«لقاء بعبدا» يعدّ الأزمة الحالية أخطر من الحرب... ودعوات لعودة لبنان إلى سياسة «النأي بالنفس»

عون ينتقد «وضع العصي في الدواليب»... ودياب يقرّ بأن «البلد ليس بخير»

«اللقاء الوطني» الذي ترأسه عون أمس (دالاتي ونهرا)
«اللقاء الوطني» الذي ترأسه عون أمس (دالاتي ونهرا)
TT

«لقاء بعبدا» يعدّ الأزمة الحالية أخطر من الحرب... ودعوات لعودة لبنان إلى سياسة «النأي بالنفس»

«اللقاء الوطني» الذي ترأسه عون أمس (دالاتي ونهرا)
«اللقاء الوطني» الذي ترأسه عون أمس (دالاتي ونهرا)

لم يخلُ «اللقاء الوطني» الذي عُقد في قصر بعبدا أمس، من انقسامات بين صفوف الحاضرين حول قضايا جوهرية؛ أبرزها طرح مسألة «النأي بالنفس» عن أزمات المنطقة من خلال الدعوة إلى «العودة الفورية» إلى «إعلان بعبدا». ولم يختلف الحاضرون على أن البلاد تمر بأزمة اقتصادية ومعيشية «أخطر من الحرب»، حسبما ورد في البيان الختامي الذي لم يوافق عليه الرئيس اللبناني الأسبق ميشال سليمان، كما خرج رئيس كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب تيمور جنبلاط من الجلسة قبل تلاوته، بعدما قدّم مذكرة مقدمة من «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«اللقاء الديمقراطي» تشمل جميع «العناوين الأساسية التي لا بد من مقاربتها للخروج بحلول حقيقية للأزمة الراهنة».
وفي غياب أركان المعارضة المسيحية، الرئيس الأسبق أمين الجميل وحزب «القوات اللبنانية» وحزب «الكتائب» و«تيار المردة»، وبمقاطعة رؤساء الحكومات السابقين وكتلة «المستقبل»، افتتح الرئيس اللبناني ميشال عون اللقاء قائلاً إن الدعوة إليه تنطلق من التفلت الأمني والتوتر الطائفي والمذهبي «غير المسبوق، وشحن النفوس، والعودة إلى لغة الحرب البائدة التي دفع لبنان ثمنها غالياً في الماضي»، وذلك «لوضع حد نهائي لهذا الانزلاق الأمني الخطير».
وإذ تحدث عن الأزمة الاقتصادية والمعيشية؛ أكد أن الإنقاذ غير ممكن «إذا ظل البعض مستسهلاً العبث بالأمن والشارع، وتجييش العواطف الطائفية والمذهبية، ووضع العصي في الدواليب، والتناغم مع بعض الأطراف الخارجية الساعية إلى جعل لبنان ساحة لتصفية الحسابات، وتحقيق المكاسب، عبر تجويع الناس، وترويعهم، وخنقهم اقتصادياً».
وقال عون: «أمام التحديات المصيرية التي يعيشها لبنان، وفي ظل الغليان الإقليمي والأمواج العاتية التي تضرب شواطئنا، والمخاطر التي قد تنشأ عما يعرف بـ(قانون قيصر)، فإن الوحدة حول الخيارات المصيرية ضرورة. وما هدفنا اليوم من هذا الاجتماع إلا تعزيز هذه الوحدة ومنع الانفلات».
وركز رئيس مجلس النواب نبيه بري في مداخلته على أهمية الوضع الاقتصادي، مشيراً إلى أنه لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة. وعدّ بري أنه على الحكومة في المرحلة المقبلة أن تركز على الإصلاحات. وأيد دعوة الوزير السابق جبران باسيل إلى ضرورة الوصول إلى الدولة المدنية التي عدّ أنها ليست ضد الدستور، بل يمكن من خلال «دستور الطائف» تطوير الأوضاع للوصول إلى الدولة المدنية. كما أيد بري ما قاله رئيس الجمهورية حول الاستقرار الأمني والسلم الأهلي.
بدوره؛ قال رئيس الحكومة حسان دياب إن «البلد ليس بخير»، من غير أن ينفي أن الجوع يداهم المواطنين. وقال: «العلاج هو مسؤولية وطنية، وليس فقط مسؤولية حكومة جاءت على أنقاض الأزمة، وتمكنت من تخفيف الوطأة على الاحتياطي واحتواء تداعياته»، وأضاف أن هذه الحكومة «جاءت لتكشف بجرأة وشفافية أرقام الخسائر المالية المتراكمة في سياق خطة مالية إنقاذية هي الأولى في تاريخ لبنان».
ولفت إلى «أننا نمر في مرحلة مصيرية من تاريخ لبنان، وهي تحتاج منا إلى تضافر الجهود، وتقديم مصلحة البلد، وتعويم منطق الدولة، كي نتمكن من تخفيف حجم الأضرار التي قد تكون كارثية».
وأعاد سليمان طرح ملف «إعلان بعبدا» الذي تم إعلانه في يونيو (حزيران) 2012 خلال ولايته الرئاسية، ويتركز حول «النأي بالنفس» عن أزمات المنطقة، داعياً إلى تبنيه في هذه الظروف. وقال في مداخلته إن «حزب الله» ‎ نقض الاتفاق؛ «ما حال دون تنفيذ تعهدات الدولة وتسبب بعزلتها القاتلة، وبفقدان مصداقيتها وثقة الدول الصديقة وأهلنا في الانتشار والمستثمرين اللبنانيين والأجانب والمودعين والسياح بحكوماتها، ما ساهم في تراجع العملة الوطنية».
وأعلن سليمان بعد انتهاء «اللقاء الوطني» أن «لب مطالبتي يكمن بالعودة إلى (إعلان بعبدا) وأنا معترض على بيان حوار اليوم (أمس)». وأكد أنه «لا حل على المستوى الاقتصادي والأمني، إلا بالعودة إلى (إعلان بعبدا)، ولا أحد يريد أي مشكل أمني جديد في البلاد».
وكان رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل هاجم خصومه الذين قاطعوا الجلسة، وعدّ أن «من يعتقد أنّه برفضه حواراً، يعرّي حكومة أو عهداً أو مجموعة، إنمّا يعرّي لبنان من جوهر وجوده، خصوصاً إذا كان هدف الحوار منع الفتنة، من خلال الاتفاق على وقف التحريض الطائفي ووقف التلاعب بالأمن، ومن يرفض الحوار إنما يدل على نواياه بتعطيل الإنقاذ».
وكان النائب جنبلاط تحدث داخل الجلسة قبيل مغادرته، قائلاً: «لقد وضعنا تصوراتنا للإنقاذ في وثيقة سياسية اقتصادية اجتماعية معيشية فيها رؤيتنا للمبادئ الأساسية التي من الضروري التركيز عليها؛ ومنها الحفاظ على (اتفاق الطائف) وعروبة ووحدة لبنان ضد كل المحاولات الداخلية والخارجية لتقسيمه. ومن الضروري أيضاً التركيز على المعالجات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤمن العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة».

