«كورونا» يضاعف استهلاك الأخبار... ولا يعزز الثقة فيها

تقرير «رويترز للرقمية»: كلام العلماء في وسائل الإعلام الأكثر رواجاً

«كورونا» يضاعف استهلاك الأخبار... ولا يعزز الثقة فيها
TT

«كورونا» يضاعف استهلاك الأخبار... ولا يعزز الثقة فيها

«كورونا» يضاعف استهلاك الأخبار... ولا يعزز الثقة فيها

في أكبر بحث ميداني عالمي من نوعه شمل أكثر من 80 ألف شخص في 40 دولة لاستقراء كيفية استخدام وسائل الإعلام على أعتاب عصر «كوفيد - 19»، أظهرت نتائج تقرير معهد «رويترز» للأخبار الرقمية 2020 بالتعاون مع جامعة أكسفورد، أن الإقبال على الأخبار حول العالم تزايد مع الوباء، حيث حققت وسائل الإعلام بأنواعها أرقاما قياسية من القراء والمشاهدين، ولكن الثقة في هذه الأخبار تراجعت بسبب ارتفاع نسبة الأخبار الكاذبة.
وبصفة عامة اكتسب الاطلاع على الأخبار أهمية إضافية بسبب الوباء وأصبح من يطلع على الأخبار أكثر علما وحصانة ممن لم يطلع عليها. ومع ازدياد الاهتمام بالأخبار والحصول على المعلومات كانت المفارقة أن هذا الاهتمام لا تواكبه زيادة في الإيراد للناشرين لأن الكساد الاقتصادي السائد مع الوباء والحجر الصحي عصف بسوق الإعلان في عصر «كورونا».
ونتج عن هذه المفارقة توجه وسائل الإعلام إلى فرض رسوم دخول على مواقعها الرقمية وهو تيار تعزز خلال أزمة «كورونا». ومن المتوقع أن يستمر هذا التيار وينتشر في المستقبل بحيث يقتصر الحصول على المعلومات الجيدة والموثوقة فقط على المواقع المدفوعة.
وفي الوقت نفسه سوف تتاح معلومات مواقع التواصل الاجتماعي التي تختلط بالإشاعات والأخبار الكاذبة ونظريات المؤامرة، والتي زادت أيضا في الأشهر الأخيرة. وسوف يبقى القارئ لها حائرا بين التصديق والتكذيب.
وعلى رغم أن التقرير العالمي جرى إعداده خلال أول شهرين من العام الجاري وقبل انتشار فيروس «كوفيد - 19» على نطاق عالمي، إلا أن فريق البحث أجرى مراجعة تالية لرصد تأثير الوباء على وضع الإعلام العالمي، وذلك في شهر أبريل (نيسان) الماضي. ولاحظ الفريق أن الاهتمام بالإعلام والأخبار الرقمية زاد إلى نسب قياسية أثناء الوباء مدفوعا بالرغبة في التعرف على الوضع الصحي العالمي وكيفية التعامل مع الوباء في ظل الخوف من الإصابة.
وكشفت خطورة الأزمة الصحية والاقتصادية عن الحاجة إلى معلومات موثوقة لتعريف وتعليم القراء والمشاهدين في عالم إلكتروني مفتوح اختلط فيه الحابل بالنابل وانتشرت فيه المعلومات الكاذبة. فلم يعد الصحافيون يتحكمون وحدهم في مسارات الأخبار وإنما فتحت وسائط التواصل الاجتماعي للجمهور آفاقا جديدة لمصادر المعلومات البديلة بنسبة كبيرة من المعلومات المغلوطة والمخالفة للمصادر العلمية والرسمية.
من التوجهات الملحوظة التي نتجت عن انتشار «كوفيد - 19» كانت زيادة الاعتماد على كافة مصادر الأخبار وخصوصا التلفزيون، حيث تضاعف مثلا الإقبال على تلفزيون ومواقع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أثناء ذروة الأزمة. وفي حالة المطبوعات الورقية زادت المخاوف من اتجاه معظمها لحجب المعلومات وراء حائط الاشتراكات على الإنترنت من أجل الاطلاع على المحتوى مما يحجب مصادر موثوقة للأخبار عن الأغلبية الباحثة عنها خصوصا خلال الأزمة الصحية التي يمر بها العالم.
ويرى الناشرون أن أسلوب البقاء على المدى الطويل هو بالارتباط القوي بالقراء رقميا على الإنترنت لبناء الولاء والتفاعل. وعلى الرغم من جهود مضنية في هذا الاتجاه فإن وسائل الإعلام تواجه تحديات غير مسبوقة ومستقبلا غير مضمون، وفقا للتقرير، فيما تمثل أزمة فيروس «كورونا» بداية لتأسيس قواعد جديدة لعالم يعتمد بدرجة أكبر على التقنيات الرقمية.
نتج عن أزمة فيروس «كورونا» زيادة ملحوظة في الاطلاع على الأخبار من خلال وسائل الإعلام التقليدية مقارنة بفترة ما قبل ظهور الفيروس. وكانت النسبة الأكبر في الإقبال على التلفزيون ومصادر الأخبار الرقمية. وتراجع الإقبال على الصحف الورقية بسبب إغلاق الأسواق والبقاء في المنازل. ولكن الإقبال على المواقع الإلكترونية للصحف زاد بنسب قياسية.
ومن النتائج الأخرى لهذا البحث الميداني الدولي:
- زاد الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي واستخدامها، وشهد «واتساب» ارتفاعا في الاستخدام بنسبة 10 في المائة. ولجأ أكثر من نصف المستخدمين إلى مجموعات التواصل على الإنترنت وجماعات الدعم المحلي. في شهر أبريل الماضي كانت الثقة في التغطية الإعلامية لـ«كوفيد - 19» عالية نسبيا في كل الدول التي شملها البحث، وبنسبة أعلى من المعلومات المنسوبة إلى سياسيين. وكانت نسبة الثقة في الإعلام أعلى بنسبة الضعف عن معلومات وسائل التواصل الاجتماعي.
- مازالت المخاوف العالمية من المعلومات الكاذبة عالية. وحتى من قبل انتشار الفيروس، عبر أكثر من نصف الأفراد الذين شملهم البحث عن مخاوف من عدم معرفة الفارق بين الأخبار الصحيحة والكاذبة على الإنترنت. وتوجه معظم الاتهام في بث الأخبار الكاذبة إلى السياسيين. وفي بعض الدول التي يسيطر عليها اليمين السياسي حاليا، مثل الولايات المتحدة، كان الاتهام في بث المعلومات الكاذبة يتوجه إلى وسائل الإعلام. ولاحظ التقرير أن نسبة الثقة في «واتساب» أعلى منها في «فيسبوك».
- بلغت نسبة من يثقون في مصادر الأخبار 38 في المائة بتراجع نقطتين عما كان عليه الوضع في عام 2019. وهذا يعني أن نسبة 62 في المائة لا يثقون في مصادر الأخبار.
- تفضل نسبة 60 من القراء مصادر المعلومات غير المنحازة التي لا تعبر عن وجهة نظر معينة، بينما تفضل نسبة 28 في المائة مصادر المعلومات التي تتوافق مع قناعاتهم السياسية، خصوصا في الولايات المتحدة.
- أكثر من نصف متابعي الإنترنت لا يرغبون في الإعلانات السياسية ويفضلون أن تحجب هذه المواقع الإعلانات التي تحتوي على معلومات خاطئة.
- نتج عن أزمة «كوفيد - 19» زيادة التوجه إلى دفع اشتراكات للاطلاع على محتوى الصحف ومصادر الأخبار على الإنترنت، خصوصا في الولايات المتحدة والنرويج. ولكن الأغلبية السائدة في معظم الدول ما زالت لا تدفع مقابل الاطلاع على الأخبار الرقمية من مواقع الصحف.
- كان الدافع الأكثر تأثيرا في الدفع مقابل الحصول على المعلومات الرقمية هو الثقة في نوعية ومصداقية هذه المعلومات. ومع ذلك فهناك نسبة 40 في المائة في الولايات المتحدة و50 في المائة في بريطانيا لا تعتزم الدفع مقابل الأخبار الرقمية تحت أي ظروف.
- معظم الاشتراكات في مصادر الأخبار تتجه إلى الوسائل العالمية والصحف الكبرى، مع نسبة أقل تشترك في مصدر إضافي لمطبوعة محلية أو متخصصة. أما جيل الشباب فهو يعتمد بنسبة أكبر على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل الحصول على المعلومات.
- من أجل منافسة مواقع التواصل الاجتماعي، يتوجه الناشرون إلى تعزيز التواصل مع القراء عن طريق البريد الإلكتروني وإرسال المعلومات العاجلة إلى الهواتف الجوالة.
الصورة العامة لهذا البحث الدوري كانت تشير خلال السنوات التسع الماضية إلى انتشار استخدام الأخبار الرقمية على الإنترنت بصورة تخطت متابعة أخبار التلفزيون. وفي الوقت نفسه تراجع الإقبال على الصحف المطبوعة واستقرت مواقع التواصل بعد فترة صعود سريع. هذه الصورة تغيرت تماما في مرحلة انتشار «كوفيد - 19»، حيث شهد التلفزيون ارتفاعا في المتابعة في الدول التي شملها البحث. وساهم في ذلك متابعة الأخبار الرسمية حول الوباء ووسائل التعامل معه لمنع العدوى.
في أبريل الماضي كانت نسب الاطلاع في ألمانيا، كمثال، موزعة بين التلفزيون (72 في المائة) والأخبار الرقمية (69 في المائة) ومواقع التواصل (39 في المائة) والصحف المطبوعة (26 في المائة). ولكن خبراء التقرير يعتقدون أن هذا التغيير قد يكون مرحليا ومؤقتا.
وبوجه عام وجد التقرير أن وسائل الإعلام قامت بمهمة جيدة في تغطية أخبار فيروس «كورونا» بكشف أبعاد خطورة العدوى. ومدحت نسبة 60 في المائة جهود الإعلام في كشف الأزمة، بينما أكدت نسبة 65 في المائة أن الإعلام ساهم في شرح ما يتعين فعله لتجنب الإصابة. بينما ترى نسبة 32 في المائة أن الإعلام بالغ في تصوير وضع الوباء في العالم. وكانت نسبة الثقة في تعليق العلماء في وسائل الإعلام هي الأعلى، بنسبة 83 في المائة وتأتي بعدهم السلطات الصحية (76 في المائة) ثم المنظمات العالمية (73 في المائة) ومؤسسات الإعلام (59 في المائة).
وبينما قال البعض إنهم يثقون في نتائج البحث على «غوغل» إلا أنهم أغفلوا حقيقة أن «غوغل» لا يساهم في المحتوى وإنما ينشر ما هو متاح على الإنترنت. وقد تكون الثقة هذه المرة في غير موضعها.



الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».


توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
TT

توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)

ليست المرة الأولى التي تعرف فيها فرنسا حالةً من الغليان الذي يُترجَم في الشارع من خلال المظاهرات والمسيرات، ولكن أيضاً عبر الصدامات مع القوى الأمنية التي تواكبها، بشكل منهجي، حرائق السيارات واستهداف المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة والقبض على مئات الأشخاص وتقديمهم للعدالة.

يترافق ذلك كله بحفلات التراشق السياسي بين اليمين واليسار وما يتوسطهما. وبما أن الصحافة، أكانت مكتوبة أم مسموعة ومرئية، ليست سوى صورة لحالة المجتمع وتجاذباته، فإن ما تنتجه يعكس بطبيعة الحال، من جهة، انقساماته العميقة، ومن جهة ثانية، مصالح وطموحات القوى السياسية التي تمول وتصدر الوسائل الإعلامية.

ولعل أبرز مثال على ذلك التغطية الصحافية للأحداث التي عاشتها فرنسا في الأسبوعين الأخيرين: الأولى، مع حراك طلاب المرحلتين الثانوية والجامعية الذي انطلق قبل نحو الشهر من ضاحيتين قريبتين من باريس. والثانية، مع ما صدر عنها بعد «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» اللذين تميَّزا بعنف استثنائي إن على صعيد الصدامات بين المجموعات المتطرفة والقوى الأمنية أو أعمال الشغب والسرقة والنهب والاعتداءات. وهذه ضربت المدن الفرنسية الثلاث الكبرى، باريس وليون ومرسيليا، ومدناً كثيرة غيرها مثل تولوز وبوردو وليموج ورين وليل.

