ربع قرن على مجزرة سريبرينتسا... جرح مفتوح في جسد البوسنة

المسلمون يصرّون على الاعتراف والصرب يتمسّكون بالإنكار

صورة تعود إلى يوليو (تموز) 1995 لهاربين من سريبرينيتسا يتجمعون في قاعدة للأمم المتحدة قرب مطار مدينة توزلا (أ.ب)
صورة تعود إلى يوليو (تموز) 1995 لهاربين من سريبرينيتسا يتجمعون في قاعدة للأمم المتحدة قرب مطار مدينة توزلا (أ.ب)
TT

ربع قرن على مجزرة سريبرينتسا... جرح مفتوح في جسد البوسنة

صورة تعود إلى يوليو (تموز) 1995 لهاربين من سريبرينيتسا يتجمعون في قاعدة للأمم المتحدة قرب مطار مدينة توزلا (أ.ب)
صورة تعود إلى يوليو (تموز) 1995 لهاربين من سريبرينيتسا يتجمعون في قاعدة للأمم المتحدة قرب مطار مدينة توزلا (أ.ب)

«ليس من السهل العيش هنا إلى جانب الذين ينكرون أن مجزرة ارتُكبت رغم مرور 25 عاماً على حصولها». بهذه الكلمات يلخّص نائب رئيس بلدية سريبرينيتسا حمدية فييتش ما يشعر به مسلمو البوسنة ازاء جيرانهم الصرب الذين يزعمون أن المجرزة مجرّد «أسطورة».
ومعلوم أن قرارات العدالة الدولية أثبتت واقعة مقتل آلاف الرجال والمراهقين البوسنيين المسلمين على أيدي القوات الصربية في بضعة أيام خلال يوليو (تموز) من العام 1995.
ومع اقتراب إحياء الذكرى الخامسة والعشرين للإبادة غداً السبت، يرى الناجون منها أن إنكار سقوط ثمانية آلاف ضحية يشكّل جزءاً لا يتجزأ من تداعيات المجزرة، ويمثّل العائق الرئيسي أمام تهدئة العلاقات بين المجموعتين.
وأدى النزاع الذي شهدته البوسنة بين الصرب والمسلمين بين العامين 1992 و1995 إلى سقوط أكثر من 100 ألف قتيل، إلا أن مجزرة سريبرينيتسا في شرق البلاد، اعتُبِرَت وحدها عمل إبادة، وهو التوصيف الذي أقرّته أولاً محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة في 2001 ثم محكمة العدل الدولية في 2007.
وحُكِم على القائد السابق للقوات الصربية في البوسنة الجنرال راتكو ملاديتش بالسجن المؤبد عام 2017 ، ويتوقع أن يصدر قرار عن محكمة الاستئناف في شأن هذه القضية.
وبعد ربع قرن، لا تزال المجزرة أحد الأسباب الرئيسية للإنقسام بين البوسنيين المسلمين والصرب المسيحيين الأرثوذكس. وفي حين يعتبر المسلمون أن الإقرار الكامل بالمجزرة شرط لبناء سلام دائم، ترى غالبية صرب البوسنة، وخصوصاً مسؤوليهم، أن استخدام توصيف إبادة غير مقبول.
وفي جمهورية صربيا، يؤكد الرئيس ألكسندر فوتشيتش أن ما حصل في سريبرينيتسا أمر لا يدعو إلى الفخر. ويقول: «سريبرينيتسا أمر يجب ألا نفتخر به ولا نستطيع أن نفتخر به»، لكنه يتجنب لفظ الكلمة التي يتمنى البوسنيون سماعها.
وكان رئيس صربيا أكد في العام 2017 على أن «ما بين ثمانين وتسعين في المائة من الصرب لا يرون أن جريمة كبرى ارتُكبت» في سريبرينيتسا.
اليوم، تبدو المدينة التي يرأس صربي مجلسها البلدي، يعاونه نائب رئيس مسلم، أشبه بمكان منكوب. فالحياة معدومة كلياً في وسطها، والمتاجر فيها نادرة، ويعيش فيها آلاف الصرب والبوسنيين لكنهم لا يتخالطون فعلياً.
ويرى رئيس المجلس ملادن غرويتشيتش الذي انتُخب لهذا المنصب عام 2016 أن حصيلة الضحايا غير صالحة لإثبات حصول مجزرة. أما الزعيم السياسي لصرب البوسنة ميلوراد دوديتش الذي عبّر عن دعمه ترشيح غرويتشيتش، بحضوره لقاءَ انتخابياً ضمن حملته، فقال يومها «أؤكد هنا أن ما من إبادة ارتُكبت».
والعام الفائت، كرر دوديتش خلال مؤتمر جمع مؤرخين من الصرب وهدف إلى «معرفة الحقيقة» في شأن سريبرينيتسا، القول إن «كل شعب يحتاج إلى أسطورة. لم يكن لدى البوسنيين أسطورة، وهم يحاولون بناء أسطورة حول سريبرينيتسا».

*مفقودون
حتى اليوم، عُثر على رفات نحو 6900 من ضحايا المجزرة في أكثر من ثمانين حفرة جماعية، وحُدِدَت هويات أصحاب هذه البقايا. ودُفِن معظم هؤلاء في مركز النصب التذكاري في سريبرينيتسا، حيث سيوارى السبت رفات تسع ضحايا حُددت هوياتهم في يوليو.
وهناك الكثير من الأرامل المسلمات في المدينة والقرى المجاورة لا يزلن في حالة انتظار لمعرفة مصير رفات أزواجهن وأبنائهن. ومنهن فاطمة مويتش التي فقدت زوجها وأبناءها الثلاثة في المجزرة، وقد دفن اثنان من أبنائها وزوجها قرب النصب التذكاري. أما رفيق، ابنها البكر، فلم يعثر على رفاته، لذا «أعتقد أنه حي في مكان ما. أعرف ما حدث لولديّ الآخرين، لكن عندما أصلي من أجل رفيق ترتعش يداي ولا أعرف ماذا علي أن أفعل».
تقيم مويتش (75 عاما) اليوم في لييسيفو، القرية القريبة من ساراييفو. وهي تؤكد أنها تريد «العيش من أجل الاتصال» الذي سيبلغها بالعثور على رفيق حياً أو على بقاياه. وتروي: «كان عمره 25 عاماً وكان لديه ابنة في شهرها الثامن عشر وطفل في اليوم الأربعين من عمره».
وتتحدث إيمزا فضليتش الناطقة باسم معهد البحث عن المفقودين عن «نقص المعلومات» التي يمكن أن تسمح بالعثور على رفات مفقودين.
أما الأرملة ميرا ديوغاز (71 عاما) فقررت أن تمضي ما تبقى من أيامها في المكان «الذي توقفت فيه» حياتها قبل ربع قرن. وهي تسكن في بيت قريب من النصب. وكل صباح تروي الورود في باحة المنزل وهي تنظر إلى الشواهد البيضاء. فهناك، يرقد ابناها عمر ومنيب اللذان قتلا في المجزرة، وكانا يبلغان من العمر 19 و21 عاماً على التوالي.
تقول: «لم يعد لدي سبب للعيش. أهتم بالورود حتى لا أغرق في الجنون، لكن ورودي مزروعة في أرض سوداء». أما ابنها الثالث زهدي وزوجها مصطفى فقد قتلا قبل ثلاثة أعوام على ذلك، خلال حصار سريبرينيتسا عام 1992.
وتتساءل رامزة غورديتس (67 عاما) بدورها: «من هم هؤلاء الرجال الذين قتلوا ابنيّ وزوجي؟ هل لديهم أبناء؟ ماذا تشبه أرواحهم؟». وتؤكد أنها ليست حاقدة على قتلته. وتضيف: «ليعطهم الله ما يستحقونه (...) لا كراهية ولا خبث، لكن لا مصالحة أيضاً».
ويأسف حمدية فييتش، النائب البوسني لرئيس بلدية سريبرينيتسا، لهذا الموقف الصربي، ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية إن «إنكار الإبادة هو آخر فصولها. نحن نواجه هذا الأمر كل يوم».
من جهته، يرى المفوض الأوروبي لتوسيع الاتحاد الأوروبي أوليفر فارهيليي أن سريبرينيتسا «تبقى جرحاً مفتوحاً في قلب أوروبا». ويضيف أن «هذا الجزء من تاريخ أوروبا يجب أن يحصَّن من أي محاولة للنفي والتحريف».
لكن راتكو ملاديتش والزعيم السياسي السابق لصرب البوسنة رادوفان كارادجيتش، المحكوم أيضاً بالسجن المؤد، يبقيان «بطلين» في نظر قسم كبير من مواطنيهما.
وقد أطلق إسم كارادجيتش على مدينة جامعية في بالي، معقل صرب البوسنة خلال الحرب، وتولى ميلوراد دوديتش عام 2016 رفع الستار عن اللوحة التذكارية الموضوعة على مدخل المدينة الجامعية.
ويرى أمير سولياجيتش مدير المركز التذكاري للمجزرة، وهو نفسه من الناجين، أن هذه الذكرى الخامسة والعشرين هي أيضاً «الذكرى الخامسة والعشرون للإنكار... رغم الأدلة الكثيرة (...) وقرارات المحاكم الدولية، أصبح الإنكار أقوى». ويحذّر من أن «إنكار الإبادة هو دائماً إعلان عن عنف مستقبلي».



رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

 رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
TT

رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

 رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)

توقع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي توسطت حكومته بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب بينهما، إتمام التفاهم بين الجانبين خلال 24 ساعة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وقال شريف اليوم السبت في منشور على منصة «اكس»، «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى. ومع توقع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة، تستعد باكستان بعدها لتوقيع إلكتروني فوري لاتفاق السلام، تليه محادثات تقنية الأسبوع المقبل».

وأضاف «نشكر للولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية التزامهما المستمر خلال المفاوضات، ونعرب عن تقديرنا العميق لإخواننا في المنطقة على دعمهم. ونحن على ثقة بأن اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكل أساسا متينا لسلام دائم».

وبعد أسابيع من المراوحة في المفاوضات حول بنود مذكرة التفاهم، اعتبرت واشنطن وطهران في الايام الاخيرة أن التوصل الى توافق بات وشيكا جدا.

لكن الولايات المتحدة أعلنت أنها أسقطت في وقت مبكر السبت مسيرات ايرانية كانت تستهدف سفنا تجارية في مضيق هرمز.

من جهته، نقل التلفزيون الإيراني الرسمي عن وزير الخارجية عباس عراقجي قوله إنه ما دام لم يتم التوصل إلى اتفاق يشمل جميع القضايا، «لا يمكن الجزم بالتوصل إلى اتفاق مبدئي مع الولايات المتحدة».

وتبذل باكستان جهوداً حثيثة منذ أشهر سعيا لبلوغ اتفاق بين واشنطن وطهران، وخصوصا بعد إعلان وقف لاطلاق النار بينهما في ابريل (نيسان).

وكانت إسلام آباد استضافت مباحثات تاريخية بين البلدين لكنها لم تفض الى نتيجة ملموسة.


هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

لا يُعرف الكثير عن نوايا دونالد ترمب خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع، الأسبوع المقبل في فرنسا، ولكن من المؤكد أنه سيفرض إيقاعه وجدوله الزمني على اللقاء.

وسيكون مزاج الرئيس الأميركي إلى حد بعيد رهناً بمنحى التطورات بشأن الشرق الأوسط، مع إبداء طهران وواشنطن والوسيط الباكستاني، الجمعة، تفاؤلاً بإمكان إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينهي الحرب بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة وخيبات الأمل.

قبل أيام من القمة التي تجمع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، قالت ليانا فيكس الباحثة المشاركة في «مجلس العلاقات الخارجية» (واشنطن) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه «ليس ممكناً التعامل مع ترمب كما خلال ولايته الأولى».

أفراد من الشرطة الفرنسية في الباحة الخارجية لمحطة المراكب التي تنقل الركاب عبر بحيرة ليمان المشتركة بين فرنسا وسويسرا (إ.ب.أ)

وتعرضت الدول الست الأخرى لغضب ترمب؛ سواء بفرضه رسوماً جمركية مشددة عليها، أو بممارسته ضغطاً دبلوماسياً عليها.

وباستثناء رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي التي يكنُّ لها ترمب كثيراً من التقدير، عانى جميع قادة هذه البلدان في أحد الأوقات من هجمات الملياردير الجمهوري، أو انتقاداته، أو حتى سخريته.

لا ليونة

من غير المتوقع أن يبدي ترمب ليونة تجاه شركائه الدوليين، ولا سيما بعد إلغاء المحكمة العليا الأميركية رسومه الجمركية المعممة، وفي ظل استطلاعات للرأي تظهر تراجع شعبيته، ما قد يكلِّفه الغالبية في الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولخصت ليانا فيكس الوضع بالقول إن الأوروبيين خصوصاً تعلموا أن «يأملوا بالأفضل ويستعدوا للأسوأ».

وتأكيداً لشعار «أميركا أولاً» الذي أطلقه ترمب، أبلغت الولايات المتحدة الأوروبيين عزمها خفض عدد الطائرات والسفن الحربية المخصصة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا بشكل كبير، وفق ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز».

وقال جاكسون جاينز، الخبير في «صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا أعتقد أننا سنرى رئيساً ضعفت قوته. أعتقد أنه سيذهب إلى هناك وسيفعل ما يفعله دائماً، وهو محاولة فرض رأيه بالاستقواء لتجاوز القضايا المعقدة للغاية، ومحاولة تحقيق الأجندة الأميركية كما يراها هو».

من جانبه، لفت فيكتور تشا، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، خلال مؤتمر صحافي، إلى أن ترمب «يقول إنه لا يحب هذه الاجتماعات المتعددة الطرف»، ولكنه «لا يحتمل أن تلتقي مجموعة من قادة العالم من غير أن يكون حاضراً».

وأضاف تشا: «بالتالي هو يأتي إلى هذه الاجتماعات ويغادر باكراً»، وهو ما فعله خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة.

مركز للجيش الفرنسي في إيفيان حيث تُعقد قمة مجموعة السبع (إ.ب.أ)

ويأمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إقناع ترمب القليل الصبر بالبقاء لحضور مأدبة عشاء في قصر فرساي مساء الأربعاء، مراهناً على ولعه بالديكورات الفخمة وافتتانه بالملكية.

وجهدت فرنسا لإرضاء الرئيس الأميركي، فغيرت موعد القمة حتى لا تتزامن مع بطولة للفنون القتالية المختلطة تُنظَّم الأحد في البيت الأبيض، بمناسبة عيد ميلاد ترمب الثمانين.

كما فسر بعض الخبراء غياب جنوب أفريقيا عن القمة، بعدما تم النظر في مشاركتها على أنها تنازل لواشنطن. غير أن باريس تؤكد أنها لم تواجه أي ضغوط من أجل سحب الدعوة لهذا البلد الذي يتهمه ترمب من دون أدلة بـ«اضطهاد» مواطنيه البيض.

ولفت عدد من المحللين إلى أنه بمعزل عن أطباع ترمب المتقلبة، فإن المواضيع التي تقترحها باريس للبحث تتطابق مع عدد من اهتمامات ترمب؛ خصوصاً مسألة العلاقات التجارية مع الصين.

حرب أوكرانيا

لئن كان ميزان القوى في العلاقات بين ترمب وقادة الدول التي تعتبر حليفة تقليدية لبلاده ما زال على حاله بصورة عامة منذ العام الماضي، فإن الوضع تبدل قليلاً فيما يتعلق بأوكرانيا.

وقال ماكس بيرغمان، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» خلال حديث مع الصحافيين: «في 2025، أقرّ الأوروبيون بصورة ما بأن عليهم الانصياع لترمب بسبب أوكرانيا، التي كانت بحاجة إلى الدعم العسكري الأميركي، ولكن اليوم نحن في دينامية مختلفة؛ إذ باتت أوكرانيا أقل اعتماداً على الولايات المتحدة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند مدخل قصر الإليزيه الرئاسي في باريس (إ.ب.أ)

ودُعي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي يعرف أكثر من أي كان أن أي لقاء مع ترمب يمكن بسهولة أن يخرج عن السيطرة، بعد لقاء عاصف بينهما في البيت الأبيض، إلى المشاركة في جلسة مناقشات في إيفيان.


12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
TT

12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)

في زمن تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى، يعود شبح الحرب النووية إلى واجهة النقاش الدولي، بعد عقود من الاعتقاد بأن هذا الخطر أصبح جزءاً من الماضي. وبينما تتنافس الدول على تطوير ترساناتها العسكرية وتحديث أنظمتها النووية، تزداد التحذيرات من أن العالم بات أقرب إلى مواجهة كارثة قد لا يكون قادراً على احتواء تداعياتها.

هل سيحلُّ «الشتاء النووي» على الأرض يوماً؟ (رويترز)

وفق تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI)، يمتلك العالم حالياً نحو 12187 رأساً حربياً نووياً. وقد يدفع هذا الرقم البعض إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الترسانة قادرة على «تدمير الأرض» مرات عدة، كما يتردد أحياناً في الخطابات السياسية والإعلامية. إلا أن الإجابة العلمية تختلف عن التصورات الشائعة.

فمن الناحية الفيزيائية، لا تستطيع أي ترسانة نووية موجودة اليوم تدمير كوكب الأرض نفسه؛ إذ إن الطاقة اللازمة لتفكيك الكوكب أو القضاء عليه تفوق بمراحل هائلة مجموع الطاقة التدميرية التي تمتلكها البشرية. ولكن الخطر الحقيقي لا يكمن في تدمير الكوكب؛ بل في احتمال تدمير الحضارة الإنسانية كما نعرفها.

وتشير الحسابات التقريبية إلى أن الرؤوس الحربية النووية الحديثة تتراوح قوتها بين 100 و800 كيلوطن من مادة «تي إن تي». وإذا اعتُمد -لأغراض المقارنة التقريبية- متوسط يبلغ 300 كيلوطن للرأس الواحد، فإن القوة التدميرية الإجمالية للترسانة العالمية قد تصل إلى نحو 3.7 مليار طن مكافئ من مادة «تي إن تي»، أي ما يعادل قرابة 250 ألفاً من القنبلة التي دمرت مدينة هيروشيما اليابانية عام 1945.

صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لتجربة إطلاق صاروخ «إسكندر» خلال مناورات نووية مشتركة بين روسيا وبيلاروسيا (أ.ب)

ورغم ذلك، يرى الخبراء أن الحديث عن القدرة على «تدمير الأرض 10 مرات» أو «100 مرة» لا يعدو كونه تعبيراً مجازياً. فحرب نووية واسعة النطاق قد تكون كافية وحدها لإحداث انهيار عالمي شامل، من دون الحاجة إلى استخدام كل الترسانة النووية الموجودة. فالدمار المباشر الناتج عن الانفجارات، وما يتبعه من حرائق هائلة وانهيار للبنى التحتية وتلوث إشعاعي وأزمات اقتصادية وغذائية وصحية، قد يدفع العالم إلى مرحلة غير مسبوقة من الفوضى والانهيار.

في السياق نفسه، تحذِّر الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) من أن الأسلحة النووية تظل الأكثر تدميراً وعشوائية بين جميع الأسلحة التي عرفها الإنسان. فالسلاح لا يقتل فقط بفعل الانفجار؛ بل يخلِّف آثاراً إشعاعية طويلة الأمد تؤثر في البشر والبيئة والأجيال اللاحقة.

وتؤكد الحملة أن تفجير سلاح نووي واحد فوق مدينة كبيرة قد يؤدي إلى مقتل مئات الآلاف أو حتى ملايين الأشخاص خلال فترة قصيرة، بينما قد تتسبب حرب نووية واسعة بين القوى الكبرى في سقوط مئات الملايين من الضحايا.