- البيان الختامي
وفي ختام «اللقاء»، صدر بيان تلاه الوزير السابق سليم جريصاتي، دعا «إلى وقف جميع أنواع الحملات التحريضية التي من شأنها إثارة الفتنة وتهديد السلم الأهلي وزعزعة الاستقرار الأمني الداخلي». ورأى المجتمعون أن لبنان «يمر بأزمة معقدة ومتفاقمة؛ سياسية واقتصادية ومالية واجتماعية وصحية مستجدة»، عادّين أنها «أزمة أخطر من حرب»، و«في زمن الأزمات الكبرى علينا جميعاً أن نرتقي بالعمل السياسي إلى المستوى الوطني، متجاوزين الاعتبارات والرهانات السلطوية». كما دعا إلى السعي «لتوحيد المواقف أو تقاربنا بشأنها؛ أقلّه حول المسائل الكيانية والوجودية التي تتعلق بوحدة وطننا وديمومة دولتنا» وتندرج ضمن ذلك «معالجة الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية وتداعياتها الاجتماعية، عبر اعتماد مسار نهائي للإصلاحات البنيوية، واعتماد برنامج صندوق النقد الدولي في حال وافقنا على شروطه الإصلاحية لعدم تعارضها مع مصلحتنا وسيادتنا، وعبر مكافحة الفساد»، وعبر «التطوير الواجب اعتماده في نظامنا السياسي ليكون أكثر قابلية للحياة والإنتاج، وذلك في إطار تطبيق الدستور وتطويره لناحية سد الثغرات فيه، وتنفيذ ما لم يتحقق من (وثيقة الوفاق الوطني)».



الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
TT

الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)

لا يكاد الحديث الإسرائيلي عن ضرورة تأمين الحدود مع مصر يخبو حتى يطفو على السطح من جديد، مع مزاعم متكررة عن وجود عمليات تهريب، نفتها القاهرة مراراً، وسط توتر بالعلاقات، خصوصاً منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

أحدث هذه المزاعم جاءت على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قال في مقابلة مع «القناة 14» العبرية المقربة منه، مساء الثلاثاء، إن إسرائيل بحاجة إلى حماية حدودها مع مصر، وإنه أجرى مناقشات مع الجانب المصري، وأخبرهم بما يتوقع القيام به.

وأضاف أن «جزءاً من ذلك يجري تنفيذه بالفعل، التزاماً بالاتفاقيات بين مصر وإسرائيل».

ويأتي حديث نتنياهو بعد تقرير إسرائيلي مطول، نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» قبل أيام، زعم أنه «منذ عام 2020، يطرأ ارتفاع مستمر في عمليات التهريب عبر الحدود المصرية والأردنية، وقد دخلت المسيّرات الصغيرة على الخط، وهو ما أسهم في رفع كمية الأسلحة المُهرَّبة ونوعيتها».

«خطاب دعائي»

مدير «الشؤون المعنوية» الأسبق بالجيش المصري والخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، يرى في تلك المزاعم «مجرد خطاب مستهلك ورسائل للداخل قبل الانتخابات المقبلة في إسرائيل».

وأضاف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نتنياهو يعيش حالة إخفاقات على جميع المستويات، سواء في غزة أو إيران أو لبنان، ويريد بهذه البروباغندا أن يدرك نفسه سياسياً قبل سقوطه انتخابياً».

وشدّد على أن مصر «تصون حدودها، وقادرة على فرض ذلك، وناجحة في ذلك على كل المستويات».

واستطرد قائلاً: «مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ولا تقبل بخرقها أو المساس بحدودها مهما كان»، مؤكداً أن المنطقة بحاجة إلى استقرار، وليس حملة شائعات، تهدد وتزيد من التوترات بالمنطقة.

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

ويلفت عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن حديث نتنياهو جاء مع قناة تُعَد من أبرز أذرعه الإعلامية التي تروج له انتخابياً.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن نتنياهو «يحاول أن يضخم الدعاية، ولا يراعي أن حديثه يزيد التوتر مع مصر، ويخلق مزيداً من الأزمات».

وتابع: «رئيس الوزراء الإسرائيلي يبحث عن إنقاذ نفسه ومصالحه السياسية ووجوده السياسي عبر مزاعم لا أساس لها من الصحة».

«هروب من المأزق»

وبين الحين والآخر، يخرج الجيش الإسرائيلي ببيانات رسمية، يشير فيها إلى أنه «أسقط طائرة مُسيَّرة كانت تُهرّب أسلحة من الأراضي المصرية إلى إسرائيل». وحدث ذلك أكثر مرة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل قرار تحويل الحدود إلى «منطقة عسكرية مغلقة».

وأكدت «الهيئة العامة للاستعلامات» في مصر وقتها أن اتهامات إسرائيل «خطاب مستهلك»، وقالت إن مصر «سئمت هذه الادعاءات التي تُستخدم لإلقاء المسؤولية على أطراف خارجية كلّما واجهت الحكومة الإسرائيلية مأزقاً سياسياً أو عسكرياً».

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تحدث نتنياهو عن مخاوفه من حشد مصر قواتها العسكرية في سيناء، وردّت «الهيئة العامة للاستعلامات» بتأكيدها على أن انتشار القوات المسلحة «جاء بموجب تنسيق كامل مع أطراف معاهدة السلام». وأشارت الهيئة حينها إلى أن «القوات الموجودة في سيناء في الأصل تستهدف تأمين الحدود المصرية ضد كل المخاطر، بما فيها العمليات الإرهابية والتهريب».

نقطة مراقبة أمنية مصرية (رويترز)

وكانت صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية قد نقلت في أبريل (نيسان) 2025، عمن وصفته بأنه مسؤول أمني إسرائيلي رفيع المستوى، أن البنية التحتية العسكرية المصرية في سيناء تمثل «انتهاكاً كبيراً» للملحق الأمني في اتفاقية السلام، وأن المسألة تحظى بأولوية قصوى على طاولة وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس.

وفي فبراير (شباط) 2025، قال الجيش الإسرائيلي إنه أحبط محاولة لتهريب أسلحة عبر الحدود مع مصر. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن الجيش المصري في إفادة رسمية أنه «أحبط محاولة لتهريب المواد المخدرة جنوب منفذ العوجة على الحدود الشمالية الشرقية مع إسرائيل».

ويؤكد الدكتور أنور أن مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ودائماً تحافظ على الاستقرار، «لكن لا تسير وفق ما تريد إسرائيل».

وأضاف: «مصر صاحبة رؤية، وقادرة على فرض الأمن والاستقرار وحماية حدودها، وتدرك أن نتنياهو يريد مزيداً من الفوضى على الحدود؛ وهي لديها سيناريوهات مسبقة للتعامل مع أي تهديد وفق محددات أمنية وقانونية لا قبول بالخروج عنها».


فهمي يبدأ عمله أميناً للجامعة العربية رافعاً راية «الإصلاح»

نبيل فهمي يتسلم مهام منصبه أميناً للجامعة العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط (الجامعة العربية)
نبيل فهمي يتسلم مهام منصبه أميناً للجامعة العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط (الجامعة العربية)
TT

فهمي يبدأ عمله أميناً للجامعة العربية رافعاً راية «الإصلاح»

نبيل فهمي يتسلم مهام منصبه أميناً للجامعة العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط (الجامعة العربية)
نبيل فهمي يتسلم مهام منصبه أميناً للجامعة العربية خلفاً لأحمد أبو الغيط (الجامعة العربية)

بدأ السفير نبيل فهمي، الأربعاء، عمله أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، رافعاً راية «الإصلاح والتطوير»، حيث عقد لقاءات عدة ركزت في مجملها على تحديد أولويات العمل في المرحلة المقبلة، ووضع مقترحات للتطوير تستهدف تمكين المنظومة العربية من مواجهة التحديات الراهنة.

ووفق مصادر وخبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن فهمي لديه «رؤية إصلاحية واضحة»، وستمنحه خبراته وعلاقاته الدولية القدرة على تحقيقها، وإن ظلت هناك تحديات على صعيد العمل العربي المشترك.

وخلال مراسم رسمية أُقيمت في مقر الأمانة العامة بالقاهرة، تسلم فهمي مهامه من الأمين العام السابق أحمد أبو الغيط، الذي اختتم فترة ولايته.

نبيل فهمي يرفع راية الجامعة العربية داخل مقرها الدائم بالقاهرة (الجامعة العربية)

وأفاد بيان صحافي بأن فهمي تلقى إحاطات من مسؤولي الأمانة العامة حول بعض المستجدات في الملفات السياسية، كما عقد اجتماعاً مع الأمناء العامين المساعدين لبحث الأولويات خلال المرحلة المقبلة، ومنهجية وسير العمل في مختلف القطاعات.

وكانت أولى المراسلات التي وقعها الأمين العام هي خطابات إلى قادة الدول العربية «لتوجيه الشكر والتقدير على الثقة الغالية التي أولوه إياها»، كما وقَّع خطابات إلى وزراء الخارجية العرب «تضمنت تقييماً للأوضاع العربية، ومقترحات لتمكين العالم العربي والجامعة العربية من التصدي للتحديات القائمة، وتطويرها وإصلاحها، فضلاً عن تعزيز جهود البناء الاقتصادي والاجتماعي»، حسب البيان.

كان وزراء الخارجية العرب قد اعتمدوا الشهر الماضي -بتفويض من القادة- قرار تعيين فهمي أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة خمسة أعوام بدءاً من الأول من يوليو (تموز) 2026.

«رؤية الإصلاح»

وقال مصدر دبلوماسي لـ«الشرق الأوسط»: إن اجتماعات الأمين العام في اليوم الأول، مع مساعديه في الأمانة العامة، والعاملين بها «كانت تنظيمية لترتيب إجراءات العمل داخل الأمانة العامة خلال الفترة المقبلة».

ومن المقرر، وفق المصدر، أن يعقد الأمين العام الجديد اجتماعات أخرى مع المندوبين الدائمين للجامعة، بدايةً من الأسبوع المقبل، للحديث حول منظومة العمل العربية، ورؤية الإصلاح، وتحسين الأداء، استكمالاً لاجتماعات سابقة جرت مع إعلان ترشحه وقبل تسلمه المنصب.

الأمين العام السابق للجامعة العربية أحمد أبو الغيط مع الأمين العام الجديد نبيل فهمي (الجامعة العربية)

فيما ذكر مصدر دبلوماسي آخر لـ«الشرق الأوسط» أن لقاءات الأمين العام الجديد الأولية ركزت على ضرورة إصلاح وتطوير منظومة العمل العربي المشترك، مشيراً إلى أن «الأمين العام لديه رؤية واضحة للإصلاح وإعادة ترتيب البيت العربي».

وعدَّ الأمين المساعد رئيس قطاع الإعلام والاتصال بالجامعة العربية، السفير أحمد رشيد خطابي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» الثقة التي حظي بها فهمي «بداية لمرحلة جديدة في العمل العربي المشترك، وإضافة نوعية لحيوية المبادرات الهادفة لتطوير جامعة الدول العربية»، مشيراً إلى «خبرته الدبلوماسية وتجربته وتكوينه الأكاديمي الرفيع وتوجهه الواضح للقيام بإصلاحات بنّاءة ورصينة لمنظومة العمل العربي المشترك».

وأضاف أن تعيين فهمي «يأتي في سياق عربي مشحون بتحديات كبيرة وأزمات على المستويات السياسية والتنموية والاقتصادية... والتوجه الجديد للأمين العام يعطي مزيداً من الفاعلية والنجاعة والمصداقية للجامعة، ويكرس الثقة في المنظمة كأعرق منظمة إقليمية».

وأكد خطابي حاجة الجامعة إلى «تطوير وإصلاح هيكلي عميق بروح توافقية وتشاركية يعزز وجودها في المشهد الدولي».

العمل العربي المشترك

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتور عمرو الشوبكي، قال إن فهمي «لديه رؤية إصلاحية، كما أنه منفتح على دوائر مختلفة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية»، منوهاً بما يتمتع به من «خبرات سياسية متنوعة وعلاقات عربية ودولية عميقة».

وأضاف أن الأمين العام الجديد «يؤمن بأنه لا يجب التطابق في كل الملفات، وأن الأهم هو تحقيق التنسيق في الملفات المتوافق عليها».

وشدد الشوبكي في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» على «ضرورة توفر إرادة عربية لإصلاح الجامعة»، مشيراً إلى «الوضع العربي المأزوم في ظل تحديات كبرى تواجه المنطقة».

