حلفاء نيودلهي يسرّعون إمدادها بالأسلحة

أنظمة دفاعية من فرنسا وإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة في ظل ازدياد التوتر مع الصين

مودي يقوم بزيارة خاطفة لقواته في المنطقة الحدودية مع الصين في ظل ازدياد الضغوط المحلية عليه (أ.ب)
مودي يقوم بزيارة خاطفة لقواته في المنطقة الحدودية مع الصين في ظل ازدياد الضغوط المحلية عليه (أ.ب)
TT

حلفاء نيودلهي يسرّعون إمدادها بالأسلحة

مودي يقوم بزيارة خاطفة لقواته في المنطقة الحدودية مع الصين في ظل ازدياد الضغوط المحلية عليه (أ.ب)
مودي يقوم بزيارة خاطفة لقواته في المنطقة الحدودية مع الصين في ظل ازدياد الضغوط المحلية عليه (أ.ب)

في خضمّ المواجهات العسكرية القائمة والممتدة ما بين الهند والصين على الحدود الشرقية بين البلدين في إقليم لاداخ، يسرع حلفاء الهند من أمثال فرنسا، وإسرائيل، وروسيا، والولايات المتحدة الأميركية من تزويد نيودلهي بشحنات الأسلحة، من طائرات مقاتلة، وأنظمة الدفاع الجوية. من إسرائيل نظام «القبة الحديدية» من أجل نشره على طول المناطق الحدودية بين الهند والصين، وبطاريات «هاويتزر» المدفعية من الولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن المزيد من الذخائر الواردة من روسيا والطائرات المقاتلة القادمة من فرنسا.
هذا، ومع تفاقم الصراع العسكري مع الصين إثر مقتل 20 جندياً هندياً، عقدت لجنة الشؤون الأمنية الهندية اجتماعاً طارئاً قبل ثلاثة أسابيع بهدف مناقشة تداعيات الموقف المتصاعد على الحدود الشرقية، ومحاولة سد الثغرات الناشئة في الاستعدادات الدفاعية، تأهباً لأسوأ السيناريوهات المحتملة على جبهتين في آن واحد ضد الصين وباكستان.
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أدلى بتصريحات موجهة إلى بكين، وذلك خلال جولته الخاطفة الجمعة في المنطقة التي شهدت اشتباكات بين قوات هندية وصينية، في منتصف الشهر الماضي. وقال مودي مخاطباً القوات الهندية في الموقع الحدودي في لاداخ: «انتهى عصر السياسة التوسعية، هذا هو عصر التطور. إن التاريخ شاهد على هزيمة القوات التوسعية أو اضطرارها إلى العودة إلى أدراجها». وأضاف: «أظهرت القرون الماضية أن السياسة التوسعية دمرت الإنسانية. إن عقلية التوسع هذه لطالما شكلت خطراً جسيما على السلام العالمي».
وتبعث زيارة مودي برسالة قوية للصين حتى رغم تعرضه للضغوط على الصعيد المحلي تطالبه بالرد على الغزو الصيني للأراضي الهندية، حسبما ذكرت وسائل الإعلام الهندية. وكان برفقة مودي، رئيس أركان الجيش الهندي، الجنرال بيبين راوات، وقائد الجيش الجنرال مانوج موكوند نارافاني.
وعلى الرغم من ثلاث جولات متسارعة من الاجتماعات المطولة بين القادة العسكريين الهنود والصينيين بشأن تهدئة حدة التوترات في المنطقة الحدودية، فإنه لا يبدو أن هناك حلاً حقيقياً حيث يتخذ كل جانب منهما موقفاً صارماً تلقاء الآخر.
كما منحت الحكومة الهندية أيضاً صلاحيات مالية كبيرة لصالح القوات المسلحة الهندية، التي تتمكن بموجبها من شراء أي نظم من الأسلحة التي تحتاج إليها. وتُقدر الميزانية الدفاعية الهندية للسنة المالية 2020 - 2021 بقيمة 73.65 مليار دولار أميركي مقارنة بالميزانية الدفاعية الصينية الهائلة التي تُقدر بنحو 230 مليار دولار أميركي.
وبرزت فرنسا باعتبارها أكبر المؤيدين العسكريين للهند، وحولت الحكومة الفرنسية بعض العتاد الدفاعي المخصص لقواتها الجوية الوطنية إلى القوات المسلحة الهندية.
ومن المقرر أن تصل ست مقاتلات فرنسية من طراز «رافال» على الأقل إلى الهند بحلول 27 يوليو (تموز) الحالي. ويمكن نشر المقاتلات الفرنسية الحديثة لتنفيذ المهام القتالية بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً. وكان من المفترض لتلك التدابير العسكرية أن تتم بعد مرور عدة شهور من تسليم الطائرات المقاتلة الفرنسية إلى القوات المسلحة الهندية، ولكن يبدو أن الحكومة الفرنسية قد وافقت على الإسراع من إرسال المقاتلات والصواريخ الملحقة بها بناء على طلب مباشر من الحكومة الهندية.
وسيجري نشر نظام الدفاع الإسرائيلي على طول الحدود المشتركة مع الصين. وأفادت المصادر المطلعة لدى الحكومة الهندية بأن نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي - الذي لم يتمّ الإفصاح عنه حتى الآن - من المحتمل أن يخرج من المستودعات الحالية لقوات الدفاع الإسرائيلية، ومن شأنه أن يستكمل منظومة الدفاع الجوي في قطاع لاداخ الحدودي.