ألسنة اللهب في الشوارع (أ.ف.ب)

مواقف الصحافة اليومية

لنأخذ كنقطة الانطلاق، لمقارنة توجهات الصحافة اليومية، ما صدر عنها يوم الاثنين الذي أعقب يومي «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» مع التركيز على الصحف «الوطنية» الأكثر انتشاراً، أي «لو موند»، و«ليبراسيون»، و«لوفيغارو»، و«لوبينيون»، إضافة إلى الصحيفة الأسبوعية «لو جورنال دو ديمانش» التي تصدر مرة واحدة في الأسبوع، أي يوم الأحد، كما يدل عليها اسمها.

عمّا يقوله اليمين، البداية مع صحيفة «لو فيغارو» التي تنطق باسم اليمين المحافظ. إذ تصدَّرت صفحتها الأولى صورة حريق مبنى بلدية مدينة ليموج، بوسط فرنسا، وفوقها عنوان يقول: «بعد الفوضى... العار والغضب».

وفي الصفحة نفسها افتتاحية بالغة الشدة، تشكِّل مضبَطة اتهامات للدولة واليسار وجان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد والمرشح للانتخابات الرئاسية.

ومما جاء فيها: «الدولة مُهانة داخل مباني بلدياتها ومحافظاتها ومراكز شرطتها. والفرنسيون مذعورون ومستاؤون من هذا الغضب العارم الذي يشوّه بلدهم بعنفه البشع. ورجال الشرطة بلغوا أقصى طاقتهم، شجعانٌ لكنهم عاجزون عن احتواء الوضع».

وتضيف: «التجار يائسون بعد أعمال النهب. والصحافيون يتعرَّضون للتهديد والاعتداء. ومباني إذاعة (أوروبا 1) وقناة (سي نيوز) وصحيفة (لو جورنال دو ديمانش) - وكلها تتبع لرجل الأعمال فانسان بولوريه المتمترس قرب اليمين المتطرف - تتعرَّض لهجوم مباشر».

وتكمل: «في ألسنة اللهب التي اجتاحت هذا اليوم الأسود، احترق نظام كامل من القيم. وتحت الرماد تكمن عقود من الجبن والامتثال الأعمى وانعدام البصيرة. واحتقار كل سلطة تمنح الفرد شعوراً بأنه قادر على فعل كل شيء. وضغائن تاريخية واجتماعية وثقافية تغذّي النزعات الثورية. وعدالة تتساهل مع المجرم، لكنها لا ترحم المواطنين الشرفاء. وامتياز غير مفهوم تتمتع به ميليشيات اليسار المتطرف، التي تحطّم وتحرق وتقتل من دون أن تُحاسَب، وهجرة خارجة عن السيطرة، يقف جزء منها في وجه البلد الذي يستضيفه. ومدرسة جرى تفريغها من العقل والمعرفة. وحركة سياسية، من ميلونشون إلى باغايوكو، تتعمّد تأجيج الحمى الروبسبييرية» - في إشارة إلى ماكسميليان روبسبيير، رجل أحكام المقاصل إبان الثورة الفرنسية.

اتهام يميني لميلونشون

وفي الصفحات الداخلية مادة تتهم ميلونشون بـ«الغموض» في إدانة العنف، لا بل تتهمه بالمسؤولية عنه. ويتضمَّن العدد مطالبات بمزيد من التَّشدُّد البوليسي، ومقترحات اليمين، ومنها حظر حزب ميلونشون، التي أطلقها رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل ورئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، المنتمي إلى الحزب نفسه، وكذلك مقترح غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق الذي دعا إلى إنزال الجيش لحفظ الأمن.

وفي السياق الآيديولوجي عينه تندرج تغطية «لو جورنال دو ديمانش»، التي صدرت صفحتها الأولى بعنوان: «الفوضى: اليسار المتطرف يدير المشهد من وراء الكواليس... أعمال شغب ذات طابع تمرّدي ويوم أشبه بنهاية العالم». وفي الداخل، خصّصت الصحيفة مادةً مطوّلةً أصحبتها بصورة لميلونشون وقادة من حزبه اليساري في أثناء مشاركتهم في مظاهرة الأحد الماضي، ومن بينهم بالي باغايوكو، عمدة مدينة سان دوني (الواقعة ضمن باريس الكبرى)، الذي قال يوماً «إن العنف يمكن أن يكون مشروعاً».

