مشروع «اتفاق شراكة» يعزز النفوذ الصيني في إيران

بكين تعتزم توسيع استثماراتها واستيراد نفط مخفّض القيمة على مدى ٢٥ عاماً

اتفاق الشراكة جرى طرحه أول مرة من قبل الرئيس شي خلال زيارته إلى طهران ولقائه روحاني عام 2016  (أ.ب)
اتفاق الشراكة جرى طرحه أول مرة من قبل الرئيس شي خلال زيارته إلى طهران ولقائه روحاني عام 2016 (أ.ب)
TT

مشروع «اتفاق شراكة» يعزز النفوذ الصيني في إيران

اتفاق الشراكة جرى طرحه أول مرة من قبل الرئيس شي خلال زيارته إلى طهران ولقائه روحاني عام 2016  (أ.ب)
اتفاق الشراكة جرى طرحه أول مرة من قبل الرئيس شي خلال زيارته إلى طهران ولقائه روحاني عام 2016 (أ.ب)

في هدوء، وضعت إيران والصين مسودة اتفاق شراكة اقتصادية وأمنية بالغة الأهمية، قد تمهّد الطريق أمام تدفق مليارات الدولارات في صورة استثمارات صينية في قطاع الطاقة وقطاعات أخرى داخل إيران، الأمر الذي من شأنه تقويض جهود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض عزلة على الحكومة الإيرانية بسبب طموحاتها النووية والعسكرية.
ومن شأن الشراكة المقترحة، التي وردت تفاصيلها في اتفاق من 18 صفحة، حصلت «نيويورك تايمز» على نسخة منه، توسيع نطاق الوجود الصيني في قطاعات الصرافة والاتصالات عن بعد والموانئ والسكك الحديدية والعشرات من المشروعات الأخرى. وفي المقابل، ستحصل الصين على إمدادات منتظمة، وحسب مسؤول إيراني وشخص آخر معني بصناعة النفط، مخفضة القيمة بشكل كبير من النفط الإيراني على مدار الأعوام الـ25 القادمة.
وتشير الوثيقة إلى تعميق التعاون العسكري بين البلدين، الأمر الذي ربما يتيح لبكين بناء معقل لها داخل منطقة كانت الهم الاستراتيجي الشاغل للولايات المتحدة على مدار عقود. كما تدعو الوثيقة إلى عقد تدريبات مشتركة، والتعاون في مجالات الأبحاث وتطوير الأسلحة والتشارك في الاستخبارات، وكل ذلك بهدف خوض «المعركة غير المتوازنة أمام الإرهاب والاتجار في المخدرات والبشر والجرائم العابرة للحدود».
كانت تلك الشراكة قد اقترحت للمرة الأولى من جانب الرئيس الصيني، شي جينبينغ، أثناء زيارته لإيران عام 2016 ونالت موافقة حكومة الرئيس حسن روحاني في يونيو (حزيران)، حسبما أعلن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، الأسبوع الماضي.
من جهتهم، أعلن مسؤولون إيرانيون أن ثمة اتفاقا وشيكا مع الصين، وأكد مسؤول إيراني وكذلك العديد من الأشخاص الذين ناقشوا الأمر مع الحكومة الإيرانية، أن هذا الاتفاق هو الوارد في الوثيقة التي حصلت عليها «نيويورك تايمز»، وتحمل عنوان «النسخة النهائية» ومؤرخة في يونيو 2020.
حتى الآن، لم تُطرح الوثيقة على البرلمان الإيراني للموافقة عليها ولم تتح أمام الرأي العام، الأمر الذي أجج شكوكاً داخل إيران إزاء حجم التنازلات التي تبدي الحكومة استعدادها لتقديمها للصين. وفي بكين، لم يكشف المسؤولون عن بنود الاتفاق، ولم يتضح بعد ما إذا كانت حكومة شي قد وافقت على الاتفاق، وإذا كان ذلك قد حدث، متى ستعلنه.
وحال سريان الاتفاق على النحو المفصل في الوثيقة، فإن الشراكة ستخلق نقاط صدام جديدة محتملة وربما خطيرة في إطار العلاقات المتردية أصلاً بين الصين والولايات المتحدة.
ويشكل الاتفاق صفعة كبرى للسياسة القوية التي تنتهجها إدارة ترمب إزاء طهران منذ تخليها عن الاتفاق النووي المبرم عام 2015 من جانب الرئيس السابق باراك أوباما وقادة ست دول أخرى بعد عامين من المفاوضات الصعبة.
يذكر أن العقوبات الأميركية التي جرى تجديدها، وتضمنت التهديد بالحرمان من الدخول إلى المنظومة المصرفية الدولية بحق أي شركة تدخل في نشاط تجاري مع إيران، نجحت في خنق الاقتصاد الإيراني من خلال تثبيطها نشاطات التجارة والاستثمار الأجنبي الذين تحتاج إليهم إيران بشدة. إلا أن اليأس الذي شعرت به الأخيرة دفعها نحو أحضان الصين، التي تملك التكنولوجيا والشهية تجاه النفط اللذين تحتاج إليهما إيران. يذكر أنه رغم كونها واحدة من أكبر الدول المنتجة للنفط عالمياً، تعرضت الصادرات النفطية الإيرانية، التي تشكل مصدر الدخل الأكبر لطهران، لانخفاض حاد منذ شروع إدارة ترمب في فرض عقوبات ضدها عام 2018.
من جهتها، تحصل الصين على حوالي 75 في المائة من احتياجاتها النفطية من الخارج، وتعتبر المستورد الأكبر للنفط على مستوى العالم، مع استيرادها لما يزيد على 10 ملايين برميل يومياً العام الماضي.
وفي وقت ترزح الولايات المتحدة تحت وطأة حالة من الركود ووباء فيروس «كورونا» وحالة من العزلة الدولية المتزايدة، من الواضح أن بكين استشعرت في هذه اللحظة وهناً أميركياً. وتكشف مسودة الاتفاق أنه على خلاف غالبية دول العالم، تشعر الصين أنها في وضع يمكنها من تحدي الولايات المتحدة، وأنها قوية بما يكفي للصمود في وجه العقوبات الأميركية، مثلما فعلت في خضم الحرب التجارية التي يشنها الرئيس ترمب.
وتذكر الوثيقة في الجملة الاستهلالية: «ستنظر ثقافتان آسيويتان عريقتان، وشريكان في قطاعات التجارة والاقتصاد والسياسة والثقافة والأمن ولديهما الرؤية ذاتها إزاء الكثير من المصالح الثنائية ومتعددة الأطراف المشتركة بينهما، إلى بعضهما البعض باعتبارهما شريكين استراتيجيين».
ومن الممكن أن تتسبب الاستثمارات الصينية في إيران، التي أشار مصدران مطلعان على الاتفاق بأنها ستبلغ في الإجمالي 400 مليار دولار خلال فترة 25 عاماً، في فرض مزيد من العقوبات العقابية ضد شركات صينية، والتي تعرضت للاستهداف بالفعل من جانب الإدارة الأميركية خلال الشهور الأخيرة.
وقالت متحدثة رسمية باسم الخارجية الأميركية رداً على تساؤلات بخصوص مسودة الاتفاق: «ستستمر الولايات المتحدة في فرض تكاليف ضد الشركات الصينية التي تقدم العون لإيران، أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم». وأضافت: «من خلال السماح أو تشجيع الشركات الصينية على الاضطلاع بنشاطات مع النظام الإيراني يمكن فرض عقوبات ضدها، تقوض الحكومة الصينية بيديها هدفها المعلن المتمثل في إرساء الاستقرار والسلام».
وعلاوة على ذلك، ستنظر واشنطن بقلق إزاء توسيع نطاق المساعدات والتدريبات العسكرية والتشارك في الاستخبارات. وبالفعل، تشتبك بوارج حربية أميركية بانتظام مع قوات إيرانية داخل مياه الخليج المزدحمة وتتحدى ادعاءات الصين بأحقية سيطرتها على جزء كبير من بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه. كما أعلنت استراتيجية الأمن الوطني التي أصدرها «البنتاغون»، الصين دولة عدوة.
تجدر الإشارة إلى أنه عندما تواترت أنباء عن اتفاق استثماري طويل الأجل مع إيران في سبتمبر (أيلول) الماضي، نفت الخارجية الصينية الفكرة من الأساس. ومع ذلك، فإنه لدى سؤالها مجدداً عن الأمر الأسبوع الماضي، ترك المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الصينية، زهاو ليجيان، إمكانية إبرام اتفاق مع إيران مفتوحة.
تبدو المشروعات المنصوص عليها في مسودة الاتفاق ويبلغ عددها حوالي 100 متوافقة مع طموحات شي جينبينغ بتوسيع دائرة النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي لبكين عبر أوراسيا من خلال «مبادرة الحزام والطريق»، برنامج ضخم للمساعدات والاستثمار.
وتتضمن المشروعات مطارات وخطوط سكك حديدية وأنفاقا عالية السرعة، ويمكن لهذه المشروعات أن تمس حياة الملايين من الإيرانيين.
أيضاً، من المقرر أن تطور بكين مناطق تجارة حرة في ماكو، بشمال غربي إيران، وعبادان، حيث يتدفق نهر شط العرب إلى مياه الخليج، وعلى جزيرة قشم بالخليج.
ويتضمن الاتفاق كذلك مقترحات لبناء الصين البنية التحتية لشبكات الجيل الخامس للاتصالات عن بعد، وتوفير نظام «بايدو» الصيني للملاحة بالأقمار الصناعية، بجانب معاونة السلطات الإيرانية على فرض قدر أكبر من السيطرة على ما يدور في الفضاء السيبري، مثلما من المفترض أن «جدار الحماية العظيم» الصيني يفعل.
جدير بالذكر أن الحملة الأميركية ضد شركة الاتصالات الصينية الكبرى، «هواوي»، تتضمن قضية جنائية ضد رئيسة الشؤون المالية بالشركة، منغ وانزو، تقوم على اتهامها بمحاولة التعتيم على استثمارات في إيران من أجل تجنب العقوبات الأميركية.
كانت إدارة ترمب قد منعت «هواوي» من المشاركة في تطوير شبكات الجيل الخامس داخل الولايات المتحدة، وحاولت، دون نجاح يذكر، إقناع دول أخرى بالاحتذاء بحذوها. وعلى ما يبدو، فإن المضي قدماً في برنامج استثماري واسع داخل إيران يعد بمثابة مؤشر على نفاد صبر بكين إزاء إدارة ترمب بعد تخلي الأخيرة عن الاتفاق النووي.
كانت الصين قد دعت الإدارة الأميركية مراراً إلى الإبقاء على الاتفاق، الذي كانت من بين أطرافه، ونددت بشدة بإقدام واشنطن على فرض عقوبات أحادية الجانب.
من ناحية أخرى، فإنه عادة ما تتطلع إيران غرباً باتجاه أوروبا، بحثاً عن شركاء تجاريين واستثماريين. إلا أن شعوراً بإحباط متزايد لازمها في الفترة الأخيرة تجاه الدول الأوروبية التي عارضت سياسة ترمب، لكنها انسحبت بهدوء من الاتفاقيات التي تعهد بإقرارها «الاتفاق النووي».
ورغم ذلك، أثارت الشراكة المقترحة مع الصين جدالاً محتدماً داخل إيران. وواجه ظريف، وزير الخارجية الذي سافر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى بكين للتفاوض بخصوص الاتفاق، استجوابات عصيبة داخل البرلمان، الأسبوع الماضي. وقال ظريف إن الاتفاق سيطرح على البرلمان للحصول على موافقة نهائية. ويحظى الاتفاق بدعم المرشد الإيراني علي خامنئي، حسبما أفاد اثنان من المسؤولين الإيرانيين.
جدير بالذكر أن كبير المستشارين الاقتصاديين لخامنئي، علي أغا محمدي، ظهر على شاشات التلفزيون الرسمي في وقت قريب لمناقشة الحاجة لشريان حياة اقتصادي. وقال إن إيران بحاجة إلى تعزيز إنتاجها من النفط إلى 8.5 مليون برميل يومياً على الأقل كي تضمن أن تظل لاعباً مهماً في سوق الطاقة، ومن أجل هذا تحتاج الصين.
* خدمة «نيويورك تايمز»



لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».


واشنطن تطرح انسحاباً «سريعاً» وضربات خاطفة


غارة على مقر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في منطقة باسداران شمال شرقي طهران صباح أمس (شبكات التواصل)
غارة على مقر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في منطقة باسداران شمال شرقي طهران صباح أمس (شبكات التواصل)
TT

واشنطن تطرح انسحاباً «سريعاً» وضربات خاطفة


غارة على مقر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في منطقة باسداران شمال شرقي طهران صباح أمس (شبكات التواصل)
غارة على مقر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في منطقة باسداران شمال شرقي طهران صباح أمس (شبكات التواصل)

طرحت واشنطن خيار انسحاب «سريع» من حربها مع إسرائيل ضد إيران، مع الإبقاء على فكرة العودة لتنفيذ ضربات خاطفة.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إن الولايات المتحدة ستنسحب من إيران «بسرعة كبيرة»، بعدما ضمنت عدم قدرة طهران على امتلاك سلاح نووي. وأضاف لـ«رويترز» أن واشنطن قد تعود لتنفيذ «ضربات محددة» إذا لزم الأمر.

وفي حين ربط ترمب أي نظر في إنهاء القتال بإعادة فتح مضيق هرمز، تمسك «الحرس الثوري» بإبقائه مغلقاً أمام من وصفهم بـ«الأعداء».

وعبّر ترمب عن عدم اكتراثه بمخزون إيران من اليورانيوم المخصب، لأنه «عميق جداً تحت الأرض»، لكنه قال إن واشنطن ستراقبه بالأقمار الاصطناعية. وقيّم أن طهران باتت «غير قادرة» على تطوير سلاح نووي.

ومن دون أن يحدد اسماً، أفاد ترمب بأن «رئيس النظام الجديد» في إيران طلب وقف إطلاق النار، غير أنه رهن النظر في ذلك عندما يكون مضيق هرمز «مفتوحاً وحراً وآمناً».

في المقابل، قال «الحرس الثوري» إنه وضع مضيق هرمز «تحت سيطرة حاسمة ومطلقة» للقوة البحرية التابعة له، و«لن يفتح أمام أعداء هذه الأمة».

ونقل نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، عبر وسطاء، إلى طهران أن ترمب «غير صبور»، وهدد بأن الضغط على البنية التحتية الإيرانية سيتزايد إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.

ميدانياً، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ ضربات على نحو 400 هدف خلال يومين، بينها موجة واسعة على ما قال إنها «بنى عسكرية، ومواقع تصنيع أسلحة» في قلب طهران، فيما شوهد الدخان يتصاعد من مقرات لوزارة الدفاع في شرق وغرب طهران.

في المقابل، قال «الحرس الثوري» إن قواته نفّذت عمليات بصواريخ ومسيرات ضد أهداف «قواعد أميركية» وإسرائيل، كما أعلن الجيش الإيراني استهداف مواقع عسكرية مرتبطة بطائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود في إسرائيل. وأعلنت فرق الإسعاف الإسرائيلية، أمس، إصابة 14 شخصاً بعد رصد رشقة صاروخية من إيران.