دول تعيد فرض قيود صارمة لاحتواء الوباء

إجمالي الوفيات يقترب من 600 ألف حول العالم

يابانيون يرتدون كمامات في محطة قطار بطوكيو يوم 3 يوليو (رويترز)
يابانيون يرتدون كمامات في محطة قطار بطوكيو يوم 3 يوليو (رويترز)
TT

دول تعيد فرض قيود صارمة لاحتواء الوباء

يابانيون يرتدون كمامات في محطة قطار بطوكيو يوم 3 يوليو (رويترز)
يابانيون يرتدون كمامات في محطة قطار بطوكيو يوم 3 يوليو (رويترز)

يواصل فيروس «كورونا» المستجد الانتشار في العالم، بعد أن سجلت وتيرة انتشاره تسارعا في الأسابيع الماضية ليتجاوز إجمالي الإصابات 13 مليونا ونصف مليون، والوفيات 580 ألفا حول العالم. وأرغم هذا الارتفاع عدة دول على إعادة فرض حجر على عشرات ملايين الأشخاص، بعد أن أسابيع من تخفيف تدابير الحظر.
وكانت أستراليا في مقدمة الدول التي أعادت فرض قيود صارمة على الملايين من مواطنيها. وخيّرت مدينة ملبورن، أمس الأربعاء، سكانها بين الامتثال لقواعد الإغلاق المطبقة حالياً أو مواجهة قيود أكثر صرامة، وفق تقرير لوكالة «أسوشيتد برس». وقد قضى سكان ملبورن البالغ عددهم ٥ ملايين نسمة وجزء من المناطق شبه الريفية المحيطة بالمدينة أسبوعاً في الإغلاق الثاني المستمر لمدة ٦ أسابيع، لاحتواء التفشي الجديد هناك. وقال رئيس وزراء ولاية فيكتوريا، دانييل أندروز: «لقد انتهى وقت التحذيرات ووقت انتقاد سلوك الناس، فنحن الآن في وضع مميت وخطير للغاية». وقد أبلغت فيكتوريا عن ظهور ٢٣٨ حالة إصابة جديدة بـ«كوفيد - 19»، مما دفع السلطات هناك للاعتقاد بأن هناك اتجاها لظهور تفش جديد للمرض في ملبورن.

- إغلاقات جديدة في الهند
من جهتها، ستفرض السلطات الهندية إغلاقا في المناطق عالية الخطورة فيما يقرب من ١٢ ولاية، وذلك في ظل اقتراب عدد حالات الإصابة بالفيروس التاجي في البلاد من مليون شخص، وقد تم فرض إغلاق لمدة أسبوعين ابتداءً من يوم الخميس في ولاية بيهار بشرق الهند البالغ عدد سكانها ١٢٨ مليون نسمة والتي تعاني من هشاشة نظامها الصحي، حيث تسجل ولاية بيهار أكثر من ١٠٠٠ حالة إصابة بالفيروس كل يوم، منذ يوم السبت الماضي، وذلك رغم عدد الاختبارات المحدودة التي يتم إجراؤها.
وقد عاد ما يقرب من ٢.٥ مليون عامل فقير ممن تقطعت بهم السبل خلال فترة الإغلاق الأولية التي فرضتها السلطات الهندية على مستوى البلاد إلى بيهار، بعد أن فقدوا وظائفهم في المدن الكبيرة، كما أمرت الحكومة بفرض الإغلاق لمدة أسبوع في ولاية بنغالور، مركز التكنولوجيا الرئيسي في جنوب الهند، والتي تمتلك شركات التكنولوجيا الكبرى في العالم مثل «أمازون» و«آبل» فروعاً هناك.
ويقول الخبراء إن التعزيزات التي تلقاها الاقتصاد الهندي في يونيو (حزيران) الماضي بعد تخفيف الإغلاق على الصعيد الوطني قد توقفت بسبب عمليات الإغلاق المحلية الجديدة، حيث انخفضت المؤشرات الاقتصادية مثل معدلات المشاركة في العمل واستهلاك الكهرباء في شهر يوليو (تموز) الجاري عما كانت عليه في يونيو الماضي، وذلك وفقاً لمركز مراقبة الاقتصاد الهندي، وهو مركز أبحاث مستقل.

- قيود صارمة في هونغ كونغ
وقد بدأ سريان فرض القيود من جديد في هونغ كونغ، يوم الأربعاء الماضي، مع اقتصار التجمعات العامة على ٤ أشخاص فقط ومنع تناول الطعام داخل المطاعم بعد الساعة الـ٦ مساءً، وفرض إغلاق لمدة أسبوع للصالات الرياضية ومحلات الكاريوكي وبعض الأنشطة التجارية الأخرى، كما أنه ولأول مرة يتم فرض ارتداء الأقنعة الواقية في وسائل المواصلات العامة مع فرض غرامة على المخالفين، كما أوضحت وكالة «أسوشيتد برس».
وتقول صاحبة صالون «ميبروز» للتجميل، سامي لي، إن الأنشطة التجارية الصغيرة مثل الصالون الذي تمتلكه باتت «تحت رحمة عمليات الإغلاق الإلزامية»، حيث لا يوجد لديها الكثير الذي يمكنها القيام به حيال الأمر. وتتوقع لي أن تستمر دورة إعادة الفتح والإغلاق حتى يتم العثور على لقاح، وتضيف «سنحاول العمل قدر المستطاع في حالة الفتح، وذلك للاستعداد لإغلاق آخر». وخلال الجولة الأخيرة من عمليات الإغلاق، تلقت لي دعماً حكومياً بقيمة ٣٨٧٠ دولاراً أميركياً وهو ما يساعدها في تغطية بعض التكاليف مثل الإيجار والمرافق العامة، ولكن ليس لتغطية خسارتها في الدخل، كما أنه من غير الواضح ما إذا كان سيكون هناك إعانات هذه المرة أيضاً أم لا.
ومن بين ما يقرب من ٢٠ لقاحاً يتم العمل عليهم الآن، باتت بعض اللقاحات من الولايات المتحدة والصين وبريطانيا تدخل مراحل الاختبار النهائية.

- ارتفاع الإصابات أميركياً
وفي الولايات المتحدة، تعمل بعض الولايات بما في ذلك ولاية واشنطن على تأخير جدولها الزمني لإعادة فتح اقتصاداتها. وقال حاكم الولاية غاي إنسلي إن «المقاطعات ستظل في نفس وضعها الراهن على الأقل حتى ٢٨ يوليو الجاري». وحذر إنسلي من وجود «خطر كبير» يتمثل في أنه قد يتعين إغلاق أجزاء من الاقتصاد مرة أخرى إذا استمر انتشار العدوى بالفيروس التاجي.
من جهته، يتمسك الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفاؤله حيال الوضع الوبائي في البلاد. وكتب أمس على «تويتر»: «أنباء ممتازة بشأن اللقاحات»، في تغريدة تترجم رغبته بقلب صفحة وباء (كوفيد - 19) مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، وفق وكالة الصحافة الفرنسية. لكن الواقع قاتم، فعدد إصابات الوباء المعلنة يومياً في ازدياد مطرد في أربعين من ولايات البلاد الخمسين. وأعلنت كاليفورنيا الثلاثاء أنها ستعيد إغلاق جزء من أنشطتها الاقتصادية. وتجد الولايات المتحدة نفسها بوضع سيئ وبائياً بالمقارنة مع المسارات المختلفة جذرياً التي سلكها الوباء في أوروبا. وتعد الولايات المتحدة الدولة الأكثر تضرراً من فيروس «كورونا» المستجد، بأكثر من ٣.٤ مليون حالة إصابة، وذلك وفقاً لإحصاءات جامعة جونز هوبكنز الأميركية. وهناك اعتقاد سائد بأن الأرقام الفعلية هي أعلى بكثير من الحصيلة الرسمية التي تقدمها دول العالم، وذلك يرجع لعدة أسباب، أبرزها محدودية الاختبارات المحدودة.

- نجاح كوري جنوبي
وقد نجحت بعض الدول، بما في ذلك كوريا الجنوبية، في مكافحة الوباء دون فرض إغلاق اقتصادي شديد، وذلك رغم أن المسؤولين قد قاموا بإغلاق المدارس حتى مايو (أيار) الماضي، كما أغلقوا الأماكن الترفيهية في بعض المدن الرئيسية بشكل مؤقت عندما ارتفع معدل العدوى فيها. وبدلاً من فرض قيود اجتماعية صارمة، تحاول كوريا الجنوبية احتواء تفشي المرض من خلال استخدام الوسائل التكنولوجية لتتبع المخالطين للمصابين وفرض الحجر الصحي عليهم، حيث تراقب تطبيقات التتبع على الهواتف الذكية لعشرات الآلاف من الأشخاص في الحجر الصحي. لكن السلطات الصحية في البلاد قالت إنها باتت تجد صعوبة متزايدة في الأسابيع الأخيرة في تتبع المخالطين ومعرفة أماكن انتشار العدوى، وذلك بسبب خروج الناس بشكل متزايد في الأماكن العامة.

- حالة إنذار قصوى في طوكيو
بلغت مدينة طوكيو حالة الإنذار القصوى إثر ارتفاع عدد الإصابات بفيروس «كورونا» المستجدّ، على ما أفادت الحاكمة يوريكو كويكي أمس (الأربعاء). وأوضحت كويكي خلال اجتماع خُصّص لانتشار وباء «كوفيد - 19»: «قال لنا الخبراء للتو إن وضع الإصابات بلغ المستوى 4 على سلم من أربعة مستويات، ما يعني أن الإصابات تنتشر»، كما نقلت عنها وكالة الصحافة الفرنسية. وهذا الإنذار «الأحمر» في العاصمة الشاسعة البالغ عدد سكانها 14 مليون نسمة والواقعة ضمن منطقة تضم حوالي 37 مليون نسمة هي الأكثر كثافة سكانية في العالم، لا يعني أن البلدية ستطلب إغلاق متاجر أو إرجاء أحداث.
وأفادت مجموعة من الاختصاصيين، أمس، بأن المدينة تشهد زيادة في عدد الإصابات بين الشباب مع رصد حالات في النوادي الليلية، وكذلك في أماكن العمل وداخل العائلات. وقال أحد الخبراء نوريو أوماغاري: «لا بد لنا من الإقرار بأن ذلك يعني علما أحمر، بأعلى مستوى إذا أخذنا بالاعتبار الأرقام وحدها».
ولم يترافق إعلان حال الطوارئ في اليابان في أبريل (نيسان) ومايو مع فرض حجر منزلي على غرار ما جرى في أوروبا، إذ لا يسمح القانون باستخدام وسائل قسرية لإرغام السكان على لزوم منازلهم.
ورفع رئيس الوزراء شينزو آبي حالة الطوارئ في نهاية مايو، ولا يبدي الآن أي رغبة في إعادة فرضها في ظل ركود اقتصادي يسجل لأول مرة منذ 2015.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended