من هي ملهمة أشهر قصائد السياب؟

«أنشودة المطر» بين لمعان ولميعة

لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها
لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها
TT

من هي ملهمة أشهر قصائد السياب؟

لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها
لمعان البكري و لمعان البكري والنحات نداء كاظم يوم إزاحة الستار عن تمثال السياب و لمعان البكري أيام الدراسة الجامعية وإهداء بدر لقصيدة يا {هواي البكر} إليها

بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل بدر شاكر السياب (1926 - 1964)، يعود التساؤل عن الحبيبة التي ألهمت الشاعر العراقي المجدد مطلع قصيدته الأشهر «أنشودة المطر». إنها ليست قصيدة غزلية تماما، بل تبدأ، على عادة الشعراء القدامى، بالتشبيب والأسى الشخصي الشفاف لتتحول إلى نشيد سياسي هادر متصاعد، يستنكر جوع الفقراء ويبشر بالثورة وبهطول المطر.
«عيناك غابتا نخيل ساعة السحر». هل هما العينان السوداوان لزميلته في دار المعلمين العالية، الشاعرة لميعة عباس عمارة، اللتان تغشاهما العتمة عند المغيب؟ أم هما العينان الخضراوان للمعان البكري، الطالبة الجديدة في كلية الحقوق، اللتان يحيل لونهما إلى غابات النخيل؟
«عيناك حين تبسمان تورق الكروم». ففي تلك الأيام الملتهبة بالنشاط السياسي من أربعينات القرن الماضي، كان يكفي أن تبتسم طالبة جامعية لكي تجد أكثر من قصيدة طوع يديها، كتبها لها زميل من شعراء دار المعلمين العالية، وما أكثرهم. ولعل السياب، الطالب الريفي القادم من الجنوب، كان أشعرهم وأكثرهم استعدادا للوقوع في شراك نظرات وابتسامات بنات المدينة. لقد استلطف الكثيرات وكتب لهن القصائد. يكفي أن تقع عيناه على وجه صبوح فتولد القصيدة. وكانت بينهن من تتقبل القصيدة، لا صاحبها، ربما لأنه كان قليل الحظ من الوسامة، مهموم بالكتب والنضال، يحمل أوراقه في جيب سترته ويتوسط حلقات الرفاق والرفيقات لكي يقرأ عليهم ما ألهمه شيطان الشعر في الليلة السابقة. وممن كتب لهن، بالإضافة إلى لميعة ولمعان، زاهدة الدبوني وسعاد البياتي ولبيبة القيسي التي سماها «لبلاب»، وطالبة يهودية حسناء تدعى «بدر»، أيضا. وكان يتهكم على نفسه قائلا إنها تستحق اسمها فعلا، أما هو فلا.
ومن بين أوهام كثيرة، كانت العلاقة العاطفية التي ربطته بزميلته الشاعرة ذات العينين المتوهجتين كالجمر، حقيقة يشهد عليها زملاؤهما، وقد ورد ذكرها في أكثر من قصيدة من قصائده. لذلك فقد كان شائعا أن الأبيات الغزلية الواردة في مطلع «أنشودة المطر» هي من نصيب لميعة. لكن من عاصروا تلك الفترة يعرفون أن السياب كتب القصيدة وراح ووضعها في يد طالبة أخرى هي لمعان البكري. فماذا تقول لميعة، وما هي رواية لمعان؟
كنت قد التقيت السيدة لمعان، صيف العام الماضي، في لندن حيث تقيم منذ سنوات في إحدى ضواحيها. وهو اللقاء الذي سمح لي أن اتصل بها، مؤخرا، لأطرح عليها سؤالي عن بدر، وعن قصيدة «أنشودة المطر»، وتوقعت أن تتحرج في العودة إلى تلك الحكاية البعيدة. لكن المرأة التي حافظت على الكثير من ألقها، ردت بكل أريحية وأسعفتني ببعض الصور وبنسخ من القصائد التي أعطاها لها السياب. وكانت لمعان قد تزوجت وتركت الدراسة وهي في الصف الأول، ثم عادت لمواصلتها بعد أن رزقت بطفل، لتتخرج في الحقوق عام 1954 وتتدرج في الوظائف وتعمل في «وزارة الإعلام». صارت مديرة عامة تشرف على الكثير من المرافق الفنية في بغداد. ومثل الكثير من العراقيين، انتهى بها المطاف إلى الإقامة في إنجلترا.
قالت: «كنت طالبة في السنة الأولى حين تعرفت على بدر أثناء سفرة نظمها طلبة دار المعلمين العالية ودعيت لها. وما زلت أذكر أن الشاعر كان يدور بدفتر قصائده بيننا ويقرأ علينا بعض أشعاره، ثم أعطاني ذلك الديوان المخطوط وطلب مني أن أقرأه. وبالفعل بدأت بتقليب الصفحات والاطلاع على ما فيها ثم أعدته له وعدنا من السفرة وانتهى كل شيء. لكن الذي حصل هو أنه واصل تردده على كلية الحقوق، قرب الجسر الحديدي، غير بعيد عن دار المعلمين. وفي كل مرة يأتيني بمغلف يسلمني إياه باليد، أو يبعثه بيد أحد من الزملاء».
كانت المغلفات تحمل قصائد غزلية جديدة لسياب، مكتوبة بخط جميل معتنى به، منها «أنشودة المطر» و«يا هواي البكر» و«نشيد اللقاء». وفي بعضها سجل الشاعر مكان كتابتها، مثل «أبي الخصيب» في البصرة، أو تاريخ الكتابة، مثل «ذكرى مساء 7 نيسان 1946». وهناك، أحيانا، هوامش يشرح فيها مفردة أجنبية وردت في القصيدة مثل «نغمة خفاقة تفنى على صدر البيان»، حيث شرح الكلمة الأخيرة بأنها تعريب لكلمة «بيانو».
كيف كان انطباعها الأول عنه؟ لا تتأنى السيدة في الجواب ولا تحاول انتقاء كلماتها: «في ذلك الوقت لم نكن نتطلع للشعراء، فهم في الغالب معدمون، نراهم في المظاهرات ونصفق لقصائدهم، لا أكثر، وحتى في المظاهرات فقد كان طلاب الحقوق وكلية الطب أشطر في الهتافات من طلاب دار المعلمين العالية. لقد كان السياب، كما رأيته يومذاك، شابا قصير القامة، مؤدبا، ذا صوت خفيض جدا، تنسدل ثيابه عليه مثلما تنسدل على علاقة الملابس، يرتدي قميصا وبدلة كما في تمثاله الموجود على كورنيش شط العرب في البصرة».
فيما بعد، حين أودى به المرض وهو في عمر مبكر، سعت لمعان البكري، التي كانت مديرة عامة في وزارة الإعلام خلال السبعينات، لإقامة مهرجان في البصرة لتكريم ذكرى بدر شاكر السياب، رائد الشعر الحديث. وقد كلفت النحات نداء كاظم أن ينحت للشاعر تمثالا أزيح عنه الستار في الأول من (يناير «كانون الثاني») 1971. أما الذي أزاح الستار فكان شاعرا آخر هو الوزير شفيق الكمالي. وتروي لمعان أن الفنانة وجدان ماهر الكنعاني، وكانت تعمل في قسم التصميم في الوزارة، التفتت نحوها أثناء مراسم رفع الستار، وهمست في أذنها: «هل تكفّرين عن ذنوبك بحق السياب؟».
في ذلك الوقت، لم تكن تشعر بالزهو لأنه كتب لها القصائد. لقد سحرت غمازتاها شعراء كثيرين نظموا لها أحاسيسهم شعرا. ولعلها تدرك اليوم قيمة تلك الوريقات التي احتفظت ببعضها وراح البعض الآخر مع ما راح من موجودات بيتها في بغداد. ومن بين ما عرضته علينا مخطوطة «يا هواي البكر»، التي كتب السياب في الصفحة الأولى منها، تحت العنوان: «لم تكن أهواؤه الأولى غير نزوات تموت مع اليأس. أما حبه الجديد فهو باقٍ رغم اليأس والحرمان... فهو هواه الأول».
هل كان هواه للميعة عباس عمارة شغف عابر، أيضا؟ حين تزوجت لمعان ولم تستجب لمشاعره، حمل عليها في قصيدة «أحبيني» الشهيرة، وقال: «وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحر عيون الفل واللبلاب / عافتني إلى قصر وسيارة». وهي القصيدة التي شكا فيها من سبعٍ أحبهن ولم يحببنه كما كان يشتهي، بينهن لميعة «شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها». فماذا تستذكر عنه، في ذكرى رحيله، وهي في عزلتها البعيدة بمدينة ساندييغو على الساحل الغربي للولايات المتحدة؟ إنها تحاول أن تتفادى الموضوع لأن هناك من يتوهم أنها تستفيد من تلك الحكاية لتلميع صورتها. كأن صورة لميعة الشاعرة المرهفة وملهمة الأدباء تحتاج إلى تلميع.
أسألها إن كانت قد أحبت بدرا، كما أحبها، فتقول: «من الأكيد أنني كنت أحبه، وقد كتبت له شعرا، وتأثرت كثيرا بصداقتنا التي لم تكن أكثر من علاقة بريئة ومحلقة ومبدعة. وهي قد كانت فترة غنية جدا في حياة بدر، توقفت تقريبا فيها عن كتابة الشعر، طيلة الفترة التي عرفته فيها، وكنت مكتفية بدور الملهم والمستمع والناقد والرفيق والصديق. كنت الأم والحبيبة، فكان إنتاجي قليلا وإنتاجه غزيرا. وكنت سعيدة بصداقته وراضية. لكنه كان شكوكا لا يثق في النساء ولم يصدق أنني أبادله مشاعره. وأنا لست مطالبة بأن أقسم له بالأيمان الغليظة أني أحبه. فقد كان لي غروري وكبريائي وثقتي بنفسي والدلال المعروف عن العراقية، المرأة التي يلهث وراءها الرجل فلا تبدي مكنون ضمير وتبقى المترفعة. ولعله تصور أنني أحب الشاعر فيه فحسب، وأنا أحببته كإنسان. وكنت أستمتع برفقته وبالنكتة التي كان يطلقها وبالذكاء اللماح الذي يلتقط به كلماتي وبالتفاهم العظيم بيننا. كنا نستخدم لغة خاصة في الحديث، مختصرة وعميقة وجد صادقة. وكان ما بيننا لعبة أذكياء وتواطؤ موهوبين. إنها فترة من أثرى فترات حياتي العاطفية، بقينا سنتين معا، وأثناءهما كنا نتراسل، وقد دعاني لزيارته في قريته جيكور ولبيت الدعوة بصحبة خالي عبد الرزاق جودت، وبقينا ضيوفا في بيتهم ليلة واحدة، وقمنا بجولة نهرية كان خلالها يقرأ لنا الشعر».
وصلت إلي من لميعة عباس عمارة، بالبريد، مجموعة مغلفات تضم أوراقا تخصها وصورا من حياتها الحافلة وكتابات بخط يدها، منها ما قد يكون منشورا ومنها ما لم أقرأه من قبل. وبين الأوراق عثرت على ما تؤرخ فيه لعلاقتها بالسياب، حيث كتبت: «كنت أتوقع أن ألتقي بشاعر. ليست نبوءة إنما أمنية. وكنت أظن، وأنا في الثانية عشرة من عمري، أن الشعراء يسكنون في الكتب ولا يسيرون على الأرض. وفجأة التقيته. يمشي مع الناس، نحيلا يحمل أزهاره الذابلة (في إشارة إلى ديوانه «أزهار ذابلة») ويشتم حبيبته السابقة وينتظر المجهولة الآتية. وقد جاهدت أن أكون صديقا (تستخدم صيغة المذكر ولا تقول صديقة) أشاركه إعجابه بالجميلات وأستمع لما يكتب فيهن. وقلت لأستاذنا في علم النفس، محمد النحاس، إن المريض شفي من تشاؤمه وكآبته ولكني أخشى عليه من مرض أشد. ابتسم أستاذي وقال إن هذا المرض هو ما يحتاج إليه الشاعر».
في قصاصة أخرى غير مؤرخة، نقرأ: «اليوم يمر خمسون عاما على لقائي ببدر. طالبة في الصف الأول من كلية دار المعلمين العالية، فرع اللغة العربية، وطالب في الصف الثالث فرع اللغة الإنجليزية، نحيف رقيق حساس هادئ وعصبي المزاج، أحيانا. يدخن ويشرب الشاي ويلقي شعره في حديقة الكلية، جالسا على المقاعد الخشبية محاطا بالطالبات والطلاب. يقرأ بصوت جهوري معبر وبتأثر شديد، تسعفه كفان من الجلد والعظم. عيناه صغيرتان وأذناه كبيرتان. له جبهة عريضة وشعر سبط بني يميل إلى السواد وأنف فيه شيء من الكبر (تشطب الكاتبة على هذه الكلمة الأخيرة) وذقن راجع إلى الخلف. وهو حين يبتسم تبدو أسنانه العريضة وشيء من اللثة الرمادية من أثر التدخين. بسيط نظيف في ملبسه. محط اهتمام زملائه. ينظر وكأنه لا يرى وهو يدقق في كل ما يراه وبخاصة الفتيات الجميلات السافرات من بنات الذوات، حيث الأسر المثقفة والمترفة تبادر بالسماح لبناتها بدخول الكلية المختلطة، بعكس الطلاب الذين تدفعهم الحاجة واستعجال الوظيفة لدخول هذه الكلية».
وعودة إلى السؤال حول «أنشودة المطر»، القصيدة التي اختارها عنوانا لديوانه الصادر عام 1962، من هي الملهمة؟ تجيب لميعة في حديث هاتفي معها، مؤخرا: «لقد قرأ علي بدر المقاطع الأولى (عيناك غابتا نخيل) ثم أكمل عليها، فيما بعد، (أنشودة المطر). وكان لقائي به بعد أن انتهت علاقته بلمعان البكري. وأذكر أنها كانت قد طلبت صياغة سوار جميل من الذهب، منقوش عليه مطلع القصيدة. لقد التقيت السياب بدرا بعد أن كان قد قطع علاقته بها وقسا عليها بقصيدته (لعنات)، وكنت أجادله فيها وأقول: لا يجوز أن تلعن المرأة التي أحببت وأوحت لك بأحلى القصائد. لا ترمِ حجرا في البئر التي شربت منها. وكان يحقد عليها لأنها اختارت أن تقترن برجل ميسور. وكنت أسعى لتخفيف ذلك الحقد لأنني أعرف طبعه وأعرف أنه من الممكن أن يحب أي طالبة تجلس بجانبه أو تستمع لقصيدة أو تصفق له، وبالتالي يتصور أنها تحبه ويجب أن تتزوجه. لم يفهم أن الحب لا علاقة له بالزواج. والفرق بيننا أنني كنت أبحث عن الحب وهو عن زوجة. وعقدته أنه فقير ولم يتقبل أن فتيات بغداد لم يكنّ يبحثن عن شاعر يكتب لهن القصائد بل عن زوج له مستقبل».
من يعُد إلى دواوين السياب ولميعة عباس عمارة يجد حوارات شعرية واضحة بينهما وأصداء تتردد في هذا البيت أو ذاك، فهو يكتب: «سوف أمضي / أسمع الريح تناديني بعيدا». ونقرأ في قصيدة «شهرزاد» للميعة: «ستمضي فمن لي بأن أمنعك؟ / ستمضي فهل لي أن أتبعك؟ / فقلبي وشعري وعمري سدى / إذا لم أمتع بعيشي معك». وقد كتب السياب قصيدة «نشيد اللقاء» التي نجد صداها في قصيدة «شهرزاد» ذاتها: «سأهواك حتى تجف الدموع / بعيني وتنهار هذي الضلوع / ملأت حياتي فحيث التفت / أريج بذكرك منها يضوع / وفي ليلة من ليالي الشتاء / وقد لفني وفتاتي غطاء / سأرنو إلى الباب مرتاعة / وأتلو عليها (نشيد اللقاء)». ثم يعود السياب في قصيدة بعنوان «نهاية» ويردد صدى قصيدة لميعة قائلا في أحد المقاطع: «سأهواك حتى... نداء بعيد / تلاشت على قهقهات الزمان / بقاياه في ظلمة في مكان / وظل الصدى في خيالي يعيد / سأهواك... ما أكذب العاشقين / سأهوا... نعم تصدقين».
الغريب أن مخطوطة «نشيد اللقاء» موجودة، اليوم، لدى لمعان البكري. كما أن أكثر من طالبة من زميلات السياب نسبت «أنشودة المطر» إلى نفسها بعد رحيله وذيوع شهرته. فهل كان الشاعر ماكرا أم أنه كان رحب القلب والقريحة، يلتقط إلهامه من كل وجه صبوح يلوح أمامه ولا يخلص إلا لربة الشعر؟



كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».