ونقلت الصحيفة عن ميلونشون تحميله القوى الأمنية «مسؤولية الفوضى» بسبب استراتيجية حفظ الأمن التي تعمل بموجبها. وبشكل عام، يتهم قادة حزب «فرنسا الأبيّة» الحكومة باللعب بورقة كسب الوقت بانتظار تفكّك الحركة المطلبية، ورهانها أيضاً على تأثير الفرصة المدرسية التي تنتهي بداية الشهر المقبل على التلامذة والطلاب، وأحياناً أخرى على تساقط الأمطار الذي قد يردع الناس عن النزول إلى الشوارع للتظاهر.

ويأخذ الحزب المذكور على الحكومة أنها تهمل المطالب المرفوعة، وتمتنع عن تقديم «حلول سياسية» مفضِّلةً عليها سياسة الهراوة أو «الردود الأمنية».

ميلونشون وحزبه في مرمى الصحافة اليمينية... وإعلام اليسار والوسط يميل لتحميل السلطات المسؤولية

الرأي الآخر

على الجانب الآيديولوجي المقابل، تتغيَّر المقاربات، الأمر الذي يبدو بارزاً في تغطية صحيفة «ليبراسيون»، المُصنَّفة يسارية، للأحداث. ففي عددها الصادر بعد يومَي الحراك، تطرح الصحيفة تساؤلات حول «استراتيجية الحفاظ على الأمن» التي تصفها بـ«غير المناسبة»، وتندِّد بعمليات التحطيم والنهب «على نطاق واسع» في حين تعبِّر عن حزنها بسبب التغطية على «آلاف الأشخاص الذين تظاهروا بطريقة سلمية».

وفي مقال مُسهب، تشرح الصحيفة تعاطي القوى الأمنية مع الحراك، الذي تعدّه «لا يتوافق» مع الوضع، لا بل يمكن اعتباره «خطيراً»، وهذا في حين وصف سيباستيان روش، العالم السوسيولوجي، ما قامت به الشرطة بـ«تعامل هواة». وأعربت الصحيفة في افتتاحيتها عن «الأسى» إزاء ردود الطبقة السياسية على الأحداث، كونها «تفكّر أولاً بالانتخابات المقبلة وكيفية تجيير ما يحصل لصالحها»، وإزاء غياب الطروحات الجدية حول التحديات التي تواجه المجتمع الفرنسي أو التي يمكن أن تعبئ الشباب لتحقيقها.

جدية «لو موند» ووقارها

ما بين اليمين واليسار تتموضع صحيفة «لو موند» المستقلة مع ميل طفيف إلى الجهة اليسرى. واللافت في تغطية هذه الصحيفة الوقورة أنها تكرّس مواد عدة لتشريح تعاطي السلطات مع الحركة المطلبية، وتتساءل عن غياب «الأجوبة السياسية» عن المطالب المرفوعة بوجه الدولة وسلطاتها بينما يشارف عهد الرئيس إيمانويل ماكرون على نهايته؛ إذ إنه سيرحل عن قصر الإليزيه بعد أقل من 200 يوم.

ورغم تنديد الصحيفة، في أكثر من مادة وتحليل، بالعنف والاشتباكات وبالمشاغبين وبمَن «يقتنص فرص المظاهرات لزرع الفوضى واللجوء إلى النهب، إلى جانب أهداف اليسار الأكثر تطرفاً»، فإنها عدَّت في مادة تحليلية أن «العنف ثمرة نظام سياسي راديكالي وسلطة مُعدمة». ما سبق غيض من فيض وصورة مصغرة عن الانقسامات السياسية في مقاربة الأحداث الخطيرة التي تعيشها فرنسا. وهذا التجاذب يظهر بقوة على شاشات التلفزيون، وفي برامجها الحوارية حيث اللغة معلّبة والحجج المسوقة معروفة سلفاً بحيث يكفي التعرّف على هوية المتكلّم لتوقّع ما سيصدر عنه من غير عناء الاستماع إليه.