الأدب الروسي... من «العصر الفضي» إلى «البيروسترويكا»

مكارم الغمري ترصد تحولاته

الأدب الروسي... من «العصر الفضي» إلى «البيروسترويكا»
TT

الأدب الروسي... من «العصر الفضي» إلى «البيروسترويكا»

الأدب الروسي... من «العصر الفضي» إلى «البيروسترويكا»

ربما يكون الأدب الروسي واحداً من أكثر الآداب العالمية التي حظيت بشعبية عالمية مدهشة. ورغم التطورات التي شهدتها الألفية الثالثة، فإن الكلاسيكيات الروسية في الرواية والشعر والمسرح والقصة والموسيقى لا تزال تتلقفها الأجيال الجديدة في عصر الديجيتال والسوشيال ميديا، فما سر هذا الأدب؟ ولماذا يبدو الأكثر براعة في تصوير النفس الإنسانية بصراعاتها وتناقضاتها؟
في كتابها «الأدب الروسي - شاهد عصر» للدكتورة مكارم الغمري الصادر مؤخراً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، محاولة أولية لاستكشاف بعض أسرار وخصوصية هذا الأدب. الكتاب عبارة عن تجميع لعدد من الدراسات الأكاديمية التي أعدتها المؤلفة الحاصلة على وسام «بوشكين» من الرئيس فلاديمير بوتين تقديراً لدورها في هذا المجال، ما قد يفقد العمل بعضاً من «ترابطه العضوي»، إلا أنه يبقى يحتفظ بقيمة كبيرة نظراً للجهد الهائل الذي بذلته في التوثيق والتحليل.
- الثورة ومقص الرقيب
وتشير المؤلفة إلى أن الأدب الروسي شهد في مطلع القرن الماضي في الفترة التي اصطلح على تسميتها «العصر الفضي» تنوعاً في التيارات الأدبية وازدهاراً غير مسبوق في التيارات الشعرية الحداثية التي بدأ ظهورها في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، غير أنه بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) دخل في مرحلة جديدة، تميزت بالرقابة المشددة على الكلمة الأدبية والحياة الثقافية بشكل عام، والذي تتعين الكتابة تبعاً لأطرها المحددة. وتذكر أنه لم يكن من قبيل الصدفة تغول سياسة التوجيه والرقابة على الأدباء، مؤكدة أن الأدب لعب دوراً تاريخياً مؤثراً في الواقع الاجتماعي في روسيا، وكان بمثابة قوة مناهضة للظلم الاجتماعي وليس مجرد فن للبديع. وحظي الأدباء بمكانة كبيرة ومؤثرة، إذ كثيراً ما يلجأ القراء إلى الأدب بحثاً عن الحقيقة.
ويوضح الكتاب أنه في مقابل ذلك كان هناك أدباء لم يرحلوا عن البلاد ولم يتكيفوا مع النظام البلشفي ولم ينصاعوا للمنهج المفروض، لذا اضطر بعض منهم إما إلى الصمت الإجباري أو النشر الذاتي أو التحايل للنشر في الخارج. ومع ذلك قدم الأدب خلال تلك الفترة أعمالاً مهمة، منها بعض أعمال مكسيم جوركي، والحاصل على جائزة نوبل ميخائيل شولوخوف، فضلاً عن بلاتونوف بولجاكوف، وزوشكينو.
وتورد المؤلفة في هذا السياق بيتاً شعرياً مأثوراً، وهو «سأظل عزيزاً على شعبي لأنني أيقظت بقيثارتي مشاعر طيبة ولأنني باركت الحرية في زمن قاسٍ»، للشاعر ألكسندر بوشكين الذي عاش مطارداً منفياً من السلطة القيصرية إلى أن زج به في مبارزة أودت بحياته 1837. وقد أصبح هذا البيت جزءاً من التقاليد الإنسانية للأدب الروسي، يجد فيه الأدباء اللاحقون العزاء مثل سولجينتسن أحد ضحايا الفترة السوفياتية الذي يقول: «لم تكن حياة الأدباء المهمومين بالحقيقة آمنة فالبعض كان يُلاحق بالوشايات والبعض الآخر بالمبارزة، ومنهم من كانت تُحطم حياته الأسرية ومن كان يُرسل إلى مصحة الأمراض العقلية أو السجن».
- من الفلاح إلى الأم
«الفن سلاح»، هكذا عبر لوناتشارسكي أحد كبار النقاد الروس عن الأهمية الكبرى التي توليها الثورة للفن بصفته إحدى الركائز المهمة في تدعيم المجتمع الجديد، «وإذا كانت الثورة تستطيع أن تعطي للفن روحاً، فإن الفن يستطيع أن يعطي الثورة لساناً».
في ضوء هذه المقولة، يرصد الكتاب منحنى الحلم الاشتراكي الذي حمل معه حلماً بتحرير إرادة الإنسان، وما نجم عنه من متناقضات شديدة، فلا يمكن أن تكون هناك حرية حقيقية واقعية في مجتمع تتسول فيه أغلبية الجماهير بينما تهنأ بالثروة حفنة من المتطفلين الأغنياء.
وترى المؤلفة أنه من هنا جاء الاهتمام المتزايد بموضوع الفلاح والأرض في إنتاج العديد من الأدباء. صحيح أن رموز الأدب الكلاسيكي الروسي تطرقوا إليه مثل جوجول، وتورجنيف، وتولستوي، وتشيخوف، إلا أن أدباء الحقبة السوفياتية أولوا الأمر مزيداً من العناية، لا سيما على صعيد التعاطف مع الظروف القاسية التي كان يعيش فيها هذا الفلاح. وتذكر أنه ربما يكون ميخائيل شولوخوف من أشهر الأدباء الروس في الفترة السوفياتية الذين أبدعوا في تصوير «القرية الجديدة» حتى أصبح العالم الفني له هو حقيقة عالم الفلاحين، وتأتي روايته «الأرض البكر» في إطار التغييرات الجديدة التي طرأت على القرية الروسية ومنح الفلاحين مزيداً من الحقوق مع انخفاض سقف الحرية.
وحول أول نموذج للواقعية الاشتراكية ترى المؤلفة أن رواية «الأم» لمكسيم غوركي، تعد أول نموذج لهذا النهج الأدبي، مؤكدة أن عالمها يجسد وقائع حقيقية حدثت بالفعل في الفولجا في أحد أعياد أول مايو (أيار)، عيد العمال، حيث تقدم الرواية عرضاً لجدل ثنائية التلقائية والوعي من خلال الشخصيات الرئيسية، خصوصاً شخصية الأم التي تجسد ملامح البطل الإيجابي في أبهى صوره، كما أضفت مجموعة من الصفات الخاصة التي يستخدمها غوركي في وصف الشخصيات طابعاً مثالياً عليها، جعلت من الرواية مرجعاً مركزياً لسلسلة من الروايات اللاحقة المشابهة.
- الحرب والشعر
وعن مشهد الشعر ومدى تأثره بهذه التحولات، خصوصاً مناخ الحرب، تركز الكاتبة على أشعار سيرغي يسنين، الذي يعد أحد أبرز شعراء روسيا ما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث الأصالة العميقة والارتباط الشديد بالجذور الريفية وبالأرض.
وتوضح الغمري أن تيار الواقعية يعد أحد إنجازات الشعر الروسي فيما بعد الحرب العالمية الثانية، كما الحال عند تفاردوكسي، لا سيما في أشهر قصائده التي تحمل عنوان «الذاكرة المرعبة للحرب»، ويقول فيها:
«من أسفل النهر الناعس
من الأدغال فجأة في الهدوء
سيُسمع صوت الوقواق الحزين
على الربيع».
- رد الاعتبار
وترصد المؤلفة أهم المتغيرات في الساحة الأدبية الروسية التي حلت بعد البيروسترويكا ومحاولات الإصلاح والانفتاح الخجول الذي سبق انهيار الاتحاد السوفياتي، وترى أنه في ظل تلك المرحلة، تمت إعادة الاعتبار إلى أسماء «الكتاب المنشقين» ونشر أعمالهم التي كانت محظورة. ويعد ألكسندر سولجينتسن الحائز على نوبل في الآداب عام 1970 والذي عاد لوطنه بعد سنوات من الرحيل الإجباري عام 1974 أبرز الأمثلة في هذا السياق، حيث اتجهت دور النشر في السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي إلى نشر مؤلفاته وأفردت كبرى المجلات الأدبية صفحاتها لإنتاجه. ويعبر سولجينتسن عن سعادته الغامرة، بهذا التحول قائلاً: «منذ اعتقالي وبعد ما يقرب من عامين من حياتي في السجن عرفت أن مؤلفاتي لن تكون ممنوعة من النشر فقط، بل إن سطراً واحداً قد يكلفني رصاصة في الرأس. أردت أن أكتب كي لا يُنسى كل هذا لكن أن تنشر أعمالي في حياتي، فهذا ما لم أجرؤ على أن أحلم به».
- تولستوى يعادي المرأة
وتختتم المؤلفة كتابها المهم هذا بدراسة حول تطور صورة المرأة لدى عدد من الكتاب الروس، وتشير إلى شخصية «تاتيانا» في الرواية الشعرية لبوشكين «يفجي أونيجن» التي تقدم نموذجاً للمرأة المحبة الوفية البسيطة العميقة في مشاعرها، وقد حاول بوشكين من خلالها أن يجسد المثل الشعبية في التضحية والإخلاص والزوجة الصالحة العفيفة. وكذلك تجسد «كاترينا» في دراما أوستروفسكي «العاصفة» صورة المرأة الشاعرية الحالمة النقية. أما ديستوفسكي فقد جسد عبر «سونيا» في رواية «الجريمة والعقاب» مشاعر الصمود والمعاناة، رغم السقوط الذي اضطرت له لإطعام إخوتها الجياع.
وكذلك صورة الأمومة الناصعة التي قدمها شولوخوف لـ«لفاسيليا إيلتشيا» والدة البطل الرئيسي في رواية «الدون الهادئ». وتفاجئنا المؤلفة بكشف النقاب عن موقف محافظ لرمز الأدب الروسي الأكبر ليف تولستوى قد يبدو معادياً لحقوق المرأة، إذ يقول إن «دور المرأة يجب أن يظل من خلال أولادها»، وهو ما تعكسه أحد مؤلفاته المبكرة «السعادة العائلية»، حيث أعطى صورة لزوجة شابة «ماشا» كانت تعيش حياة هادئة إلى حد الرتابة مع زوج يكبرها بأعوام كثيرة تعيش فقط من أجله كطفل لا يجرؤ على إظهار إرادته، تتمرد وتخرج للحياة والمجتمع غير أن ذلك يودي بأمن الأسرة وسكينتها.
وترى المؤلفة أن تولستوي حطم مساعي بطلته في الخروج من الشرنقة الضيقة التي تحيا بداخلها، حين يجعلها تخطئ، ومن ثم تقرر بعد ذلك العودة إلى بيتها طواعية لتعيش من جديد كما كان يريد زوجها، وكذلك في روايته الشهيرة «الحرب والسلام» لم يشأ أن يستمر نشاط بطلته «ناتاشا»، فبعد أن كان ببداية الرواية معجباً بحيويتها وروحها الإيجابية ويثني على نشاطها في المقاومة الشعبية إبان الحرب، نجده فجأة وبعد أن تزوجها لا يرى فيها سوى ربة البيت التقليدية!


مقالات ذات صلة

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي.

د. سمير الخليل
ثقافة وفنون جانب من المعرض

حضور نوعي ومبادرات رائدة

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق.

فيء ناصر (لندن)

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.