«10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب»

ترجمة عربية لرواية أليف شافاك الجديدة

أليف شافاك
أليف شافاك
TT

«10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب»

أليف شافاك
أليف شافاك

تصدر بعد أيام قليلة عن دار الآداب اللبنانية ترجمة لرواية جديدة للروائية التركية أليف شافاك. تحمل عنوان «10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب»، وهو الوقت الذي سيبقى فيه عقل ليلى المتوفاة يعمل، لا بل ويعمل بحيوية فائقة، بعد أن فارقت الحياة، أو هكذا يفترض.
لن تتذكر ليلى في هذه اللحظات الثمينة التي أهديت لها، أموراً كبيرة بالمعنى الدنيوي، إنما دقائق الأمور وصغائرها، وأكثرها حسية، مثل رائحة القهوة، وطعم لحم الماعز ونكهة التوابل.
الكتاب من ترجمة محمد درويش وهنا مطلع الرواية التي خصت بها دار الآداب «الشرق الأوسط»:
كان اسمُها ليلى، ليلى التكيلا هو الاسم الذي اشتُهرتْ به بين أصدقائها وزبائنها. كانوا ينادونها بليلى التكيلا في العمل وفي البيت؛ البيت الذي كان لونُه بلون الخشب الورديّ، ويقعُ في طريقٍ مسدودٍ مرصوفٍ بالحجارة عند رصيف المرفأ، ما بين كنيسة وهيكلٍ يهوديّ، وسط دكاكين تبيع المصابيحَ والكباب، في الشارع الذي يضمّ بين جوانبه أقدمَ المواخير المجازة في إسطنبول.
لكنْ، إنْ قُدِّر لها أن تسمعَكَ وأنت تتفوَّه باسمها على ذلك النحو، فقد تشعرُ بالإهانة، ثمّ تقذفكَ مازحة بفردة حذاءٍ من أحذيتها ذات الكعب العالي المستدقّ.
- الآن، يا عزيزي، لا في الماضي. اسمي الآن ليلى التكيلا.
لم تكن لتوافق، ولو مرَّة واحدة في ألف سنة، على أن يكون الكلامُ عليها بصيغة الماضي. إنّ مجرّد التَّفكير في ذلك يُشْعرها بالضَّعَة والانهزام، وهذا آخر ما تريد أن تشعر به في هذا العالم. لا، بل ستُصرّ على استعمال صيغة الحاضر، وإنْ باتت تدرك إدراكاً يبعثُ الكآبة في نفسها أنَّ قلبها قد توقَّف عن الخفقان قبل قليل، وأنَّ أنفاسها انقطعَتْ على حين غرَّة، وأنْ لا فائدة من إنكار وفاتها، بصرف النَّظر عن زاوية النَّظر إلى حالتها.
لم يدرِ أحدٌ من أصدقائها بالأمر بعدُ. فَهُمْ، في هذا الوقت المبكِّر من الصباح، غارقون في النوم، وكلٌّ منهم يحاول أن يجد وسيلة يَخرج بها من متاهة أحلامه. تمنَّت ليلى لو كانت في البيت أيضاً، مدثَّرة بالأغطية الدافئة، وقطُّها يجثم عند قدمَيْها والنعاسُ يُغالبه. كان القطّ مصاباً بالصَّمم التامّ، وكان ذا لون أسود باستثناء بقعة بيضاء على إحدى كفَّيْه. أسمَتهُ «السيِّد تشاپلن» تيمُّناً بتشارلي تشاپلن، لأنَّه كان يعيش في عالم صامتٍ خاصٍّ به، على غرار أبطال السينما في بداياتها.
كانت ليلى لتَهَبَ أي شيء لقاء وجودها في شقَّتها الآن. إلَّا أنَّها راقدة هنا، في منطقة من ضواحي إسطنبول، على الجهة الأخرى من ساحة كرة قدم مظلمة ورطبة، وداخل حاوية نفايات معدنيَّة ذات مقابض مكسوَّة بالصدأ وبِقشيْرات الطِّلاء. كانت حاوية ذات عجلات، ويبلغ ارتفاعُها أربعَ أقدام على الأقلّ، وعرضُها قدماً واحدة. أمَّا ليلى، فطولها خمسُ أقدام وسبعُ بوصات، ويُضاف إليها ثماني بوصات أخرى، هي مقدارُ ارتفاع حذائها المستدَقّ الأرجواني الذي ما يزال في قدميْها.
ثمَّة أشياء كثيرة كانت ترغب في معرفتها. لذا لبثتْ تفكِّر في اللَّحظات الأخيرة من حياتها، وتطرح على نفسها سؤالاً عن الخطأ الذي حدث، وكان هذا التَّفكيرُ تمريناً عبثيّاً ما دام يَصْعب فكُّ ألغاز الزمن، وكأنَّه كرة من الغَزْل.
كان لونُ بشرتها قد أخذ يتحوَّل إلى الأبيض الرَّماديّ، رغم أنَّ خلاياها لا تزال مُفعمة بالنشاط. ولم تستطع منعَ نفسها من أن تلاحظ اختلاجَ أشياء كثيرة داخل أعضائها وأطرافها. لطالما افترضَ الناسُ أنَّ جسدَ الميِّت لم يَعُد أكثرَ حياة من شجرة مقتلعة أو قرمة جوفاءَ مُجرّدة من الوعي. لكنْ لو تسنّى لليلى نصفُ فرصة، لأقسمَتْ على النقيض من ذلك: بأنَّ الجثّة مُفعمة بالحياة.
لم تكن قادرة على تصديق أنَّ وجودها الفاني قد انتهى إلى غير رجعة. فقبل يومٍ واحدٍ لا غير، كانت قد مرَّت بحي پيرا، وكان ظلُّها ينسابُ على امتداد الشوارع التي أُطلق عليها أسماءُ القادة العسكريين والأبطال القوميين. وفي ذلك الأسبوع بعينه، تردَّد صدى ضحكاتها في خانات غالاتا وكورتولوش ذاتِ السقوف الواطئة، وأوكارِ توفاني الصَّغيرة الخانقة، التي لا يظهر أي منها في دليل المسافرين أو على الخرائط السياحيَّة. إنَّ إسطنبول التي عرفتْها ليلى ليست إسطنبولَ التي تريد وزارة السياحة أن يراها الأجانب.
كانت في اللَّيلة الماضية قد تركَتْ بصماتِ أصابعها على كأس ويسكي، فضلاً عن أثرٍ من عطرها، المعروف بعلامة بالوما پيكاسو، وكان قد قدَّمه إليها بعضُ أصدقائها بمناسبة عيد ميلادها ـ على وشاحٍ من حرير، قذفتْ به جانبا فوق سرير أحد الغرباء في جناحٍ في الطابق العلوي من أحد الفنادق الفخمة. وفي السَّماء العالية، كان هلالُ الأمس واضحاً منيراً يتعذَّر الوصولُ إليه، مثل أثرٍ باقٍ من ذاكرة سعيدة. كانت لا تزال جزءاً من هذا العالم، وكانت الحياة لا تزال في أعماقها، فكيف يمكن أن تكون قد رحلتْ؟ كيف يمكن أن ينتهي وجودُها وكأنَّها حلمٌ تلاشى مع انبلاج أوَّلِ تباشيرِ الفجر؟ قبل بضع ساعات، كانت تغنِّي وتدخِّن وتسبّ وتفكِّر... حسناً، إنَّها لا تزال تفكِّر في هذه اللَّحظة. والمدهش في الأمر أنَّ عقلها كان يعمل بكلِّ قوَّته، وإنْ لم يكن أحدٌ يدري إلى متى سيظلّ كذلك! تمنَّت لو كان في وسعها أن تعودَ وتخبرَ الجميعَ بأنَّ الموتى لا يموتون من فورهم، وأنَّ في مستطاعهم مواصلة التَّفكير في الأشياء، بما فيها موتُهم. ثمّ قلّبتْ في الأمر مليّاً، وأدركتْ أنَّ الناس سيصابون بالرُّعب والهلع إنْ هُم عرفوا ذلك. من المؤكَّد أنّ هذا ما سيصيبها أيضاً لو كانت حيّة وعلمتْ بالأمر... لكنّها شعرَتْ أنَّ من المهمّ أن يعرفوا.
بدا لليلى أنّ البشر يكشفون عن نفادٍ بالغ في الصبر حينما يتعلّق الأمر بالمراحل الفاصلة في حياتهم. فهم، أوَّلاً، يفترضون أنَّ الإنسان يصبح على نحو تلقائي زوجاً أو زوجة في اللَّحظة التي يتفوَّه فيها بكلمة «أوافق». بَيْدَ أنَّ الحقيقة هي أنَّ الزواج يتطلَّب سنواتٍ طويلة كي يدرك كلٌّ منهما كيف يكون زوجاً. وعلى نحوٍ مشابهٍ، يتوقَّع المجتمع أن تَدْخل غرائزُ الأمومة، أو الأبوّة، حيَّز العمل حالما يُرزق المرءُ بطفل. والحقّ أنَّ المرءَ قد يصرف وقتاً طويلاً حتَّى يتبيّنَ كيف يصبح أباً، أو جدّاً. كذلك الأمر بخصوص التقاعد والشيخوخة، إذ كيف يمكنك أن تُكيِّفَ نفسَكَ حالما تغادر الدَّائرة التي أَفنيْتَ فيها نصفَ عمرك وبدَّدتَ معظمَ أحلامك؟ ليس هذا سهلاً. كانت ليلى تعرف معلِّمين مُتقاعدين يستيقظون في السَّابعة صباحاً، ويستحمُّون ويرتدون ثياباً أنيقة، ثمَّ يتهالكون من وراء طاولة الفطور، ليتذكَّروا بعدئذٍ أنّهُ لم يعد لديهم عمل؛ هؤلاء كانوا لا يزالون قيد التكيّف.
لعلَّ الأمر لا يختلف كثيراً حين يخصّ الموتَ. فالناس يعتقدون أنَّ المرء يتحوَّل إلى جثَّة ميِّتة ما إنْ يلفظ آخر أنفاسه. بَيْد أنَّ الأمور ليست كذلك تماماً. فكما أنَّ هنالك درجاتٍ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى بين الأسود الفاحم والأبيض الناصع، فإنَّ هناك أيضاً مراحلَ متعدِّدة لِما يُسمَّى «الرَّاحة الأبديَّة». فلو كان هناك حدّ يَفْصل بين عالم الحياة وعالم الآخرة، فلا بدَّ من أن يكون هذا الحدُّ قابلاً للنفاد، شأنه في ذلك شأن حجرٍ رمليّ. هذا ما توصَّلتْ إليه ليلى.
كانت في انتظار شروق الشمس؛ فمن المؤكَّد أنَّ شخصاً ما سيَعْثر عليها ويخرجها من هذه الحاوية القذرة. لم تتوقَّع أن تَصْرف السُّلطاتُ وقتاً طويلاً للتَّعرُّف إلى هويَّتها. كلُّ ما يتعيَّن على هذه السُّلطات عملُه هو تحديدُ ملفِّها. فعلى مدى سنين طويلة، خضعَتْ للتَّفتيش والتَّصوير وطبعِ بصمات الأصابع، فضلاً عن الاعتقال مرَّاتٍ كثيرة، لدرجة أنّه لم يَعْنِها عددُها. لمخافر الشرطة في الشوارع الخلفيَّة رائحة مميّزة: منفضاتُ سجائر مملوءة بأعقاب من الأمس، وبقايا قهوة في فناجين مثلومة، وأنفاسٌ نتنة، وخِرَقٌ مبلَّلة، ورائحة فاسدة منبعثة من مباول لا تستطيع أي مادة أن تُزيلها. يتشاركُ الضبَّاطُ والجُناة غُرفاً ضيّقة ومُكتظّة. ولطالما أدهشَ ليلى أن تتساقط خلايا الجلد الميّتة لرجال الشرطة والمجرمين على الأرضيَّة نفسها، ثمّ يزدردها عثُّ الغبار نفسُه، من دون تمييزٍ أو تَحيُّز. وعلى مستوى لا تراه أعيُنُ البشر، تجد الأضدادَ وقد امتزجتْ بطرقٍ تفوق أي توقُّعات.
وفكَّرتْ ليلى أنَّ السُّلطات سوف تُبلغ أُسرتَها بعد أن تتعرَّف إلى هويَّتها. كان أبواها يقطنان في مدينة ڤان التاريخيَّة، التي تَبعد عنها ألفَ ميل. لكنّها لم تتوقَّع منهما الحضورَ ونقلَ جثَّتها، لأنَّها أخذتْ في الحسبان أنَّهما قد نبذاها منذ زمن طويل: «لقد ألحقتِ بنا الخِزي والعار، وصرنا حديثَ الجميع من وراء ظهورنا».
ولهذا، فإنَّ على الشرطة أن تذهب إلى أصدقائها عوضاً من ذلك؛ أصدقاؤها الخمسة: سِنان المُخرِّب، ونالان الحنون، وجميلة، وزينب 122، وحُميْرة هوليوود.
لم يراود ليلى التكيلا أي شكٍّ في أنَّ أصدقاءها سوف يَحْضرون إليها بأسرع ما يستطيعون. كانت تتخيَّلهم وهم يُقْبلون نحوها، بخطواتٍ متعجِّلة ولكنَّها متردِّدة، وعيونٍ ملأى بالصدمة، وأسى لا يزال في أطواره الأولى، وحزنٍ جديدٍ لم يستقرّ عميقاً بعد. انتابها شعور سيِّئ لأنّها ستضطرُّ إلى وضعهم في هذا العذاب المؤلم على ما يبدو. لكنّ عزاءها أنّهم لا بدّ من أن ينظّموا لها جنازة رائعة. كافور وبخور وموسيقى وزهور، وبخاصَّة زهور الورد الحُمْر المتوهِّجة، والصُّفر البرَّاقة، والحمر القانية. زهور كلاسيكيّة، وسرمديّة، لا تُضاهى. زهور التوليب الرَّفيعة الشأن أكثر مما ينبغي، والنرجس الرقيق على نحوٍ مبالَغٍ فيه، والزنابقُ، تتسبب لها الزنابقُ بالعطاس. لكنّ الورودَ مثاليَّة، مزيج من فتنة شبقيّة وأشواكٍ حادَّة.
رويداً رويداً، لاحت تباشيرُ الفجر. خطوطٌ من الألوان - القرنفلي الضّارب إلى الصُّفرة، والبرتقالي بلون شراب المارتيني، والفراولة بلون شراب المارغريتا، والأسود البارد - تنسكبُ فوق الأفق، من الشرق إلى الغرب. وفي غضونِ ثوانٍ قليلة، أخذتْ أصداءُ الأذان تتردَّدُ من المساجد القريبة، من غير أي تزامنٍ بينها. وفي مكان بعيد، أعلنَ البوسفور عن استيقاظِه من نومه الفيروزيّ، مُطلِقاً تثاؤباً عظيماً. وعاد أدراجه إلى المرفأ قاربُ صيدٍ، وهو ينفث دخانَ محرِّكه. وتدحرجتْ موجة عالية على مهلٍ باتِّجاه الجزء المطلّ على الشاطئ. كانت المنطقة، ذات يوم، تنعم ببساتين الزيتون والتين، إلى أن جرفتها الجرّاراتُ لفسح الطريق أمام أبنية جديدة ومرائِبِ سيَّارات. وفي مكانٍ ما، تحت أجنحة الظلام الذي لا يزال يُرخي سدوله، تعالى نباحُ كلبٍ بدافع إحساسه بالواجب أكثر من شعوره بالانفعال والإثارة. وعلى مقربة من المكان، سقسق عصفورٌ سقسقة جريئة وعالية، فردَّ عليه آخر، لكنّه لم يكن ردّاً بهيجاً بهجة العصفور الأوَّل. إنَّها جوقة الفجر. وبات في ميسور ليلى أن تسمع دمدمة شاحنة خدمة التَّوصيل على الطريق المليئة بالحُفر، وهي تصطدم بحفرة تلو حفرة. وعمَّا قريب سيصمّ الأذنَ ضجيجُ وسائل المواصلات المبكِّرة في ذلك الصباح. حياة في أوجِ طاقتها.
عندما كانت ليلى التكيلا حيّة، كان غالباً ما يتملَّكها العجب، والقلقُ أحياناً، من الأشخاص الذين يتفكّرون بهوسٍ في نهاية العالم. كيف بمقدور العقول التي تبدو سليمة أن تستنزفَ نفسَها إلى هذا الحدّ بكلِّ هذه السيناريوهات الحمقاء عن الكويْكبات والكُرات الناريَّة والمذنَّبات التي ستوقِعُ الخرابَ على كوكب الأرض؟ وبالنسبة إلى ليلى، ليست نهاية العالم أسوأ ما يُمكن أن يحدث. وأمَّا احتمالُ فناء الحضارة، الفوري والمطلق، فإنَّه لا يبعث فيها نصفَ الذُّعر الذي تتسبب به فكرة بسيطة: ليس لموتنا الفردي أي تأثير في نظام الأشياء، وستواصل الحياة مسيرتَها كالسَّابق، بوجودنا أو من دوننا. هذا ما كان يفزعُ ليلى شديدَ الفزع.
غيَّر النسيمُ من وجهته ضارباً في طريقه ساحة كرة القدم. ثمَّ شاهدتهم: أربعة صبيان في سنّ المراهقة يفتِّشون في وقت مبكِّر في النفايات، يدفع اثنان منهم عربة مملوءة بالزجاجات البلاستيكيَّة والعلَب التالفة، بينما يسيرُ الثالث، ذو الكتفَيْن المترهِّلَتَيْن والركبَتَيْن الملتويَتَيْن، إلى الوراء حاملاً كيساً قذراً وملوَّثاً وثقيلاً إلى أبعد الحدود. وأمَّا الرَّابع، فكان واضحاً أنَّه زعيمهم، إذ سار في المقدِّمة، مختالاً، ومنتفخاً مثل ديكٍ صغير السنّ في حالة عراك. كان الأربعة يتَّجهون نحوها، ويمزحون هازلين.
استمرُّوا في السَّير.
توقَّفوا عند حاوية نفايات في الجهة الأخرى من الطريق، وراحوا يفتِّشون فيها: زجاجات شامبو، وعلب عصير ولبن، وصناديق بيض... كانوا يلتقطون كلّاً من هذه الكنوز، ويضعونه على ظهر العربة، بحركاتٍ سريعة تنمّ عن خبرة ومهارة. عثر أحدهم على قبَّعة جلديَّة قديمة، فضحك وهو يعتمرها، وسار بخطواتٍ مبالَغٍ فيها، واضعاً يديْه في جيبي بنطاله الخلفيين، مقلِّداً بذلك أحدَ أفراد العصابات الذي لا بدّ من أن يكون قد رآه في فيلم ما. وعلى الفور، خطف الزعيمُ القبَّعة، ووضعها على رأسه. لم يعترض أحد. وبعد أن حملوا من حاوية النفايات ما حملوه من حاجيَّات، استعدُّوا للذهاب. ولخيبة أمل ليلى، ظهر أنَّ الصِّبْية قد استداروا للسَّيْر في الاتِّجاه المعاكس.
- هه! إنَّني هنا.
وكأنّ الزعيم سمع استغاثة ليلى، فرفع رأسه ببطءٍ باتِّجاه الشمس التي كسرتْ عينه، وراح من تحت انكشاف الضوء يتفحّص المكان حوله، وجال ببصره في الحاوية إلى أن لمحها، فرفع حاجبيْه، وارتعشت شفتاه قليلاً.
ـ أرجوكَ، لا تهرب.
لم يهرب، ولكنَّه نطق بصوتٍ خافتٍ شيئاً للآخرين، فراحوا يحدِّقون فيها، وعلى وجوههم أماراتُ الذهول نفسها. أدركتْ ليلى حداثة أعمارهم؛ كانوا لا يزالون فتياناً، هؤلاء الصبيان الذين يتظاهرون بأنَّهم رجال.
تقدَّم زعيمُهم خطوة صغيرة إلى الأمام، ثمَّ خطوة أخرى. سار في اتِّجاهها كما يقترب فأرٌ من تفَّاحة سقطتْ من مكانٍ ما، قَلِقاً وهيَّاباً، ولكنْ سريعَ الحركة ومصمما أيضاً. اكفهرَّ وجهُه حين ازداد قرباً ورأى ما هي عليه.
- لا تخف.
صار الآن بجانبها، قريباً بحيث تمكَّنتْ من ملاحظة بياض عينَيْه المتَّقدتَيْن احمراراً والضاربتَيْن إلى الصُّفرة. أدركتْ أنَّه كان يشمّ الصمغَ، هذا الصبي الذي لا يتجاوز الخامسة عشرة، وكان من شأن إسطنبول أن تتظاهرَ بالتَّرحيب به وإيوائه، قبل أن ترميَه جانباً وكأنّه لعبة قماشيّة بالية، في وقتٍ لم يتوقَّعه إلَّا قليلاً.
- اتَّصِلْ بالشرطة، يا بنيَّ. اتَّصلْ بالشرطة كي يتمكَّنوا من إبلاغ أصدقائي.
ألقى نظرة سريعة، يميناً وشمالاً، ليطمئنَّ إلى خلوِّ المكان من أي مراقِبٍ أو أي كاميرات مراقبة في الجِوار. تقدَّم ومدَّ يَده إلى قلادة عنق ليلى، علبة صغيرة ذهبيَّة، وفي وسطها زمرُّدة متناهية الصغر. وفي حيطة وحذرٍ شديدَيْن، كأنَّه يخشى أن تنفجر في كفِّه، لمسَ القلادة، وشعر ببرودة معدنها المريح. ثمَّ فتح العلبة، فوجد صورة داخلها، فما كان منه إلَّا أن أمسكَها، وراح يتفحَّصها برهة وجيزة. فاستدلَّ على المرأة، وإنْ كانت أصغرَ سنّاً منها؛ أمَّا الرجل، فكان ذا عينَيْن خضراوَيْن، افترَّ ثغرُه عن ابتسامة مهذَّبة، وشعرٍ طويل مصفَّف على نحوٍ يعود إلى زمنٍ آخر. بدت أماراتُ السَّعادة على وجهَيْهما؛ فهما عاشقان، مغرمٌ أحدهما بالآخر.
على ظهر الصُّورة، كتابة تقول: «د/ علي وأنا...... ربيع سنة 1976».


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»