خطاطون سعوديون: التقنية سلبت الخط العربي روحه

يحاولون إخراج الخط من إطاره «النخبوي» وإضفاء روح «شعبية» عليه

من أعمال سراج علاف  -  من أعمال حسن آل رضوان
من أعمال سراج علاف - من أعمال حسن آل رضوان
TT
20

خطاطون سعوديون: التقنية سلبت الخط العربي روحه

من أعمال سراج علاف  -  من أعمال حسن آل رضوان
من أعمال سراج علاف - من أعمال حسن آل رضوان

يدور جدل ساخن بين أوساط الخطاطين السعوديين، حول الدور الذي لعبته وسائل التقنية الحديثة في فن الخط العربي، بين من يعتبر التقنية خصما لدودا لهذا الفن ومعول هدم يسهم في تشويه جمالياته، ومن يرى أن بالإمكان تطويع التقنية لخدمة مدارس الخط، مع اعتراف الفريقين بأن الوسائل التكنولوجية كان لها دور ملموس في سلب روح الخط العربي، وإخراجه من الطابع الكلاسيكي العتيق، إلى صورة «مودرن» قد لا يتقبلها الكثيرون.
وهذه الإشكالية تكشف رغبة فئة من الخطاطين في الحفاظ على هويتهم التقليدية وحمايتها من ثورة التطور التكنولوجي، وفي الوقت نفسه يعترفون بأن أدواتهم التقليدية أدت إلى حبس فن الخط العربي في إطار «نخبوي»، على اعتبار أنه فن لا يلقى حفاوة كبيرة في المجتمع السعودي مقارنة بالفنون البصرية الأخرى، مع وجود بعض الجهود الحديثة لإخراج الخط العربي من عباءة النخبوية وجعاه فنا شعبيا جاذبا للجمهور، باستخدام التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يجعل الأكثرية تتفق على أن التقنية الحديثة ساعدت الخط العربي من حيث الإشهار، وأساءت له عبر التدخل في تقنية صناعة العمل الفني ذاته وآليته.
ويقول الخطاط حسن آل رضوان، أحد مؤسسي جماعة الخط العربي في القطيف، إن «الخط في أساسه فن ينبع من فكر، وهذا الفكر يمتلكه الفنان الذي يصنع هذا المنتج». ويضيف: «أمثل الفنان بالبئر التي لا تنضب ماؤها، فكلما سحبنا الماء منه ينبع مرة أخرى، لأنه مصدر إنتاج وإبداع»، وأشار إلى أن «بعض الفنانين استفاد من الآلات والأدوات التقنية الحديثة بما يضيف له ولفنه، بحيث يستفيد من إضافة الطباعة أو الرسم في بعض تصاميمه، لكن الآلة إذا كانت موجودة بيد غير المتخصص، فإنه لا ينتج منها سوى أعمال متكررة (فوتو كوبي).
ويتابع آل رضوان حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قائلا: «تأثير التقنية لا أستطيع أن أقول إنه سلبي بالمطلق، فبعض التقنيات والبرامج الخطية الجاهزة، عرّفت الجمهور العام بأن هناك فنا يُسمى فن الخط العربي. ونحن كمتخصصين، نضع الإشكال على المصممين الذين يستخدمون هذه البرامج التقنية، في أنهم لا يحسنون استخدامها. وهناك أخطاء قاتلة للعمل الفني، كاستخدام بعض الأشكال الفنية غير الصحيحة». ويضيف: «المشكلة الكبرى أن هذه التقنيات تشوه أحيانا العمل الفني، وتسهله أو تبسطه!».
ويوضح آل رضوان أن «الهدف من فن الخط العربي ليس نقل المصطلح النصي في العبارة، بل استمتاع الجمهور بالجانب الجمالي اليدوي الإنساني للعمل الفني». ويرى أن «هناك جانبا إيجابيا لاستخدام التقنيات والتطور الحاسوبي، وهناك جانب سلبي أيضا. يتعلق الجانب الإيجابي بإشهار هذا الفن على مستوى قنوات التواصل الاجتماعي وتعريف الناس أكثر به، من جهة ثانية إذا وقعت هذه الأدوات في يد غير المتخصص فقد يسيء استخدامها بحيث إنه يبسط هذا الفن ويختزله في لوحة مفاتيح الكومبيوتر».
وبالسؤال إن كانت هذه المعطيات قد تنبئ بمستقبل مقلق لفن الخط العربي، يجيب آل رضوان: «بالعكس، فالخط في القريب سيكون حظه أفضل، وبحكم كوني مراقبا منذ 15 عاما للساحة على هذا الصعيد، أجد أن هناك تناميا جيدا رغم قلة الحفاوة بهذا الفن، مقارنة بالفنون البصرية الأخرى». ويضيف: «بوصفنا خطاطين نحاول إخراج هذا الفن من الجانب النخبوي، واقتصار المعارض على الخطاطين والخطاطات على أن تكون لعامة الناس. واليوم بالتعاون مع الجهات الفنية، بدأ كثير من الخطاطين والخطاطات يخرجون أعمالهم بشكل ملموس إلى الجمهور، وهذا بحد ذاته تطور جميل».
من ناحيته، يبدي المهندس سراج علاف، وهو عضو مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للخط العربي، حماسة في مسألة استخدام التقنية في أعمال الخط العربي، بالنظر لكونه خطاطا إلى جانب عمله مهندس كومبيوتر، ويعد حاليا، رسالة الماجستير حول تطويع التقنية في خدمة الخط العربي الكلاسيكي. يقول سراج: «لا نستطيع أن نقول إنه قد حدث تشويه لجماليات الخط العربي بسبب التقنية، لكن ما حدث هو سلب الروح، فروح الخط العربي سُلبت بفعل الآلة».
ويتابع علاف حديثه لـ«الشرق الأوسط»، ويقول: «كلما دخلت الآلة في مجال سلبت منه الروح، وهذا أمر طبيعي، والسؤال هنا: لماذا وصلنا إلى هذه المرحلة؟ لأن الخطاطين لم يمدوا يدهم للمبرمجين، والمبرمجين لم يمدوا يدهم للخطاطين، بمعنى أننا لم نستطع الوصول إلى حل وسط؛ كل طرف مصرّ على رأيه»، مشيرا في حديثه إلى المدرسة المحافظة في الخط العربي التي ترفض التطوير وفقا للمعطيات التكنولوجية الحديثة.
ويضيف علاف: «على سبيل المثال، فإن الخط (الكوفي) خط يدوي جميل ويتناسب مع خطوط الكومبيوتر، لأنه خط من مزاياه أن حدوده ثابتة وزواياه معروفة، بينما الخطوط الأخرى مثل خط (الثلث) و(الديواني) خطوط فيها جماليات عالية جدا تعود لقدرة الخطاط، والآلة لا تستطيع الوصول إلى هذه الجماليات، فالحل هنا في أن نحاول وضع حلول وسطية في التعامل مع التقنية».
من جهة ثانية، يرى عضو مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للخط العربي، أن الثورة التكنولوجية المعاصرة أسهمت في نشر وتعزيز مكانة الخط العربي وتعليمه لدى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور، قائلا: «نحن في الجمعية نستقبل طلبات لإقامة دورات من كل المناطق السعودية، وأحيانا يكون هناك صعوبة في الوصول إلى بعض المناطق، لكن التقنية حلت هذه الإشكالية من خلال التعلم عن بعد، وتعليم الخط العربي عبر وسائل التواصل الإلكتروني كان له دور ملموس في نشر هذا الفن بين الناس».
ويبدي علاف تفاؤله الكبير بإمكانية تطويع التقنية في خدمة فن الخط العربي، رغم اعترافه المسبق بأن التقنية كان لها يد في سلب روح الخط العربي، مشيرا إلى أن هناك إقبالا كبيرا حدث أخيرا من قبل الشبان السعوديين على تعلم مهارات الخط العربي، مرجعا ذلك للدور الذي يقوم به الخطاطون السعوديون من جيل الرواد، من خلال العمل على إخراج الخط العربي من دائرة «النخبوية» إلى صورة الفن الشعبي، بهدف إنعاش روحه من جديد بين الأوساط الشابة في السعودية.



مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
TT
20

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة

أدّت عمليات المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأخيرة في دولة الإمارات المتحدة إلى الكشف عن سلسلة من المواقع الأثرية، أبرزها موقع مليحة الذي يقع في الجزء الجنوبي الشرقي من إمارة الشارقة، ويمتدّ على مساحة تقارب 5 كيلومترات مربعة. بدأ استكشاف مليحة في عام 1986، وخرجت حملات التنقيب فيه بمجموعة كبيرة من اللقى الأثرية تشهد لتعدديّة مثيرة في الأساليب الفنية المتبّعة، منها مبخرة من الحجر الجيري لا تشبه المجامر الأثرية التي عُثر عليها في المواقع الأثرية الخاصة بالإمارات.

تعود هذه المبخرة إلى الفترة الممتدة من القرن الثاني إلى القرن الأول قبل الميلاد، ويبلغ طولها 30 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وهي مكونة من قاعدة أسطوانية عريضة يعلوها عنق طويل يحمل الإناء المخصص لاحتواء الجمر والبخور وما شابه من الطيوب. تنتصب هذه القاعدة على ثلاثة قوائم مقوّسة بشكل طفيف، وتشكّل نصف فلكة تمتدّ قمّتها أفقياً، مشكّلةً مجسّماً مستطيلاً تحيط به ثلاثة تماثيل أنثوية متجانسة. يعلو هذا العنق حوض أصغر حجماً يتّصل بإناء تحيط به كذلك ثلاث هامات أنثوية. تزيّن هذه المبخرة حلّة لونية صبغت بالأحمر القاني، تتمثّل في سلسلة من العقود الزخرفية. تؤلّف هذه العقود شبكة تتكون تباعاً من دوائر تنعقد أفقياً حول الكتل التي تتكوّن منها المبخرة.

تزيّن القاعدة ستة عقود متناغمة. تحضر الدائرة الأولى على شكل خط رفيع. وتحضر الثانية على شكل شريط تعلوه شبكة من الخطوط العمودية المرصوفة كأسنان المشط. وتحضر الثالثة على شكل شريط تعلوه شبكة من المثلّثات. وتحضر الرابعة على شكل مماثل للثانية، وتعلوها دائرتان متشابهتان، تتكوّن كلٌّ منهما من عقد تزيّنه سلسلة من الخطوط اللولبية. في المقابل، تزيّن العنق حلّة مماثلة انمحت وبقي منها أثر طفيف، ويزيّن الحوض شريط من المثلّثات يعلوه شريط من الخطوط اللولبية، وتزيّن الإناء كما يبدو شبكة من الدوائر المجردة بقي منها طيفها.

تتماثل المجسّمات الأنثوية التي تحيط بعنق قاعدة المبخرة، وتحضر كلّ منها على شكل امرأة جاثية على ركبتيها. يتميّز الرأس بحجمه الكبير قياساً إلى الصدر، وتتكوّن ملامحه من عينين لوزيتين ضخمتين، وأنف عريض ينساب من أعلى الجبين، وثغر صغير يفصل بين شفتيه شقّ بسيط. تعلو هذا الوجه كتلة مقوسة تزيّنها سلسلة من الخصل الناتئة، مع فارق في الوسط الأعلى يرسم تسريحة الشعر. يستقرّ هذا الرأس فوق عنق عريض يعلو صدراً ناتئاً غاب تكوينه تحت رداء عريض. الذراعان مسدولتان وملتصقتان بالصدر، واليدان معقودتان عند حدود الركبتين، والساقان غائبتان وذائبتان في كتلة القاعدة. تتماثل كذلك الهامات التي تحيط بأعلى المبخرة، وتشابه وجوه القامات التي تحيط بقاعدتها إلى حد التطابق.

تزيّن كلًّا من هذه المجسمات الأنثوية الستة حلّةٌ لونية بالأحمر القاني المعتمد في هذه الصياغة، وتتمثّل هذه الحلّة في خطوط تحدّ العينين، وخطوط تنعقد حول العنق، وخطوط ترتسم عمودياً فوق الرداء الذي يكسو الصدر العارم. تتآلف هذه الخيوط مع تلك التي تؤلف الحلة الزخرفية، وتشكّل معها حلّة واحدة متناغمة تسبغ على هذه القطعة طابعاً خاصاً.

خرجت من مواقع الإمارات الأثرية مجموعة من المجامر والمباخر، تقابلها مجموعة أخرى خرجت من مواقع سلطنة عُمان التي شكّلت مع الإمارات في الماضي وحدة جغرافية وثقافية. واتبعت هذه القطع الأنماط والأساليب المحلية التي سادت في نواحي الجزيرة العربية. في هذا الميدان الثري، تخرج مبخرة مليحة الأنثوية بمكوناتها عن هذا السياق، وتبدو فريدة من نوعها. تتبع هذه القطعة الجميلة كما يبدو أسلوباً خاصاً مصدره بلوشستان، أي بلاد البلوش التي تقع في جنوب غربي آسيا، على طرف الهضبة الإيرانية. تمتد هذه البلاد بشكلٍ أساسي في مناطق واسعة تشمل اليوم أقصى الجنوب الشرقي من إيران، والجزء الجنوبي الغربي من باكستان، وفي جزء من جنوب أفغانستان، وهي في الميراث الأدبي بلاد مكران المطلّة على بحر العرب، ذكرها الإصطخري في «المسالك والممالك»، وقال إنها إقليم واسع من أعمال السند، ولسانها الفارسية.

تحتلّ مليحة مكانة خاصة في خريطة مواقع الإمارات الأثرية، وتكمن هذه الخصوصيّة في تعدّديتها الثقافية التي تشهد لها اللقى الأثرية المتنوعة التي خرجت منها منذ انطلاق أعمال المسح المتواصلة فيها في عام 1986. تعكس مجموعة كبيرة من هذه القطع طابع جنوب الجزيرة العربية، وتعكس مجموعة أخرى الأثر الهلنستي الذي بلغ هذه الناحية من شمال شرقي شبه الجزيرة العربية، ونقع على مجموعة مغايرة تحمل طابع بلاد الهند والسند بشكل جليّ، وتعود مبخرة مليحة بمجسماتها الأنثوية إلى هذه المجموعة بشكل لا لبس فيه.

شكّلت الإمارات وسلطنة عُمان في الماضي السحيق قطباً من أقطاب بلاد ماجان التي ورد ذكرها في نقوش بلاد ما بين النهرين الكتابية، وضمّت هذه البلاد مكران. شكّل إقليم عمان الجزء الغربي من مجان، وشكّلت مكران الجزء الشرقي، ومع مرور الزمن اندثرت ماجان، غير أن التواصل بين جزأيها ظلّ حياً على مدى قرون، وشواهده الفنية عديدة في شمال شرقي شبه الجزيرة العربية، وتُعدّ مبخرة مليحة الأنثوية من أجمل هذه الشواهد وأبلغها.