في العالم بؤر مشتعلة... على وهج الخطر النووي

صاروخ باليستي كوري شمالي خلال عرض عسكري في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)
صاروخ باليستي كوري شمالي خلال عرض عسكري في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)
TT

في العالم بؤر مشتعلة... على وهج الخطر النووي

صاروخ باليستي كوري شمالي خلال عرض عسكري في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)
صاروخ باليستي كوري شمالي خلال عرض عسكري في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)

الدبلوماسية الفاشلة، التغيُّرات غير المتوقعة في التكنولوجيا، الاتفاقات السرية التي لم تصل إلى خواتيمها المرجوّة، الخطط الخفيّة لخوض حروب محتملة... هذه أنواع من «الوقود» الذي لا يحتاج إلا إلى شرارة لإشعال حرب كبرى، كما لاحظت المؤرخة الأميركية باربرا توكمان (1912-1989) في كتابها «بنادق أغسطس» الذي درَّست فيه الأحداث التي أشعلت فتيل الحرب العالمية الأولى، علماً بأن الشرارة كانت اغتيال الأرشيدوق فرانتس فرديناند، وريث عرش الإمبراطورية النمساوية - المجرية، يوم 28 يونيو (حزيران) 1914 في سراييفو.

الحرب تدور في «ساحة» أو «مسرح»، فإذا انحصرت في مكان واحد سيصار إلى إطفائها بوتائر تختلف باختلاف أهميتها بالنسبة إلى الدول الكبرى التي تُرتّب التسويات وفق مصالحها، وإذا تمددت وصارت إقليمية يُحتمل أن تتفاقم وتفلت من عقالها لتتحوّل إلى عالمية.

فما البؤر المشتعلة أو القابلة للاشتعال؟

لائحة مناطق الخطر

تايوان:

معلوم أن الصين تتعامل مع تايوان على أساس سياسة «صين واحدة»، وأنها ستستعيد الجزيرة وتضعها تحت سيادة البر الصيني، عاجلاً أو آجلاً، وبأي طريقة ممكنة. ولكن كيف ستتصرف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حال وقوع غزو صيني لتايوان؟ الجزيرة تضطلع بدور محوري في الاقتصاد العالمي؛ لأنها تُزوّد ​​العالم بالعديد من رقائق أشباه الموصلات الضرورية للصناعات التكنولوجية.

هنا، تجذب الانتباه المقارنة التي عقدها أورفيل شيل، عالم الاجتماع الأميركي، الخبير في شؤون آسيا والصين تحديداً، بين «الثورة الثقافية» للزعيم الصيني ماو تسي تونغ (حكم جمهورية الصين الشعبية منذ تأسيسها عام 1949 حتى وفاته عام 1976) والإدارة الأميركية الحالية، مُشيراً إلى أحد أقوال ماو المُفضّلة: «العالم في حالة اضطراب كبير، والوضع ممتاز»، بمعنى أن القوى الكبرى تستفيد من الاضطرابات والأزمات، وربما تفتعلها.

طاقم سفينة الدورية الحربية التايوانية «تويو تشيانغ» في مياه جنوب تايوان (أ.ب)

لا شك في أن مسألة تايوان خطيرة الأبعاد، لأن التحديات تتراكم في «مضيقها» البحري، والاستعراضات العسكرية التي يجريها الجانبان الصيني والتايواني قد تتحوّل بسرعة إلى حرب حقيقية لن تقف الولايات المتحدة حيالها موقف المتفرج.

بحر الصين الجنوبي:

في المنطقة نفسها من العالم، تتزاحم المطالبات الإقليمية من جانب الصين والفلبين وفيتنام وماليزيا ودول أخرى؛ وتحصل مواجهات ومناوشات بحرية متكررة. وواقع الحال أن هذا البحر هو الطريق الطبيعي للصين نحو المحيط الهادئ، وبالتالي العالم، والصراع على طرق التجارة البحرية لطالما كان سبب حروب كثيرة. وهو في هذه الحالة يدور بين الصين والولايات المتحدة.

شبه الجزيرة الكورية:

التوتر بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية لا يتوقف. والأولى تواصل تجاربها الصاروخية والنووية بجوار بلاد يتمركز فيها 25 ألف جندي أميركي، يقابلهم استنفار مستمر في كوريا الشمالية التي يحكمها رجل (كيم جونغ أون) لا يتردد في إطلاق التهديدات الصريحة، وتنظيم الاستعراضات العسكرية التي تشمل القوة النووية.

الحدود الهندية الصينية:

تستمر المواجهات العسكرية على طول خط السيطرة الفعلية في إقليم لاداخ الهندي.

كشمير:

لا يبدو أن هناك نهاية للنزاع بين الهند وباكستان على إقليم كشمير المقسم بين البلدين، الذي كان سبباً لثلاث حروب كبيرة عبر الحدود، واشتباك خطير بين 7 و10 مايو (أيار) 2025. ولا ننسى أن البلدين نوويان.

الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي:

توقفت الحرب في غزة (إلى حد كبير)، لكن الصراع مستمر، والمستقبل غير واضح، سواء ما يتعلق بمصير غزة، أو ما يحصل في الضفة الغربية المحتلة.

إيران وإسرائيل:

بلغت المواجهة بين الجانبين الذروة في حرب الـ12 يوماً خلال يونيو (حزيران) 2025. ولا تزال حروب الظل مستمرة بينهما عبر الهجمات السيبرانية وعمليات الاغتيال والحروب بالوكالة... ولا شك في أن عودة المواجهة المباشرة احتمال قائم.

لبنان:

الوضع في جنوب لبنان وبعض البقاع لا يزال هشّاً منذ وقف النار بين «حزب الله» وإسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، مع استمرار الغارات الإسرائيلية والاستهدافات بالمسيّرات، وعدم الشروع في إعادة إعمار القرى والبلدات اللبنانية التي تعرّضت لدمار كبير.

سوريا:

يكثر اللاعبون في المرحلة الجديدة؛ تركيا، أميركا، روسيا، إسرائيل... فما مصير سوريا؟ وهل تبقى موحّدة؟ وهل يحصل أي تغيير جذري «على البارد أم الساخن»؟

الساحل الأفريقي:

منطقة تتحرك فيها تنظيمات متطرفة، في ظل تخلي الدول عن الوجود العسكري الفرنسي (مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد...)، وتسابق القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا) على ملء الفراغات وبسط النفوذ.

أي مستقبل يُرسم للعالم؟ (أرشيفية - أ.ب)

السودان:

الحرب مستمرة بوتائر مختلفة بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، مع ما تستتبعه من أثمان إنسانية، وما تنطوي عليه من أجندات خارجية غامضة.

القرن الأفريقي:

الصومال غير مستقر، وحركة «الشباب» المتطرفة موجودة، وإثيوبيا تتحرك في أكثر من اتجاه، ولا تخفي سعيها للوصول إلى البحر الأحمر، الأمر الذي يُخيف إريتريا، فضلاً عن مشكلة سدّ «النهضة». وقد وقّعت إثيوبيا وكينيا اتفاقاً دفاعياً في 24 سبتمبر (أيلول) الماضي يُعيد رسم خريطة التوازنات، ويعطي الأولى هامشاً أوسع للتحرك الإقليمي.

أوروبا:

تشهد القارة مرحلة اضطراب منذ بداية الحرب الروسية - الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022 والمشكلات الاقتصادية التي تستتبعها. وامتدّ التوتر إلى مناوشات روسية - أطلسية، وسط عملية تسلّح تقوم بها الدول الأوروبية التي سترفع إنفاقها العسكري بشكل كبير. وليس معلوماً على أي مدى سينفتح المستقبل القريب لـ«القارة العجوز» وسط صراعات سياسية حادة في عدد من بلدانها. ولا بد من الإشارة إلى أن «حلف شمال الأطلسي (الناتو)» وسّع عضويته إلى 32 دولة، منها اثنتان في أميركا الشمالية والبقية في أوروبا. والدولتان الأوروبيتان اللتان انضمتا حديثاً هما السويد وفنلندا التي تملك حدوداً برية مع روسيا طولها 1300 كيلومتر!

آليات عسكرية روسية محترقة معروضة في كييف (أ.ف.ب)

على المستوى الأوروبي أيضاً، يجدر النظر إلى وضع غرب البلقان؛ حيث تطفو على السطح من حين إلى آخر التوترات بين صربيا وكوسوفو التي انتُزعت من الأولى، وأُعلنت دولة مستقلة.

فنزويلا وأميركا اللاتينية:

تستمر المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وفنزويلا منذ سنوات، وهي لمصلحة الأولى طبعاً، في حين أنهكت العقوبات وسوء الإدارة والفساد الثانية، وأوقعت شعبها تحت خط الفقر. وحالياً تفرض البحرية الأميركية حصاراً حول السواحل الفنزويلية، وتدمّر أي مركب تشتبه في أنه يهرّب مخدرات من فنزويلا إلى جهة ما... وقد يكون ذلك نذير مواجهة عسكرية أوسع في منطقة من العالم تتسابق على النفوذ الاقتصادي فيها الولايات المتحدة والصين.

مشكلات عالمية:

يواجه العالم مشكلات معقدة، في طليعتها التغيُّر المناخي، وما يؤدي إليه من صعاب اقتصادية وأزمات معيشية وهجرات فردية وجماعية بسبب الجفاف الذي يولّد مشكلة انعدام الأمن الغذائي. وعلى وقع التقدم التكنولوجي الهائل، لا سيما «انفجار» الذكاء الاصطناعي، تدور حروب سيبرانية تشارك فيها عدة جهات: الولايات المتحدة، إيران، إسرائيل، روسيا، الصين... وتُضاف إلى ذلك مشكلة غياب الاستقرار في إمدادات الطاقة بسبب النزاعات المتنقّلة، والعقوبات التي تُفرض من القادرين.

شبح الخطر النووي

هذا يحصل في عالم نووي!

وليس من المفاجئ القول إن المعاهدات والأنظمة الدولية التي تحكم المسائل النووية، خصوصاً معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (دخلت حيّز التنفيذ عام 1970)، في حالة تدهور شديد. وقد توقف تعاون القوى العظمى بشأن الأخطار النووية. ولا يمكن إلا الشعور بالقلق من السلاح النووي في هذه اللحظة الجيوسياسية الصعبة، وفي ظل وجود حكام ذوي رؤوس حامية.

يُضاف إلى ذلك أن مسار التفاوض على الملف النووي الإيراني عالق في طريق مسدود، في حين تقول كوريا الجنوبية إن جارتها الشمالية تشغّل أربع منشآت لتخصيب اليورانيوم، لتتمكن من تعزيز ترسانتها النووية في موازاة توسيع قدراتها الصاروخية الباليستية.

خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، هدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستخدام السلاح النووي، وهو أمر لم يحصل منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. علاوة على ذلك، بحلول عام 2035، قد تمتلك الصين 1500 رأس نووي، تواكبها أنظمة إطلاق متطورة من صواريخ وطائرات قاذفة وغواصات، وفقاً لتقديرات أميركية.

الرئيس دونالد ترمب أمر بتحديث الصناعة النووية الأميركية (أ.ف.ب)

أميركياً، قال ترمب في بداية رئاسته، إن الولايات المتحدة «متخلفة في مجال الأسلحة النووية...»، وأيّد خطة لتحديثها تشمل الرؤوس الحربية وأنظمة الإطلاق. وأصدر أمراً تنفيذياً في مايو (أيار) الماضي بتنشيط القاعدة الصناعية النووية في الولايات المتحدة، وطلب من وزارتي الطاقة والدفاع التعجيل في تخصيب اليورانيوم المحلي، ومعالجة الوقود النووي، والتخلُّص من فائض البلوتونيوم.

في ظل هذا الواقع تبدو منطقية مبادرة الحكومة الهولندية إلى إنشاء «اللجنة العالمية للذكاء الاصطناعي المسؤول في المجال العسكري» (REAIM)، خلال قمة عُقدت لهذه الغاية عام 2023 في لاهاي. والهدف الأساسي لهذه المبادرة هو أن تبقى السيطرة على الأسلحة النووية في أيدي البشر بدلاً من أن تنتقل إلى «يد» الذكاء الاصطناعي، على أمل أن يكون الذكاء الطبيعي للممسكين بأزرار الإطلاق أعلى مستوى وأكثر حكمة من الذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

تحليل إخباري رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

تسعى الأمم المتحدة إلى بناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي وسط تنافس القوى الكبرى على رسم قواعد هذه التكنولوجيا ومستقبلها.

شادي عبد الساتر (بيروت)
شمال افريقيا صورة توضيحية مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُعبّر عن التقارب في العلاقات بين إسبانيا والجزائر عقب سنوات من التوتّر الدبلوماسي (الشرق الأوسط)

بعد سنوات من توتّر العلاقات... رئيس وزراء إسبانيا يزور الجزائر الأسبوع المقبل

يُجري رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز زيارة رسمية للجزائر الاثنين المقبل، يُتوقع أن تُسهم في استكمال مسار تطبيع العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتّر.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أوروبا أفارد من الشرطة يؤدون واجبهم عند قلعة وندسور في بريطانيا 1 أبريل 2018 (رويترز)

توقيف 12 شخصاً لتهديدهم فعالية إسلامية في بريطانيا

أوقفت الشرطة البريطانية 12 شخصاً لتهديد إرهابي يميني متطرف مزعوم لفعالية إسلامية في سافولك بشرق إنجلترا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ خلال فعالية دينية لليهود بالقرب من البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن... 14 ديسمبر 2025 (أ.ب)

استطلاع: عدد كبير من يهود أميركا تعرّضوا لاعتداءات العام الماضي

أظهر استطلاع رأي جديد أن كثيراً من اليهود الأميركيين البالغين تعرّضوا لاعتداءات أو تحرّش خلال العام الماضي، وأن كثيرين منهم يشعرون بقدر أقل من الأمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أميركا اللاتينية رجال إطفاء كولومبيون يعتنون بمركبة محترقة بعد حملة شغب شنّتها عصابة مخدرات (رويترز - أرشيفية)

متمردون كولومبيون يهاجمون مطاراً بطائرات مسيّرة

أدى هجوم على مطار في شمال شرق كولومبيا نفّذه متمردون الخميس بواسطة طائرات مسيّرة محمّلة بالمتفجرات إلى إصابة ثلاثة أشخاص بجروح، وفقاً لما أعلنه الجيش.

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
TT

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)

أعاد اختتام أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف الأسبوع الماضي، تسليط الضوء على قدرة المنظمة الدولية على مواكبة التطورات المتسارعة في هذا القطاع. ويأتي ذلك في وقت تتنافس فيه القوى الكبرى على امتلاك النماذج الأكثر تطوراً، والرقائق الأعلى كفاءة، والبنية التحتية القادرة على تشغيلها، وسط محاولات أممية لوضع أسس لحوكمة عالمية تحد من المخاطر المصاحبة لهذه التكنولوجيا.

ويُقصد بـ«حوكمة الذكاء الاصطناعي» وضع القواعد والضوابط التي تنظّم تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها.

وتكمن صعوبة المهمة في أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً رئيسياً في حسابات الأمن القومي والنمو الاقتصادي والتفوّق العسكري. لذلك تنظر الحكومات إلى القواعد التنظيمية من زاوية مصالحها الاستراتيجية، فيما تتحرك الشركات المطورة للنماذج الكبرى بسرعة تفوق إيقاع المؤسسات الدولية والتشريعات الوطنية.

وفي هذا السياق، ترى مؤسسة «بروكينغز»، وهي أحد أبرز مراكز الأبحاث الأميركية، أن بناء حوكمة دولية فعّالة للذكاء الاصطناعي لا يرتبط بإنشاء هيئة عالمية جديدة بقدر ما يعتمد على تنسيق الأطر التنظيمية القائمة، وتعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، مع اضطلاع الأمم المتحدة بدور تنسيقي يجمع هذه الجهود ضمن إطار مشترك.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاب الافتتاح لأول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في جنيف بسويسرا يوم 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مقاربات القوى الكبرى

تدرك واشنطن أن الحفاظ على موقعها في قطاع الذكاء الاصطناعي يمنحها تفوقاً اقتصادياً وأمنياً طويل الأمد. وقد استخدمت القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة والتقنيات المرتبطة بها ضمن محاولاتها لإبطاء تقدّم الصين وحماية الصناعات الأميركية الحساسة.

في المقابل، تعمل بكين على تعزيز قدراتها المحلية في تصنيع الرقائق وتطوير النماذج مفتوحة المصدر، بما يسمح للمطورين بالبناء عليها وتطويرها. كما تقدّم نفسها بوصفها مدافعاً عن توسيع استفادة الدول النامية من التكنولوجيا، في إطار سعيها إلى تعزيز نفوذها في رسم مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

أما الاتحاد الأوروبي، فيسعى إلى تثبيت حضوره عبر التشريع، مستفيداً من حجم سوقه، وقدرته على فرض معايير تجد الشركات العالمية نفسها مضطرة إلى مراعاتها. ويمنحه هذا النهج تأثيراً ملموساً في صياغة البيئة التنظيمية العالمية، حتى من دون امتلاكه الريادة في تطوير النماذج الكبرى، الأمر الذي يعكس اتجاه العالم نحو منظومات تنظيمية متعددة، لكل منها أولوياتها السياسية والاقتصادية.

شرعية دولية تواجه تحديات التنفيذ

ضمن هذه البيئة، تحاول الأمم المتحدة بناء شرعية دولية لمسار الحوكمة من خلال الحوار بين الحكومات والخبراء والشركات والمجتمع المدني. ويمنحها تمثيل معظم دول العالم ميزة لا تملكها التحالفات المحدودة، خصوصاً أن القرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ستؤثر في دول لا تمتلك شركات كبرى أو قدرات حوسبة متقدّمة.

لكن جمع الدول حول طاولة واحدة يختلف عن القدرة على إلزامها بتطبيق ما يُتفق عليه. فالأمم المتحدة تعتمد على إرادة الدول الأعضاء، ولا تملك سلطة مباشرة لإجبار القوى الكبرى أو شركات التكنولوجيا على تطبيق قواعد موحدة. كما أن الانقسامات داخل مجلس الأمن، والتوتر بين واشنطن وبكين يحدّان من فرص إنشاء نظام دولي ملزم خلال فترة قريبة.

وفي رسالة نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، دعا خبيران شاركا في الهيئة الاستشارية للأمم المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي، إلى إنشاء وكالة دولية مستقلة وعلمية، تتولى دعم معايير السلامة ومساعدة الحكومات على تطوير قدراتها التنظيمية، محذّرين من ترك صياغة القواعد في يد عدد محدود من الدول والشركات.

شعار أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

دور أممي لتقليص الفجوة الرقمية

تمثل قضية التفاوت الرقمي أحد أهم الملفات التي قد تمنح الأمم المتحدة دوراً عملياً. فمعظم الدول لا تملك الموارد المالية أو الطاقة أو البيانات اللازمة لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدّمة، وقد تجد نفسها معتمدة على تقنيات تنتجها شركات أجنبية وفق أولويات لا تشارك في تحديدها.

ويمنح هذا الواقع الأمم المتحدة فرصة للتركيز على بناء القدرات، وتدريب الجهات التنظيمية، وتوسيع الوصول إلى البنية التحتية الرقمية، ووضع معايير تحد من التحيّز في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وحماية الخصوصية، والحد من التضليل، بما يساعد على تضييق الفجوة الرقمية بين الدول.

نفوذ مرهون بقبول القوى الكبرى

يصعب تصور معاهدة عالمية شاملة للذكاء الاصطناعي في ظل المرحلة الحالية من المنافسة الدولية. ويبدو المسار الأكثر واقعية قائماً على مبادئ مشتركة، ومعايير فنية، وتفاهمات جزئية تتطور تدريجياً وفق طبيعة المخاطر.

وتملك الأمم المتحدة قدرة على منح هذا المسار شرعية أوسع، إلا أن نجاحها سيعتمد على إقناع القوى الكبرى بأن وجود قواعد مشتركة يخدم مصالحها، ويسهم في الحد من المخاطر المرتبطة بسباق الذكاء الاصطناعي. ومن دون هذا الاقتناع، ستبقى الحوكمة ساحة للتنافس بين واشنطن وبكين، فيما تظل المنظمة الدولية منصة للحوار أكثر من كونها جهة قادرة على توجيه سباق الذكاء الاصطناعي.

ويبقى نجاح جهود الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي مرهوناً بقدرتها على تحويل ما أطلقه الحوار العالمي الأول إلى خطوات عملية تواكب سرعة التطور التقني، وتحدّ من اتساع الفجوة بين التنافس الدولي ومتطلبات التعاون العالمي.


لولا: أميركا ستتحول «قرصاناً» إذا فرضت ضريبة على السفن التي تعبر «هرمز»

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (إ.ب.أ)
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (إ.ب.أ)
TT

لولا: أميركا ستتحول «قرصاناً» إذا فرضت ضريبة على السفن التي تعبر «هرمز»

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (إ.ب.أ)
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (إ.ب.أ)

اعتبر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الاثنين، أن الولايات المتحدة ستتحول إلى «قرصان» إذا فرضت ضريبة على السفن التي تعبر مضيق هرمز، كما صرح في وقت سابق دونالد ترمب.

وفي منشور عبر منصته «تروث سوشيال»، اقترح الرئيس الأميركي فرض ضريبة تحصلها الولايات المتحدة تعادل «20 في المائة من قيمة شحنات» السفن التي ترغب في عبور المضيق.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، قال لولا خلال فعالية عامة في ساو كايتانو دو سول في ولاية ساو باولو: «في الماضي، كان يعتبر ذلك قرصنة». وأضاف: «إن الولايات المتحدة بلد مهم، وأعتقد أنها حاربت القرصنة لفترة طويلة، ولا يمكنها اليوم أن تتصرف كالقراصنة».

بدوره، رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الاثنين، على اقتراح الرئيس الأميركي فرض رسوم على البضائع المنقولة بحراً عبر المضيق، مؤكداً أن إيران كانت وستبقى حارسة المضيق.

وكتب الوزير على منصة «إكس»: «الرئيس الأميركي محق تماماً. يجب تعويض كل من يضمن المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز. لطالما كانت إيران حارسة المضيق وستبقى كذلك»، مضيفاً بنبرة ساخرة: «من الواضح أن نسبة 20 في المائة مبالغ فيها. سنكون منصفين».

وقال ‌ترمب، الاثنين، إن الولايات المتحدة قررت فرض الحصار البحري على إيران مجدداً وتحصيل رسوم 20 في المائة على جميع البضائع المشحونة عبر مضيق ​هرمز، وذلك بعد أن أعلنت طهران إغلاق هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف: «مضيق هرمز مفتوح، وسيظل مفتوحاً، سواء بإيران أو بدونها. سنعيد فرض الحصار على إيران». واستطرد: «ستحصل أميركا على 20 في المائة على جميع الشحنات المنقولة لتغطية جميع التكاليف اللازمة لتوفير الأمن والسلامة لهذه المنطقة المضطربة من العالم». وأكد أن العملية ستبدأ على الفور، دون الخوض في تفاصيل.

وكان ترمب قال في مقابلة هاتفية ‌مع برنامج «فوكس ‌آند فريندز» على قناة «فوكس نيوز» في ​وقت ‌سابق إن ​الولايات ⁠المتحدة ستسيطر على الأرجح على مضيق هرمز، وإنه يجب تعويضها عن نفقات إدارته.

وأضاف: «سنسيطر على المضيق، وربما سنديره. سنصبح حُماة المضيق. ربما سنُسمى الملاك الحارس للمضيق. ويجب أن نحصل على تعويض مقابل ذلك».


مزيد من الدول لحظر منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال

تسود مخاوف من أن تمضية الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات تؤدي إلى جعلهم أكثر خمولاً (شاترستوك)
تسود مخاوف من أن تمضية الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات تؤدي إلى جعلهم أكثر خمولاً (شاترستوك)
TT

مزيد من الدول لحظر منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال

تسود مخاوف من أن تمضية الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات تؤدي إلى جعلهم أكثر خمولاً (شاترستوك)
تسود مخاوف من أن تمضية الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات تؤدي إلى جعلهم أكثر خمولاً (شاترستوك)

ترفع لجنة خبراء، يوم الاثنين، توصياتها إلى المفوضية الأوروبية بشأن احتمال فرض حظر على استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي في دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين، في إطار خطة لتنظيم وصول الأطفال إلى هذه التطبيقات، بعد اعتماد أو اقتراح إجراءات مماثلة في أكثر من 20 دولة حول العالم.

ومن بين الدول العشرين التي أحصتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، دخلت قيود على منصات التواصل الاجتماعي حيز التنفيذ في خمس دول.

وفي معظم هذه الدول، تُعد الإجراءات حديثة العهد، وتستهدف الأطفال دون سنّ 15 أو 16 عاماً.

دول تفرض قيوداً

حُظرت منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 16 عاماً في أستراليا منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، بينما سنَّت البرازيل قانوناً في مارس (آذار) يُلزم المنصات بربط حسابات المستخدمين دون سنّ 16 بحسابات آبائهم، بالإضافة إلى إلزامها بالتحقق من أعمار المستخدمين.

وفي الصين، حيث تخضع شبكة الإنترنت لرقابة حكومية صارمة، فُرضت قيود تدريجية على وصول القاصرين منذ عام 2019.

وفرضت الإجراءات الصينية الأولية حدوداً زمنية وحظراً على الألعاب الإلكترونية، قبل أن تُعمم قيود مماثلة في 2023 لتشمل منصات التواصل الاجتماعي ومنصات البث المباشر.

وحظرت إندونيسيا استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون سنّ 16 عاماً منذ مارس، بينما أقرت ماليزيا خلال يونيو (حزيران) تشريعاً مماثلاً يمنع هذه الفئة العمرية من استخدام المنصات الرئيسية.

ويُنتظر أن تنضم تركيا إلى القائمة بعد إقرارها تشريعاً في أبريل (نيسان) يمنع من هم دون سنّ 15 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي. ومن المتوقع أن يدخل القانون حيز التنفيذ في أواخر 2026.

وأعلنت دولة الإمارات، الشهر الماضي، حظر منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 15 عاماً، على أن يبدأ تطبيق القرار بعد نحو عام.

دول تعتزم فرض قيود

داخل الاتحاد الأوروبي، أعلنت الحكومة اليونانية مطلع أبريل عزمها حظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 15 عاماً، اعتباراً من الأول من يناير (كانون الثاني) 2027.

وتستعد كل من النمسا وسلوفينيا أيضاً لإقرار تشريعات تحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 14 و15 عاماً على التوالي.

وفي ألمانيا، حيث يدعم المستشار فريدريش ميرتس فرض قيود، بل حتى حظر استخدام منصات التواصل للأطفال، اقترحت لجنة خبراء خيارين، إما فرض حظر مُتدرج حسب العمر أو فرض قيود خاصة بكل منصة.

ويجري نقاش مماثل في السويد، حيث اقترحت لجنة حكومية حظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 15 عاماً بحلول أوائل عام 2028.

وأعلنت الحكومة الآيرلندية أنها تدرس سنّ تشريع في حال عدم صدور قرار من الاتحاد الأوروبي.

وفي الدنمارك، أعلنت الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أنها ستقترح حظر «عدة منصات للتواصل الاجتماعي» للأطفال دون سنّ 15 عاماً.

وخارج الاتحاد الأوروبي، ستقدم الحكومة النرويجية مشروع قانون بنهاية العام لحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون 15 عاماً.

وتسعى المملكة المتحدة إلى حظر استخدام منصات التواصل للأطفال دون سن 16 بحلول أوائل 2027. وتعتزم كندا أيضاً تحديد سنّ دنيا لاستخدام المنصات عند 16 عاماً.

وتدرس عدة ولايات في الهند فرض قيود على استخدام الأطفال لمنصات التواصل، بينما أعلنت الحكومة المركزية أنها تجري مناقشات مع منصات بشأن إجراءات محتملة.

إجراءات قيد الدرس

يُناقش البرلمان الفرنسي حالياً مقترحاً لحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 15 عاماً.

وكانت الجمعية الوطنية قد أقرت مشروع القانون في القراءة الأولى في يناير، قبل أن يُدخل مجلس الشيوخ تعديلات عليه ليقتصر على المنصات الأكثر ضرراً، الأمر الذي أثار مخاوف لدى الاتحاد الأوروبي.

ويُنتظر إقرار النسخة النهائية من التشريع خلال الأسابيع المقبلة، على أن يدخل حيز التنفيذ في سبتمبر (أيلول)، بحسب ما تأمل الحكومة.

وتدرس البرتغال مشروع قانون يحدد سنّ الوصول إلى المنصات والخدمات والألعاب والتطبيقات من دون موافقة ولي الأمر عند 16 عاماً.

واقترحت إسبانيا رفع الحد الأدنى لسنّ التسجيل في منصات التواصل الاجتماعي من 14 إلى 16 عاماً. وفي إيطاليا، يدرس البرلمان مشروع قانون يحظر استخدام منصات التواصل للأطفال دون سنّ 15 عاماً.