فهمي وأبو الغيط يتجولان في أروقة الجامعة (الجامعة العربية)

يتفق معه مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن فهمي «لديه شخصية قوية وواضحة وطموحة وجريئة، مما يعطيه القدرة على المبادرة»، متوقعاً أن تشهد الفترة المقبلة «تحركات للأمين العام لتنشيط مؤسسات الجامعة وتكوين مواقف عربية جماعية قادرة على مواجهة التحديات».

ونبيل فهمي هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، حيث تسلم هذا المنصب سبعة مصريين قبله، إلى جانب التونسي الشاذلي القليوبي الذي تولى أمانة الجامعة في الفترة بين 1979 و1990 حين انتقل مقر الجامعة إلى تونس.

وتسلم فهمي مهامه الرسمية بعد اجتماع ثلاثي جمعه مع أبو الغيط، والأمين العام الأسبق عمرو موسى، داخل الجامعة العربية، يوم الاثنين.

وأشار موسى، عبر حسابه الشخصي، إلى أن الأمناء الثلاثة تبادلوا الحديث حول الأوضاع الراهنة والتحديات التي تواجه المنطقة العربية، وقال معقباً على صورتهم معاً: «ثلاثة أجيال من الدبلوماسية المصرية... في خدمة الأمة العربية والعمل العربي المشترك».


نهب آثار اليمن يتسارع في مناطق سيطرة الحوثيين

قطع أثرية يمنية مهربة معروضة للبيع في الخارج (إعلام محلي)
قطع أثرية يمنية مهربة معروضة للبيع في الخارج (إعلام محلي)
TT

نهب آثار اليمن يتسارع في مناطق سيطرة الحوثيين

قطع أثرية يمنية مهربة معروضة للبيع في الخارج (إعلام محلي)
قطع أثرية يمنية مهربة معروضة للبيع في الخارج (إعلام محلي)

يتواصل نزيف الآثار اليمنية في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، وسط تصاعد عمليات التنقيب غير المشروع، واستهداف المواقع التاريخية الغنية باللقى الأثرية، في ظل اتهامات لمتنفذين بتوفير الحماية لشبكات متخصصة في نهب الآثار، وتهريبها إلى خارج البلاد، الأمر الذي يهدد بفقدان جزء مهم من الإرث الحضاري اليمني.

ويؤكد مختصون أن محافظتي إب وذمار (جنوب صنعاء)، اللتين تضمان عدداً من أبرز المدن التاريخية وعواصم الممالك اليمنية القديمة، تحولتا خلال الأشهر الأخيرة إلى بؤرتين لعمليات الحفر العشوائي التي تستهدف المقابر، والمواقع الأثرية، بحثاً عن القطع النادرة، بالتزامن مع ظهور مقتنيات يمنية قديمة في أسواق البيع غير القانونية داخل البلاد، وخارجها.

وكشف الخبير في شؤون الآثار اليمنية عبد الله محسن عن عرض مجموعة من القطع الأثرية النادرة للبيع في مدينة يريم بمحافظة إب، بعد أيام فقط من تنفيذ أعمال حفر عشوائي في عدد من المقابر الأثرية بمدينة ظفار التاريخية، العاصمة القديمة لمملكة حِمْيَر.

وأوضح محسن أن المجموعة المعروضة تضم حلياً ذهبية، وبرونزيات أثرية ذات قيمة تاريخية كبيرة، من بينها مقبض خنجر ذهبي نادر يعود إلى القرن الأول الميلادي، ويعد، وفقاً لمختصين، ثالث قطعة معروفة من هذا الطراز المنتمي إلى الحقبة الحميرية.

عصابات تستهدف المقابر اليمنية القديمة بحثاً عن الكنوز (إعلام محلي)

وأشار إلى أنه تلقى صور القطع عبر أحد المهتمين بالتراث اليمني، والذي فضّل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، مؤكداً أن المعروضات تحمل سمات أثرية واضحة تعكس أصالتها، وقيمتها العلمية، وترجح ارتباطها بالمقابر التي تعرضت للحفر أخيراً.

ويرى مهتمون بالتراث أن تزامن عمليات النبش مع ظهور هذه القطع في أسواق البيع يعزز الشكوك بشأن وجود شبكات منظمة تعمل على استخراج الآثار، وتسويقها بصورة سريعة، مستفيدة من ضعف الرقابة، وغياب الحماية الفعلية للمواقع التاريخية.

قطع نادرة

من جهتها، أكدت أستاذة الآثار ليلى عقيل أن القطعة الظاهرة في الصور تمثل مقبضاً ذهبياً لسيف أو خنجر صُنع بإتقان باستخدام أسلاك ذهبية دقيقة، ويتوسطه رمز «طوق هرقل» الذي شاع استخدامه خلال العصر الهلينستي بين القرنين الأول والثالث الميلادي، وكان يرمز إلى القوة، والسلطة.

وأضافت أن المقبض يعد ثالث نموذج معروف من هذا النوع، ويشابه خنجرين أثريين سبق اكتشافهما، أحدهما محفوظ ضمن مجموعة دار الآثار الإسلامية، بينما عُثر على الآخر في موقع العصيبية الأثري، ويتميز كلاهما بزخارف نباتية دقيقة مطعمة بالمينا الملونة، وهو ما يعزز فرضية انتماء القطعة الجديدة إلى الفترة الزمنية نفسها.

قطعة أثرية يمنية معروضة للبيع في الولايات المتحدة (إعلام محلي)

كما أوضحت أن الأساور الذهبية المبرومة التي ظهرت ضمن المجموعة تعد من الحلي الكلاسيكية الشائعة في اليمن القديم، وقد عُثر على نماذج مماثلة لها في عدد من المواقع الأثرية، بينها العصيبية، وقرية الفاو، وموقع الحصمة في شقرة بمحافظة أبين، مرجحة أن يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة بين القرنين الأول والثالث الميلاديين.

ويؤكد مختصون أن أهمية هذه القطع لا تقتصر على قيمتها المادية، بل تمتد إلى ما توفره من معلومات علمية عن تاريخ الممالك اليمنية القديمة، وتطور صناعاتها، وفنونها، الأمر الذي يجعل فقدانها أو تهريبها خسارة علمية وثقافية يصعب تعويضها.

شبكات التهريب

في موازاة ذلك، حذر مختصون في شؤون الآثار من تنامي نشاط شبكات نهب المواقع التاريخية في إب، وذمار، مؤكدين أن أعمال الحفر غير القانونية باتت تتكرر بوتيرة متزايدة خلال الأشهر الماضية، مستغلة تدهور أوضاع المؤسسات المعنية بحماية التراث، وغياب الرقابة على المواقع الأثرية.

وقال هؤلاء إن لديهم معلومات تؤكد وجود القطع الأثرية النادرة بحوزة شبكة نافذة متخصصة في نهب المواقع التاريخية، والاتجار باللقى الأثرية، وتحظى -بحسب إفاداتهم- بدعم وحماية من شخصيات نافذة في مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما يسهل استمرار عمليات التنقيب غير المشروع، ونقل القطع عبر شبكات تهريب منظمة إلى خارج اليمن.

نقش أثري ملقى بالقرب من منازل في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وأشاروا إلى أن استمرار العبث بالمواقع الأثرية لا يعني فقدان مقتنيات تاريخية فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى تدمير الطبقات الأثرية، والسياق العلمي للمواقع، وهو ما يحرم الباحثين من معلومات تاريخية لا يمكن استعادتها لاحقاً، ويلحق أضراراً دائمة بالإرث الحضاري اليمني.

ودعا المختصون السلطات المعنية والمنظمات الدولية المختصة بحماية التراث الثقافي إلى التحرك العاجل لتعقب الشبكات المتورطة في نهب الآثار، ومصادرة المجموعات الموجودة بحوزتها، ووقف أعمال التنقيب غير القانوني، وتشديد الرقابة على المواقع التاريخية، مؤكدين أن الآثار اليمنية تمثل جزءاً من التراث الإنساني العالمي، وأن استمرار تهريبها يهدد بفقدان صفحات مهمة من تاريخ اليمن، والمنطقة.