من هي ملهمة أشهر قصائد السياب؟

«أنشودة المطر» بين لمعان ولميعة

لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها
لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها
TT

من هي ملهمة أشهر قصائد السياب؟

لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها
لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها

بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل بدر شاكر السياب (1926 - 1964)، يعود التساؤل عن الحبيبة التي ألهمت الشاعر العراقي المجدد مطلع قصيدته الأشهر «أنشودة المطر». إنها ليست قصيدة غزلية تماما، بل تبدأ، على عادة الشعراء القدامى، بالتشبيب والأسى الشخصي الشفاف لتتحول إلى نشيد سياسي هادر متصاعد، يستنكر جوع الفقراء ويبشر بالثورة وبهطول المطر.
«عيناك غابتا نخيل ساعة السحر». هل هما العينان السوداوان لزميلته في دار المعلمين العالية، الشاعرة لميعة عباس عمارة، اللتان تغشاهما العتمة عند المغيب؟ أم هما العينان الخضراوان للمعان البكري، الطالبة الجديدة في كلية الحقوق، اللتان يحيل لونهما إلى غابات النخيل؟
«عيناك حين تبسمان تورق الكروم». ففي تلك الأيام الملتهبة بالنشاط السياسي من أربعينات القرن الماضي، كان يكفي أن تبتسم طالبة جامعية لكي تجد أكثر من قصيدة طوع يديها، كتبها لها زميل من شعراء دار المعلمين العالية، وما أكثرهم. ولعل السياب، الطالب الريفي القادم من الجنوب، كان أشعرهم وأكثرهم استعدادا للوقوع في شراك نظرات وابتسامات بنات المدينة. لقد استلطف الكثيرات وكتب لهن القصائد. يكفي أن تقع عيناه على وجه صبوح فتولد القصيدة. وكانت بينهن من تتقبل القصيدة، لا صاحبها، ربما لأنه كان قليل الحظ من الوسامة، مهموم بالكتب والنضال، يحمل أوراقه في جيب سترته ويتوسط حلقات الرفاق والرفيقات لكي يقرأ عليهم ما ألهمه شيطان الشعر في الليلة السابقة. وممن كتب لهن، بالإضافة إلى لميعة ولمعان، زاهدة الدبوني وسعاد البياتي ولبيبة القيسي التي سماها «لبلاب»، وطالبة يهودية حسناء تدعى «بدر»، أيضا. وكان يتهكم على نفسه قائلا إنها تستحق اسمها فعلا، أما هو فلا.
ومن بين أوهام كثيرة، كانت العلاقة العاطفية التي ربطته بزميلته الشاعرة ذات العينين المتوهجتين كالجمر، حقيقة يشهد عليها زملاؤهما، وقد ورد ذكرها في أكثر من قصيدة من قصائده. لذلك فقد كان شائعا أن الأبيات الغزلية الواردة في مطلع «أنشودة المطر» هي من نصيب لميعة. لكن من عاصروا تلك الفترة يعرفون أن السياب كتب القصيدة وراح ووضعها في يد طالبة أخرى هي لمعان البكري. فماذا تقول لميعة، وما هي رواية لمعان؟
كنت قد التقيت السيدة لمعان، صيف العام الماضي، في لندن حيث تقيم منذ سنوات في إحدى ضواحيها. وهو اللقاء الذي سمح لي أن اتصل بها، مؤخرا، لأطرح عليها سؤالي عن بدر، وعن قصيدة «أنشودة المطر»، وتوقعت أن تتحرج في العودة إلى تلك الحكاية البعيدة. لكن المرأة التي حافظت على الكثير من ألقها، ردت بكل أريحية وأسعفتني ببعض الصور وبنسخ من القصائد التي أعطاها لها السياب. وكانت لمعان قد تزوجت وتركت الدراسة وهي في الصف الأول، ثم عادت لمواصلتها بعد أن رزقت بطفل، لتتخرج في الحقوق عام 1954 وتتدرج في الوظائف وتعمل في «وزارة الإعلام». صارت مديرة عامة تشرف على الكثير من المرافق الفنية في بغداد. ومثل الكثير من العراقيين، انتهى بها المطاف إلى الإقامة في إنجلترا.
قالت: «كنت طالبة في السنة الأولى حين تعرفت على بدر أثناء سفرة نظمها طلبة دار المعلمين العالية ودعيت لها. وما زلت أذكر أن الشاعر كان يدور بدفتر قصائده بيننا ويقرأ علينا بعض أشعاره، ثم أعطاني ذلك الديوان المخطوط وطلب مني أن أقرأه. وبالفعل بدأت بتقليب الصفحات والاطلاع على ما فيها ثم أعدته له وعدنا من السفرة وانتهى كل شيء. لكن الذي حصل هو أنه واصل تردده على كلية الحقوق، قرب الجسر الحديدي، غير بعيد عن دار المعلمين. وفي كل مرة يأتيني بمغلف يسلمني إياه باليد، أو يبعثه بيد أحد من الزملاء».
كانت المغلفات تحمل قصائد غزلية جديدة لسياب، مكتوبة بخط جميل معتنى به، منها «أنشودة المطر» و«يا هواي البكر» و«نشيد اللقاء». وفي بعضها سجل الشاعر مكان كتابتها، مثل «أبي الخصيب» في البصرة، أو تاريخ الكتابة، مثل «ذكرى مساء 7 نيسان 1946». وهناك، أحيانا، هوامش يشرح فيها مفردة أجنبية وردت في القصيدة مثل «نغمة خفاقة تفنى على صدر البيان»، حيث شرح الكلمة الأخيرة بأنها تعريب لكلمة «بيانو».
كيف كان انطباعها الأول عنه؟ لا تتأنى السيدة في الجواب ولا تحاول انتقاء كلماتها: «في ذلك الوقت لم نكن نتطلع للشعراء، فهم في الغالب معدمون، نراهم في المظاهرات ونصفق لقصائدهم، لا أكثر، وحتى في المظاهرات فقد كان طلاب الحقوق وكلية الطب أشطر في الهتافات من طلاب دار المعلمين العالية. لقد كان السياب، كما رأيته يومذاك، شابا قصير القامة، مؤدبا، ذا صوت خفيض جدا، تنسدل ثيابه عليه مثلما تنسدل على علاقة الملابس، يرتدي قميصا وبدلة كما في تمثاله الموجود على كورنيش شط العرب في البصرة».
فيما بعد، حين أودى به المرض وهو في عمر مبكر، سعت لمعان البكري، التي كانت مديرة عامة في وزارة الإعلام خلال السبعينات، لإقامة مهرجان في البصرة لتكريم ذكرى بدر شاكر السياب، رائد الشعر الحديث. وقد كلفت النحات نداء كاظم أن ينحت للشاعر تمثالا أزيح عنه الستار في الأول من (يناير «كانون الثاني») 1971. أما الذي أزاح الستار فكان شاعرا آخر هو الوزير شفيق الكمالي. وتروي لمعان أن الفنانة وجدان ماهر الكنعاني، وكانت تعمل في قسم التصميم في الوزارة، التفتت نحوها أثناء مراسم رفع الستار، وهمست في أذنها: «هل تكفّرين عن ذنوبك بحق السياب؟».
في ذلك الوقت، لم تكن تشعر بالزهو لأنه كتب لها القصائد. لقد سحرت غمازتاها شعراء كثيرين نظموا لها أحاسيسهم شعرا. ولعلها تدرك اليوم قيمة تلك الوريقات التي احتفظت ببعضها وراح البعض الآخر مع ما راح من موجودات بيتها في بغداد. ومن بين ما عرضته علينا مخطوطة «يا هواي البكر»، التي كتب السياب في الصفحة الأولى منها، تحت العنوان: «لم تكن أهواؤه الأولى غير نزوات تموت مع اليأس. أما حبه الجديد فهو باقٍ رغم اليأس والحرمان... فهو هواه الأول».
هل كان هواه للميعة عباس عمارة شغف عابر، أيضا؟ حين تزوجت لمعان ولم تستجب لمشاعره، حمل عليها في قصيدة «أحبيني» الشهيرة، وقال: «وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحر عيون الفل واللبلاب / عافتني إلى قصر وسيارة». وهي القصيدة التي شكا فيها من سبعٍ أحبهن ولم يحببنه كما كان يشتهي، بينهن لميعة «شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها». فماذا تستذكر عنه، في ذكرى رحيله، وهي في عزلتها البعيدة بمدينة ساندييغو على الساحل الغربي للولايات المتحدة؟ إنها تحاول أن تتفادى الموضوع لأن هناك من يتوهم أنها تستفيد من تلك الحكاية لتلميع صورتها. كأن صورة لميعة الشاعرة المرهفة وملهمة الأدباء تحتاج إلى تلميع.
أسألها إن كانت قد أحبت بدرا، كما أحبها، فتقول: «من الأكيد أنني كنت أحبه، وقد كتبت له شعرا، وتأثرت كثيرا بصداقتنا التي لم تكن أكثر من علاقة بريئة ومحلقة ومبدعة. وهي قد كانت فترة غنية جدا في حياة بدر، توقفت تقريبا فيها عن كتابة الشعر، طيلة الفترة التي عرفته فيها، وكنت مكتفية بدور الملهم والمستمع والناقد والرفيق والصديق. كنت الأم والحبيبة، فكان إنتاجي قليلا وإنتاجه غزيرا. وكنت سعيدة بصداقته وراضية. لكنه كان شكوكا لا يثق في النساء ولم يصدق أنني أبادله مشاعره. وأنا لست مطالبة بأن أقسم له بالأيمان الغليظة أني أحبه. فقد كان لي غروري وكبريائي وثقتي بنفسي والدلال المعروف عن العراقية، المرأة التي يلهث وراءها الرجل فلا تبدي مكنون ضمير وتبقى المترفعة. ولعله تصور أنني أحب الشاعر فيه فحسب، وأنا أحببته كإنسان. وكنت أستمتع برفقته وبالنكتة التي كان يطلقها وبالذكاء اللماح الذي يلتقط به كلماتي وبالتفاهم العظيم بيننا. كنا نستخدم لغة خاصة في الحديث، مختصرة وعميقة وجد صادقة. وكان ما بيننا لعبة أذكياء وتواطؤ موهوبين. إنها فترة من أثرى فترات حياتي العاطفية، بقينا سنتين معا، وأثناءهما كنا نتراسل، وقد دعاني لزيارته في قريته جيكور ولبيت الدعوة بصحبة خالي عبد الرزاق جودت، وبقينا ضيوفا في بيتهم ليلة واحدة، وقمنا بجولة نهرية كان خلالها يقرأ لنا الشعر».
وصلت إلي من لميعة عباس عمارة، بالبريد، مجموعة مغلفات تضم أوراقا تخصها وصورا من حياتها الحافلة وكتابات بخط يدها، منها ما قد يكون منشورا ومنها ما لم أقرأه من قبل. وبين الأوراق عثرت على ما تؤرخ فيه لعلاقتها بالسياب، حيث كتبت: «كنت أتوقع أن ألتقي بشاعر. ليست نبوءة إنما أمنية. وكنت أظن، وأنا في الثانية عشرة من عمري، أن الشعراء يسكنون في الكتب ولا يسيرون على الأرض. وفجأة التقيته. يمشي مع الناس، نحيلا يحمل أزهاره الذابلة (في إشارة إلى ديوانه «أزهار ذابلة») ويشتم حبيبته السابقة وينتظر المجهولة الآتية. وقد جاهدت أن أكون صديقا (تستخدم صيغة المذكر ولا تقول صديقة) أشاركه إعجابه بالجميلات وأستمع لما يكتب فيهن. وقلت لأستاذنا في علم النفس، محمد النحاس، إن المريض شفي من تشاؤمه وكآبته ولكني أخشى عليه من مرض أشد. ابتسم أستاذي وقال إن هذا المرض هو ما يحتاج إليه الشاعر».
في قصاصة أخرى غير مؤرخة، نقرأ: «اليوم يمر خمسون عاما على لقائي ببدر. طالبة في الصف الأول من كلية دار المعلمين العالية، فرع اللغة العربية، وطالب في الصف الثالث فرع اللغة الإنجليزية، نحيف رقيق حساس هادئ وعصبي المزاج، أحيانا. يدخن ويشرب الشاي ويلقي شعره في حديقة الكلية، جالسا على المقاعد الخشبية محاطا بالطالبات والطلاب. يقرأ بصوت جهوري معبر وبتأثر شديد، تسعفه كفان من الجلد والعظم. عيناه صغيرتان وأذناه كبيرتان. له جبهة عريضة وشعر سبط بني يميل إلى السواد وأنف فيه شيء من الكبر (تشطب الكاتبة على هذه الكلمة الأخيرة) وذقن راجع إلى الخلف. وهو حين يبتسم تبدو أسنانه العريضة وشيء من اللثة الرمادية من أثر التدخين. بسيط نظيف في ملبسه. محط اهتمام زملائه. ينظر وكأنه لا يرى وهو يدقق في كل ما يراه وبخاصة الفتيات الجميلات السافرات من بنات الذوات، حيث الأسر المثقفة والمترفة تبادر بالسماح لبناتها بدخول الكلية المختلطة، بعكس الطلاب الذين تدفعهم الحاجة واستعجال الوظيفة لدخول هذه الكلية».
وعودة إلى السؤال حول «أنشودة المطر»، القصيدة التي اختارها عنوانا لديوانه الصادر عام 1962، من هي الملهمة؟ تجيب لميعة في حديث هاتفي معها، مؤخرا: «لقد قرأ علي بدر المقاطع الأولى (عيناك غابتا نخيل) ثم أكمل عليها، فيما بعد، (أنشودة المطر). وكان لقائي به بعد أن انتهت علاقته بلمعان البكري. وأذكر أنها كانت قد طلبت صياغة سوار جميل من الذهب، منقوش عليه مطلع القصيدة. لقد التقيت السياب بدرا بعد أن كان قد قطع علاقته بها وقسا عليها بقصيدته (لعنات)، وكنت أجادله فيها وأقول: لا يجوز أن تلعن المرأة التي أحببت وأوحت لك بأحلى القصائد. لا ترمِ حجرا في البئر التي شربت منها. وكان يحقد عليها لأنها اختارت أن تقترن برجل ميسور. وكنت أسعى لتخفيف ذلك الحقد لأنني أعرف طبعه وأعرف أنه من الممكن أن يحب أي طالبة تجلس بجانبه أو تستمع لقصيدة أو تصفق له، وبالتالي يتصور أنها تحبه ويجب أن تتزوجه. لم يفهم أن الحب لا علاقة له بالزواج. والفرق بيننا أنني كنت أبحث عن الحب وهو عن زوجة. وعقدته أنه فقير ولم يتقبل أن فتيات بغداد لم يكنّ يبحثن عن شاعر يكتب لهن القصائد بل عن زوج له مستقبل».
من يعُد إلى دواوين السياب ولميعة عباس عمارة يجد حوارات شعرية واضحة بينهما وأصداء تتردد في هذا البيت أو ذاك، فهو يكتب: «سوف أمضي / أسمع الريح تناديني بعيدا». ونقرأ في قصيدة «شهرزاد» للميعة: «ستمضي فمن لي بأن أمنعك؟ / ستمضي فهل لي أن أتبعك؟ / فقلبي وشعري وعمري سدى / إذا لم أمتع بعيشي معك». وقد كتب السياب قصيدة «نشيد اللقاء» التي نجد صداها في قصيدة «شهرزاد» ذاتها: «سأهواك حتى تجف الدموع / بعيني وتنهار هذي الضلوع / ملأت حياتي فحيث التفت / أريج بذكرك منها يضوع / وفي ليلة من ليالي الشتاء / وقد لفني وفتاتي غطاء / سأرنو إلى الباب مرتاعة / وأتلو عليها (نشيد اللقاء)». ثم يعود السياب في قصيدة بعنوان «نهاية» ويردد صدى قصيدة لميعة قائلا في أحد المقاطع: «سأهواك حتى... نداء بعيد / تلاشت على قهقهات الزمان / بقاياه في ظلمة في مكان / وظل الصدى في خيالي يعيد / سأهواك... ما أكذب العاشقين / سأهوا... نعم تصدقين».
الغريب أن مخطوطة «نشيد اللقاء» موجودة، اليوم، لدى لمعان البكري. كما أن أكثر من طالبة من زميلات السياب نسبت «أنشودة المطر» إلى نفسها بعد رحيله وذيوع شهرته. فهل كان الشاعر ماكرا أم أنه كان رحب القلب والقريحة، يلتقط إلهامه من كل وجه صبوح يلوح أمامه ولا يخلص إلا لربة الشعر؟



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.