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يتفقد منشأة نووية (رويترز)

وتشرح الدراسات أن الانفجار النووي يطلق خلال ثوانٍ معدودة كميات هائلة من الطاقة على شكل موجات صدمية وحرارة وإشعاعات. وتنتشر الموجة الانفجارية بسرعة هائلة تتجاوز سرعة الصوت، فتدمر المباني والبنى التحتية، وتقتل كل من يوجد بالقرب من مركز الانفجار. أما الحرارة الشديدة فتشعل حرائق واسعة النطاق قد تندمج لتشكِّل عواصف نارية ضخمة تلتهم مدناً كاملة.

الأخطر من ذلك أن بعض الدراسات تشير إلى أن استخدام أقل من واحد في المائة من الأسلحة النووية الموجودة حالياً قد يكون كافياً لإحداث اضطرابات مناخية عالمية حادة، تهدد ما يصل إلى ملياري إنسان بالمجاعة. أما استخدام آلاف الرؤوس النووية فقد يؤدي إلى «شتاء نووي» شامل ينعكس على الإنتاج الزراعي والنظم البيئية في مختلف أنحاء العالم.

تزداد هذه المخاوف في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية، وهي قوى تمتلك ترسانات نووية ضخمة. ويرى عدد متزايد من الخبراء أن خطر تحول النزاعات التقليدية إلى مواجهات نووية لم يعد مجرد احتمال نظري؛ بل أصبح سيناريو واقعياً ينبغي الاستعداد له والعمل على منعه.

تقنيان يعاينان قنبلة نووية في منشأة عسكرية أميركية بولاية تكساس (رويترز)

وفي هذا السياق، أظهر استطلاع أجراه المجلس الأطلسي أن 40 في المائة من الخبراء المشاركين يرون أن اندلاع حرب عالمية جديدة بحلول عام 2035 وارد. والأكثر إثارة للقلق أن نحو نصف المشاركين تقريباً رجَّحوا أن تشهد هذه الحرب استخداماً للأسلحة النووية من جانب طرف واحد على الأقل.

وفي الوقت نفسه، يستمر الإنفاق العالمي على الأسلحة النووية في الارتفاع. فقد أفادت تقارير حديثة بأن الدول التسع المالكة للأسلحة النووية أنفقت خلال عام 2025 نحو 119 مليار دولار لتعزيز ترساناتها النووية وتحديثها، بزيادة تقارب 19 في المائة عن إنفاق العام السابق.

وتصدرت الولايات المتحدة القائمة بإنفاق تجاوز 69 مليار دولار، تلتها الصين ثم بريطانيا وروسيا.

تعكس هذه الأرقام حقيقة مقلقة، مفادها أن العالم لا يتجه نحو تقليص الاعتماد على الأسلحة النووية؛ بل نحو تعزيزها وتحديثها. وبينما تتوسع برامج التسلح النووي، تتراجع الجهود الرامية إلى نزع السلاح وبناء الثقة بين القوى الكبرى.

مجسم لصاروخ نووي من العهد السوفياتي في موسكو (رويترز)

في النهاية، قد لا تكون الأسلحة النووية قادرة على تدمير كوكب الأرض، ولكنها بلا شك قادرة على تدمير الحضارة الإنسانية، وإدخال العالم في حقبة من الفوضى العارمة والمعاناة غير المسبوقة. ولهذا يرى كثير من الخبراء أن السبيل الوحيد لتجنب الكارثة لا يكمن في إدارة الأخطار النووية فحسب؛ بل في العمل الجاد للحد من هذه الترسانات ومنع استخدامها.

قال آلبرت آينشتاين: «لا أعرف ما هي الأسلحة التي ستُستخدم في الحرب العالمية الثالثة، ولكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة».

وكما يقول دعاة نزع السلاح النووي: الطريقة الوحيدة للفوز في لعبة «الروليت» النووية هي التوقف عن لعبها.

اقرأ أيضاً