام دودا بعد خبر نشرته أكثر الصحف الشعبية انتشاراً في البلاد (وتملك دار نشر ألمانية جزءاً منها) يتعلق بعفو الرئيس عن مجرم، ما أثار ردود فعل غاضبة ضده. ورد دودا بالسؤال: «هل يريد الألمان أن ينتخبوا رئيس بولندا؟»... وهاجم مراسل صحيفة «دي فيلت» الألمانية المحترمة، الذي سماه بالاسم، واتهمه بالترويج لمنافسه.
بل حتى إن وزير العدل البولندي دخل على خط الجدل ملمّحاً إلى إمكانية إجراء «إصلاحات» تتعلق بالملكية الأجنبية للإعلام في بولندا. وقال قبل الانتخابات «علينا أن نفكّر بوضع الإعلام في بولندا بسبب ما يحدث. لا يمكننا أن نغض النظر ببساطة، وآمل أن نتوصل لبعض الاستنتاجات بعد الانتخابات».
ولكن، رغم كل هذه الخلافات بين حكام وارسو والاتحاد الأوروبي، تبقى بولندا من أكثر الدول استفادة من مساعدات الاتحاد وتسهيلاته. وحتى في المفاوضات الجارية حول الحزمة المالية الضخمة التي اتفقت عليها فرنسا وألمانيا لإنقاذ الدول الأوروبية التي تعاني اقتصادياً من جائحة «كوفيد - 19» من المفترض أن تتلقى بولندا حصة كبيرة من هذه المساعدات، رغم أنها كانت من أقل الدول تأثراً بالجائحة، وفق صحيفة «غارديان» البريطانية التي قالت إنها اطلعت على بيانات داخلية في بروكسل. وحسبما نقلت الصحيفة، يُفترض أن تتلقى بولندا مساعدات بقيمة 37 مليار يورو من هذه الحزمة الطارئة التي تصل قيمتها الإجمالية إلى 750 مليار يورو.
كذلك، نقلت «الغارديان» عن دبلوماسيين أوروبيين «انزعاجهم» الشديد من هذا الواقع، وقال أحدهم إن «بولندا تهزأ بقيَمنا وتُكافأ على ذلك. هذا أمر غير مقبول». وذهب البعض إلى حد اشتراط منح الأموال بالتزام وارسو بالقيم الأوروبية. وقال داكيان كيولوس، النائب الأوروبي من كتلة حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: «يجب تقوية آلية حكم القانون عند توزيع أموال الاتحاد الأوروبي»، وأضاف: «إن الاتحاد ليس صرافاً آلياً... ولا بد من ربط الوحدة الأوروبية بالقيم الأوروبية واحترام الحقوق الأساسية».

رافال تجاشكوفسكي... العمدة الليبرالي الطموح

> رافال تجاشكوفسكي، المرشّح الخاسر في الانتخابات الرئاسية في بولندا، مثل دودا، يبلغ من العمر 48 سنة. وهو العمدة الحالي للعاصمة وارسو منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2018. وهو يحمل شهادة دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة وارسو.
عمل منذ عام 1995 مترجماً فورياً لفترة، لإتقانه اللغة الإنجليزية. وهو يتقن كذلك اللغات الفرنسية والإسبانية والإيطالية.
عام 2000 بدأ تجاشكوفسكي العمل في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بداية مع مكتب بولندا في لجنة الاندماج الأوروبي، ثم مستشاراً لحزب «المنصة المدنية» البولندي في البرلمان الأوروبي. وفي عام 2009، انتُخب عضواً في البرلمان الأوروبي عن حزب «المنصة المدنية» التي هي جزء من كتلة «حزب الشعب الأوروبي»، التي تضم الأحزاب الأوروبية الليبرالية اليمينية الوسطية.
كذلك قبل أن يصبح عمدة وارسو، شغل تجاشكوفسكي منصباً وزارياً في حكومة الرئيس برونيسلاف كوموروفسكي عام 2013. إذ عُين وزيراً للإدارة والرقمنة، وكان من ضمن مهامه الأمن السيبراني والتطوير التقني للمعلومات. وفي عام 2014، تسلّم منصب نائب وزير خارجية بولندا، وكان مسؤولاً عن التنسيق مع الاتحاد الأوروبي.
ثم في عام 2015، فاز بمقعد في البرلمان البولندية، وعُيّن وزير خارجية في «حكومة الظل» المعارضة. وأثناء وجوه في البرلمان، كان عضواً في لجنة الشؤون الأوروبية ولجنة الشؤون الخارجية والرقمنة من بين غيرها. وفي عام 2018، فاز بمنصب عمدة مدينة وارسو ليصبح أيضاً في عام 2020 نائباً لحزبه «المنصة المدنية».
يعتقد تجاشكوفسكي أن الديمقراطية في بولندا مهددة. وقال في إحدى المقابلات الصحافية إنه لن يسمح بتقويض القضاء أكثر، وبأنه سيحاول إعادة استقلالية مكتب الادعاء العام، وهو ما فقدها خلال حكم حزب «القانون والعدالة»، خلال السنوات الخمس الماضية، كون وزير العدل هو نفسه المدعي العام.

أندريه دودا... الرئيس وحامل راية اليمين المتشدد

> بدأ الرئيس البولندي أندريه دودا (48 سنة) فترته الرئاسية الثانية التي تنتهي في عام 2025، ومن المفترض أن تكون الأخيرة بحسب الدستور البولندي. وكان قد انتخب للمنصب في المرة الأولى في أغسطس (آب) 2015، وهو ينتمي لحزب «القانون والعدالة» اليميني المتشدد.
وُلد دودا ونشأ في مدينة كراكوف، عاصمة بولندا الثقافية في جنوب البلاد. ودرس المحاماة في الجامعة، وحاز على شهادة دكتوراه في القانون من الجامعة الياغييلونية العريقة عام 2005. وكان قد دخل الحياة السياسية في عام 2000 مع حزب الحرية الذي حُلّ لاحقاً. وبعد عام 2005، بات عضواً في حزب «القانون والعدالة»، وشغل عدة مناصب في الحكومة منذ عام 2006، من بينها نائب وزير العدل، ثم مساعداً للرئيس اليميني ليخ كاجينسكي الذي قتل في حادث طائرة في أبريل (نيسان) 2010.
بعدها، نجح بدخول البرلمان البولندي في عام 2011، ثم البرلمان الأوروبي عام 2014. ورغم تنقله في كثير من المناصب بسرعة كبيرة، ما كان دودا معروفاً كثيراً داخل حزب «القانون والعدالة».
وفي عام 2014، تسبب إعلان أمين عام الحزب باروسلاف كاجينسكي، وهو الشقيق التوأم للرئيس الراحل، بأن دودا سيترشح عن الحزب في الانتخابات الرئاسية بمفاجأة لكثيرين. وأعلن حينها دودا بأنه يريد أن يترشح كـ«الوريث الروحي» لليش كاجينسكي. وللعلم، كان الأخوان كاجينسكي مؤسسا حزب «القانون والعدالة» عام 2001. ويصوّر الحزب نفسه منذ البداية على أنه الحزب الذي يحافظ «على قيم بولندا»، انطلاقاً من 3 مبادئ هي العائلة والوظائف والأمن.
دودا متزوج من أغاتا التي تدرس اللغة الألمانية، ولديهما ابنة تُدعى «كينغا» تبلغ من العمر 25 سنة، تلعب أحياناً دوراً شبيهاً بالدور الذي تلعبه إيفانكا ترمب، ابنة الرئيس الأميركي، لجهة تلطيف صورة والدها؛ فبعد فوز والدها بالانتخابات، خرجت كينغا لتقول إنه «يجب ألا يشعر أحد في بلدنا بالخوف من مغادرة منزله، لأنه بغضّ النظر عما نؤمن به، وما هو لوننا، وما هي الأفكار التي نحملها، وأي مرشح مؤيد، فنحن كلنا متساوون ونستحق الاحترام». وقال البعض إن كلماتها جاءت لطمأنة فئات كثيرة تهجّم عليها والدها خلال الحملة الانتخابية، خاصة المثليين الذين وصفهم بأنهم «ليسوا بشراً».


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.