سنوات السينما: Tree of Life (2011)

سنوات السينما: Tree of Life (2011)

الجمعة - 19 ذو القعدة 1441 هـ - 10 يوليو 2020 مـ رقم العدد [ 15200]
جسيكا شستين في «شجرة الحياة»

Tree of Life (2011)
(ممتاز)
جمال كل شيء


عكست أفلام المخرج ترنس مالك رؤيته الفلسفية حول الحياة والعالم والروحانيات التي تربطه بالكون وخالقه، وتوحي له بسبر غور الطبيعة في شتى أشكالها. الشجر والأمطار والأنهار والسهوب والوديان والجبال والسماء، هي عناصر بصرية بديعة يلتقطها المخرج فيما يسرد، في الوقت ذاته، حكاية في صَدفة تتبدى، في بعض أفلامه، كما لو كانت مجرد أسطر موجزة فوق صفحات سيناريو بيضاء.
«شجرة الحياة» هو النموذج لهذا التوجه الروحاني؛ حيث لا تشكل القصة ولا شخصياتها سوى الجزء المكمل للفضاء الشاسع من حولها. في هذا الفيلم، وضمن رغبته عرض الحياة كما بدأت وكما هي اليوم، ينفصل عن الحكاية ذاتها لأكثر من أربعين دقيقة (من أصل 139 دقيقة) يجوب خلالها الكون متحدثاً بإيمان واضح عن إبداع الخالق وجمال ذلك الإبداع. يصور الكون البعيد وأعماق البحر معاً. يجوب الأرض والكواكب والأزمنة، ويذهب في كل اتجاه من شأنه تقديم صورة بانورامية للحياة كما نعرفها و- غالباً - كما لا نعرفها.
أصل الفيلم يعود إلى السبعينات، بعدما انتهى مالك من تصوير فيلمه المعروف «أيام الجنة»، وأخذ يفكر في فيلم يستعرض فيه تاريخ الحياة على الأرض. حينها سمى مشروعه «Q».
في استعراضه هذا، عمد مالك هنا إلى جماليات بديعة تناسب إيمانه الروحي. هو في مزيج فلسفي، شعري، جمالي، فني، قبل أن يكون الفيلم دراما عائلية تقع في خمسينات القرن الماضي، وتدور عن الأب الصارم في تأسيس عائلته، وكيف حفر ذلك أخدوداً في العلاقة بينه وبين أكبر أبنائه جاك (هنتر مكراكدن)، كاد أن يطيح بذلك الابن إلى هاوية الجريمة.
لا ينشغل المخرج كثيراً في العلم أو في التوثيق، ولا يبحث في النظريات؛ بل يوفرها كتمهيد روحاني لموضوع له علاقة وثيقة بالمؤسسة الدينية على الأرض. لب الموضوع هو كم يؤدي التشدد إلى نقيضه في الحياة. يدفع الأبناء إلى كره كل ما يمثله الأب من مواقف عوض أن يستمدها منه كما هي. الابن (يؤديه كبيراً شون بن) هو حالة مكبوتة أمام والده (براد بت)، ومنفلتة حين يغيب الأب في رحلة عمل تاركاً زوجته (جسيكا شستين) وابنه في انتظار طويل. تزيد هذه الازدواجية من الصراع في داخل الابن وتجعله - كما يقترح الفيلم في أحد مشاهده - على قاب قوسين من التخلص من أبيه بقتله حين يعود.
تنجلى لعبة الذكريات عن محاولة الخروج من الزمن الحالي وحياة المدينة صوب زمن (في الخمسينات) كانت الحياة فيه تتمتع بحرية أكبر. حرية تشبه حرية مئات طيور السنونو وهي تطير مشكِّلة حركة منسابة بارعة، كما في أحد المشاهد التي تدعم حب المخرج للتعامل مع الرمزيات بشاعرية.
الكاميرا هي عين مشتركة للمخرج ولجاك (بن) وللمشاهد، كما لو كانت تحلم بأن تحقق حلم الإنسان نفسه بالانطلاق بلا قيود؛ لكن حركة الانسياب الشكلي مهمة للغاية. مالك ومدير تصويره إيمانويل لوبيزكي ينجذبان صوب كل شكل فيه انسياب (خصوصاً وعلى نحو متكرر ذلك المشهد لأعشاب بحرية تتماوج كما لو كانت تؤدي رقصة ما). وهو - أي المخرج - مستعد لأن يقطع مشهداً تعتقد أنه سيستمر لأنه مهم، ويدلف إلى ما هو أهم، بمشهد يختلف عنه. وكم من مرة تتابع الكاميرا شخصية من شخصياتها وهي تتحرك وتتكلم، وتعتقد أنها ستواصل مصاحبتها لها، فإذا بها تتركها وتنحرف لالتقاط ما هو جانبي، وتحويله إلى ما هو أساسي.
بذلك يعامل مالك القصـة، لا معاملة من يريد سردها كحكاية؛ بل هي تتوالى كما لو كانت الحواشي، أما الأسس فهي الملاحظات البيئية والاجتماعية والسلوكية التي تنبت هذه الحكاية فيها.


أميركا سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة