أونغاريتي... صداقة مع شاعر مصري تحوّلت بقوة الشعر إلى أسطورة

50 عاماً على رحيل الشاعر الذي ولد وشبّ في الإسكندرية

جوزيبى أونغاريتي
جوزيبى أونغاريتي
TT

أونغاريتي... صداقة مع شاعر مصري تحوّلت بقوة الشعر إلى أسطورة

جوزيبى أونغاريتي
جوزيبى أونغاريتي

إيطاليا لا تريد نسيان الأسماء الثقافية التي نسجت التاريخ الوجداني في حياة الإيطاليين والعالم، وهي تستحضر دائماً آثارهم الأدبية والفكرية من خلال مناسبات تتعلق بذكرى ولادة أو رحيل، مستخدمة منصاتها الثقافية وقنواتها التلفزيونية الثقافية المختصة ومحطات الراديو التابعة للدولة.
وهذا ما حصل بمناسبة مرور 50 عاماً على رحيل الشاعر جوزيبي أونغاريتي، الذي ولد في مدينة الإسكندرية بمصر عام 1888 لأبوين إيطاليين من أصول فلاحية، نزحا من مدينة لوكا، وهي مدينة صغيرة بمقاطعة توسكانا بوسط إيطاليا، إلى مدينة الإسكندرية التي كانت حينها من محطات الهجرة المهمة بالنسبة للإيطاليين، مثل العديد من المدن الأميركية. انضم أبوه لأعمال الحفر ونقل الأتربة في عمليات الحفر بقناة السويس البحرية، وكان عاملاً بسيطاً، وفي العام نفسه تدهورت صحة الأب كثيراً ليتوفى عام 1890. أما الأم فقد تكفلت بعيش العائلة، فقد كانت تملك مخبزاً في حي محرم بك. وفي آخر لقاء تلفزيوني أجرته القناة الرسمية (راي) للدولة، قال أونغاريتي: «لقد تشبعت بأجواء الثقافات العربية والفرنسية واليونانية التي كانت تعيش متزامنة ومتآخية في مدينة الإسكندرية الكوزموبولتية». ومع أنه كان يجيد العربية، إلا أنه كان مولعاً بالآداب الفرنسية تحديداً من خلال متابعاته المستمرة للدوريات الفرنسية، فتعرف على الكتابات والأسماء الفاعلة في حقل الإنتاج الأدبي والشعري الفرنسي بالتحديد، مثل بودلير وملارميه التي تركت أفكاره أثراً حاسماً على اختيارات أونغاريتي الشعرية فيما بعد. ثم تعرف على أفكار وطروحات العديد من الفلاسفة الألمان، على رأسهم فردريك نيتشه.
وفي هذه الأثناء التقى في المدرسة السويسرية بصديق الطفولة والصبا، محمد شهاب، وهو شاعر ومثقف مصري، ليرتبطا بعلاقة صداقة حميمية، وانضما معاً عام 1908 إلى مجموعة من المثقفين، الذين تحلقوا حول الكاتب الإيطالي أنريكو بيّا الذي هاجر إلى مصر من أجل إيجاد فرص للعمل، فاستقر في الإسكندرية هو الآخر، واستأجر بيتاً وملحقاً كورشة عمل، مبنية من الصفيح والخشب يعمل فيها بقطع الأخشاب والأحجار، وحوّل البيت الملحق بالورشة إلى «ثكنة» للقاءات المثقفين والشعراء، وكانوا يلتقون بشكل دوري في بيته للحوار وتبادل الأفكار الجديدة.
في عام 1912 غادر الشاب جوزيبي، الإسكندرية، ليلتحق بصديق طفولته وصباه محمد إبراهيم شهاب، بقصد الدراسة في جامعة السوربون، لدراسة القانون تلبية لطلب والدته، وأثناء سفره إلى مرسيليا، ترسو الباخرة في أحد الموانئ الإيطالية في الجنوب، ليتعرف للمرة الأولى في حياته على إيطاليا. وسرعان ما تحول بعد التحاقه بكلية القانون بجامعة السوربون إلى دراسة الفلسفة، ليتابع محاضرات بروغسن وبيديه، وعدد من أصحاب العقول النيرة من أساتذة السوربون. وبدأ بتحقيق لقاءات بمجاميع المثقفين والفنانين الإيطاليين، فيعرف بشكل مباشر على بيكاسو ومودلياني وبراك وبوتشينو ودي كيريكو وفرناند ليجيه، وارتبط بصداقات عميقة مع الشاعر أبولينير. وفي ليلة من ليالي الصيف، عاد أونغاريتي إلى غرفته بالفندق ليجد صديقه الحميم محمد شهاب قد شنق نفسه بالغرفة المشتركة. لقد وقع نهباً لاكتئاب حاد، وغرق في عزلته، ثم هجر دروس الحقوق في السوربون، مكتفياً بكسب لقمة العيش بوصفه محاسباً، لينتهي بإقدامه على الانتحار في التاسع من سبتمبر (أيلول) عام 1913.
لقد ترك انتحار محمد شهاب تأثيره البالغ على قصائد أونغاريتي، ورثاه في العديد من قصائده:
آه.. أرغب أن أنطفئ مثل
قنديل في تباشير الصباح الأولى
عند السابعة صباحاً
رافقته صحبة صاحبة الفندق
حيث كنّا نقيم في باريس
في 5 شارع لي كارم
في درب باهت يميل للانحدار

ويقول في قصيدة أخرى عن صديقه:
يرقد في مقبرة إيفري
وهي ضاحية تبدو
أنها كفت عن الحياة
في اليوم
الذي انتهى فيه الاحتفال
ووحدي من يعرف
إنه كان حياً يرزق

بعد عودته إلى إيطاليا، شارك بقوة في حملة الاحتجاجات ضد السلطات الإيطالية لمشاركتها في الحرب، فاعتقل لفترة قصيرة، وبدأ مرحلة التفرغ لكتابة الشعر في مدينة ميلانو. شارك أونغاريتي في الحرب العالمية الأولى بوصفه جندياً. وسوف يتذكر سنة 1916 في غمرة الأهوال صديقه الراحل محمد شهاب، ويكتب بتأثير ذلك عدداً من قصائد الرثاء، التي حظيت باستقبال جيد، وترجمت إلى لغات عالمية عدة. ووصفت الباحثة الفرنسية إيزابيل فيولانتي، التي أعدت أطروحة جامعية عن جوزيبي أونغاريتي، رابطة الصداقة بين أونغاريتي ومحمد شهاب بأنها «تحولت بقوة الشعر إلى أسطورة. وعلى الرغم من المظهر التراجيدي لهذه الحكاية، ذهب البعض إلى اعتبارها تمثيلاً للقاء الشرق والغرب».
أفلح أونغاريتي في المقابل في الاستفادة من منفاه، وشرع في الكتابة في البداية باللغة الفرنسية، قبل أن يختار الكتابة باللغة الإيطالية. وسيجعل من صديقه الراحل بطلاً للعديد من قصائده، أبرزها قصيدة «كالومي» التي اشتمل عليها الديوان المخصص لتجربة الحرب:
ما الذي جاء به إلى باريس/ وهو مفتقر إلى العائلة والحب والأصدقاء والأمل؟/ منح شهاب لنفسه هوية فرنسية واسماً فرنسياً/ اختار لنفسه اسم مارسيل/ وقد ألفى نفسه مبعداً ومنفياً ومقصياً/ لكنه لم يكن فرنسياً/ ولم يعد في مقدوره العيش تحت خيمة أسلافه/ وهو يصغي إلى الأغاني الشعبية والقرآن ويتلذذ بطعم القهوة.
ما بين باريس وميلانو وروما، وفي عام 1934 صدرت أول ترجمة لأشعاره باللغة التشيكية، وفي عام 1935 بدأ بكتابة المقاطع الأولى من قصيدته الطويلة «الأرض الموعودة». وفي العام الذي أعقبه أصدرت له دار نشر في روما مجلداً ضم ترجمات لقصائد مختارة من أعمال شعراء فرنسيين وأميركيين وإنجليز، وفي العام نفسه دعته الحكومة الأرجنتينية للمشاركة بمؤتمر نادي القلم، وعرضت عليه جامعة ساوباولو البرازيلية، أن يترأس قسم الدراسات اللغوية الإيطالية، لكنه عاد إلى روما ليدّرس بجامعتها كأستاذ لمادة الأدب الإيطالي المعاصر، وفي الوقت نفسه أصدر ترجمته لأشعار شكسبير.
وفي عام 1947 تم فصله من اتحاد الكتاب الإيطاليين بدعوى دعمه ومساندته للفاشية، وفي عام 1948 أصدر مجلداً بترجماته الشعرية، وألحقه في عام 1949 بكتاب يضم أعماله النثرية تحت عنوان «الفقير في المدينة»، وفي العام نفسه نال جائزة روما للشعر.
وفي عام 1958 نظم له رسمياً احتفال فخم بمناسبة بلوغه السبعين، وأصدرت مجلة الشعر عدداً خاصاً تكريماً له. في عام 1962 انتخب بإجماع الأصوات رئيساً لاتحاد كتاب إيطاليا. وبعد 6 سنوات، مات على نحو مفاجئ في مدينة ميلانو.
ولعل النقطة السوداء في سيرة أونغاريتي تتمثل في ميوله السياسية المحافظة، التي أسفرت عن التحاقه بحزب بينيتو موسوليني، وتوقيعه على عريضة 1925 الخاصة بالمثقفين الإيطاليين الفاشست. وقد ترتب عن ذلك طرده من جامعة روما، التي كان يعمل بها أستاذاً للأدب الإيطالي.



«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

هواري تواتي
هواري تواتي
TT

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

هواري تواتي
هواري تواتي

نجح الكاتب اللبناني أمين معلوف، من خلال روايته الشهيرة «ليون الأفريقي»، في تقديم شخصية حسن الوزّان إلى العالم بوصفه بطلاً عابراً للحدود ورحّالةً كبيراً كان شاهداً على سقوط غرناطة وتقلّبات المتوسط. غير أنّه لم يسعَ إلى كتابة سيرة تاريخية وثائقية بالمعنى الصارم؛ فقد أخذ من حياة الوزّان عناصرها الكبرى، ثم أعاد بناءها داخل عملٍ أدبي.

اليوم تكتمل الصورة بصدور كتابٍ جديد في نحو ثلاثمائة صفحة، عنوانه «يوحنا ليون الأفريقي: إنسانيٌّ عربي في النهضة الأوروبية»، لصاحبه المؤرّخ والأنثروبولوجي الجزائري هواري تواتي، مدير دراسات في «المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية» بباريس وعضو أكاديمية أوروبا. والكتاب ليس سيرةً ولا عملاً روائياً، بل هو ثمرة بحثٍ دام سنوات من أجل إبراز الدور الفكري لحسن الوزان المعروف في أوروبا بليون الأفريقي بوصفه وسيطاً بين التراث العربي والفضاء الأوروبي.

وُلد الحسن بن محمد الوزّان على الأرجح قرب غرناطة في أواخر القرن الخامس عشر، ثم حملته أسرته إلى فاس بعد سقوط المدينة سنة 1492. هناك تلقّى علومه في مدارسها، فتعلّم الفقه وأصول الدين، وتذوق التاريخ والشعر. وفي سنٍّ مبكرة، بدأ رحلاتٍ دبلوماسية حملته إلى الريف والسوس وأطراف الصحراء، ثم إلى تونس والقاهرة والقسطنطينية. وفي 1518، بينما كان عائداً من مهمّة، اعترض سفينتَه قرصانٌ صقلّي من فرسان القديس يوحنا، فاقتيد إلى روما وحُبس في قلعة سانت أنجلو. وما جرى بعد ذلك هو موضوع كتاب هواري تواتي. فالبابا لم يعرض أسيره على الزوّار كأعجوبة، بل منحه راتباً ومهمّة: أن يعلّم العربية، وأن يُستشار في اللغة والفقه وشؤون المتوسط.

يشرح الباحث أنّ روما التي نزل بها الوزّان لم تكن مدينةَ باباواتٍ فحسب، بل كانت ورشةً محمومة يُعاد فيها رسم صورة العالم. كان فيها الكاردينال إيجيديو دا فيتربو، المولع باللغات الشرقية، الذي طلب من ضيفه الأسير أن يعلّمه العربية ليقرأ القرآن في لغته الأصلية. وفيها كان الأمير ألبرتو بيو دا كاربي يبني مكتبةً شرقية، إضافةً إلى أنجلو كولوتشي (1474 – 1549)، العالِم الإيطالي وأمين أسرار البابا، وجامع المخطوطات والآثار.

في هذا الوسط، وجد الوزّان موقعه. فأقام سنة 1525 في دار الكاردينال بفيتربو بصفته معلّماً له، وراجع هناك ترجمةً لاتينية للقرآن الكريم، وعلّم العربية في بولونيا، ونسخ نصوصاً عربية لمكتبات الأمراء، وجالس المترجمين والأطباء والشعراء.

ومن هنا يبدأ الانقلاب الذي يقترحه الكتاب. فالثقافة العامة، عربيةً كانت أم أوروبية، اختزلت حسن الوزّان في عمله الشهير «وصف أفريقيا»، ذلك الكتاب الذي أنجزه سنة 1526 وظلّ قروناً مرجعَ أوروبا الوحيد عن المغرب وأفريقيا. أما تواتي فينقل مركز الثقل إلى ثلاثة أعمال أخرى أقلّ شهرة لكنها أبعد أثراً: مجموعة تراجم، ومعجم، ورسالة في العَروض.

حين وصل الوزّان إلى روما، كانت جامعات أوروبا تدرّس ابن سينا والرازي وابن رشد منذ ثلاثة قرون، وهي تجهل عنهم كلّ شيء تقريباً. لم يكن في المكتبات اللاتينية سيرةٌ واحدة لأيٍّ من هؤلاء. كان طالب الطب في بادوفا أو مونبلييه يحفظ «القانون» ويجهل متى عاش صاحبه وأين. وما تداولته أوروبا عنهم لم يكن أكثر من حكاياتٍ متناقَلة: أنّهم عاشوا جميعاً في الأندلس في زمنٍ واحد، وأنّ ابن رشد «دسّ السمّ لابن سينا بدافع الحسد».

ويتوقّف تواتي عند هذه الثغرة ليشرح سببها. فالعرب حين نقلوا علوم اليونان، نقلوا معها سِيَر أصحابها وقوائم كتبهم: «التاريخ الفلسفي» لفرفوريوس، وسيرة أرسطو المنسوبة إلى بطليموس، ورسالة جالينوس في ترتيب مؤلفاته. لقد عرفوا مَن يقرأون، وأقاموا على هذه المعرفة فنّاً كاملاً في الكتابة. أما الترجمة من العربية إلى اللاتينية فأخذت النصوص وتركت أصحابها في الظلّ. في هذا الظلّ كتب الوزّان مؤلفه «بعض الرجال المشاهير عند العرب والعبرانيين»، في روما سنة 1527.

وهو أوّل عمل أوروبي يقول للقارئ اللاتيني بوضوح: هذه الكتب التي بين يديك لها مؤلفون، ولهم مدنٌ وأساتذة ومدارس وتواريخ. فيها الفارابي والغزالي وابن رشد وابن سينا، وإلى جانبهم أعلامٌ يهود.

ولم يكن أثر هذا العمل عابراً، فقد ظلّ مرجعاً لا ينازع حتى منتصف القرن التاسع عشر. بل إنّ «الموسوعة» التي أشرف عليها ديدرو ودالمبير، وهي أشهر عملٍ فكري في عصر الأنوار الفرنسي ورمزه الأكبر، نقلت عن كتاب الوزّان أكثر من نصف ما أوردته عن أفريقيا، وأدرجت تراجمه ووصفه كما وردت، من غير تغيير يُذكر. ثلاثة قرون كانت أوروبا تروي فيها تاريخ العقل العربي بكلمات رجلٍ من فاس، من غير أن تذكر اسمه في الغالب، كما يشير الباحث الجزائري.

كانت أوروبا تروي لثلاثة قرون تاريخ العقل العربي بكلمات رجلٍ من فاس من غير أن تذكر اسمه في الغالب

أطرف ما في الكتاب بابه الخاص بـ«رسالة العَروض». فقد كان أنجلو كولوتشي من أوائل من درسوا بنية اللغات الرومانسية وأوزان الشعر في العامّيات الإيطالية، يجمع مخطوطات شعراء بروفانس وصقلّية ويقارن بينها، باحثاً عن جوابٍ لسؤالٍ شغل أدباء عصره: من أين جاءت القافية إلى الشعر الأوروبي؟ فالشعر اللاتيني القديم لم يعرفها، ثم ظهرت فجأةً عند التروبادور. فهل أخذها شعراء بروفانس عن الأندلسيين، جيرانهم من وراء البرانس؟ كان الجواب يقتضي معرفةً بالعَروض العربي من الداخل: بالبحور والزحافات والعلل، وبالفرق بين الرويّ والقافية. وهي معرفة لم تكن متاحة لأحدٍ في إيطاليا، فوجدها كولوتشي عند الوافد الجديد. ومن هذا اللقاء وُلد واحد من أوائل نصوص الوزّان اللاتينية: «رسالة في فنّ العَروض العربي»، وصلتنا في نسخةٍ نقلها ناسخ إيطالي سنة 1527.

وفي بولونيا، في يناير (كانون الثاني) 1524، فرغ الوزّان من معجمٍ عربي – عبري – لاتيني وضعه لصديقه الطبيب والمترجم اليهودي يعقوب مانتينو. ويشير الباحث إلى أنّ العمل، وإن كان مشتركاً، فإنّ الوزّان هو من حمل عبأه الأكبر: نحو خمسة آلاف وخمسمائة مادة عربية بقلمه، لا يقابلها من قلم شريكه سوى مائة وسبعين مادة عبرية ومائتين وثلاثين لاتينية. وقد بقي هذا المعجم مخطوطاً في مكتبة الإسكوريال، ولم يُطبع إلا سنة 1664 على يد المستشرق السويسري يوهان هاينريش هوتينغر؛ أي أنّ الاستشراق الأوروبي انتفع بمادّته قرناً ونصف قرن قبل أن ينسب الفضل إلى واضعه.

يرى هواري تواتي أنّ ليون الأفريقي لم يكن مجرّد جغرافي نقل إلى أوروبا أخبار أفريقيا، بل كان مثقفاً عربياً اضطلع بدور محوري في نقل المعارف بين الحضارتين العربية والأوروبية، وهو ما يدعو إلى النظر إلى النهضة لا بوصفها ظاهرة أوروبية خالصة، بل باعتبارها فضاءً تفاعلت فيه روافد حضارية متعدّدة. فالفكر الإنساني لم يكن حكراً على أوروبا، بل نشأ من تفاعل حضاري واسع أسهم فيه مفكّرون عرب. وفي الأخير، يدعو الكاتب إلى إعادة الاعتراف بهذا التراث الذي واصلت أوروبا استثماره بينما تراجعت الثقافة العربية عن بعضه.


«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي
TT

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

للشاعر السعودي، إبراهيم زولي، صدر مؤخراً كتاب «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي - بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات»، عن مجموعة «متون للنشر والتوزيع» بالقاهرة.

ويعتبر المؤلف أن كتابه الجديد ليس مرثيةً للورق، ولا لائحةَ اتهامٍ للشاشة، ولا خطاباً متوتراً يندب زماناً انقضى ثم يتعامل معه كأنه الفردوس المفقود، بل يرى أن الأزمنة لا تعود، والتاريخ لا يسير إلى الوراء، والحياة لا تنتظر الحالمين بالرجوع كي تستأنف حركتها. «ما يعنيني هنا ليس الدفاع عن ماضٍ ضد حاضر، ولا الانتصار لجيلٍ على آخر، بل محاولةُ النظر فيما جرى لنا، نحن الذين عبرنا من ضفةٍ إلى أخرى، أو وجدنا أنفسنا عالقين بين ضفتين: ضفةٍ كان للكتاب فيها زمنُه الخاص، وللقراءة طقسُها، وللكلمة مهابتها، وضفةٍ صار العالم فيها يُستهلك من خلال شاشة، وتُختصر الخبرة الإنسانية في تمريرٍ سريع، وتُقاس القيمة بكمّ الظهور لا بعمق الأثر».

وفي مقدمة الكتاب يضيف المؤلف: «القضية، في جوهرها، ليست قضية أدوات فحسب. ليست المسألة أن الشاشة حلّت محلَّ الورق، أو أن المكتبة انزوت قليلاً أمام المنصات. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تمسّ بنية الإدراك نفسها، شكل الانتباه، إيقاع الزمن، صلة الإنسان بلغته، علاقته بأسرته، طريقته في بناء صورته عن نفسه، ومفهومه للمعرفة، والنجاح، والظهور».

ويقول أيضاً: «هنا لا نتحدث عن جهاز جديد دخل حياتنا، بل عن بيئة كاملة أخذت تعيد ترتيب الحواس والأولويات، وتعيد كتابة اليومي على نحو يكاد يبدو طبيعياً، بل بديهياً، حتى لكأن ما حدث كان قدراً لا تاريخاً، وطبيعةً لا صناعةً بشرية».

وبحسب الكاتب، فإن فكرة هذا الكتاب، تنبع، من أن «أخطر ما في الثقافة الحديثة ليس ما تقوله بصوت عالٍ، بل ما تمرره همساً، عبر الصورة، والتكرار، والإيقاع اليومي، والعادة التي لا نشك فيها».

ويستشهد بما كتبه رولان بارت، في كتابه الشهير «أسطوريات»، حين صاغ هذه الفكرة بعبارة كثيفة قائلاً إن الأسطورة «تحوّل التاريخ إلى طبيعة»؛ أي إنها تجعل ما هو مصنوع، وتاريخي، وقابل للنقد، يبدو كأنه أمرٌ طبيعي لا يُسأل عن أصله ولا عن مصلحته. وهو يرى أن «ما تفعله المنصات اليوم، في كثير من وجوهها، قريبٌ من هذا السحر الناعم: إنها لا تفرض رؤيتها علينا بالعصا، بل تجعلنا نألفها حتى نظنها هي العالم نفسه».

وبالنسبة لعنوان الكتاب، فالمؤلف يرى أنه لا يقسم العالم بقدر ما يكشف صدعه، ويقول: «(حين اخترتُ عنوان أبناء قوقل وأحفاد المتنبي) لم أكن أبحث عن مفارقة لفظية جذابة فحسب، ولا عن مقابلةٍ بلاغية بين رمزٍ رقمي وآخر تراثي. كنت أبحث عن استعارتين تلتقطان تحوّلاً عميقاً في الإنسان العربي المعاصر». فـ(أبناء قوقل) ليسوا فئة عمرية محددة، وليسوا المراهقين وحدهم، ولا الشباب وحدهم، بل هم كل الذين أخذتهم المنصات إلى داخل نمط جديد من الوعي: وعيٍ سريع، متشظٍّ، يتغذى على التدفق، ويعيش تحت سطوة الإشعار، ويجد نفسه في مرايا الآخرين أكثر مما يجدها في عزلته الخاصة. هم أبناء عالم لا يذهب فيه المرء إلى المعرفة كما كان يذهب إلى مكتبة، بل تنهال عليه المعرفة، أو ما يشبهها، في هيئة مقاطع، وملخصات، وصور، واقتباسات مبتورة، ورأيٍ يجاور نكتةً، وخبرٍ يجاور إعلاناً، وفضيحةٍ تعلو فوق كتاب».

لكن ماذا بشأن «أحفاد المتنبي»؟، يضيف: هؤلاء «ليسوا حراساً لمتحف اللغة، ولا جماعة تعيش خارج التاريخ، ولا كائنات ورقية ترفض الزمن لأنها تخشاه. إنهم أبناء تكوين آخر: تكوين صاغته القراءة البطيئة، والإنصات الطويل، ومشقة البحث عن الكتاب، وفتنة الانتظار، والرهبة التي كانت ترافق إرسال النص إلى صحيفة أو مجلة ثم ترقب الرد بعد أيام أو أسابيع. إنهم أبناء زمنٍ لم تكن المعرفة فيه فورية، ولذلك كانت أعمق أثراً وأشد رسوخاً؛ زمنٍ كان على القارئ فيه أن يذهب إلى الكتاب، لا أن يهبط عليه الكتاب في شظايا متناثرة وسط ضجيج لا ينتهي».

يحتوي الكتاب رغم مساحته القصيرة على مقدمة واثني عشر فصلاً، حمل الفصل الأول عنوان: الآيديولوجيا في ثياب اليومي، والفصل الثاني، عنوان: أبناء قوقل: الإنسان الذي تعلّم العالم عبر الشاشة، أما الفصل الثالث، فكان عنوانه: أحفاد المتنبي: ذاكرة الورق وبطء التكوين، والفصل الرابع: من القارئ إلى المتصفّح: كيف خسرنا القراءة الطويلة؟، والفصل الخامس: اللغة بين الفصاحة والاختزال: ماذا فعلت المنصات بالكلام؟، والفصل السادس: العائلة في البيت الواحد والغربة الواحدة، والفصل السابع: اقتصاد الشهرة الفارغة: حين يسبق المؤثر الموهبة.

وحمل الفصل الثامن عنوان: الخوارزمية بوصفها محرراً: من يقرر ما نقرأ وما نرى؟ والفصل التاسع: الصورة أقوى من السيرة: تشكّل الهوية المرئية، والفصل العاشر: الأدب في عصر السرعة: ماذا تبقّى للكلمة؟ والفصل الحادي عشر: الوجه المضيء للتقنية: ما الذي أعطته المنصات ولم نكن نملكه؟ والفصل الثاني عشر: بين أبناء قوقل وأحفاد المتنبي: هل المصالحة ممكنة؟ أما خاتمة الكتاب فضمت مقالاً بعنوان: تحوّل في صورة الإنسان.


رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر