«البعث» السوري يقود الانتخابات البرلمانية لتشكيل «مجلس حرب»

زيادة دور رجال الأعمال الجدد وقادة الميليشيات... والمال السياسي

عاملان أمام أنقاض مبانٍ في منطقة الزهراء في ريف حلب شمال سوريا امس. ( أ ف ب)
عاملان أمام أنقاض مبانٍ في منطقة الزهراء في ريف حلب شمال سوريا امس. ( أ ف ب)
TT

«البعث» السوري يقود الانتخابات البرلمانية لتشكيل «مجلس حرب»

عاملان أمام أنقاض مبانٍ في منطقة الزهراء في ريف حلب شمال سوريا امس. ( أ ف ب)
عاملان أمام أنقاض مبانٍ في منطقة الزهراء في ريف حلب شمال سوريا امس. ( أ ف ب)

تكشف قرارات اختيار قيادة حزب «البعث» الحاكم في سوريا مرشحيها والأحزاب المنضوية في «الجبهة الوطنية التقدمية» لانتخابات مجلس الشعب (البرلمان) في 19 الشهر الحالي، بما في ذلك المرشحين إلى المحافظات الخارجة عن سيطرة الحكومة -كلياً أو جزئياً- مثل الحسكة وإدلب والرقة، عن وجود ثلاثة اتجاهات: الأول، رغبة قيادة «البعث» بالعودة إلى مؤسسات الدولة، وتشكيل «مجلس حرب» لمواجهة العقوبات. والثاني، زيادة دور رجال الأعمال الجدد أو قادة تنظيمات قاتلت إلى جانب الجيش. والثالث، أهمية المال السياسي وسط أزمة اقتصادية تعصف بالبلاد.
وقد بدا أن دمشق ماضية في مسارها عبر ترتيب انتخابات، سواء البرلمانية كما حصل في 2012 و2016 أو الرئاسية كما حصل في 2014، بصرف النظر عن مسار عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة لتطبيق القرار 2254 الذي أقر في نهاية 2015، ونص على إجراءات إصلاح دستوري، تمهيداً لانتخابات برلمانية ورئاسية بإدارة الأمم المتحدة.
وكان المبعوث الأممي غير بيدرسن قد نجح في بداية أكتوبر (تشرين الأول) بترتيب عقد اجتماعات اللجنة الدستورية، من المعارضة والحكومة والمجتمع المدني، بعد الاتفاق على إجراءات العمل وقائمة المشاركين، ولكن سرعان ما تعثرت الاجتماعات وسط توقعات بأن تعقد الجولة المقبلة في نهاية أغسطس (آب) المقبل.
ولا تعترف الدول الغربية بنتائج الانتخابات السورية، وهي تدعم عملية السلام لتنفيذ القرار 2254، ولكن دمشق استمرت في مسارها، بصرف النظر عن السيطرة الجغرافية التي هي حالياً نحو 65 في المائة، بعدما انخفضت إلى 15 في المائة في منتصف 2015. وأعفى الرئيس بشار الأسد، الشهر الماضي، رئيس الحكومة عماد خميس من منصبه، وكلف وزير الموارد المائية حسين عرنوس بمهام رئيس الوزراء حتى إجراء الانتخابات البرلمانية التي تأجلت مرتين بسبب فيروس «كورونا». ويعتقد أن محافظ حمص السابق طلال برازي أبرز المرشحين لتسلم منصب رئاسة مجلس الوزراء بعد الانتخابات المقبلة.
- استئناس
بالنسبة إلى «البعث» الذي يفترض أنه لم يعد الحزب الحاكم بعد تعديل المادة الثامنة من الدستور في 2012، وكانت تضمن أنه «القائد للدولة والمجتمع»، جرب هذه المرة «الاستئناس» لإعطاء هامش أوسع لأعضائه باختيار المرشحين إلى انتخابات مجلس الشعب الذي يضم 250 عضواً، بينهم نحو 65 مستقلاً، من رجال الأعمال وغيرهم، وذلك بعد حملة انتقادات داخل الحزب لأدائه في السنوات الماضية، بينها ما يتعلق بانشقاق كثيرين عنه بعد احتجاجات 2011، وانقلاب الحاضنة الاجتماعية لـ«البعث» على قيادته. وقال الأسد، خلال اجتماع بقيادة الحزب قبل أيام: «تجربة الاستئناس الأخيرة، والإيجابيات والسلبيات التي تكشفت في سياق هذه العملية الانتخابية، وما حملته من دلالات، مهمة ليس فقط على المستوى البعثي، بل على المستوى الوطني أيضاً». وبمجرد إعلان قوائم «الجبهة الوطنية التقدمية»، التي تضم «البعث» وأحزاباً قومية وناصرية وشيوعية مرخصة في دمشق، بدأت الحملات الانتخابات منهم، والحملات من قبل رجال أعمال محسوبين على النظام، خصوصاً بالمدن الكبرى.
ومن خلال مراجعة القوائم، بدا أن الاتجاه الذي ظهر في الدورة السابقة ماض نحو مزيد من التثبيت، خصوصاً ما يتعلق بدخول رجال أعمال متنفذين إلى المجلس، مثل محمد حمشو أو سامر الدبس في دمشق، أو حسام قاطرجي في حلب، أو ما يتعلق بسعي قادة تنظيمات موالية لدمشق لـ«الشرعنة»، ومن بينهم فاضل وردة قائد أحد الفصائل في ريف حماة الذي رشح نفسه لتمثيل المدينة، أو باسل سودان قائد «كتائب البعث» الذي رشح عن اللاذقية.
وبلغ عدد المرشحين 8 آلاف و735 شخصاً من 15 دائرة انتخابية في مختلف المحافظات، سيتنافسون على 250 مقعداً. وتضم «قائمة الوحدة الوطنية»، التي أعلنها «البعث»، 166 مرشحاً «بعثياً»، و17 مرشحاً من بقية الأحزاب.
وتتنافس في دمشق 3 قوائم للتجار ورجال الأعمال، هي: «الياسمين»، و«دمشق»، و«شام». ويتزعم محمد حمشو المدرج على قائمة العقوبات الغربية، «قائمة شام»، وتضم 7 مرشحين، بينما يتزعم همام مسوتي وسامر دبس «قائمة دمشق»، فيما يتزعم حسان عزقول «قائمة الياسمين».
- حصص ضمنية
كان الباحثان زياد عواد وأغنيس فافير قد أعدا بحثاً مطولاً لـ«معهد الجامعة الأوروبية» عن الانتخابات، قالا فيه: «في وقت شكلت فيه انتفاضات عام 2011 تحدياً عميقاً للأنظمة الاستبدادية الحاكمة في العالم العربي، تبدو مسألة إجراء تحليل انتخابات برلمانية في وقت الحرب محورية من أجل تفهم كيف يحاول نظام ما تجديد قاعدته الاجتماعية التي من المفترض أنها انكمشت خلال السنوات الأولى من الصراع».
وكانت آخر انتخابات قد جرت في أبريل (نيسان) 2016 داخل بلد يعاني انقسامات عميقة، في وقت كانت فيه القوات التابعة للنظام لا تزال ضعيفة، تسيطر على أقل عن 40 في المائة من مساحة البلاد. وأفادت الدراسة بأنه «رغم الاضطرابات العميقة التي سببها الصراع، نظمت السلطات السورية الانتخابات على نحو شبيه بالعملية التي كانت سائدة فيما قبل الحرب، ولعبت القيادة الإقليمية لحزب البعث دوراً حيوياً في الاختيار المسبق للمرشحين، رغم فقدانه دور الحزب الرائد داخل المجتمع والدولة في دستور عام 2012».
وحصل «البعث» على أكثر من الـ67 في المائة من المقاعد التي يستحوذ عليها داخل المجلس. وجاءت الزيادة البسيطة التي طرأت على مقاعده على حساب كل من الأحزاب الأخرى المسموح لها بالعمل والمستقلين، الذين لم تتضاءل سابقاً أعداد المقاعد التي يستحوذون عليها إلى مثل هذا المستوى منذ عام 1990.
ومن ناحية أخرى، ورغم أن توزيع المقاعد تبعاً للمجموعات الطائفية والعرقية والدينية ليس نمطاً من التمثيل معترف به داخل المجلس، فإن «الحصص الضمنية» التي سبق أن جرى تطبيقها لحساب الأقليات خلال العقد السابق للحرب ظلت كما هي إلى حد كبير دون تغيير. وقالت الدراسة: «الصورة العامة لأعضاء البرلمان تكشف تغييرات كبيرة طرأت على الفئات التقليدية التي عادة ما كان يجري تمثيلها داخل مجلس الشعب قبل الحرب، وتضمنت أعضاء نشطين في حزب البعث أو التنظيمات الشعبية والنقابية المرتبطة به، والأعيان والقيادات القبلية، ورجال الأعمال، ورجال الدين والشخصيات العامة».
وباستثناء «البعثيين» الذين كانوا لا يزالون الأكثر عدداً عام 2016 «طرأت تغييرات عميقة على سمات ممثلي جماعات المصالح الأخرى، مثل رجال الأعمال ورجال الدين والزعامات القبلية الذين عادة ما كان يجري اختيارهم بصفتهم (مستقلين)، وظهرت فئات اجتماعية جديدة، مثل قادة الميليشيات وأسر قتلى الجيش».
- مجلس حرب
صحيح أن قيادة «البعث» سمت مرشحي إدلب، ولكن الانتخابات ستحصل في حماة، في ضوء أن المحافظة خارجة عن السيطرة، وتسير فيها هدنة برعاية روسية - تركية. وتستضيف حماة أيضاً مرشحي الرقة التي تقع تحت سيطرة حلفاء واشنطن (قوات سوريا الديمقراطية)، في حين تجري انتخابات جزئية في الحسكة، في ظل أنه لا يزال هناك «مربع أمني» للحكومة في الحسكة والقامشلي، وإن كان ريفها يقع تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» والتحالف الدولي.
وما يسري في هذه المناطق يسري على المحافظات الأخرى، إذ «تتمثل السمة المشتركة بين الوافدين الجدد على عضوية البرلمان في أنهم شاركوا في جهود الحرب إلى جانب النظام. وبدت التغييرات في أوضح صورها داخل المحافظات التي شهدت تحولات عسكرية أو سياسية أو ديموغرافية كبرى (حلب ودرعا وريف دمشق ودير الزور والرقة) أكثر عن الأخرى التي لم يطلها العنف (دمشق واللاذقية وطرطوس)، أو أعادت قوات النظام السيطرة عليها في وقت مبكر (حمص)».
وبدا مجلس 2016-2020 شبيهاً بـ«مجلس حرب»، حسب توصيف الدراسة، إذ عكس 3 أولويات للنظام، في واحدة من أكثر الفترات حساسية من الصراع المسلح: أولاً، كان النظام بحاجة إلى الترويج لأكثر أنصاره نشاطاً (المشاركين في النشاطات العسكرية والدعائية) بمختلف أرجاء البلاد، في وقت كان هدفه الأول الفوز بالمعركة العسكرية. وثانياً، يكشف الوجود الواسع لـ«البعثيين» التقليديين قراراً باستعادة الدور المركزي للحزب في الإبقاء على مؤسسات الدولة حية بعد الأزمة الداخلية والتحولات داخل الحزب خلال السنوات الأولى من الانتفاضة. وثالثاً، يكشف انتخاب عناصر جديدة (مثل أعضاء أسر القتلى) حاجة النظام للإبقاء على قاعدته الاجتماعية، خاصة بين الأقليات.
- لقمة عيش
تأتي انتخابات 2020 في ظروف مختلفة لجهة تعمق الأزمة الاقتصادية، وتدهور سعر صرف الليرة السورية، جراء تصاعد العقوبات الغربية، وبدء تنفيذ «قانون قيصر» الأميركي، وتجديد العقوبات الأوروبية، وتلاشي وعود بدء عملية الإعمار، بدعم عربي وغربي، بعد استعادة قوات الحكومة سيطرتها على مناطق واسعة من البلاد.
وعليه، لوحظ تنامي دور «المال السياسي»، سواء فيما يخص دفع أموال من بعض الراغبين بالترشح لضمان إدراج أسمائهم في القوائم المفضلة، والحصول على «شرعنة سورية» في المجلس، أو فيما يخص بدء تردد معلومات عن عدد من السوريين الذين «سيصوتون لمن يدفع أكثر ثمناً للصوت».
إضافة إلى ذلك، فإن الإجراءات المتخذة ضد رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري، تركت صداها في الانتخابات، سواء بتهميش المحسوبين على أحد جناحي «الحزب السوري القومي الاجتماعي» الذي كان يدعمه أو في بروز دور رجال أعمال وسياسة آخرين برز دورهم بعد ذوبان دور مخلوف.

 



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».