كما سوف تحصل الهند كذلك على قنابل طراز «سبايس 2000» من إسرائيل، التي استخدمت في مهاجمة الأهداف في إقليم بالاكوت في عام 2019، على مسافة تبعد 60 كيلومتراً من خط السيطرة الفعلية بين الهند والصين.
- الدور الروسي والأميركي في الصراع
في حين أن أغلب الخبراء والمحللين كانوا يتحدثون حول احتمالات أن جنوح الهند صوب الولايات المتحدة عسكرياً، فإن وزير الدفاع الهندي راجناث سينغ زار موسكو في أول الأمر بحثاً عن التسليم العاجل لشحنات الأسلحة، وقطع الغيار، والصواريخ، والذخائر، التي طالبت بها القوات المسلحة الهندية على نحو فوري وعاجل في غضون أسابيع معدودة. ولا تزال نسبة 60 في المائة من نظم الأسلحة التي تستخدمها القوات المسلحة الهندية القوية – البالغ عددها 1.5 مليون مقاتل – ذات أصول روسية شرقية، على الرغم من أن الحكومة الهندية قد لجأت وبصورة متكررة إلى الولايات المتحدة الأميركية، وإلى فرنسا وإسرائيل، بغية استيراد نظم الأسلحة الحديثة على مدى السنوات الـ15 الماضية.
وفي تلك الأثناء، توجهت الحكومة الصينية إلى حليفتها روسية، إذ برزت بكين كثاني أكبر العملاء لدى روسيا (بعد الهند) من حيث تلبية احتياجاتها من الأجهزة، والأسلحة، والعتاد، والبرمجيات العسكرية لدى جيش التحرير الشعبي الصيني، البالغ تعداده 2.2 مليون مقاتل. وتأتي أكثر من 70 في المائة من واردات الصين من الأسلحة حالياً من روسيا. وتبحث الحكومة الهندية في الآونة الراهنة في سبل التوصل إلى التسليم السريع لمنظومة الدفاع الجوي الروسي المتقدمة طراز «إس 400». وتفيد التقارير الإخبارية بأن الصين – وهي الشريك الاستراتيجي لروسيا – تملك بالفعل تلك المنظومة الدفاعية المتطورة في ترسانتها العسكرية. وقيل أيضاً إن قوات جيش التحرير الشعبي الصيني قد قامت بالفعل بنشر بطاريات «إس 400» الدفاعية في إقليم لاداخ الحدودي.
والسؤال هو: كيف سوف يكون شكل الدور الروسي في الصراع ما بين الهند والصين، لا سيما مع العلاقات الثنائية الودية التي تربط موسكو بكل من بكين ونيودلهي؟
يقول المحلل الهندي المخضرم راجا موهان معلقاً: «ظهرت روسيا في دور اللاعب الرئيسي في خضم التوترات الراهنة بين الهند والصين. ومع ذلك، تمارس بكين الضغوط المستمرة على موسكو بهدف عدم بيع الطائرات المقاتلة الحديثة إلى الهند. وإن الطريقة التي تستجيب بها الحكومة الروسية للطلبات العسكرية الهندية والدعم والإسناد في هذه المواجهات الحالية ضد الصين سوف يكون لها أبلغ الأثر وأكبره على تطور العلاقات في المستقبل بين نيودلهي وموسكو».
وعلى العكس من موقف الحياد الروسي المعلن ما بين الهند والصين، خرج الموقف الأميركي مؤيداً تماما لصالح نيودلهي. وإذا كانت تصريحات الرئيس الأميركية بشأن الوساطة ما بين الهند والصين مثيرة للغضب، فإن الحكومة الهندية تلاحظ أيضاً الدعم العلني الواضح من المؤسسة الدفاعية الأميركية ومن السياسة الخارجية في واشنطن ضد العدوان الصيني على الهند.
يقول الصحافي الهندي شيشير أوباديايا: «لقد دعمت الولايات المتحدة الحكومة الهندية في ظل تصاعد التوترات على الحدود بين الهند والصين. غير أن واشنطن تملك حزمتها الخاصة من الدوافع التي تحفزها لتشجيع الأعمال العدائية من جانب الهند».
تباشر الولايات المتحدة في الآونة الراهنة تزويد القوات المسلحة الهندية بالمعلومات الاستخبارية، وصور الأقمار الصناعية.
وتقوم القوات المسلحة الهندية بتسيير الطائرات الأميركية على طول الحدود في إقليم لاداخ خلال الأيام الحالية، بما في ذلك طائرات النقل الثقيلة من طراز «سي – 130». وكذلك مروحيات «شينوك» الناقلة، ومروحيات «أباتشي» المقاتلة.
ومع ذلك، يقول البروفسور الهندي فيبين نارانغ: «تكمن الأزمة في العلاقات الثنائية الأميركية الهندية في حقيقة مفادها أن جزءاً كبيراً من الأسلحة الهندية لا يزال روسي الأصل. فكيف يمكن للجيشين الهندي والأميركي المشاركة في المواجهات العسكرية معاً في ظل التباعد الكامل بين نظم الأسلحة لدى الجانبين؟».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended