فتيان من دون أرجل يعملون في مهن شاقة بانتظار «أطراف صناعية»

مراكز طبية شمال سوريا تصنع قطعاً محلية بأسعار معقولة

فتى فقد ساقه جراء القصف على شمال سوريا (الشرق الأوسط)
فتى فقد ساقه جراء القصف على شمال سوريا (الشرق الأوسط)
TT

فتيان من دون أرجل يعملون في مهن شاقة بانتظار «أطراف صناعية»

فتى فقد ساقه جراء القصف على شمال سوريا (الشرق الأوسط)
فتى فقد ساقه جراء القصف على شمال سوريا (الشرق الأوسط)

مع امتداد رقعة الحرب في سوريا وما خلفته من آلاف الضحايا والمصابين والمبتورين خصوصاً في شمال غربي البلاد، كان الأطفال والفتيان الفئة الأكثر تضرراً من الحرب التي سلبتهم طفولتهم، وذلك بعد تعرضهم لإصابات وما نتج عنها من حالات بتر حرمتهم من أدنى حقوقهم في الحركة والتنقل.
ويقول الفتى خالد الحسين (12 عاماً) لـ«الشرق الأوسط»: «أصبت نتيجة غارة للطيران الحربي أثناء ذهابي مع والدي إلى سوق المدينة، ما أدى لمقتل والدي وإصابتي إصابة جسيمة فقدت قدمي على أثرها». ويضيف: «لم أستطع رؤية شيء حينها، الدخان والغبار هو أكثر ما رأيته في تلك اللحظة، وجدت نفسي بعدها على سرير المشفى وقدمي مبتورة، حاولت أنا أحركها كثيراً ولكن لم أستطع، كل ما استطعت فعله هو البكاء فقط».
يصمت قليلاً، ثم يتابع: «أعاني من ألم شديد في أدنى حركاتي لعدم إمكانية تركيب طرف صناعي بسبب سعره المكلف وهو ما لا طاقة لأهلي به، خصوصاً بعد وفاة والدي؛ إذ لم يعد لنا من ينفق علينا ويؤمن مستلزماتنا المعيشية».

عمل شاق
يعمل خالد في بيع المثلجات على أرصفة الطرقات لتأمين لقمة العيش التي بات الوصول إليها صعب المنال، وهو عمل لا يخلوا من المشقة ولا يتلاءم مع إصابته لأنه يحتاج إلى التنقل المستمر، ويأمل في أن يستطيع تأمين طرف صناعي عن طريق إحدى المنظمات الإنسانية؛ ما يمكنه أن «يغنيني عن العكاز الذي رافقته طيلة إصابتي».
يعاني الأطفال السوريون في الشمال الذين تعرضوا لبتر أحد أطرافهم من نقصٍ في المستلزمات العلاجية ومراكز تركيب الأطراف الصناعية في هذه المناطق؛ إذ يعدّ الحصول على طرف صناعي بمثابة حلم قد يعيد لهم جزءاً من الحياة التي سلبت منهم. وتعرب راما (36 عاماً)، والدة خالد، عن حزنها وألمها للوضع المزري الذي وصل إليه طفلها، وتقول: «النظرة الدونية التي ينظرها أصدقاؤه له تؤلم خالد أكثر من ألم إصابته بأضعاف، حيث بات يفضل الانسحاب من أي نشاط مع أصدقائه، مختاراً العزلة والانطواء، وملتفتاً إلى عمله فقط دون الرغبة في الاختلاط مع الآخرين»، مشيرة إلى الحالة النفسية السيئة التي وصل إليها لشعوره بالعجز والضعف.
من جهتها، تقول المرشدة النفسية والاجتماعية علا المنصور: «يعاني المجتمع في الداخل السوري من قلة الوعي تجاه هذه المسألة الحساسة، فثقافة التقبل والاعتراف بالشخص وحقوقه لا تزال غائبة عنهم، مما يجعل الأطفال من فاقدي الأطراف يعانون من التنمر المحيط بهم، الأمر الذي يجبرهم على العزلة المجتمعية ويؤخر من عملية علاجهم بسبب الصدمة النفسية والألم الكبير الذي يعيشونه».
وصل عدد الضحايا الأطفال على يد الأطراف الرئيسية الفاعلة في سوريا منذ مارس (آذار) 2011 وحتى مارس 2020 إلى 29 ألفاً و257 طفلاً قضوا، بحسب إحصائية نشرتها «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، بينما وثقت منظمة الصحة العالمية ومنظمة «هانديكاب إنترناسيونال» إصابة نحو 3 ملايين في الحرب؛ ضمنهم مليون طفل؛ تعرض 86 ألفاً منهم لبتر أحد الأطراف.

أصدقائي يلعبون
«كل رفقاتي بيقدروا يلعبوا؛ إلا أنا ما بقدر»، بهذه الكلمات تلخص الطفلة خلود الحمدان ذات السنوات التسع معاناتها مع بتر قدميها، لتكون إحدى الضحايا اللاتي دمرتهن غارات النظام وروسيا، بعد سقوط صاروخ متفجر على منزلها أدى لإصابتها إصابة بليغة. تقول خلود: «أتمنى أن ألعب برفقة إخوتي وصديقاتي، لكنني لا أستطيع؛ بسبب إصابة قدمي. حلمي أن أركب قدمين جديدتين لكي أستطيع التحرك كما أشاء».
تتراوح تكلفة الطرف الصناعي بين 1000 و2500 دولار؛ حسب جودته وتلاؤمه مع الإصابة، وهو سعر خيالي بالنسبة لأهالي إدلب وريفها نتيجة الواقع الاقتصادي المتردي والمنهك الذي يعيشونه بسبب الغلاء والفقر والبطالة، مما دفع ببعض العاملين في هذا المجال لصناعة أطراف محلية الصنع نظراً لتكلفتها القليلة نسبياً مقارنة بالأطراف المستوردة؛ إذ لاقت هذه الأطراف إقبالاً كبيراً من الأشخاص ميسوري الحال، فمعظم هذه الأطراف يتلاءم مع كثير من الإصابات؛ مما يخفف من معاناة المصابين.

أطراف محلية
يقول الطبيب محمد الكلي، أحد الأطباء المختصين بصناعة الأطراف: «نعمل على تصنيع القطع الأولية في مركز التصنيع الخاص بنا، بينما يتم شراء القطع الجاهزة والتي لا يمكن تصنيعها من الخارج، نبدأ بعدها بمعاينة الطفل المصاب، وأخذ حجم إصابته، بالإضافة للقياسات اللازمة، لتبدأ عملية تصنيع الطرف، وتدريب المصاب عليه؛ حيث تختلف فترة التدريب من شخص لآخر حسب نوع الإصابة. نستقبل جميع الأشخاص المبتورين والمحولين بوصفة طبية من كل المناطق المحررة، ويبلغ سعر الطرف نحو 700 دولار أميركي، وهو مبلغ مقبول بالنسبة لأسعار الأطراف المستوردة والأطراف الذكية».
ودعمت بعض المراكز والفرق التطوعية شريحة الأطفال المبتورين الذين ازداد عددهم بشكل ملحوظ في الشمال السوري بعد سنوات الحرب؛ إذ تعمل هذه المراكز على دمج هذه الفئة المهمشة بالمجتمع عن طريق النشاطات التعليمية والثقافية والنفسية.
مدير «مركز عقول مبدعة» عمار هلال، وهو من فئة ذوي الاحتياجات الخاصة وذلك بعد إصابة حربية تسببت في بتر قدمه اليمنى، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نظراً لازدياد الأطفال المبتورين في الشمال السوري وحاجتهم الماسة للوقوف إلى جانبهم، عملنا على افتتاح هذا المركز .



إلحاق مهاجرين أفارقة بمعسكرات تجنيد حوثية

المهاجرون يتعرّضون للانتهاكات في مناطق سيطرة الحوثيين (الأمم المتحدة)
المهاجرون يتعرّضون للانتهاكات في مناطق سيطرة الحوثيين (الأمم المتحدة)
TT

إلحاق مهاجرين أفارقة بمعسكرات تجنيد حوثية

المهاجرون يتعرّضون للانتهاكات في مناطق سيطرة الحوثيين (الأمم المتحدة)
المهاجرون يتعرّضون للانتهاكات في مناطق سيطرة الحوثيين (الأمم المتحدة)

ألحقت جماعة الحوثيين مئات المهاجرين الأفارقة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء بمعسكراتها التي تقيمها للتعبئة العسكرية، ضمن حملات تجنيد تستهدف جميع الفئات؛ استعداداً لإشراكهم فيما تسميه الجماعة «معركة الجهاد المقدس» لتحرير فلسطين.

ودفعت الجماعة الحوثية في الأيام الأخيرة بأكثر من 220 مهاجراً أفريقياً، بينهم أطفال وكبار سن للالتحاق بدورات عسكرية سرية أُقيمت في مناطق عدة في صنعاء وريفها تحت اسم دورات «طوفان الأقصى»، حسب ما ذكرته مصادر يمنية مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

أفارقة استقطبهم الحوثيون في صنعاء (إعلام محلي)

ويسعى الحوثيون إلى تدعيم صفوفهم بمقاتلين جُدد، عبر تنفيذ عمليات ملاحَقة وخطف واستقطاب وغسل أدمغة وإجبار على الالتحاق بدورات طائفية وعسكرية.

ووفقاً للمصادر، فإن مئات المهاجرين الأفارقة المستهدفين بعملية التجنيد الأخيرة هُم ممن جرى القبض عليهم قبل فترة، ونقلهم على دفعات من محافظة صعدة المعقل الرئيسي للجماعة إلى معسكرات تدريب تعبوية وعسكرية أُنشئت بعيداً عن متابعة المنظمات الدولية ورقابتها.

واتهمت المصادر جماعة الحوثي بالقيام بمساومة أعداد من المهاجرين بين الالتحاق بصفوفها للقتال أو ترحيلهم قسراً إلى مناطق سيطرة الحكومة اليمنية. وذكرت أن ذلك الاستهداف يُعد ترجمة لتوجيهات كان أصدرها زعيم الجماعة الحوثية، تحضّ على إنشاء معسكرات تعبئة المهاجرين.

وجاءت هذه الممارسات متوازية مع إقرار الجماعة بشنّ حملات تعقب ومطاردة للمهاجرين الأفارقة في محافظة صعدة أسفرت خلال شهر واحد عن اعتقال 1694 شخصاً من مناطق عدة بالمحافظة، واقتيادهم إلى مراكز احتجاز، بعضها يتبع ما تُسمّى «مصلحة الهجرة»، وفق ما بثّه مركز الإعلام الأمني الحوثي.

مهاجرون أفارقة في إحدى المناطق اليمنية (إكس)

كما أقرت الجماعة الحوثية، عبر تقارير أخرى صادرة عن أجهزتها الأمنية في صنعاء، بتنفيذها، منذ مطلع العام الحالي، حملات تعقب وملاحَقة وخطف، أسفرت عن اعتقال ما يزيد على 3480 مهاجراً في صعدة ونقلهم إلى صنعاء.

انتهاك مستمر

يأتي الاستهداف الحوثي للمهاجرين الأفارقة مع استمرار تعرّض المئات منهم لشتى صنوف الانتهاك والابتزاز، وفق ما ذكرته مصادر حقوقية وتقارير دولية.

وتبرّر الجماعة الحوثية عملياتها الاستهدافية المستمرة ضد اللاجئين بسبب ما تزعمه من «خطورتهم على المجتمع»؛ حيث ترحّلهم من معقلها الرئيسي في صعدة، ومن مدن أخرى، وتجميعهم في مراكز تابعة لها في صنعاء، ثم إلحاقهم بمعسكرات تجنيد واستخدامهم في مهام تجسسية وتهريب ممنوعات.

وسبق أن اتّهم ناشطون يمنيون الجماعة الحوثية باستحداث معسكرين تدريبيين جديدين؛ أحدهما بمحافظة صعدة، وآخر قرب مزارع «الجر» غرب مديرية عبس التابعة لمحافظة حجة؛ حيث تستقطب الجماعة إليهما مئات المهاجرين الأفارقة الواصلين تباعاً إلى الأراضي اليمنية؛ بهدف إلحاقهم بجبهات القتال، واستخدامهم بمهام استخباراتية وتنفيذ مخططات استهدافية.

المهاجرون الأفارقة يتدفقون إلى الأراضي اليمنية عبر شبكات التهريب (الأمم المتحدة)

وكانت الحكومية اليمنية ندّدت غير مرة باستمرار الجماعة الحوثية في تجنيد اللاجئين الأفارقة للقتال في صفوفها، وعدّت ذلك جريمة حرب وانتهاكاً للقوانين الدولية والمواثيق الإنسانية.

وفي تقرير سابق لها، اتّهمت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات الحوثيين بإخفائهم قسرياً نحو 2406 يمنيين من مختلف الفئات والأعمار، مضافاً إليهم 382 لاجئاً أفريقياً في 17 محافظة، في الفترة من 1 يناير (كانون الثاني) 2017 حتى منتصف العام الماضي.